( ٣ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
جمع وترتيب عبد الله الديني وإخوانه
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الحديث الثالث
[أركان الإسلام]
3 – عن أبي عبد الرحمن – عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان”. رواه البخاري ومسلم.
……………………..
أهمية الحديث :
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى: يعني أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعده التي عليها بني وبها يقوم وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد مع أنه يظهر الدين ويقمع عناد الكافرين لأن هذه الخمس فرض دائم والجهاد من فروض الكفايات وقد يسقط في بعض الأوقات. شرح ابن دقيق العيد
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم : والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيان وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين.اهـ
قال ابن حجر الهيتمي : وخُصَّتْ هذه الخمس بكونها أساسَ الدين وقواعدَه، عليها يُبنى وبها يقوم، ولم يضم إليها الجهاد مع أنه المُظْهر للدين، ومع كونه ذروةَ سنام الأمر كما يأتي، وذروة سنامه: أعلى شيء فيه؛ لأنها فروضٌ عينيةٌ لا تسقط، وهو فرض كفايةٍ يسقط بأعذارٍ كثيرةٍ، بل قال كثيرون بسقوط فرضه بعد فتح مكة. قيل: ولأنه لم يكن فُرِضَ إذ ذاك.
وأجاب بعضهم بأن فرضيته غير مستمرة؛ لزوالها بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام؛ إذ لم يبق غير ملة الإسلام، بخلاف هذه الخمسة؛ فإن فرضيتها باقيةٌ إلى قيام الساعة، ولا يلزم من كونه ذروة سنامه أنه من أركانه التي بُني عليها.اهـ
قواعد مستنبطة من الحديث :
1 – قيام الاسلام على خمسة دعائم
قال المهلب: فهذه الخمس هى دعائم الإسلام التى بها ثباته، وعليها اعتماده، وبإدامتها يعصم الدم والمال، ألا ترى قوله ﷺ: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله -، وبهذا احتج الصِّدِّيق حين قاتل أهل الردة حين مَنْعِهِمُ الزكاة، وقال: واللهِ لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واتبعه على ذلك جميع الصحابة. وكذلك ينبغى أن يقاس على فعل أبى بكر، رضى الله عنه، فنقتل من جحد فريضة ومن ضيعها، فيجب عليه قضاؤها، فصح أن الإيمان قول وعمل. وقوله ﷺ: بُنِىَ الإسلام على خمس -، كان فى أول الإسلام قبل فرض الجهاد، والله أعلم.
شرح صحيح البخاري – ابن بطال ١/٥٩
2 -[الإسلام يزيد وينقص ويدخله الاستثناء]
هَلِ الْإِسْلَامُ مِثْلُ الْإِيمَانِ يَدْخُلُهُ الزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ وَيَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ أَمْ لَا؟ خِلَافٌ مَشْهُورٌ. قَالَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ: وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَلْ يَجْزِمُ بِهِ – قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَقِيلَ يَجُوزُ إِنْ شَرَطْنَا فِيهِ الْعَمَلَ. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ الْإِسْلَامُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِيمَانِ قَالُوا: فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ سَوَاءٌ وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَالْخَوَارِجُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ بَلْ حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ جُمْهُورِهِمْ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ الْإِيمَانَ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ كُلُّهَا.
قَالَ: وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه إِنَّمَا مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ هُوَ الْكَلِمَةُ، هَكَذَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ، وَأَمَّا عَلَى جَوَابِهِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَخْتَرْ فِيهِ قَوْلَ مَنْ قَالَ الْإِسْلَامُ الْكَلِمَةُ فَيَسْتَثْنِي فِي الْإِسْلَامِ كَمَا يَسْتَثْنِي فِي الْإِيمَانِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُجْزَمُ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ كُلَّ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلِذَا
١ / ٤٣٨
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:»«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» «وَ» «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ” فَجَزْمُهُ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْخَمْسِ بِلَا نَقْصٍ كَمَا أَمَرَ كَجَزْمِهِ بِإِيمَانِهِ فَقَدْ قَالَ – تَعَالَى -: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] أَيْ فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً أَيْ فِي جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ – قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَتَعْلِيلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ يَجِيءُ فِي اسْمِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِالْإِسْلَامِ الْكَلِمَةُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ صَارَ مُسْلِمًا مُتَمَيِّزًا عَنِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ هَذَا مِمَّا يَجْزِمُ بِهِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ فِيهِ. قُلْتُ: وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ يَتَرَتَّبَانِ عَلَى ذَلِكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
لوامع الأنوار البهية ١/٤٣٩ — السفاريني
3 – التلازم بين الشهادتين :
قال العباد :
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس)، ثم بدأها بالشهادتين، والشهادتان ركن واحد، وهما اثنان، ولكنهما متلازمان، فهاتان الشهادتان متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ومن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة فإن ذلك لا ينفعه، بل لابد من شهادة أن لا إله إلا الله ولابد من شهادة أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وهذا لازم لجميع الجن والإنس من حين بعثته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه إلى قيام الساعة، فلابد من الجمع بين الشهادتين، ولو شهد المرء أنه لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله فإن ذلك لا ينفعه عند الله، بل لابد من الشهادتين؛ لأنهما متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فالمتعين علىٍ كل من الإنس والجن من حين بعثته إلى قيام الساعة أن يأتوا بهاتين الشهادتين، ولو أتى أحد بشهادة أن لا إله إلا الله ولم يأت بشهادة أن محمد رسول الله فإن ذلك لا ينفعه، ولو قال: إنه تابع للأنبياء السابقين، كاليهود الذين يزعمون أنهم أتباع موسى، والنصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى، فإذا لم يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد بعثته فإن إيمانهم الذي يزعمونه لا يعتبر، ولا يعتد به، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا الحديث يدل على أن اليهود والنصارى يعتبرون من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أمة الدعوة، أي أن الدعوة موجهة إليهم، بل هي موجهة إلى كل أنسي وجني من حين بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة.
فإذاً: الشهادتان متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ولابد من الجمع بينهما، ولا يكفي الإنسان أن يشهد أن لا إله إلا الله دون أن يشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
” وَالِاقْتِصَارُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَلَى إِرَادَةِ الشَّهَادَتَيْنِ مَعًا لِكَوْنِهَا صَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ ” انتهى من “فتح الباري” (1/ 133).
وقال الملا علي القاري رحمه الله :
” ولتلازم الشهادتين شرعا : جُعِلتا خصلة واحدة ، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين ، اكتفاء .
قيل : وأُخذ من جمعهما كذلك في أكثر الروايات : أنه لا بد في صحة الإسلام من الإتيان بهما على التوالي والترتيب ” انتهى .
“مرقاة المفاتيح” (1 /168).
4 – قاعدة في الامتثال: في الدين تقديم الركائز على التوابع، والفرائض على النوافل
قال ابن باز:
الواجب على المسلم أن يعتني بالواجبات، وأن يهتم بها أكثر، وأن يحرص على أداء ما فرض الله عليه، وأن يحذر ما حرم الله عليه، فإذا رزق مع ذلك العناية بالنوافل فهذا خير إلى خير، ولكن الفرائض تجب العناية بها أكثر؛ كالصلاة المفروضة، والزكاة، وصوم رمضان، وغيرها من الفرائض، وأن يحذر التكاسل والتساهل في شيء منها، وأما النوافل فأمرها أوسع، إن يسر الله له النافلة فالحمد لله، وإلا فلا حرج عليه.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه أخرجه البخاري في صحيحه، هذا الحديث العظيم يدل على تحريم إيذاء المؤمنين ومعاداتهم؛ لأن المؤمنين هم أولياء الله، كما قال الله سبحانه: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: 62 – 63] فكل مؤمن ولي من أولياء الله تجب موالاته ومحبته في الله، وتحرم معاداته وظلمه بأي نوع من الظلم والأذى.
مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (8/ 277).
قال ابن تيمية:
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ قَدْ أَدَّى الْفَرَائِضَ كَمَا أُمِرَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَقْصُودُ النَّوَافِلِ وَلَا يَظْلِمُهُ اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ بَلْ يُقِيمُهَا مَقَامَ نَظِيرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ كَمَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِأُنَاسِ يُرِيدُ أَنْ يَتَطَوَّعَ لَهُمْ بِأَشْيَاءَ: فَإِنْ وَفَّاهُمْ وَتَطَوَّعَ لَهُمْ كَانَ عَادِلًا مُحْسِنًا. وَإِنْ وَفَّاهُمْ وَلَمْ يَتَطَوَّعْ كَانَ عَادِلًا، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ مَا يَقُومُ مَقَامَ دِينِهِمْ وَجَعَلَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا كَانَ غالطا فِي جَعْلِهِ؛ بَلْ يَكُونُ مِنْ الْوَاجِبِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ.
مجموع الفتاوى ٧/٤٩٣
——
قال ابن تيمية:
ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات، وإرادات، وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال، أو أفعال قد تكون عبادات، وقد تكون أيضا عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن، والاجتماع والافتراق، والسفر والإقامة، والركوب وغير ذلك.
وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعورا وأحوالا.
وقد بعث الله محمدا ﷺ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور:
منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة – مثلا – يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك، إلا أن يمنعه مانع .
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام – الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا أو باطنا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة – كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرا، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.
هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم .
فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له .
اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ١/٩٢-٩٤