101 تتمة فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
باب بيان الإيمان والإسلام والاحسان
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان.
قال في «الفتح»: دل سياق الحديث، على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي ﷺ، فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته، من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه بقوله ﷺ: «واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا».
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: رؤية النبيّ ﷺ لربه يَقَظَةً ببصره مسألة اختُلف فيها، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في محلّه، مع ترجيح القول بعدمها؛ لقوة أدلته. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في «شرح البخاريّ»: وأما الإحسان ففسّره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان، ومراتبه، ولتفاوت المؤمنون، والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتًا كثيرًا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك ههنا بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». قيل: المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربّه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه، وشقّ عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه، ويطلع على سرّه وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وقد وصّى النبيّ ﷺ طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ رضي الله عنهم، ووصّى معاذًا رضي الله عنه أن يستحيي من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من أهله.
قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:
[أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه، واطّلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعالى، فيراقبه في حركاته، وسكناته، وسرّه، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
[والثاني]: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله، ويُشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين، وحديث حارثة رضي الله عنه هو من هذا المعنى [لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا]، فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال النبيّ ﷺ: «عرفت، فالزم، عبدٌ نوّر الله الإيمانَ في قلبه». وهو حديث مرسلٌ، وقد روي مسندًا بإسناد ضعيف.
وكذلك قول ابن عمر لعروة لَمّا خطب إليه ابنته في الطواف، فلم يَرُدّ عليه، ثم لقيه، فاعتذر إليه، وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله: ما أنا مطّلع على أحبابي إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومَثَلتُ نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلّموني على حضوري.
وبهذا فُسّر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
قال أبيّ بن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربّه، وأَنِس به في خلوته، وتنعّم بذكره ومناجاته ودعائه، حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أَنَسَتْ بسواك؟ بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟ وقيل لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقول: من لم تقرّ عينه بك، فلا قرّت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أَنِس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال معروف لرجل: توكّل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك، وموضع شكواك. وقال ذو النون: علامة المحبّين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلبَ حبُّ الله أنس بالله؛ لأن الله أجلّ في صدور العارفين أن يُحبّوا غيره.
وقوله ﷺ: «اعبد الله كأنك تراه» إشارةٌ إلى أن العابد يتخيّل ذلك في عبادته، لا أنه يراه حقيقة ببصره، ولا بقلبه.
وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانًا، كما تراه الأبصار في الآخرة، كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفيّة، فهو زعم باطلٌ، فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة، كأبي ذرّ، وابن عباس، وغيرهما، ورُوي عن عائشة أيضًا أنه حصل للنبيّ ﷺ مرّتين.
وروي في ذلك أحاديث مرفوعة أيضًا، وكذا قال جماعة من التابعين: إنه رآه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيميّ، فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم، لم يكن في تخصيص النبيّ ﷺ بذلك مزيّة، له، لا سيما وإنما قالوا: إنها حصلت له مرّتين؛ فإن هؤلاء الصوفيّة يزعمون أن رؤية القلب تصير حالًا، ومقامًا دائمًا، أو غالبًا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء، ويتفرّع على ذلك أنواع من الضلالات، والمحالات، والجهالات، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه المقامات الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، يشملها اسم الدين، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار، وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام على الإحسان إلى الموت، وصل إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد فسّر النبيّ ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله، أخرجه مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه. انتهى كلام.
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وهو بحث نفيس [«شرح البخاري» ١/ ٢١١ – ٢١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ: «أن تلد الأمة ربتها».
قال الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح»: وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا، في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه: فذكرها، لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة أقوال:
[الأول]: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاد أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. قال النووي، وغيره: إنه قول الأكثرين.
قال الحافظ: لكن في كونه المرادَ نظرٌ؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودًا، حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ، وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع، مما سيقع قرب قيام الساعة، وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه، بأخصّ من الأول، قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ بأن الرؤساء في الصدر الأول، كانوا يستنكفون غالِبًا من وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية: «ربتها» بتاء التأنيث، قد لا تساعد على ذلك، ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببًا في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولًا، وهو صغير، ثم يُعتَق، ويكبر، ويصير رئيسًا، بل ملكًا، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشتريها عارفًا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: «أن تلد الأمة بَعْلها»، وهي عند مسلم، فتُحمل على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات.
[الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الْمُلّاك المستولدة، حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
[فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل، ولا استهانة عند القائل بالجواز.
[قلنا]: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع.
[الثالث]: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يُتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حُرًّا من غير سيدها، بوطء شمبهة، أو رقيقًا بنكاح، أو زنًا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يُعَكِّرُ على هذا تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري، لأنه تخصيص بغير دليل.
[الرابع]: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد أمته، من الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأُطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة.
قال الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربةً.
ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير الْمُرَبَّى مُرَبّيًا، والسافل عالِيًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: «أن تصير الْحُفَاة ملوكَ الأرض». انتهى «فتح» ١/ ١٦٧ – ١٦٨ وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في تكميل ما سبق من مباحث القدر.
قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: (واعلم): أن مذهب أهل الحقّ إثباتَ القدر، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قَدّرَ الأشياء في القِدَم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قَدَّرَها سبحانه وتعالى، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها، وأنها مُسْتَأنفَةُ العلم، أي إنما يعلمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها، وكَذَبُوا على الله نسبحانه وتعالى وجلّ عن أقوالهم الباطلة عُلُوًّا كبيرًا، وسُمِّيت هذه الفرقة قدرية، لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يَبْقَ أحدٌ من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر من غيره، تعالى الله عن قولهم.
وقد حَكَى أبو محمد بن قتيبة في كتابه «غريب الحديث»، وأبو المعالي، إمام الحرمين في كتابه «الإرشاد» في أصول الدين أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية؛ لاعتقادكم إثبات القدر، قال ابن قتيبة، والإمام: هذا تمويهٌ من هؤلاء الجهلة، ومباهتة، وتواقُحٌ، فإن أهل الحق يُفَوِّضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويُضِيفون القدر والأفعال إلى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعِي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن يُنسَب إليه، ممن يعتقده لغيره وينفه عن نفسه.
قال الإمام: وقد قال رسول الله ﷺ: «القدرية مجوس هذه الأمة»، شَبَّهَهم بهم؛ لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة، كما قَسَّمَت المجوس، فصرفت الخير إلى «يزدان»، والشر إلى «أهرمن»، ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية، هذا كلام الإمام، وابن قتيبة.
وحديث: «القدريةُ مجوسُ هذه الأمة»، رواه أبو حازم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ، أخرجه أبو داود في «سننه»، والحاكم، أبو عبد الله في «المستدرك على الصحيحين»، وقال: صحيح على شرط الشيخين، إن صحّ سماع أبي حازم، من ابن عمر.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: أبو حازم لم يسمع من ابن عمر رضي الله عنهما، قال ولده ليحيى بن صالح: من حدّثك أن أبي سمع من أحد الصحابة، غير سهل بن سعد رضي الله عنه فقد كذب، قاله في «التهذيب» [راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٧١].
وعليه فالحديث منقطع، لكن أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي لا يردان الحوض، ولا يدخلون الجنة: القدريّة، والمرجئة»، وفي لفظ: «القدريّة، والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم».
وقد حسّنه الشيخ الألباني رحمه الله، وأحسن في ذلك، راجع: «السلسلة الصحيحة» ٦/ ٥٦٣ – ٥٦٤ رقم (٢٧٤٨).
والحاصل أن الحديث صحيح لغيره، والله تعالى أعلم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إنما جعلهم ﷺ مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين: النورِ والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشرّ من فعل الظلمة، فصاروا ثُنَوِيّةً، وكذلك القدرية يُضيفون الخير إلى الله تعالى، والشرّ إلى غيره، والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعًا، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقًا وإيجادًا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلًا واكتسابًا. والله أعلم.
وقال الخطابيّ رحمه الله أيضًا: وقد يَحسبَ كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى العبدَ وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدّم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها، خيرِها وشرّها، قال: والقدر اسم لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عن فعل القادر، يقال: قَدَرتُ الشيءَ، وقَدَّرته بالتخفيف والتثقيل، بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]: أي خلقهنّ.
قال النوويّ رحمه الله: وقد تظاهرت الأدلة القطعيات، من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأهل الْحَلِّ والْعَقْد، من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه، ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد، كتابُ الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى، وقد قَرَّر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير، بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية، والله أعلم. انتهى [«شرح صحيح مسلم» للنوويّ ١/ ١٥٤ – ١٥٥].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقد روي عن مالك رحمه الله أنه فسّر مذهب القدريّة بنحو ذلك [يعني ما سبق من أنه تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَثَ في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته]، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر رضي الله عنهما، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جَحْدُ معلوم من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تُقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤].
وهذا مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكبيّة [هذه الفرقة هكذا ذكرها القرطبيّ بهذا الاسم في «المفهم» ١/ ١٣٢، ولكن لم يذكرها أصحاب كتب النحل والملل بهذا الاسم، ولا يُدرى من هي؟ والله تعالى أعلم. راجع: هامش «المفهم» ١/ ١٣٢]، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين.
والقدريّة اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، ومعنى القدر عند القائلين به اليوم أن أفعال العباد مقدورةٌ لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أَخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّم القدريُّ العلمَ خُصِم – يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم -، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل لِلَّه، تعالى الله عن ذلك. انتهى [راجع: «المفهم» ١/ ١٣٢ – ١٣٣ مع «الفتح» ١/ ١٦٢ – ١٦٣].
وقال القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافّات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله ﷺ: «كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس». رواه مسلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في «العقيدة الواسطيّة»: وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشرّه، والإيمان بالقدر على درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين:
فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه وتعالى يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لا يكون في ملكه ما لا يُريد، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه وتعالى، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه وتعالى يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر، والمصلّي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وقدرَتهم، وإرادَتَهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ – ٢٩].
وهذه الدرجة من القدَر يُكَذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته، واختياره، ويخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
(اعلم): أن هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ، ودليلٌ عميمٌ، يقطع دابر أهل الأهواء المضلّة، وأرباب السَّفَه والذِّلّة من المعتزلة، والمتكلّمين الذين هم أذناب الفلاسفة الْجَهَلَة، أرباب الغواية السَّفَلَة، الذين لا يرون المؤمن مؤمنًا إلا الذي آمن بالقواعد التي أسّسوها، ودسّوها بين أهل الإسلام، وأوهموا أنها المعنيّة بنصوص الكتاب والسنّة، وأن من لم يسلك سبيلها فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وهذا زور وبهتان، وكذب وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ، وقد قام المحقّقون من المتقدّمين والمتأخرين من أهل السنة بتفنيد آرائهم الزائفة، ودحض حُجَجِهِمْ الكاسفة، وألقموهم الحجر الْجُلْمُود، ونَبَزُوهم بأنهم أهل الضلال والجحود، وأنا أذكر – بعون الله تعالى – خلاصة أقوالهم، ولباب أَفْهَامِهِمْ التي دلّ عليها الكتاب وصحاح السنّة، وعرفها وحققها العقلاء، وإن جحدها ونبذها الجهلاء – اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، آمين -.
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف، أن من صدّق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا، لا ريب فيه ولا تردّد، ولا توقّف، كان مؤمنًا حقيقة، وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن اعتقادات جازمة، على هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرّحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصحّ الإيمان الشرعيّ إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقليّة والسَّمْعِيَة، وحصول العلم بنتائجها ومطالبها، ومن لم يحصُل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من متكلّمي أصحابنا، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلّفين ما يقال عليه: إيمان، كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ١٣]، والإيمان هو التصديق لغةً وشرعًا، فمن صدّق بذلك كلّه، ولم يجوّز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله تعالى به على نحو ما أمره الله تعالى، ومن كان كذلك، فقد تَفَصَّى عن عهدة الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السنّة والكتاب؛ ولأن رسول الله ﷺ وأصحابه بعده حكموا بصحّة إيمان كلّ من آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يفرّقوا بين من آمن عن برهان، أو غيره؛ ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة تصديقهم، ولا أرجأوا إيمانهم حتى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل سمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حرّرها المتكلّمون، ورتّبها الجدليّون، إنما أحدثها المتأخّرون، ولم يَخُض في شيء تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والْهَذَيَان أن يُشترط في صحّة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان؟ وهم من هم؟ فهمًا عن الله تعالى، وأخذًا عن رسول الله ﷺ، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنّته وطريقته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ جدًّا [«المفهم» ١/ ١٤٥ – ١٤٦].
وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» عند شرح حديث بَعْثِ معاذ رضي الله عنه إلى اليمن، فقال عند قوله: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك …» الحديث، ما نصّه: وقد تمسك به من قال: أول واجبٍ المعرفةُ، كإمام الحرمين، واستَدَلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من المأمورات على قصد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار، إلا بعد معرفة الآمر والناهي.
واعتُرِض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال، وهو مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجبٍ النظرُ، وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك.
وتُعُقّب بأن النظر ذو أجزاء، يترتب بعضًا على بعض، فيكون أول واجب جزأ من النظر، وهو محكيّ عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ: أول واجب القصد إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، بأن من قال: أول واجب المعرفة، أراد طلبًا وتكليفًا، ومن قال: النظر، أو القصد أراد امتثالًا؛ لأنه يُسَلّم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة، فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة.
قال: وقد ذكرتُ في «كتاب الإيمان» من أعرض عن هذا من أصله، وتَمَسَّكَ بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وحديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة …»، فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص؛ لقوله ﷺ: «فأبواه يُهَوّدانه، وينصرانه».
وقد وافق أبو جعفر السمناني، وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا، وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري، من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك. انتهى.
قال: وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه: إن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومتوسط:
فالطرف الأول: قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى، ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري، وجماعة من الحنابلة، والظاهرية، ومنهم من بالغ، فَحَرَّم النظر في الأدلة، واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار، من ذم الكلام كما سيأتي بيانه.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب هو الحقّ الذي كان عليه السلف الصالح، كما سبق في كلام القرطبيّ، ويأتي أيضًا، فليس فيه تفريط، كما يدلّ عليه كلام العلائيّ هذا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قال: والطرف الثاني: قول من وقَفَ صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة، من علم الكلام، ونُسب ذلك لأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وقال الغزالي: أسرفت طائفة، فكَفَّروا عوامّ المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية، بالأدلة التي حرّروها، فهو كافر، فضيّقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر ابن السمعانيّ، وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوامّ اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك من المشقة أشدّ من المشقة في تعلم الفروع الفقهية.
قال: وأما المذهب المتوسط، فذكره، وسأذكره مُلَخَّصًا بعد هذا.
وقال القرطبي في «المفهم» في شرح حديث: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»، وهو في أوائل «كتاب العلم» من «صحيح مسلم»: هذا الشخص الذي يبغضه الله، هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَهٌ، ربما يَعجِز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة، لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها، لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ ولا الأطفال، لَمَّا بحثوا عن تَحَيُّز الجواهر، والأكوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي الذات أو غيرها؟ وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟ وعلى الثاني، هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثًا؟ ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا، هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين، ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه.
وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا تُمَكِّنْ زائغَ القلب من أُذُنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة رضي الله عنهم ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبيّ ﷺ قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خَرَّجَهُ الترمذيّ: «ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه إلا أوتوا الْجَدَل»، وقال: إنه صحيح [قال الإتيوبي رحمه الله معلقا: “وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: حسن. انظر: «صحيح الجامع الصغير» ٢/ ٩٨٤”.].
قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، فقد حَكَى عنه الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ.
وفي رواية عنه أنه قال عند موته: لقد خُضتُ البحر الخِضَمّ، وخلّيتُ أهل الإسلام وعلومهم، ودخلتُ فيما نَهَوْني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالوليل لابن الجوينيّ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: عقيدة عجائز نيسابور.
وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به [راجع: «مجموع الفتاوى» ٤/ ٧٣].
وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم.
وقال أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب.
وهذا الشهرستاني، صاحب «نهاية الإقدام في علم الكلام» وَصَفَ حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله [من الطويل]:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ … عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ
ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
ولقد أجاد الإمام الصنعانيّ محمد بن إسماعيل صاحب «سبل السلام» رحمه الله حيث ردّ عليه فقال [من الطويل]:
لَعَلَّكَ أَهْمَلْتَ الطَّوَافَ بِمَعْهَدِ الرْ … رَسُولِ وَمَنْ وَالَاهُ مِنْ كُلِّ عَالِم
فَمَا حَارَ مَنْ يَهْدِي بِهَدْيِ مُحَمَّدِ … وَلَسْتَ تَرَاهُ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ [«ديوان الصنعاني» ص ٣٤٥]
قال الإتيوبي عفا الله عنه: لو قال: وَوَاللهِ أَهْمَلْتَ إلخ، لكان أولى من «لعلّك» كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
وهذا أبو حامد الغزاليّ مع فَرْط ذكائه وتألّهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسُلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوّف، ينتهي في هذه المسائل إلى الوَقْف والْحَيْرة، ويُحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنّف «إلجام العوامّ عن علم الكلام» [راجع: «مجموع الفتاوى» ٤/ ٧٢].
وقال الفخر الرازيّ في كتابه الذي صنّفه في أقسام اللَّذَّات، وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذّة العلم والمعرفة، وأشرف العلوم العلم الإلهي لشرف معلومه، وشدّة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: العلم بالذات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الوجود هل هو الماهيّة، أو زائد عليها، والعلم بالصفات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الصفات هل هي أمور وجوديّة زائدة على ذات الموصوف، أم ليست بزائدة على الذات؟ والعلم بالأفعال، وعليه عُقْدَةٌ، وهي هل الفعل مقارن للفاعل، أو متراخٍ عنه؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد [من الطويل]:
نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ … وَأَكْثَرُ سَعْي الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا … رِجَالٌ فَمَاتُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
لقد تأملتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتها تَشْفِي عَلِيلًا، ولا ترْوي غَليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات قوله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، واقرأ في النفي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، و﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ثم قال: ومَنْ جرّب مثل تجربتي عَرَف مثل معرفتي.
قال الإمام ابن القيّم رحمه الله بعد نقل كلام الرازيّ هذا ما نصّه: فليتأمّل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من الْعِبَر، فإنه لم يأت في المتأخّرين من حصّل من العلوم العقليّة ما حصّله، ووقف على نهاية أقدام العقلاء، وغايات مباحث الفضلاء، وضرب بعضها ببعض، ومَخَضَها أشدّ الْمَخْض، فما رآها تشفي علّة داء الجهالة، ولا تروي غُلّة ظمإ الشوق والطلب، وأنها لم تَحُلّ عنه عُقْدة واحدة من هذه العُقَد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب، فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله، فإنه شاكّ في ذات ربّ العالمين هل له ماهيّة غير الوجود المطلق يختصّ بها أم ماهيّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في صفاته، هل هي أمور وجوديّة، أم نِسَبٌ إضافيّة عدميّة؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في أفعاله، هل هي مقارنة له أزلًا وأبدًا لم تزل معه أم الفعل متأخّر عنه تأخّرًا لا نهاية لأمده، فصار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، فننظر في كتبه الكلاميّة قول المتكلّمين، وفي كتبه الفلسفيّة قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهم حائرًا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد [“هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائنيّ، أبو حامد المعروف بابن أبي الحديد، وُلد سنة (٥٨٦ هـ) في المدائن، وهو من غلاة الشيعة، وأعيان المعتزلة، كاتب شاعر، له كتب، منها: «شرح نهج البلاغة»، و«السبع العلويات»، و«شرح الآيات البينات» للفخر الرازيّ، توفي ببغداد سنة (٦٥٦ هـ). راجع «البداية والنهاية» ١٣/ ١٩٠، و«فوات الوفيات» ١/ ٢٤٨ – ٢٥٠، و«الأعلام» ٣/ ٢٨٩”]، فإنه مع بحثه ونظره وتصدّيه للردّ على الرازيّ حتى يقول في قصيدة له [من الطويل]:
وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلْـ … لَذِينَ بِهَا قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ أُحِبُّهُ
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي فُنُونٍ دَقِيقَةٍ … وَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهُ
أَمَا قُلْتُمُ مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًا … سَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شُرْبُهُ
أَمَا رَدَّ شَكَّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْفَهُ … وَتَمْوِيهَهُ فِي الدِّينِ إِذْ حَلَّ خَطْبُهُ
يعترف بأن المعقولات لم تُعطه إلا حَيْرةً، وأنه لم يَصِل منها إلى يقين، ولا علم حيث يقول [من المديد]:
فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ … ضَاعَ دَهْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي
سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا … رَبحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَرِ
قَاتَلَ اللهُ الأُولَى زَعَمُوا … أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ
كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا … خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَرِ
وقال بعض الطالبين من المتأخّرين، وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم يزدد إلا حيرةً وبُعْدًا من مطلبه حتى قيّض الله له من أخذ بيده، وسلك به على الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم، فجعل يَهْتِف بصوته لأصحابه هلمّوا فهذه والله الطريق، وهذه أعلام مكة والمدينة، وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح، ولم تُزلها الأهوية، ثم قال [من الطويل]:
وَكُنْتُ وَصَحْبِي فِي ظَلَامِ مِنَ الدُّجَى … نَسِيرُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلَا نَدْرِي
وَكُنَّا حَيَارَى فِي الْقِفَارِ وَلَمْ يَكُنْ … دَلِيلٌ لَنَا نَرْجُوا الْخَلَاصَ مِنَ القَفْرِ
ظِمَاءُ إِلَى وِرْدٍ يَبُلُّ غَلِيلَنَا … وَقَدْ قَطَعَ الأعْنَاقَ مِنَّا لَظَى الْحَرِّ
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَبَدَّى لِنَاظِرِي … سَنَا بَارِقٍ يَبْدُو كَخَيْطٍ مِنَ الْفَجْرِ
فَقُلْتُ لِصحْبِي هَلْ تَرَوْنَ الَّذِي أَرَى … فَقَالُوا اتَّئِدْ ذَاكَ السَّرَابُ الَّذِي يَجْرِي
فَخَلَّفْتُهُمْ خَلْفِي وَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ … فَأَوْرَدَنِي عَيْنَ الْحَيَاةِ لَدَى الْبَحْرِ
فَنَادَيْتُ أَصْحَابِي فَمَا سَمِعُوا النِّدَا … وَلَوْ سَمِعُوهُ مَا اسْتَجَابُوا إِلَى الْحَشْرِ
فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلّة العقليّة من ضدّ اليقين، ومن الحيرة والشّكّ، فمن الذي شكا من القرآن والسنّة، والأدلّة اللفظيّة هذه الشكاية؟ ومن الذي ذكر أنها حيّرته ولم تهده؟ أو ليس بها هَدَى الله أنبياءه ورسله وخِيرةَ خلقه؟ قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلًا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ الآية [سبأ: ٥٠].
فهذا أكمل الخلق عقلًا صلوات الله وسلامه عليه يُخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظيّة التي أوحاها الله إليه، وهؤلاء المتهوّكون المتحيّرون يقولون: إنها لا تفيد يقينًا ولا علمًا، ولا هدى، وهذا موضع المثَل المشهور: «رمتني بدائها وانسلّت». انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله [«الصواعق المرسلة» ١/ ١٦٥ – ١٧٠]، وهو شافٍ كافٍ لمن أراد الهدى والرشاد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال القرطبي رحمه الله: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذمّ، وجديرًا بالذكر:
[إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
[والثانية]: قول جماعة منهم إنّ من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أبيه وأسلافه، حتى لقد أُورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع علي بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلّمين على من قال بهما، بطريق من النظر والاستدلال؛ بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطِّئون: الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير من قال: إن الشكّ في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة والمسلمين كفّار، فهو كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين.
وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس لما قد شاعَ من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ [«المفهم» ٦/ ٦٩٠ – ٦٩٤، ببعض تغيير من «الفتح»].