(101 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)،
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى:
“(١) بَابُ: بَيَانِ الإِيمَان، وَالإِسْلَام، وَالإِحْسَان، وَوُجُوبِ الإِيمَانِ بِإِثْبَاتِ قَدَرِ اللهِ سبحانه وتعالى، وَبَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَر، وَإِغْلَاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ)”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٠١] (٨) (١) – (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ.
(ح) … وَحَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثنا أَبِي، حَدَّثنا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيٌّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْن، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَر، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِه، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بَالْقَدَر، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْر، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَر، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْه، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْه، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَان، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكتُبِه، وَرُسُلِه، وَالْيَوْمِ الْآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَان، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَة، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا، قَالَ:»أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاء، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ«، قَالَ: ثمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي:»يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ «قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ»).
قال الإتيوبي رحمه الله تعالى في حاشية البحر الثجاج:
(١) قد سبق أن الرقم الذي صورته هكذا [١] هو رقمي الذي التزمته من أول المقدمة، وأما الرقم الذي صورته هكذا (١) فهو رقم محمد عبد الباقي رحمه الله. فتنبّه. [البحر الثجاج].
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ)، أنه (قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ)، وفي بعض النسخ: «بالقدر» بالموحدة، والمراد أَوَّلُ من قال بنفي القدر، فابتدع، وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق، و«القدر» – بفتح الدال، وإسكانها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي، وقالهما غيره [«شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٥٣ – ١٥٤].
فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه أنه تعالى عَلِمَ مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه فلا مُحْدَثَ في العالم العلويّ والسفليّ إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلّت عليه البراهين.
وقد حكى أرباب المقالات عن طوائف من القدريّة إنكار كون الباري سبحانه وتعالى عالمًا بشيء من أعمال العباد “قبل” وقوعها منهم، وإنما يعلمها “بعد” كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله تعالى محال، وهذا هو الذي أنكرهُ عليهم ابن عمر رضي الله عنهما وتبرّأ منهم، وسيأتي تمام البحث فيه في «المسائل» – إن شاء الله تعالى -.
(بِالْبَصْرَةِ) – بفتح الباء الموحّدة، وضمها، وكسرها ثلاث لغات، حكاها الأزهري، والمشهور الفتح.
(مَعْبَدٌ) – بفتح الميم -، وسكون العين المهملة، وفتح الموحّدة – (الْجُهَنِيُّ) – بضمّ الجيم: نسبة إلى جُهَينة.
قال السَّمْعاني في «كتاب الأنساب»: «الْجُهَنِيُّ» – بضم الجيم، وفتح الهاء -: نسبة إلى جُهَينة، وهي قبيلةٌ من قُضَاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضَاعة، نزلت الكوفة، وبها محلة تنسب إليهم، وبعضهم نزل البصرة، قال: وممن نزل جهينة، فنُسب إليهم مَعبْدَ بن خالد الْجُهَنيّ، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة يعده مسلكه، لَمّا رأوا عَمْرو بن عُبَيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف صَبْرًا، «وقيل: ظن معبد بن عبد الله بن عُويمر. انتهى كلام السمعانيّ [»الأنساب” ٢/ ١٦٦ – ١٦٧].
وفي»تهذيب التهذيب«:»معبد«الْجُهَنِيّ البصريّ، يقال: إنه ابن عبد الله بن عُكَيم، ويقال: ابن عبد الله بن عُوَيمِر، ويقال: ابن خالد.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث،
وكان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسًا في القدر، قَدِمَ المدينة فأفسد بها أُناسًا.
وذكره أبو زرعة الرازي في أسامي الضعفاء، ومن تُكُلِّم فيهم. وقال الدارقطني: حديثه صالح، ومذهبه رديء. وقال محمد بن شعيب بن شابور عن الأوزاعي: أول من نَطَقَ في القدر رجل من أهل العراق، يقال له: سُوسن، كان نصرانيًّا، فأسلم، ثم تنصّر، فأخذ عنه معبد الجهنيّ، وأخذ غَيْلان عن معبد.
وقال مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبيه، وعمه: كان الحسن يقول: إياكم ومعبدًا فإنه ضالٌّ مُضلّ، وجاء مثل ذلك عن الحسن من وجوه.
وقال أبو سعيد مولى بني هاشم: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر عن أبيه قال: قال أصحاب مسلم بن يسار: كان مسلم يقعُد إلى هذه السارية، فقال: إن معبدًا يقول بقول النصارى. وقال ابن عيينة: قال عمرو بن دينار: قال لنا طاوس: احذروا معبدًا. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن جعفر – يعني: ابن سليمان – حدثنا مالك بن دينار قال: لقيت معبدًا الجهني بمكة بعد ابن الأشعث، وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها، فقال: لقيت الفقهاء والناسَ، لم أر مثل الحسن، يا ليتنا أطعناه.
وقال ضمرة بن ربيعة، عن صدقة بن يزيد: قتله الحجاج.
وقال خليفة بن خياط: مات بعد الثمانين وقبل التسعين.
وقال إبراهيم بن هشام الغساني: حدثني أبي عن أبيه قال: كان معبدٌ أولَ من تكلم في القدر، فقتله عبد الملك، وأَرَّخ سعيد بن عُفير قتله في سنة ثمانين،
رَوى له ابن ماجة حديث معاوية: «إياكم والتمادح». وقال العجلي: تابعي ثقةٌ كان لا يُتَّهَم بالكذب. وقال الجوزجاني: كان رأس القدرية. انتهى [«تهذيب التهذيب» ٤/ ١١٦ – ١١٧].
وفي رواية ابن منده في «الإيمان»: من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يَتَوَثَّب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفَرّض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زَعَم أن الْعِلْم أُنُفٌ، من شاء عَمِل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلَّا يُثْبِت القدر، ثم إنِّي حججت أنا وحميد بن عبد الرَّحمن الحميري … الحديث.
(فَانْطَلَقْتُ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، حميد هذا تابعيّ بصريّ، ثقة. (الْحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى حِمْيَر، من أصول القبائل باليمن [«لبّ اللباب» ١/ ٢٥٩] (حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ) الظاهر أن «أو» للشكّ من الراوي، ووقع في بعض النسخ بالواو التي للجمع، فيكونان قارنين. [«شرح الأبيّ» ١/ ٥٢].
(فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ) إشارة إلى معبد وأصحابه، أي عما يتكلَّمون به من نفي القدر (فَوُفِّقَ لَنَا) – بضم الواو، وكسر الفاء المشددة – قال صاحب التحرير: معناه: جُعِل وَفْقًا لنا، وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال: أتانا لِتَيْفَاق الهلال، ومِيفَاقه: أي حين أَهَلَّ، لا قبله، ولا بعده، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام، وفي مسند أبي يعلى الموصلي: فوافق لنا، بزيادة ألف والموافقة: المصادفة. قاله النوويّ [«شرح النووي» ١/ ١٥٥].
(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ)، والمراد بالمسجد المسجد النبويّ، فقد بيّنته رواية ابن منده في «كتاب الإيمان»، ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، وفيه: «فلما قضينا حجنا قلنا: نأتي المدينة، فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ، فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة …» الحديث.
(فَاكتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحبِي) أي: صِرْنا في كنفيه، يعني: بجانبيه ناحيتيه، ثم فسر الاكتناف بقوله: (أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ) فيه تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه، وَيحُفُّون به. قاله النوويّ.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: وإنما جاءاه كذلك تأدّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانب واحد لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئة أحسن ما أمكنهما. انتهى [«المفهم» ١/ ١٣٤].
ويحتمل – كما قال بعضهم – أنه لكراهة السلف المشي خلف الرجل؛ لما فيه من الشهرة، أو لكونه أمكن للسؤال. والله تعالى أعلم.
(فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي) أي: حميد بن عبد الرَّحمن (سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ) معناه: أنه يسكت، ويُفَوِّضه إليَّ لإقدامي، وجرأتي، وبَسْطَةِ لساني، فقد صرَّح في رواية ابن منده بذلك، ولفظه: قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل تسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه، وفي رواية: «فقدّمني حميد للمنطق، وكنت أجرأ على المنطق منه».
قال القرطبيّ رحمه الله: وإنما قال هذا منه اعتذارًا عن توهَّم اعتراض يُنسب إليه فيه قلَّة المبالاة بصاحبه، واستئثاره عليه بالمسابقة إلى الكلام، فبيّن وجه اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه عَلِم من صاحبه أنه يَكِلُ الكلام إليه، فإما لكونه أحسن منه سؤالًا، وأبلغ بيانًا، وإما لحياء يَلحَق صاحبه يمنعه من السؤال، وإما إيثارًا له [«المفهم» ١/ ١٣٤].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ لكونه صرّح به في كلامه السابق عند ابن منده، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ) أَي: فشا مذهبهم وانتشر، وهو من الظهور الذي يضادّ الخفاء (يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) هو بتقديم القاف على الفاء، ومعناه: يطلبونه، ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغارية من طريق ابن ماهان: «يتَفَقَّرُونَ»، بتقديم الفاء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه يبحثون عن غامضه، ويستخرجون خَفِيَّه، ورُويَ في غير مسلم: «يَتَقَفَّوْن» بتقديم القاف، وحذف الراء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه أيضًا: يتتبعون، قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه: «يَتَقَعَّرُون» بالعين، وفَسَّره بأنهم يطلبون قعره، أي: غامضه، وخَفِيَّه، ومنه تَقَعَّرَ في كلامه: إذا جاء بالغريب مثه، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: «يَتَفَقَّهُون» بالهاء بدل الراء، وهو ظاهرٌ. قاله النوويّ رحمه الله تعالى [«شرح المسلم» ١/ ١٥٥ – ١٥٦].
(وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) أي: عظّم أمرهم في الذكاء، والجدّ في طلب العلم، وإنما ذكر له ذلك من أوصافهم تنبيهًا له على الاعتناء بمقالتهم، والبحث عنها ليوضح أمرها، فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلَّا إيضاحٌ بالغ، وبرهانٌ واضح، ولَمّا فَهِمَ ابنُ عمر رضي الله عنهما ذلك أفتى بإبطال مذهبهم وفساده، وحكم بكفرهم، وتبرّأ منهم، واستدلّ على ذلك بالدليل القاطع عنده. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ١٣٥].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: قوله: «وحكم بكفرهم»، سيأتي تحقيق القول في كفرهم في المسائل – إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: «وذكر من شأنهم» هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بُرَيدة الراوي عن يحيى بن يعمر، يعني وذكرَ ابنُ يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم، والاجتهاد في تحصيله، والاعتناء به. انتهى.
وقال السنوسيّ رحمه الله: فيكون من حذف المفعول تعظيمًا له بالإبهام، أي ذكر من شأنهم في البحث عن العلم، واستخراج غوامضه شيئًا عظيمًا، أو بالتعميم؛ لتذهب النفس فيه كلّ مذهب ممكنٍ.
ويحتمل أن يكون الغرض في حذفه ضدّ ما أشير إليه، وذلك صون اللسان عن ذكره، ويكون المعنى: وذكر من شأنهم في نفي القدر والابتداع في العقائد ما يجب صون اللسان عن ذكره، وعلى كلّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد في العلم، والتوسّع فيه الموجب لهم القدوة، وتقليد الغير المبالغةُ في استدعاء ابن عمر رضي الله عنهما الاستفراغ الوسع في النظر فيما يزعمون؛ لأن أقوال الأغبياء قد يَهْتَبِلُ العلماءُ بشأنها، ويكتفون في ردّها بأدنى نظر، فجواب ابن عمر رضي الله عنهما بعد تلك الأوصاف من أثبت شيء، وأحقه.
وقد يكون الغرض في ذكر ما وصفهم به من العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون إظهارَ التشكِّي، والتلهّف بما نال المسلمين من مصيبتهم، إلَّا أن هذا إنما يحسُن إذا كان ابن عمر قد أحسّ ببدعتهم، وسوء نظرهم، وإنما سأل ابن عمر رضي الله عنهما ليتحقّق العلم من معدنه، ويرسخ ما كان في رويّته، وهذا هو الظاهر؛ إذ يبعُد أن يخفى أمر أقوالهم على مثل يحيى بن يعمر، ويدلّ عليه قوله: «ويزعمون» على ما يأتي في معنى الزعم، ومن هنا يصحّ أن يكون الغرض من ذكر أوصافهم مجموعَ الأمرين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنوسيّ رحمه الله تعالى [«شرح السنوسيّ» ١/ ٥٤ – ٥٥].
(وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ) بضم الهمزة، والنون: أي مستّأنفٌ، لم يَسبِق به قَدَرٌ، ولا علمٌ من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، كما قدَّمنا حكايته عن مذهبهم الباطل، وهذا القولُ قولُ غُلَائِهِمْ، وليس قول جميع القدريّة، وكذّبَ قائله، وضَلَّ، وافترى – عافانا الله، وسائر المسلمين – قاله النووىّ. [»شرح مسلم«١/ ١٥٦].
وقال القرطبيّ: أي: مستأنفٌ، ومعناه عندهم أنه لم تسبق به سابقةُ علم الله، ولا مشيئته، وإنما أفعال الإنسان موجودة بعلم الإنسان، واختياره كما تقدَّم من مذهبهم، وأُنُفُ كلّ شيء: أوّله، ومنه أنف الوجه؛ لأنه أوّل الأعضاء في الشخوص، وأنفُ السيل: أوله، كما قال امرؤ القيس:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ … لَاحِقُ الأَيْطَلِ مَحْبُوكٌ مُمَرّ
ورَوْضٌ أُنُفٌ: لم يُرْعَ قبلُ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ: لم يُشرَب قبلُ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، أي: هذه الساعة المستأنفة. انتهى [»المفهم” ١/ ١٣٥ – ١٣٦].
(قَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ) أي الذين ذكرت أوصافهم (فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ) أي: من عقيدتهم الخبيثة، وعند أبي عوانة في «المستخرج»: (فقال عبد الله: أبلغوهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء«(وأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي) قاله تبرؤًا من أهل البدع والمعاصي، كما أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه ﷺ بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١]، (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) كناية عن الحلف باسم الله تعالى.
(لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ) أي: في سبيل الله تعالى، أي طاعته، (مَا) نافية (قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) قال القرطبيّ رحمه الله: هذا صريحٌ في أنه كفّرهم بذلك القول المحكيّ عنهم؛ لأنه حَكَمَ عليهم بما حكم الله به على الكفّار في الآية المتقدّمة، وقد قلنا: إن تكفير هذه الطائفة مقطوعٌ به؛ لأنهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع. انتهى. [«المفهم» ١/ ١٣٦].
وقال النوويّ رحمه الله: هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنهما ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض رحمه الله: هذا في القدرية الأُوَلِ الذين نَفَوا تَقَدُّمَ علمِ الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين يُنكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة.
وقال غيره:
ويجوز أنه لَمْ يُرِد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة، فيكون من قبيل كفران النعم، إلَّا أن قوله: «ما قبل الله منه» ظاهرٌ في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلَّا أنه يجوز أن يقال في مسلم: لا يُقْبَل عمله؛ لمعصيته، وإن كان صحيحًا، كما أن الصلاة في الدار المغصوية صحيحة، غير مُحْوِجة إلى القضاء عند جماهير العلماء، بل بإجماع السلف، وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا – انتهى كلام النوويّ. [«شرح مسلم» ١/ ١٥٦].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: دعواه إجماع العلماء في صحة الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة، فإن الإمام أحمد رحمه الله يقول بعدم صحَّتها، وهو الصواب، كما حقّقته في نظمي في أصول الفقه، وشرحه، فراجعه تستفد علومًا جمّة، والله تعالى ولي التوفيق.
ثم إن الخلاف في تكفير القدريّة سيأتي تفصيله، وترجيح الراجح منه في المسائل – إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ قَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، (قَالَ: بَيْنَمَا) أي:: وقتَ حضورنا في مجلس رسول الله ﷺ فاجأنا وقع طلوع ذلك الرجل، (ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيام، (إِذْ طَلَعَ) قال الأبيّ: لَمْ يقل: دخل؛ إشعارًا بعظم الرجل؛ لأنه استعارة من طلعت الشمس، وفي ضمن كلامه أنهم تعجّبوا من سورة إتيانه الموهمة أنه جنيّ، أو ملكٌ؛ لأنه لو كان بشرًا لكان إما من المدينة، أو قربها، والأول منتفٍ؛ إذ لَمْ يعرفه منهم أحدٌ، والثاني كذلك؛ إذ ليس عليه أثر سَفَرٍ ونحوه. انتهى [المصدر السابق]، (عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي: ملك، في صورة رجل، و«إذ»: هي الفجائيّة: أي فاجأنا طلوع رجل، (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ)، زاد في رواية ابن حبّان: «سواد اللحية»، (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي «مستخرج أبي نعيم»: «لا نَرَى عليه أثرَ سفر، ولا يعرفه منا أحد».
قال النوويّ رحمه الله في «شرحه» لهذا الكتاب: ضبطناه بالياء المثنَّاة، من تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه في «الجمع بين الصحيحين»، وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العُذْريّ بالنون المفتوحة، وكذا هو في «مسند أبي يعلى الموصلى»، وكلاهما صحيح. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: هكذا مشهور رواية هذا اللفظ «يُرى» مبنيًّا لما لَمْ يُسمّ فاعله بالياء باثنتين من تحتها، «ولا يعرفه» بالياء أيضًا. انتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاريّ في «التفسير»: «إذ أتاه رجل يمشي»، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذز عند النسائيّ: «وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ في مجلسه، إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لَمْ يمسها دنس، حتى سلّم في طرَف البساط، فقال: السلام عليكم يا محمد».
(وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) يعني: أنهم تعجّبوا من كيفيّة إتيانه، ووقع في خاطرهم أنه إما ملكٌ، أو جنّيّ؛ لأنه لو كان بشرًا إما أن يكون من المدينة، أو غريبًا، ولم يكن من المدينة؛ لأنهم لَمْ يعرفوه، ولم يكن إتيانه من بعيد؛ لأنه لَمْ يكن عليه أثر السفر، من الغبار وغيره.
(حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ـ) قيل: إنما لَمْ يقل: بين يديه؛ لأن له دالّةَ الشيخ، إذ لَمْ يأت متعلِّمًا، وإنما أتى معلّمًا (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) يقال: أسند: إذا اتّكأ على شيء، وأوصل، وإنما جلس هكذا؛ ليتعلّم الحاضرون جلوس السائل عند المسئول؛ لأن الجلوس على المركبة أقرب إلى التواضع والأدب، واتّصال ركبة السائل بركبة المسئول يكون أبلغ في استماع كلّ واحد من السائل والمسئول كلام صاحبه، وأبلغ في حضور القلب، والزم للجواب؛ لأن الجلوس على هذه الهيئة دليل على شدّة حاجة السائل إلى السؤال، وتعلّق قلبه، واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا عَرَف المسئول هذا الحرص والاحتياج من السائل يُلزم نفسه جوابه، ويبالغ في تفهيمه الجواب أكثر وأتمّ مما سأل السائل [راجع»الكاشف«٢/ ٤٢٢].
(إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي إلى ركبتي النبيّ ﷺ، وفي رواية ابن حبّان في «صحيحه»، وابن منده في «الإيمان»: «بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ في أناس، إذ جاء رجل ليس عليه سَحْنَاءُ السفر [أي: هيئة السفر، وأثره]، وليس من أهل البلد، فتَخَطّى حتى وَرَكَ [يقال: وَرَكَ يَرِكُ وَرَكًا، من باب وَعَد، وتورَّك، وتوارك: إذا اعتمد على وَرَكِه. أفاده في»القاموس” ص ٨٦٠] بين يدي رسول الله ﷺ كما يجلس الرجل في الصلاة، ثم وَضَع يده على ركبتي رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد … «الحديث.
(وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) قال النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلّم. انتهى.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفيه على فخذي النبيّ ﷺ؛ لما وقع من التصريح به في رواية ابن حبان وابن منده المذكورة، وكذا وقع التصريح به في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهما عند النسائيّ: قالا: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يَدرِي أيهم هو؟ حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دُكّانًا من طين، كان يجلس عليه، وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ في مجلسه، إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لَمْ يَمَسَّها دَنَسٌ، حتى سلم في طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام، قال: أَدْنُو يا محمد؟ قال: ادْنُهْ، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا ويقول له: ادن، حتى وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ.
وكذا في حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري رضي الله عنهم: »ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ. قال في «الفتح»: فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: «على فخذيه» يعود على النبي ﷺ، وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؟ لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثًا؛ لأنه نَسَقُ الكلام، خلافًا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ النبي ﷺ منَبِّه للإصغاء إليه. انتهى.
وعبارة الطيبي: قال الشيخ التوربشتيّ: الضمير في الكلمتين راجع إلى جبريل عليه السلام، فلو ذهب مؤوّل إلى أن الثاني يعود إلى رسول الله ﷺ لَمْ يُنكَر عليه؛ لما يدلّ عليه نَسق الكلام من قوله: «وأسند ركبتيه إلى ركبتيه»، غير أنا نذهب إلى الوجه الأول؛ لأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت ذوي الأدب، وذهب محيي السنة إلى الوجه الثاني في كتابه المُسَمَّى بـ «الكفاية»، وكذا إسماعيل بن الفضل التيميّ في كتابه المسمَّى بـ «الترغيب والترهيب».
قال الطيبيّ: وأقول: لعل هذا الوجه أرجح؛ لأن الأصل في إسناد الركبة إلى الركبة أن يكون الاعتماد والاتّكاء عليه، فإذا لا يبعُدُ وضع جبريل عليه السلام يديه على فخذي رسول الله ﷺ على تلك الحالة، فأشعرت تلك الهيئة بأنها ليست كهيئة التلميذ، وكذا نداؤه لرسول الله ﷺ باسمه، بل هما من هيئة الشيخ إذا اهتمّ بشأن التعليم، وأراد مزيد إصغاء المتعلّم وإفهامه، فكيف لا؟ وقد شَهِد الله تعالى به في قوله عز وجل: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]، وكفى يه شاهدًا، وينصره أيضًا أمران:
[أحدهما]: قوله: «جلس إلى النبيّ ﷺ»، فلو كان جلوسه جلوس المتعلّم لقيل: بين يديه، فضلًا أن يقال: عنده، فكيف بقوله: «جلس إليه»؛ لأنه متضمّن معنى الميل والإسناد، كأنه قيل: مال إليه حالة جلوسه، وأسند إليه، فيكون عطف قوله: «وأسند ركبتيه» على قوله: «جلس إليه» للبيان والتفسير، كعطف قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ – إلى قوله -: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]؛ لما يُعلم من المعطوف كون قلوبهم أقسى من الحجارة.
[وثانيهما]: قوله: «صدَقتَ»، وإنما يقال هذا إذا طابق قول المسئول عنه قول السائل؛ لأنه إذا عرف أن المسئول عنه أصاب المخبر، وطبَّق المفصل صوّبه، ولهذا السرّ قالوا: «فَعَجِبْنَا من قوله: صدقت».
وأيضًا في إيثار «إذ طلع علينا» على «إذ دخل» إشارة إلى عظمته وعلوّه، قال الراغب الأصبهانيّ: طلع علينا فلان مستعار من طلعت الشمس [راجع: «المفردات» للراغب، مادة «طلع»]، وقال في «الكشّاف»: في قوله عز وجل: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]: ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب [راجع: «الكشاف» تفسير سورة مريم ص ٧٨]، فحينئذ يتعلّق قوله: «حتى» بمحذوف يدلّ عليه «طلع»، أي: دنا منه حتى جلس إليه.
وإذا تقرَّر هذا فصورة هذه الحالة كصورة المعيد [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: “وهو الذي يتولَّى إعادة الدرس نيابةً عن الشيخ للطلبة”. انتهى] إذا امتحنه الشيخ عند حضور الطلبة، والمستفيدين منه؛ ليزيدوا طمأنينةً وثقةً في أنه يُعيد الدرس، ويُلقي إليهم المسألة كما سمعه من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان، وفيه مسحة من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ – ٥]، وهذا معنى قوله ﷺ في آخر الحديث: «ذاك جبريل أتاكم يُعلِّمكم دينكم».
وأما سرّ إسناد ركبتيه إلى ركبتيه، ففيه إشارة إلى سابقة بينهما، وشدَّة إخلاص واتِّحاد كما بين المتحابّين، ولله دَرُّ القائل [من الطويل]:
أَخٌ طَاهِرُ الأَخلَاقِ حُلْوٌ كَأَنَّهُ … جَنَا النَّحْلِ مَمْزُوجٌ بِمَاءِ غَمَامِ
يَزِيدُ عَلَى الأَيَّامِ صَفْوَ مَوَدَّةٍ … وَشِدَّةَ إِخْلَاصٍ وَرَعْيَ ذِمَامِ
انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى.
قال الإتيوبي: والمحاصل أن كون الضمير للنبيّ ﷺ متعيّن؛ لتصريح الرواية المذكورة، فلا مجال لتفسيره بفخذ جبريل عليه السلام، وأما الذين رجحوا كونه لجبريل عليه السلام فلعدم اطلاعهم على الرواية المصرّحة بالأول، فتنبَّه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في «الفتح»: فيه: إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصَّفْح عما يبدو من جفاء المسائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغه في تعمية أمره؛ ليقوي الظن بأنه من جُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس، حتى انتهى إلى النبي ﷺ كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد وجاء ماشيًا، ليس عليه أثر سفر.
[فإن قيل]: كيف عَرَف عمر رضي الله عنه أنه لَمْ يعرفه أحد منهم؟
[أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين.
وهذا الثاني – كما قال الحافظ – أولى، فقد جاء ذلك في رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: «فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا».
وأفاد مسلم، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي من رواية عمارة بن القعقاع، سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: «قال رسول الله ﷺ: سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل …»، ووقع في رواية ابن منده، من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول الله ﷺ يخطب، إذ جاءه رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالسًا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى «فتح» ١/ ١٥٩ – ١٦٠.
(وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت في رواية حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ المتقدّم عند النسائيّ قوله: «حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام …»، قال في «الفتح»: ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: «السلام عليك يا رسول الله»، وفي رواية مطر الوراق: «فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ادن»، ولم يذكر السلام.
فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو يا رسول الله، وهل سلم، أو لا؟ فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه.
وقال القرطبي. بناء على أنه لَمْ يسلم، وقال: يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولًا بندائه باسمه، لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب أن يحمل على تصرّف الرواة، فيقال: إنه قال: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول الله؛ لأن هذا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم.
ووقع عند القرطبي: أنه قال: «السلام عليكم يا محمد»، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.
قال الحافظ: والذي وقفت عليه من الروايات، إنما فيه الإفراد، وهو قوله: «السلام عليك يا محمد». انتهى.
(أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ) قال الطيبيّ رحمه الله: الإسلام: الانقياد، والطاعة عن الطوع والرغبة من غير اعتراض، يقال: سلّم، وأسلم، واستسلم: إذا خضع، وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة. انتهى [»الكاشف«٢/ ٤٢٤].
وقال القرطبيّ: الإسلام في اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو في الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أنس رضي الله عنه عنه: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب»، ذكره ابن أبي شيبة في «مصنّفه» ١١/ ١١ [ قال الإتيوبي رحمه الله تعالى معلقا: “رواه ابن أبي شيبة في»مصنفه«، وزاد:»ثم يشير إلى صدره، ويقول: التقوى ههنا، التقوى ههنا«.
وفي سنده علي بن مسعدة، ضعفه البخاريّ وغيره، ووثقه آخرون، وضعف بعضهم هذا الحديث بسببه، وعندي أنه حسن الحديث. انظر ترجمته في: »تهذيب التهذيب«٣/ ١٩٢ .. والله تعالى أعلم”. انتهى.]. انتهى [“المفهم” ١/ ١٣٩].
وإنما بدأ بالإسلام؛ لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثَنّى بالإيمان؛ لأنه يتعلّق بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد هذا: «فقال: يا رسول الله، ما الإيمان»، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مِصْدَاقَ الدعوى، وثَلّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما.
ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه من الترقّي، ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله تعالى أعلم. قاله الحافظ رحمه الله، وهو حسن.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِسْلَامُ) أعاده، ووضعه موضع ضميره؛ لإرادة الإيضاح (أَنْ) هي المصدريّة الناصبة للمضارع، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو شهادة أن لا إله إلَّا الله (تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قيل: خبر «لا»، وقيل: الأحسن أن الخبر محذوف، أي: لا معبود بحقّ إلَّا الله (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ) وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا». قال النووي في «شرحه»: يحتمل أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛ لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها، من عطف الخاص على العام.
قال الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبّر في حديث عمر رضي الله عنه هنا بقوله: «أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله»، فدل على أن المراد بالعبادة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولَمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: «ولا تشرك به شيئًا»، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك.
[فإن قيل]: السؤال عامّ؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاصّ؟ لقوله: «أن تشهد»، وكذا قال في الإيمان: «أن تؤمن»، وفي الإحسان «أن تعبد».
[والجواب]: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر، وبين «أن» والفعل؛ لأن «أن تفعل» تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدلُّ على زمان، على أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: «شهادة أن لا إله إلَّا الله»، وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم، وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: «يعلم الناس دينهم».
(وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد في حديث أبي هريرة الآتي: «المكتوبة»: أي المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: إقامة الصلاة: تعديل أركانها وإدامتها، والصلاة فَعَلَةٌ، من صَلّى: بمعنى دعا، أو حرّك الصّلَوين [الصلوين: مثنى صَلا، وهما ما يكون عن يمين الذّنَب وشماله]؛ لأن المصلّي يُحرّكهما في ركوعه وسجوده، كالزكاة من زَكَى: بمعنى نما، أو طهر، فإن المال يزيد بأداء الزكاة، ويطهر به، وكالصوم، من صام: إذا أمسك، والحجّ، من حجّ: إذا قصد البيت. انتهى [«الكاشف» ٢/ ٤٢٤].
(وَتُؤْتِي) أي تعطي (الزَّكَاةَ) وعبّر بالإيتاء إشارةً إلى أنه لا بدّ من التمليك، زاد في رواية أبي هريرة رضي الله عنه الآتية: «المفروضة». قال القرطبيّ: الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء من مال المسلم الحر زكاةً؛ لأنَّها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنَّها قد نمت، وبلغت النصاب، أو لأنَّها تنمي المال بالبركة، وحسنات مؤديها بالتكثير. انتهى.
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ) الصوم: هو الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكًا عن الكلام، وقال الشاعر [من البسيط]:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي: ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. قاله القرطبيّ.
وقوله: «رمضان» أي: الشهر المسمّى بهذا الاسم، وهو من رَمِضَ: إذا احترق من الرمضاء، وسمّي به لارتماضهم من حرّ الجوع، أو من حرارة الزمان الذي وقع فيه، أو لأنه تحترق به الذنوب، وتمحى به العيوب، أو لأنه تزول معه حرارة الشهوات.
وفيه: جواز ذكره من غير إضافة اسم «شهر» إليه، وهو الصحيح، وما ورد من ذلك؛ لا يصحّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في «كتاب الصيام» – إن شاء الله تعالى -.
(وَتَحُجَّ الْبَيْتَ) أي: الحرام، فـ «أل» للعهد، أو هو اسم جنس، غَلَب على الكعبة، وصار علمًا لها، فاللام فيه جزء، كـ «النجم».
والحجّ: لغة القصد، أو القصد المتكرّر مطلقًا، أو إلى معظّم، قال الشاعر [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
وهو في الشرع: القصد إلى بيت الله المعظّم في وقت مخصوص؛ لفعل عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرئ بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] أآل عمران: ٩٧]. وسيأتي بيان كلّ ذلك مستوفى في مَحَلِّهِ من هذا الشرح – إن شاء الله تعالى -.
وفي رواية ابن حبّان في «صحيحه» من طريق سليمان التيميّ، عن يحيى بن يعمر: «وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء …» الحديث.
(إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ) أي إلى البيت، أو إلى الحج، أي إن أمكن لك الموصول إليه، والاستطاعة: هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧]. قاله القرطبيّ.
[فإن قلت]: كيف خَصّ الأخير بقيد الاستطاعة، دون سائرها، مع أن الاستطاعة التي يتمكن بها المكلّف من فعل الطاعة مشروطة في الكلّ ؟
[أجيب]: بأن الْمَعْنِيّ بالاستطاعة هنا الزادُ والراحلةُ، وكانت طائفة من الناس لا يُعِدُّونَهُمَا له، فيكونون كَلًّا على الناس، فنهوا عن ذلك، فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أهل اليمن يَحُجّون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِمُوا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وعند ابن أبي حاتم بلفظ، «يقولون: نحجّ بيت الله، أفلا يُطعمنا».
وقال بعضهم: لعل الحكمة في هذا أن يكون حُجَّةً على الأغنياء التاركين للحج، وقد أعطاهم الله تعالى مالًا وقدرةً.
وإيراد الأفعال المضارعيّة؛ لإفادة الاستمرار التجدّديّ لكل من الأركان المخمسة، ففي التوحيد المطلوب الاستمرار الدائم مدة الحياة، وفي الصلاة دون ذلك، وفي الصوم والزكاة دونها، وقدّم الصوم لتعلّقه بجميع المكلّفين، وأخّر الحجّ؛ لأنه لا يجب في العمر إلَّا مرّة واحدة.
(سَبِيِلًا«) تمييز عن نسبة الاستطاعة، فأخر عن الجارّ؛ ليكون أوقع، وهي الطريق الذي فيه سهولة، وتُستعمل في كلّ ما يُتوصّل به إلى شيء، وتنكيره لإفادة العموم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] [راجع:»المرقاة” ١/ ١١٤].
[تنبيه]:
قد اختلف الرواة في ذكر الحجِّ هنا، فمنهم من ذكره، كرواية كهمس هذه، ومنهم من أسقطه، إما غفلة، أو نسيانًا.
قال في »الفتح«: [فإن قيل]: لِمَ لَمْ يذكر الحج؟ – يعني عند بعض الرواة – أجاب بعضهم باحتمال أنه لَمْ يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن منده في «كتاب الإيمان» بإسناده الذي على شرط مسلم، من طريق سليمان التيمي، في حديث عمر رضي الله عنه أوله – أن رجلًا في آخر عمر النبي ﷺ، جاء إلى رسول الله ﷺ، فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره ﷺ يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فإنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الإحكام، لتقرير أمور الدين التي بَلَّغها متفوقة، في مجلس واحد؛ لتنضبط.
ويُستنبط منه: جواز سؤال العالم، ما لا يجهله السائل؛ ليعلمه السامع.
وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: «وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لَمْ يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكَر الصلاة، والزكاة فحسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدًا على الشهادتين، وذَكَر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله: «وتحج»: «وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتَمِّم الوضوء»، وقال مطر الوراق في روايته: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة»، قال: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى ما في «الفتح» [١/ ١٦٣ – ١٦٤].
(قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ) زاد في رواية ابن حبان قبله: «قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم؟» قال: «نعم»، وكذا في بقيّة الأسئلة (قَالَ) أي عمر رضي الله عنه، ففي رواية أبي عوانة في «المستخرج»: فقال عمر … «(فَعَجِبْنَا لَهُ) وفي رواية النسائي بلفظ »إليه« بدل »له«، (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائي: »فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه«، وفي رواية مطر الوراق: »انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه«، وفي حديث أنس: »انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه«، وفي رواية سليمان بن بريدة، قال القوم: »ما رأينا رجلًا مثل هذا، كأنه يُعَلِّم رسول الله ﷺ، يقول له: صدقت صدقت”.
قال القرطبي: إنما عَجِبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي ﷺ، لا يُعرَف إلَّا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي ﷺ، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف، محقّق مصدّق؛ فتعجبوا من ذلك، تعجب المستبعد؛ لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسئول عنها من غير جهة النبيّ ﷺ. انتهى [«المفهم» ١/ ١٥١].
[فإن قلت]: قدّم في هذه الرواية السؤال والجواب عن الإسلام، على السؤال والجواب عن الإيمان، وإن كان هو مقدّمًا في الاعتبار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] إذ عليه يؤسّس قاعدة الإسلام.
[أجيب]: بأن المقام يقتضي تقديم الإسلام؛ لأنه رأس الأمر، وعموده، وبه تظهر شعائر الدين، وهو دليل على التصديق، وأَمَارة عليه، وما جاء جبريل عليه السلام إلَّا ليُعلّم الناس الشريعة، فينبغي أن يبدأ بما هو الأهمّ، فالأهمّ، ويترقّى من الأدنى إلى الأعلى، فإن الإسلام مقدّم على الإيمان، وهو على الإخلاص الذي هو معنى الإحسان [راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٢٥]. والله تعالى أعلم.