656 ، 657 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعبدالله المشجري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ
656 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الضُّبَعِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ سَأَلَ: «أَصَدَقَةٌ هِيَ، أَمْ هَدِيَّةٌ؟»، فَإِنْ قَالُوا: صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قَالُوا: هَدِيَّةٌ أَكَلَ وَفِي البَابِ عَنْ سَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَالحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي عَمِيرَةَ جَدِّ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ، وَاسْمُهُ رُشَيْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَيْمُونٍ أَوْ مِهْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي رَافِعٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، «وَجَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ اسْمُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيُّ».: «وَحَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ»
657 – حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»: ” هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو رَا1فِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اسْمُهُ أَسْلَمُ، وَابْنُ أَبِي رَافِعٍ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ”
——
اتفق العلماء على عدم جواز أكل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من أموال الزكاة المفروضة ، نقل ذلك الإجماع غير واحد من أهل العلم .
انظر : “موسوعة الإجماع” سعدي أبو جيب (2/517-518) .
قال ابن قدامة:
428 – مسألة؛ قال: (ولا لِبَنِي هَاشِمٍ)
لا نَعْلَمُ خِلَافًا في أنَّ بني هاشِمٍ لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِيَ أوسَاخُ النَّاس”. أخْرَجَه مُسْلِمٌ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم “كَخْ كَخْ”. لِيَطْرَحَها، وقال: “أمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ”. مُتَّفَقٌ عليه .
429 – مسألة؛ قال: (ولَا لِمَوَالِيهِمْ)
يَعْنِي أنَّ مَوالِي بني هاشِمٍ، وهم من أعْتَقَهُم هَاشِمِيٌّ، لا يُعْطَوْنَ من الزكاةِ. وقال أكْثَرُ العُلماءِ: يجوزُ؛ لأنَّهم لَيْسُوا بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فلم يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ كسائِرِ النَّاسِ، ولأنَّهم لم يُعَوَّضُوا عنها بِخُمْسِ الخُمْسِ، فإنَّهم لا يُعْطَوْنَ منه، فلم يَجُزْ أن يُحْرَمُوها كسائِرِ النّاسِ. ولنَا، ما رَوَى أبو رافعٍ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا من بنِي مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فقال لأبي رافِعٍ: اصْحَبْنِي كيْما تُصِيبَ منها. فقال: لا حَتَّى آتِيَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأسْأَلَه. فانْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فسَألهُ. فقال: “إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وإنَّ مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْهُمْ”. أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (2)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّهم مِمَّنْ يَرِثُهم بنو هاشِمٍ بالتَّعْصِيبِ، فلم يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إليهم كبني هاشِمٍ. وقَوْلُهُم: إنَّهم لَيْسُوا بِقَرَابَةٍ. قُلْنا: هم بِمَنْزِلَةِ القَرَابَةِ، بدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ” . وقَوْلُه: “مَوَالِى القَوْمِ مِنْهُمْ”. وثَبَتَ فيهم حُكْمُ القَرَابَةِ من الإرْثِ والعَقْلِ والنَّفَقَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ثُبُوثُ حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فيهم.
فصل: فأمَّا بنو المُطَّلِبِ، فهل لهم الأخْذُ من الزكاةِ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْداهما، ليس لهم ذلك. نَقَلَها عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، وغيرُه؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “إنَّا وبَنُو المُطَّلِبِ لم نَفْتَرِقْ في جَاهِلِيَّةٍ ولَا إسْلَامٍ، إنَّما نَحْنُ وهُمْ شَيءٌ وَاحِدٌ” . وفي لَفْظٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ في “مُسْنَدِهِ” : “إنَّما بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَىْءٌ وَاحِدٌ”. وشَبَّكَ بين أصَابِعِه. ولأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ من خُمْسِ الخُمْسِ، فلم يكنْ لهم الأخْذُ كبني هاشِمٍ، وقد أكَّدَ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ مَنْعَهم الصَّدَقَةَ باسْتِغْنَائِهم عنها بِخُمْسِ الخُمْسِ، فقال: “ألَيْسَ فى خُمْسِ الخُمْسِ ما يُغْنِيكُمْ؟ ” . والرِّوَايَةُ الثّانِيةُ، لهمُ الأخْذُ منها. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، لأنَّهم دَخَلُوا في عُمُومِ قَوْلِه تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . الآية. لكن خَرَجَ بنو هاشِمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ” ، فَيَجِبُ أنْ يَخْتَصَّ المَنْعُ بهم، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ بَنِى المُطَّلِبِ علَى بني هاشِمٍ؛ لأنَّ بني هاشِمٍ أقْرَبُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأشْرَفُ، وهم آلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ومُشَارَكَةُ بنى المُطَّلِبِ لهم في خُمْسِ الخُمْسِ ما اسْتَحَقُّوهُ بمُجَرَّدِ القَرَابَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ بنى عَبْدِ شَمْسٍ وبني نَوْفَلٍ يُسَاوُونَهم في القَرَابَةِ، ولم يُعْطَوْا شيئا، وإنَّما شَارَكُوهم بِالنُّصْرَةِ، أو بهما جميعا، والنُّصْرَةُ لا تَقْتَضِى مَنْعَ الزكاةِ.
فصل: ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن ابْنِ أبي مُلَيْكَةَ، أنَّ خالِدَ بنَ سعيدِ بن العاصِ بَعَثَ إلى عائشةَ سُفْرَةً من الصَّدَقَةِ. فرَدَّتْها، وقالت: إنَّا آل مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ (10). وهذا يَدُلُّ على تَحْرِيمِهَا على أزْوَاجِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فصل: وظَاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ هاهنا، أنَّ ذَوِى القُرْبَى يُمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ، وإن كانوا عَامِلِينَ، وذكرَ في بَابِ قَسْمِ الفَىْءِ والصَّدَقَةِ ما يَدُلُّ على إِباحَةِ الأخْذِ لهم عمالَةً . وهو قولُ أكْثَرِ أصْحَابِنَا؛ لأَنَّ ما يَأْخُذونَهُ أجْرٌ، فجَازَ لهم أَخْذُه، كالحَمَّالِ وصَاحِبِ المَخْزَنِ إذا أجَرَهُمْ مَخْزَنَه. ولَنا، حَدِيثُ أبي رافِعٍ وقد ذَكَرْناهُ ، وما رَوَى مُسْلِمٌ بإسْنَادِه، أَنَّه اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بنُ الحارِثِ، والعَبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالا: واللهِ لو بَعَثْنَا هذين الغُلَامَيْنِ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَاهُ، فأمَّرَهُما على هذه الصَّدَقَاتِ، فأَدَّيَا ما يُؤَدِّي النَّاسُ، وأصَابا ما يُصِيبُ الناسُ؟ فبينما هما في ذلك إذ جاءَ عليُّ بنُ أبِي طالبٍ، فوَقَفَ عليهما، فذَكَرَا له ذلك، قال عليٌّ: لا تَفْعَلَا. فواللهِ ما هو بِفاعِلٍ. فانْتَحَاهُ ربيعةُ بنُ الحارِثِ فقال: واللهِ ما تَصْنَعُ هذا إلا نَفَاسَةً منك علينا. قال: فألْقَى عليٌّ رِدَاءَهُ، ثم اضْطَجَعَ، ثم قال: أنا أبو حَسَنٍ القَرْمُ . واللهِ لا أرِيمُ مَكَانِي حتى يَرْجِعَ إليكما ابْنَاكُما بِخَبَرِ ما بَعَثْتُما به إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فذَكَرَ الحَدِيثَ إلى أن قال: فأتيَا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسولَ اللهِ، أنت أبو النَّاسِ، وأوْصَلُ النَّاسِ، وقد بَلَغْنَا النِّكاحَ، فجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا على بعضِ هذه الصَّدَقاتِ، فنُؤَدِّيَ إليك كما يُؤَدِّي النّاسُ، ونُصِيبَ كما يُصيبُونَ. فسَكَتَ طَوِيلًا ثم قال: “إنَّ هذِه الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أوْسَاخُ النَّاسِ”. وفي لَفْظٍ أَنَّه قال: “إنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا هِيَ أوسَاخُ النّاسِ، وإنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ولَا لِآلِ مُحَمَّدٍ”.
فصل: ويجوزُ لِذَوِى القُرْبَى الأخْذُ من صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما لا يُعْطَوْنَ من الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، فأمَّا التَّطَوُّعُ، فلا. وعن أحمد، رِوَايَةٌ أُخْرَى: أنَّهم يُمْنَعُونَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أيضا؛ لِعُمُومِ قَوْلِه صلى الله عليه وسلم: “إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ”. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “المَعْرُوفُ كُلُّه صَدَقَةٌ”. مُتَّفَقٌ عليه (16). وقال اللَّه تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} (17). وقال تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (18). ولا خِلافَ في إِباحةِ المَعْرُوفِ إلى الهاشِمِيِّ، والعَفْوِ عنه وإنْظَارِهِ. وقال إخْوَةُ يوسفَ: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} (19). والخَبَرُ أُرِيدَ به صَدَقَةُ الفَرْضِ، لأنَّ الطَّلَبَ كان لها، والألِفُ واللَّامُ تعودُ إلى المَعْهُودِ. ورَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبِيهِ أنَّه كان يَشْرَبُ مِن سِقَاياتٍ بين مَكَّةَ والمَدِينَة. فقلتُ له: أَتَشْرَبُ من الصَّدَقَةِ؟ فقال: إنَّما حُرِّمَتْ عَلَيْنا الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ . ويجوزُ أن يَأخُذُوا من الوَصَايَا لِلْفُقَراءِ، ومن النُّذُورِ؛ لأنَّهما تَطَوُّعٌ، فأشْبَهَ ما لو وُصِّىَ لهم. وفي الكَفَّارَةِ وَجْهانِ: أحَدُهما، يجوزُ؛ لأنَّها ليست بزكاةٍ، ولا هي أَوْسَاخُ النَّاسِ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. والثاني، لا يجوزُ، لأنَّها وَاجِبَةٌ، أشْبَهَتِ الزكاةَ.
[المغني لابن قدامة 4/ 109]
تخريج: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة
الشافعي [هق ١٢٣٩٧] أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات كان يضعها الناس بين مكة والمدينة فقلت أو قيل له فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة. اهـ الأسلمي متروك.
العتيق مصنف جامع لفتاوى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ١٤/٣٩٤ — محمد بن مبارك حكيمي (معاصر)
قال صاحب العرف الشذي:
المسألة متفق عليها، وأهل البيت هم آل عليّ وحارث وجعفر وعقيل والحارث عمه عليه الصلاة والسلام والثلاثة بنو أبي طالب، ثم في كتبنا أن الهاشمي لو سعى أي عمل السعاية فلا يأخذ من الزكاة، ويجوز أخذه من الوقف بلا خلاف وأما النافلة ففيها اختلاف، قال الزيلعي شارح الكنز: إنها لا تجوز للهاشمي وتبعه ابن الهمام، وأما غيره فيجوزها له ونقل محمد بن شجاع الثلجي رواية شاذة في جواز أخذ الزكاة للهاشمي لو لم يجد الخمس من بيت المال، ونقله الطحاوي من أمالي أبي يوسف وفي عقد الجيد أفتى الطحاوي من الحنفية وفخر الدين الرازي من الشافعية بجواز الزكاة للهاشمي في هذه الصورة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلا تجوز له النافلة أيضاً.
قوله: (إن قالوا هدية أكل إلخ) الصدقة ما يكون فيه نية الثواب ابتداءً، والهدية ما فيه نية الإرضاء وتطييب الخاطر ابتداءً وإن حصل الثواب أيضاً في المآل، قال عمر بن عبد العزيز خليفة العدل والرشد: إن الهدية كانت هدية في عهده عليه الصلاة والسلام وصارت رشوة في زماننا.
[العرف الشذي شرح سنن الترمذي 2/ 125]
وأما صدقة التطوع فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يجوز لآل محمد صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا منها ، وهذا القول هو المشهور من مذاهب أئمة الفقه الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله) .
انظر: “رد المحتار” (2/351) ، “التاج والإكليل” (3/223) ، “مغني المحتاج” (4/195) ، “كشاف القناع” (2/291-292) .
قال الإمام الشافعي رحمه الله :
” ولا يحرم على آل محمد صدقة التطوع ، إنما يحرم عليهم الصدقة المفروضة :
أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] عن أبيه : أنه كان يشرب من سقايات الناس بمكة والمدينة فقلت له : أتشرب من الصدقة وهي لا تحل لك ؟ فقال : إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة . ( سبق تخريجه )
قال الشافعي : وتصدق علي وفاطمة على بني هاشم وبني المطلب بأموالهما , وذلك أن هذا تطوع , وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة , وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة ” انتهى .
“الأم” (2/88) .
وقال ابن قدامة رحمه الله :
” ويجوز لذوي القربى الأخذ من صدقة التطوع … سبق نقل كلامه ” انتهى .
“المغني” (2/275).
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
” وأما امتناعه صلى الله عليه وسلم من أكل صدقة التطوع، فمشهور، ومنقول من وجوه صحاح ” انتهى، من “التمهيد” (3 / 93).
وأما آل محمد صلى الله عليه وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة، فتحرم عليهم الفريضة فقط ، دون التطوع .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
” والذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الصحيح عندنا أن صدقة التطوع لا بأس بها، لبني هاشم ومواليهم .
ومما يدلك على صحة ذلك أن عليا، والعباس، وفاطمة رضي الله عنهم، وغيرهم تصدقوا، وأوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم، وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة ” انتهى، من “التمهيد” (3 / 92 – 93).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
” المحرم عليهم صدقة الفرض، وأما صدقات التطوع فقد كانوا يشربون من المياه المسبلة بين مكة والمدينة، ويقولون: إنما حرم علينا الفرض، ولم يحرم علينا التطوع ” انتهى. “منهاج السنة” (4 / 261).
وهذا هو الذي يقتضيه التعليل الوارد في حديث عَبْد الْمُطَّلِبِ بْن رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أنّ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ) رواه مسلم (1072).
قال النووي رحمه الله تعالى:
” قوله صلى الله عليه وسلم ( إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ) تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ .
ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) فهي كغسالة الأوساخ ” انتهى، من “شرح صحيح مسلم” (7 / 179).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
” ولقوله – تعالى-: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصدقة أوساخ الناس ) كما رواه مسلم .
ويؤخذ من هذا : جواز التطوع دون الفرض، وهو قول؛ أكثر الحنفية، والمصحح عند الشافعية والحنابلة ” انتهى، من “فتح الباري” (3 / 354).
قال الخطابي رحمه الله تعالى:
” وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه .
وكأن المعنى في ذلك : أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا، فكان صلى الله عليه وسلم يقبلها ويثيب عليها ، فتزول المنة عنه.
والصدقة : يراد بها ثواب الآخرة ، فلم يجز أن تكون يد أعلى من يده في ذات الله ، وفي أمر الآخرة ” انتهى، من “معالم السنن” (2 / 71).
قال ابن عثيمين:
فَصْلٌ
وَلَا تُدْفَعُ إِلَى هَاشِمِيٍّ ……….
قوله: «ولا تدفع إلى هاشمي» أي لا تدفع الزكاة.
العلة أنها أوساخ الناس
وأجاز بعض العلماء أن يعطى الهاشمي من الزكاة، إذا كان مجاهداً، أو غارماً لإصلاح ذات البين، أو مؤلفاً قلبه، وظاهر النصوص المنع؛ للعموم.
واختلف العلماء رحمهم الله هل يصح دفع زكاة هاشمي لهاشمي؛ لقوله: «إنما هي أوساخ الناس» أي: الناس الذين سواهم أو لا؟
قال بعض العلماء: إنه يصح أن تدفع زكاة الهاشمي لهاشمي مثله؛ لأنهما في الشرف سواء، فإذا كانا سواء فإنه لا يعد مثلبة، إذا أعطى زكاته نظيره.
ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأحاديث، وجدنا أنه لا فرق بين أن تكون زكاة هاشمي أو غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أوساخ الناس» والهاشميون من الناس فلا تحل لهم.
لكن لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.
وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس؛ أو وجد ومنعوا منه.
والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:
فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو الشأن في وقتنا هذا فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
وأما صدقة التطوع فتدفع لبني هاشم وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع.
والقول الثاني: لا تحل لهم صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع من أوساخ الناس؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، والتطهير كما يحصل بالواجب يحصل بالمستحب وهذا القول مال إليه الشوكاني وجماعة من أهل العلم؛ لعموم الحديث.
وبهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين:
الأول: من لا تحل له صدقة التطوع، ولا الزكاة الواجبة، وهو شخص واحد، وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فهو لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع.
الثاني: البقية من بني هاشم يأكلون من صدقة التطوع، ولا يأكلون من الصدقة الواجبة.
وَمُطَّلِبيٍّ ……..
قوله: «ومطلبي».
والمطلبيون المنتسبون إلى المطلب، والمطلب أخو هاشم وأبوهما عبد مناف، وله أربعة أولاد وهم هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس.
«بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» كما قال عليه الصلاة والسلام أي: في النصرة،
وبناء على ذلك قال المؤلف: إنها لا تدفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لا لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الخمس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنهم إذا لم يكن خمس فهم يستحقون الزكاة قطعاً، ولا إشكال فيه، خلاف بني هاشم.
إذاً بنو المطلب حكمهم في منع الزكاة حكم بني هاشم، وحكمهم في استحقاق الخمس كبني هاشم.
وبنو عمهم النوفليون والعبشميون كانوا مع قريش على بني هاشم ولذا دعا عليهم أبو طالب في لاميته المشهورة:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً
عقوبة شر عاجلاً غير آجل
فليس لهؤلاء حق في الخمس، ولهم الأخذ من الزكاة.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد رحمه الله والصحيح الرواية الأخرى ـ وهي المذهب ـ أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، ولعموم الأدلة {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} … } [التوبة: 60] فيدخل فيهم بنو المطلب.
ويجاب عن تشريكهم في الخمس بأنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر.
وَمَوَالِيهِمَا ……..
قوله: «ومواليهما» أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب، فلا تدفع الزكاة إليهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مولى القوم منهم».
فإذا قلنا: بدفع الزكاة لبني المطلب جاز دفع الزكاة إلى مواليهم.
إذا قال قائل: هل هؤلاء موجودون؟ أعني بني هاشم والمطلب؟
قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن مِنْ أثبت الناس نسباً لبني هاشم، ملوك اليمن الأئمة، الذين انتهى ملكهم بثورة الجمهوريين عليهم قريباً، فهم منذ أكثر من ألف سنة متولون على اليمن، ونسبهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم.
ويوجد ناس كثيرون أيضاً ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم! قلنا: لا تحل لك الزكاة؛ لأنك من آل الرسول صلى الله عليه وسلم.
[الشرح الممتع على زاد المستقنع 6/ 252]
—–
مسألة :
حكى ابن بطال رحمه الله تعالى، الاتفاق على أنه يحل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أكل الصدقات؛ حيث قال:
” اتفق كافة الفقهاء على أن أزواج النبى عليه السلام لا يدخلن فى آله الذين تحرم عليهم الصدقة ” انتهى، من “شرح صحيح البخاري” (3 / 543 – 544).
لكن هذا الاتفاق فيه نظر؛ وقد بيّن هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، فقال:
” قد نقل ابن بطال أنهن -أي الأزواج- لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء ؛ وفيه نظر ، فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج من طريق بن أبي مليكة عن عائشة قالت: ( إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ) . قال: وهذا يدل على تحريمها.
قلت: وإسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا” انتهى، من “فتح الباري” (3 / 356).
وحديث عائشة رضي الله عنها رواه ابن أبي شيبة في “المصنف” (7 / 50)، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ بِبَقَرَةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَرَدَّتْهَا، وَقَالَتْ: ( إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ ).
ثم القياس يقتضي ذلك ، كما بينه ابن القيم رحمه الله تعالى:
” القول الصحيح، وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله: أن الصدقة تحرم عليهنّ؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم .
ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ) ، وقوله في الأضحية: ( اللهم هذا عن محمد وآل محمد ) ، وفي قول عائشة رضي الله عنها: ( ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر ) ، وفي قول المصلي: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد )
ولا يدخلن في قوله: ( إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد )، مع كونها من أوساخ الناس؟! فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها، والبعد منها ” انتهى، من “جلاء الأفهام” (ص 245 – 246).
——
مسألة :
قال أبو بكر الجصاص:
(واختلف في الصدقة على موالي بني هاشم وهل أريدوا بآية الصدقة. فقال أصحابنا والثوري: مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقات المفروضات عليهم. وقال مالك بن أنس: لا بأس بأن يعطي مواليهم. والذي يدل على القول الأول حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أرقم بن أرقم الزهري على الصدقة فاستتبع أبا رافع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم). وروي عن عطاء بن السائب عن أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم عن مولى لهم يقال له هرمز أو كيسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا أبا فلان إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم فلا تأكل الصدقة). وأيضاً لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الولاء لحمة كلحمة النسب).
وكانت الصدقة محرمة على من قرب نسبه من النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وجب أن يكون مواليهم بمثابتهم إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله لحمة كالنسب واختلف في جواز أخذ بني هاشم للعمالة من الصدقة إذا عملوا عليها. فقال أبو يوسف ومحمد من غير خلاف ذكراه عن أبي حنيفة: لا يجوز أن يعمل على الصدقة أحد من بني هاشم ولا يأخذ عمالته منها. قال محمد: وإنما يصنع ما كان يأخذه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خروجه إلى اليمن على أنه كان يأخذ من غير الصدقة. قال أبو بكر: يعني بقوله لا يعمل على الصدقة على معنى أنه يعملها ليأخذ عمالتها، فأما إذا عمل عليها متبرعاً على أن لا يأخذ شيئاً فهذا لا خلاف بين أهل العلم في جوازه.
وقال آخرون: لا بأس بالعمالة لهم من الصدقة، والدليل على صحة القول الأول ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا معمر قال: سمعت أبي يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقا إلى عمكما لعله يستعملكما على الصدقة، فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وسلم بحاجتهما فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء لأنها غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو يكفيكما). وروي عن علي أنه قال للعباس رضي الله عنهما: (سل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملك على الصدقة، فسأله فقال: (ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس).
وروى الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنهما سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها فقال: (إن الصدقة لا تحل لآل محمد) فمنعهما أخذ العمالة ومنع أبا رافع ذلك أيضاً وقال: (مولى القوم منهم). واحتج المبيحون لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً إلى اليمن على الصدقة. ورواه جابر وأبو سعيد جميعاً.
ومعلوم أنه قد كانت ولايته على الصدقات وغيرها ولا حجة في هذا لهم لأنه لم يذكر أن علياً رضي الله عنه أخذ عمالته منها وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) التوبة/103. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ من الصدقة عمالة. وقد كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين خرج إلى اليمن فولي القضاء والحرب بها فجائز أن يكون أخذ رزقه من مال الفيء لا من جهة الصدقة. فإن قيل فقد يجوز أن يأخذ الغني عمالته منها وإن لم تحل له الصدقة فكذلك بنو هاشم. قيل له: لأن الغني من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ منها والهاشمي لا يأخذ منها بحال، فإن قيل إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة وإنما يأخذ أجرة لعمله كما روي أن بريرة كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم مما يتصدق به عليها ويقول صلى الله عليه وسلم: (هي لها صدقة ولنا هدية). قيل له: الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي صلى الله عليه وسلم فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي صلى الله عليه وسلم واسطة ملك آخر وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ملك العامل واسطة لأنها لا تحصل في ملك الفقراء حتى يأخذها العامل.) انتهى كلام الجصاص رحمه الله.
أحكام القرآن للجصاص ط العلمية ٣/١٧١-١٧٢
——
فائدة :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
“الصَّدَقَةُ : مَا يُعْطَى لِوَجْهِ اللَّهِ، عِبَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، وَلَا طَلَبِ غَرَضٍ مِنْ جِهَتِهِ؛ لَكِنْ يُوضَعُ فِي مَوَاضِعِ الصَّدَقَةِ كَأَهْلِ الْحَاجَاتِ.
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ ، فَيَقْصِدُ بِهَا إكْرَامَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ؛ إمَّا لِمَحَبَّةِ ، وَإِمَّا لِصَدَاقَةِ؛ وَإِمَّا لِطَلَبِ حَاجَةٍ … وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ: فَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْهَدِيَّةِ مَعْنًى تَكُونُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ: مِثْلَ الْإِهْدَاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ مَحَبَّةً لَهُ. وَمِثْلَ الْإِهْدَاءِ لِقَرِيبِ يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ ، وَأَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ: فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (31/ 269) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
“واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبة، ويكون هدية، ويكون صدقة، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قصد به التودد والتأليف فهو هدية، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة، فهذا هو الفرق بينها، والتودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعاً ويقصد بها ثواب الآخرة، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصداً أولياً، ولهذا يخصها بشخص معين، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين، بل أي فقير يواجهه يعطيه، وكلها تتفق في أنها تبرع محض لا يطلب الباذل عليها شيئاً” انتهى من “الشرح الممتع” (11/65) .
ملحقات :
الشرف من جهة الأم لا يمنع أخذ الزكاة والصدقة، فالأحكام تترتب على الشرف من جهة الأب.
قال في الدر المختار: ” ومفاده : أن الشرف من الأم فقط غير معتبر، كما في أواخر فتاوى ابن نجيم، وبه أفتى شيخنا الرملي، نعم له مزية في الجملة” انتهى.
قال ابن عابدين في حاشيته عليه (6/ 685):
” (قوله: ومفاده إلخ) : يؤيده قول الهندية عن البدائع: فثبت أن الحسب والنسب يُختص بالأب دون الأم اهـ فلا تحرم عليه الزكاة، ولا يكون كفؤا للهاشمية، ولا يدخل في الوقف على الأشراف.
(قوله: وبه أفتى شيخنا الرملي) ، حيث قال في فتاواه في باب ثبوت النسب ، ما حاصله: لا شبهة في أن له شرفا ما، وكذا لأولاده وأولادهم إلى آخر الدهر، أما أصل النسب فمخصوص بالآباء.
وسئل أيضا [أي الرملي] عن أولاد زينب بنت فاطمة الزهراء زوجة عبد الله بن جعفر الطيار. فأجاب: أنهم أشراف بلا شبهة؛ إذ الشريف كل من كان من أهل البيت علويا أو جعفريا أو عباسيا، لكن لهم شرف الآل الذين تحرم الصدقة عليهم، لا شرف النسبة إليه – صلى الله عليه وسلم -؛ فإن العلماء ذكروا أن من خصائصه – صلى الله عليه وسلم – أنه ينسب إليه أولاد بناته، فالخصوصية للطبقة العليا، فأولاد فاطمة الأربعة الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب ينسبون إليه – صلى الله عليه وسلم – وأولاد الحسين ينسبون إليهما، فينسبون إليه – صلى الله عليه وسلم – وأولاد زينب وأم كلثوم ينسبون إلى أبيهم، لا إلى أمهم، فلا ينسبون إلى فاطمة ولا إلى أبيها – صلى الله عليه وسلم – لأنهم أولاد بنت بنته، لا أولاد بنته، فيجري فيهم الأمر على قاعدة الشرع الشريف في أن الولد يتبع أباه في النسب لا أمه، وإنما خرج أولاد فاطمة وحدها للخصوصية التي ورد بها الحديث، وهي مقصورة على ذرية الحسن والحسين، لكن مطلق الشرف الذي للآل يشملهم. وأما الشرف الأخص وهو شرف النسبة إليه – صلى الله عليه وسلم – فلا اهـ ملخصا. وأصله للعلامة ابن حجر المكي الشافعي.
أقول: وإنما يكون لهم شرف الآل المحرِّم للصدقة إذا كان أبوهم من الآل كما مر، والمراد بالحديث ما أخرجه أبو نعيم وغيره كل ولد آدم فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم” انتهى.
———
فتاوى :
وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله :
نحن أسرة متوسطة الحال ، ومن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولدينا وثائق تثبت ذلك ، وقد بلغ والدي سن الستين ، حيث تنطبق عليه شروط الالتحاق بالضمان الاجتماعي ، وقد طلبنا من الوالد الاستفادة من الضمان الاجتماعي لكنه رفض ؛ لأن هناك حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ينص على عدم إعطاء الزكاة والصدقة لأهل بيته ، وسؤالي هل يعتبر الضمان الاجتماعي في حكم الصدقة أم لا ؟ أفيدوني ؟
فأجاب :
“إذا توافرت في والدك الشروط المعتبرة فيمن يستفيد من مصلحة الضمان الاجتماعي فإنه يحل له أخذ ذلك ؛ لأنه مساعدة من بيت المال للفقراء الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة ، وليس هو من الزكاة حسب إفادة الجهة المسئولة عن ذلك ” انتهى.
“مجموع فتاوى ابن باز” (14/315) ، وانظر أيضا : (14/313) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” إذا كانت الصدقة صدقة تطوع فإنها تعطى إليهم ولا حرج في هذا ، وإن كانت الصدقة واجبة فإنها لا تعطى إليهم ” انتهى باختصار.
“مجموع فتاوى ابن عثيمين” (18/429)
وعلى هذا فلا حرج عليكم من الأكل من الطعام الذي يوزع في الحرمين ومشاعر الحج ، لأن ذلك ليس من الصدقة المفروضة .
والله أعلم .
تخريج :
٣٩٢٨٦ – حدثنا وكيع عن محمد بن شريك عن أبي مليكة أن خالد بن سعيد ابن (العاص) بعث إلى عائشة ببقرة فردتها وقالت: إنا آل محمد لا نأكل الصدقة .
المصنف – ابن أبي شيبة – ت الشثري: صحيح
في سؤالات الدارقطني
: ٤٣٨- قلت له: أبو عثمان محمد بن شريك المكي من هو؟ فقال ثقة معروف يحدث عنه وكيع وأبو نعيم وغيرهما.
سؤالات البرقاني للدارقطني
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: محمد بن شريك؟ قال: أبو عثمان ثقة. «الجرح والتعديل» ٧/ (١٥٣٦) .
موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله
ووثقه ابن معين وابوزرعة وقال ابوحاتم لا بأس به الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
وفي التقريب : ٥٩٥٧ – محمد بن شَرِيك المكي، أبو عثمان: ثقةٌ، من السابعة، مات سنة ثمان وستين. د.
٤٧٤٣]- وفي «معرفة الصحابة» لأبي نعيم في ترجمة «عمر» من طريق شبيب ابن غرقدة، عن [المستظل] بن حصين، عن عمر -في أثناء حديث-: «وَكُلّ وَلَدِ آدمَ فَإِنَّ عَصَبَتَهُم لأبيهِمْ، مَا خَلا وَلَدَ فَاطِمَةَ فَإِنِّي أَنَا أَبُوهُمْ وَعَصَبَتُهم»
قال المحقق :
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (رقم ٢٦٣١)، وأحمد في فضائل الصحابة (رقم ١٠٧٠)، وفيه بشر بن مهران، وهو متروك.
وأخرج الحاكم في مستدركه (٣/ ١٦٤) من طريق يحيى بن العلاء، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لِكُلّ بَنِي أمِّ عَصَبَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِم إلَّا ابْنَيْ فَاطِمَة فَأنَا وَليُّهُمَا وَعَصَبَتُهُمَا». وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
وهو حديث موضوع؛ يحيى بن العلاء الرازي أبو سلمة، رمي بوضع الحديث.
وأخرج أبو يعلى في مسنده (رقم ٦٦٤١) والطبراني في الكبير (رقم ٢٦٣٢) و(٢٢/ ٤٢٣/ رقم ١٠٤٣) من طريق شيبة بن نعامة، عن فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة الكبرى قالت: قال رسول الله ﷺ: «لِكُل بَنِي أُمٍّ عَصَبَةٍ يَنْتَمُونَ إِليه إلَّا وَلَدَ فَاطِمَةَ، فَأَنَا وَليّهُمْ، وَأنَا عَصَبَتُهُم». وشيبة بن نعامة ضعفه ابن معين، وغيره.
وفاطمة بنت الحسين، لم تدرك جدتها فاطمة الزهراء، كما قال الترمذي وغيره.
التلخيص الحبير – ط أضواء السلف ٥/٢٢٣١ — ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)