586 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: أحمد بن علي وأسامة وعدنان البلوشي وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
586 – قال أبو داود رحمه الله (ج 3 ص 172): حدثني عبد الرحمن بن محمد بن سلام أخبرنا يزيد يعني ابن هارون أخبرنا حماد يعني ابن سلمة عن ثابت عن مطرف عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، وقد وثَّقه النسائي والدارقطني، بل قد توبع، قال النسائي رحمه الله (ج 3 ص 13): أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد الله، عن حماد بن سلمة به.
——-
[حكم الألباني] : صحيح
ورد في رواية عند النسائي (كأزيز المرجل) :
النَّسَائِيّ: أخبرنَا سُوَيْد بن نصر، أبنا عبد اللَّهِ – هُوَ ابْن الْمُبَارك – عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ: ” أتيت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ – وَهُوَ يُصَلِّي ولجوفه أزيز كأزيز الْمرجل. يَعْنِي: يبكي “.
بوب عليه أبو داود:
بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ
بوب عليه ابن حبان في صحيحه:
ذِكْرُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْنَا خَبَرَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا. فذكر حديث الباب
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رضي الله عنه: فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ التَّحَزُّنَ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِيهِ بِالْقُرْآنِ وَاسْتَمَعَ إِلَيْهِ هُوَ التَّحَزُّنُ بِالصَّوْتِ مَعَ بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ، لِأَنَّ بَدَاءَتَهُ هُوَ الْعَزْمُ الصَّحِيحُ عَلَى الِانْقِلَاعِ عَنِ الْمَزْجُورَاتِ، وَنِهَايَتُهُ وُفُورُ التَّشْمِيرِ فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَإِذَا اشْتَمَلَ التَّحَزُّنُ عَلَى الْبِدَايَةِ الَّتِي وَصَفْتُهَا، وَالنِّهَايَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا، صَارَ الْمُتَحَزِّنُ بِالْقُرْآنِ كَأَنَّهُ قَذَفَ بِنَفْسِهِ فِي مِقْلَاعِ الْقُرْبَةِ إِلَى مَوْلَاهُ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ دُونَهُ.
وكان قد بوب قبله:
ذِكْرُ اسْتِمَاعِ اللهِ إِلَى الْمُتَحَزِّنِ بِصَوْتِهِ بِالْقُرْآنِ. فذكر بسنده من طريق أبي سلمة
حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِلَّذِي يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ»
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَوْلُهُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ» يُرِيدُ: مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ «كَأَذَنِهِ»: كَاسْتِمَاعِهِ: لِلَّذِي يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ«، يُرِيدُ: يَتَحَزَّنُ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا نَعْتَهُ
بوب البيهقي في دلائل النبوة:
بَابُ ذِكْرِ اجْتِهَادِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، عز وجل، وَخَوْفِهِ مِنْهُ
وبوب البيهقي في الكبرى:
بَابُ مَنْ بَكَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ صَوْتِهِ مَا يَكُونُ كَلَامًا لَهُ هِجَاءٌ
وبوب في شعب الإيمان:
باب في الخوف من الله تعالى
البكاء عند قراءة القرآن
بوب عليه مقبل في الجامع:
103 – البكاء في الصلاة
19 – خشيته صلى الله عليه وسلم ربه
* مفردات الحديث:
– أزيز: الأزِيز، بفتح الهمزة، بعدها زاي معجمة، فياء، ثمَّ زاي أخرى معجمة، صوت غليان القِدْر.
– المِرْجَل: بكسر الميم، فسكون الرَّاء المهملة، ففتح الجيم فلام: هو القِدر الَّذي يُطْبَخُ به.
– من البكاء: البكاء إذا مددتَّ أردتَّ به الصوتَ الَّذي يكونُ معه، وإذا قصرت أردتَّ خروجَ الدمع، قاله العيني في شرح البخاري، وهاهنا المراد به: المعنى الأوَّل.
قال الخطابي:
قلت أزيز الرحاء صوتها وجرجرتها وفيه من الفقه أن البكاء في الصلاة لا يفسدها.
[معالم السنن 1/ 215]
—
قال ابن رجب:
وقد دل القرآن على مدح الباكين من خشية الله في سجودهم، فقالَ تعالى:
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُون﴾ [الإسراء: من الآية١٠٩] . وقال: ﴿ِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: من الآية٥٨] .
وقد اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على الثلاثة أقوال:
أحدها: إنه إن كانَ لخوف الله تعالى لم يبطل الصلاة، وإن كانَ لحزن الدنيا ونحوه فهوَ كالكلام، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
ولأصحابنا وجه ضعيف: أنه إن كانَ عن غير غلبة أبطل.
والمنصوص عن أحمد: إن كانَ عن غلبة لا بأس به.
قالَ القاضي أبو يعلى: إن كانَ عن غلبة لم يكره، وإن استدعاه كره. قالَ: وإن كانَ معه نحيب أبطل.
وهذا ليس في كلام الإمام أحمد، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجود.
وقد قالَ ابن بطة من أصحابنا: إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل.
فالنحيب أولى.
والقول الثاني: إنه لا يبطل بكل حال، وليس هوَ كالكلام؛ لأنه لا يسمى به متكلما، وهو قول أبي يوسف.
وكذا قالَ مالك في الأنين: لا يقطع صلاة المريض، وأكرهه للصحيح.
وقال أبو الثور: لا بأس بالأنين، إلا أن يكون كلام مفهوم.
وتوقف الإمام أحمد في رواية المروذي
والتباكي من مصيبة، ولم يجزم بالبطلان.
وقال في رواية أبي الحارث في الصلاة: إن كانَ غالبا عليهِ أكرهه.
ومعنى قوله: «غالبا» – أي: كانَ مختارا لهُ، قادر على رده، بحيث لم يغلبه الأنين، ولم يقهره. وظاهر كلامه أنه لا يبطل صلاته.
وقال القاضي أبو يعلى: إنما أراد إذا كانَ أنينه «عاليا» من العلو أو رفع الصوت؛ لما يخشى من الرياء به، أو إظهار الضجر بالمرض ونحوه.
وهذا الذي فسره تصحيف منه. والله أعلم.
والثالث: إنه كلام بكل حال، حكي عن الشعبي والنخعي ومغيرة والثوري.
وإنما المنقول عنهم في الأنين، ونقل عن الشعبي في التأوه.
وهذا محمول على لم يكن من خشية الله، فقد كانَ الثوري إذا قرأ في صلاته لم تفهم قراءته من شدة بكائه.
وهو مذهب الشافعي، وعنده: إن أبان به حرفان أبطل الصلاة، وإلا كره ولم تبطل.
وكذا قالَ أصحابنا في البكاء لحزنه ونحوه: إذا لم يغلب عليهِ، فأن غلب عليهِ صاحبه ففي البطلان به وجهان.
ولا يعرف الإمام أحمد اعتبار حرفين في ذَلِكَ -: قاله القاضي أبو يعلى ومن اتبعه.
وما تقدم عن أبي بكر وعمر رضي الله عنه يدل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله حسن جميل، ويقبح أن يقال: لا يبطلها؛ فإن ما كانَ زينة الصلاة وزهرتها وجمالها كيف يقنع بأن يقال فيهِ: غير مبطل؟ ولم يزل السلف الصالح
الخاشعون لله على ذَلِكَ.
روى الإمام أحمد في «كتاب الزهد» بإسناده، عن نافع، قالَ: كانَ ابن عمر يقرأ في صلاته، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة، فيقف عندها فيدعوا ويسأل الله الجنة.
قالَ: ويدعوا ويبكي. قالَ: ويمر بالآية فيها ذكر النار، فيدعوا ويستجير بالله منها.
وبإسناده، عن أبن أبي ملكية، قالَ صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة. قالَ: وكان إذا نزل قام ينتظر الليل، فسأله أيوب: كيف كانت قراءته؟
قالَ: قرأ ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]
فجعل يرتل، ويكثر في ذَلِكَ النشيج.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن القاسم بن محمد، قالَ: كنت غدوت يوما فإذا عائشة قائمة تسبح – يعني: تصلي – وتبكي، وتقرأ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] . وتدعوا وتبكي، وترددها. فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي، تصلي وتبكي.
والروايات في هذا عن التابعين ومن بعدهم كثيرة جدا، وإنما ينكر ذَلِكَ من غلبت عليهِ الشقوة، أو سبقت لهُ الشقوة.
فتح الباري لابن رجب
— ابن رجب الحنبلي [٢٦٢/٦-٢٦٥]
———-
قال أبو عبد الله الحَلِيمي (ت 403 هـ):
التاسع عشر من شعب الإيمان
وهو باب في تعظيم القرآن
وذلك ينقسم إلى وجوه:
منها تعلمه، ومنها إدمان تلاوته بعد تعلمه، ومنها إحضار القلب إياه عند قراءته والتفكير فيه، وتكرير آياته وترديدها واستشعارها يهيج البكاء من مواعظ الله تعالى ووعيده فيه. ومنها افتتاح القراءة بالاستعاذة. ومنها قطع القراءة في وقته بالحمد والتصديق، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالتبليغ، فإذا ختم القرآن وقرأه كله.
فلذلك آداب….
وأما إحضار القارئ قلبه ما يقرأه، والتفكر فيه، فلأنه خطاب الله تعالى الذي يخاطب به عباده. فمن قرأه ولم يتفكر فيه، وهو من أهل أن يدركه بالتفكير، كان كمن لم يقرأه لأنه لم يصل إلى غرض القراءة من قراءته.
وأيضًا فإن القرآن يشتمل على آيات مختلفة الحقوق، فإذا ترك التفكير فيما يقرأ، استوت الآيات كلها عنده، فلم يرع لواحد منها حقه. فثبت أن التفكر من شرائط القراءة ليتوصل إلى إدراكه ومعانيه.
وأيضًا فإن ترديد الآية والتخشع بالبكاء عندها سنة القارئ، فإذا لم يعرف ما يقرأ لغفلته عنه لجهله به، لم يميز موضع الترديد، ولا جادت عينه بدمع. فصح أن سنته إذا كان عالمًا باللسان فهما مميزًا أن يقرأ متفكرًا، ويبين ما قلت ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ردد هذه الآية حتى أصبح:{إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} .
وقال محمد بن كغيلان: اقرأ إذا زلزلزت، والقارعة، أرددها وأتفكر فيهما أحب إلى من هذا القرآن. وقال سعيد بن عبيد الطائي: سمعت سعيد بن جبير رضي الله عنه، وهو يؤمهم في شهر رمضان، وهو يردد هذه الآية:} فسوف تعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون {.
وقال القاسم: رأيت سعيد بن جبير أقام ليله يصلي يقرأ} واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت {فرددها بضعًا وعشرين مرة، وكان يبكي بالليل حتى عمش.
وقال الحسن: يا ابن آدم: كيف يرق قلبك وإنما همك في آخر سورتك. وقال بعضهم: بعثتني أسماء إلى السوق، فافتتحت سورة “والطور، وانتهت إلى قوله عز وجل:} ووقانا عذاب السموم {فذهبت ورجعت وهي تكرر هذه الآية.
وقال رجل من قيس : بينا ذات ليلة عند الحسن، فقام من الليل يصلي فلم يزل يردد هذه الآية حتى اسحر:} وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها {. فلما أصبح قلنا: يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليلة، قال: إن فيها معتبرًا ما يرفع طرفًا ولا يرده إلا وقع على نعمة، وما لا يعلم من نعم الله أكثر.
وأما البكاء فقد روى (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء). وعنه صلى الله عليه وسلم: (أن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا). وأن أبا بكر رضي الله عنه ابتنى بيتًا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينعصف عليه فيبكي المشركين، وابناؤهم معجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلاً بكاء لا يملك دمعة إذا قرأ القرآن.
وكان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس فبكى في قراءته حتى انقطعت قراءته، وسمع نحيبه من وراء ثلاثة صفوف. وقرأ ابن عمر رضي الله عنه:} ويل للمطففين {فلما أتى على هذه الآية} يوم يقوم الناس لرب العالمين {بكى حتى انقطع عن قراءة ما بعدها.
[المنهاج في شعب الإيمان 2/ 210]
وعدد الإمام المروَزي المتوفى سنة ٢٩٤ هـ في كتابة (قيام الليل وقيام رمضان) (٦٤) روايات كثيرة عن السلف في ترديد الآيات مرة بعد مرة يتدبرون فيها مما يدل على وقوعها في قلوبهم.
قال ابن القيم-رحمه الله : وهذه كانت عادةَ السَّلف يُرَدّدُ أحدهم الآيةَ إلى الصباح
«مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٥٣).
قال عبدالحق الإشبيلي:
بَاب الترتيل فِي الْقِرَاءَة وَمن بَكَى فِي الصَّلَاة
… مُسلم: عَن عَائِشَة قَالَت: ” لما دخل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ – بَيْتِي قَالَ: مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ. قَالَت: فَقلت: يَا رَسُول الله إِن أَبَا بكر رجل رَقِيق، إِذا قَرَأَ الْقُرْآن لَا يملك دمعه، فَلَو أمرت غير أبي بكر. قَالَت: وَالله مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَة أَن يتشاءم النَّاس بِأول من يقوم فِي مقَام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ -. قَالَت: فراجعته مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. فَقَالَ: ليصل بِالنَّاسِ أَبُو بكر؛ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِب يُوسُف “.
أَبُو دَاوُد: عَن مطرف، عَن أَبِيه قَالَ: ” رَأَيْت النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ – يُصَلِّي وَفِي صَدره أزيز كأزيز الرَّحَى من الْبكاء “.
النَّسَائِيّ: أخبرنَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمسور الزُّهْرِيّ، ثَنَا غنْدر، عَن شُعْبَة، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن أَبِيه، عَن عبد اللَّهِ بن عَمْرو قَالَ: ” كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ – فصلى رَسُول اللَّهِ فَأطَال الْقيام، ثمَّ ركع فَأطَال الرُّكُوع، ثمَّ رفع فَأطَال – قَالَ شُعْبَة: وَأَحْسبهُ قَالَ فِي السُّجُود نَحْو ذَلِك – وَجعل يبكي فِي سُجُوده وينفخ وَيَقُول: رب لم تعدني هَذَا وَأَنا أستغفرك، لم تعدني هَذَا وَأَنا فيهم. فَلَمَّا صلى قَالَ: عرضت عَليّ الْجنَّة حَتَّى لَو مددت يَدي تناولت من قطوفها، وَعرضت على النَّار فَجعلت أنفخ خشيَة أَن يغشاكم حرهَا، وَرَأَيْت فِيهَا سَارِق (بَدَنَة) رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ – وَرَأَيْت فِيهَا أَخا بني (دعدع) سَارِق الحجيج، فَإِذا فطن لَهُ قَالَ: هَذَا عمل المحجن، وَرَأَيْت فِيهَا امْرَأَة طَوِيلَة سَوْدَاء تعذب فِي هرة ربطتها فَلم تطعمها وَلم تسقها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض حَتَّى مَاتَت، وَإِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحدكُم وَلَا لِحَيَاتِهِ، ولكنهما آيتان من آيَات اللَّهِ – تَعَالَى – فَإِذا (انكسف) إِحْدَاهمَا – أَو قَالَ: فعل إِحْدَاهمَا شَيْئا من ذَلِك – / فَاسْعَوْا إِلَى ذكر اللَّهِ “.
شُعْبَة بن الْحجَّاج وسُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة – رووا عَن عَطاء بن السَّائِب قبل اخْتِلَاطه.
[الأحكام الكبرى 2/ 221]
قال ابن رسلان:
(من البكاء) فيه دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة سواء ظهر منه حرفان أم لا، وقد تقدم حكايته عن النص، وقيل: إن كان بكاؤه من خشية الله تعالى لم تبطل، وهذا الحديث يدل عليه.
ويدل عليه أيضًا ما رواه ابن حبان بسنده إلى علي بن أبي طالب قال:
ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم[تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح وبوب عليه: ذكر الإباحة للمرء أن يبكي في صلاته إذا كان من خشية الله تعالى، ويؤيده ما رواه المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم] نفخ في صلاة الخوف وبكى .
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 5/ 48]
قال ابن حجر:
70 – باب إذا بكى الإمام في الصلاة
وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}
716 – حدثنا إسماعيل قال: حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة – أم المؤمنين – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس، قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس؛ من البكاء، فمر عمر فليصل، فقال: مروا أبا بكر فليصل للناس، قالت عائشة لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس؛ من البكاء، فمر عمر فليصل للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس، قالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا.
قوله: (باب إذا بكى الإمام في الصلاة) أي: هل تفسد أو لا؟ والأثر والخبر اللذان في الباب يدلان على الجواز، وعن الشعبي، والنخعي، والثوري أن البكاء والأنين يفسد الصلاة. وعن المالكية والحنفية إن كان لذكر النار والخوف لم يفسد، وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه؛ أصحها إن ظهر منه حرفان أفسد وإلا فلا. ثانيها: وحكي عن نصه في الإملاء أنه لا يفسد مطلقا؛ لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق، فأشبه الصوت الغفل. ثالثها عن القفال: إن كان فمه مطبقا لم يفسد، وإلا أفسد إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولي. والوجه الثاني أقوى دليلا.
(فائدة): أطلق جماعة التسوية بين الضحك والبكاء، وقال المتولي: لعل الأظهر في الضحك البطلان مطلقا؛ لما فيه من هتك حرمة الصلاة، وهذا أقوى من حيث المعنى، والله أعلم.
قوله: (وقال عبد الله بن شداد) أي: ابن الهاد، وهو تابعي كبير له رؤية، ولأبيه صحبة.
قوله: (سمعت نشيج عمر) النشيج – بفتح النون وكسر المعجمة وآخره جيم – قال ابن فارس: نشج الباكي ينشج نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. وقال الهروي: النشيج صوت معه ترجيع، كما يردد الصبي بكاءه في صدره. وفي المحكم: هو أشد البكاء. وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا وزاد: في صلاة الصبح. وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد بن عمير، عن عمر نحوه، وقد تقدم الكلام على حديث أبي بكر وقوله فيه: من البكاء أي: لأجل البكاء. وفي الباب حديث عبد الله بن الشخير: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي في الشمائل وإسناده قوي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووهم من زعم أن مسلما أخرجه. والمرجل بكسر الميم وفتح الجيم: القدر إذا غلت. والأزيز بفتح الهمزة بعدها زاي ثم تحتانية ساكنة ثم زاي أيضا: وهو صوت القدر إذا غلت وفي لفظ: كأزيز الرحى.
[فتح الباري لابن حجر 2/ 206 ط السلفية]
قال العباد:
فالحديث دال على حصول البكاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ودال على أن البكاء في الصلاة لا يؤثر شيئاً، والبكاء المحمود هو الذي يأتي من غير تكلف، وإنما يكون من خشية الله سبحانه وتعالى.
كذلك إذا بكى الإمام في الصلاة وبسبب بكائه أبكى فهذا لا يؤثر، مادام أنه ليس فيه تكلف، وهذا مثل المرأة الصحابية التي جاءها بعض الصحابة وزاروها فهيجتهم على البكاء، وجعلتهم يبكون سجية بغير تكلف.
[شرح سنن أبي داود للعباد 115/ 26 بترقيم الشاملة آليا]
قال أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: البكاء في الصلاة مباح يدلّ على إباحته غير خبر عن رسول الله ﷺ، ومن ذلك حديث علي رضي الله عنه، المذكور في الباب، ….وذكر الأحاديث والآثار السابقة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله -تعَالَى- من كون البكاء في الصلاة مباحًا هو الراجح عندي.
وحاصله أن البكاء في الصلاة لا يبطلها، قليلًا كان أو كثيرًا، ظهر منه حرفان، أم لا؛ للأحاديث المذكورة، ولحديث عائشة رضي الله عنها في قصة إمامة أبي بكر رضي الله عنه: «إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء». . . الحديث. ولأن الله -تَعَالَى- مدح البكائين في كتابه، فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: الآيات: ١٠٧ – ١٠٩] الآية. وقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: الآية: ٥٨] وأفضل أركان الصلاة تلاوة القرآن، ولذلك قال النبي ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت». أي القيام. فالبكاء في تلاوة القرآن مطلوب في الصلاة وخارجها، فلو كان مبطلا لها لبينه النبي ﷺ، بل ثبت عنه ما يقرره، فكان يبكي في صلاته، كما بينته أحاديث الباب. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى ١٤/٢٢٨-٢٣٢
——
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” البكاء عند قراءة القرآن ، وعند السجود ، وعند الدعاء من صفات الصالحين ، والإنسان يحمد عليه ” انتهى .
“مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين” (13 / 238) .
وأما البكاء في الصلاة لمصاب دنيوي : فإن كان مغلوباً عليه ، ولا يمكن دفعه فلا حرج عليه ، ولا تبطل صلاته بذلك ، أما إن كان يقدر على دفعه فلم يدفعه واسترسل معه وكان بكاؤه بصوت فهو مبطل للصلاة عند الأئمة الأربعة رحمهم الله ، واشترط بعضهم كالشافعي وأحمد لبطلان الصلاة أن يظهر منه حرفان .
وانظر : “الموسوعة الفقهية” (8/170) .
قال ابن قدامة رحمه الله :
“َأَمَّا الْبُكَاءُ وَالتَّأَوُّهُ وَالْأَنِينُ الَّذِي يَنْتَظِمُ مِنْهُ حَرْفَانِ فَمَا كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ خَوْفِ اللَّهِ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ” انتهى .
“المغني” (1/394-395) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله :
“مَا يُغْلَبُ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي مِنْ عُطَاسٍ وَبُكَاءٍ وَتَثَاؤُبٍ فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ” انتهى .
“مجموع الفتاوى” (22 / 623) .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
“البكاء في الصلاة إذا كان من خشية الله عز وجل والخوف منه وتذكر الإنسان أمور الآخرة وما يمر به في القرآن الكريم من آيات الوعد والوعيد فإنه لا يبطل الصلاة . وأما إذا كان البكاء لتذكر مصيبة نزلت به أو ما أشبه ذلك فإنه يبطل الصلاة ؛ لأنه حدث لأمر خارج عن الصلاة ، وعليه أن يحاول علاج نفسه من هذا البكاء حتى لا يتعرض لبطلان صلاته ، ويشرع له أن لا يكون في صلاته مهتماً بغير ما يتعلق بها فلا يفكر في الأمور الأخرى ؛ لأن التفكير في غير ما يتعلق بالصلاة في حال الصلاة ينقصها كثيرا” انتهى .
“فتاوى نور على الدرب” (141 / 9) .
——
والأفعال الجبلية على ضربين:
الضرب الأول:
فعل يقع منه ﷺ اضطرارًا دون قصد منه لإيقاعه مطلقًا، وذلك كما نقل أنه كان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر ، وإذا كره شيئًا رؤي في وجهه ، وكتألمه من جرح يصيبه، أو حصول طعم الحلو والحامض في فمه من طعام يأكله، وما يدور في نفسه من حبٍّ وكراهة لأشخاص أو أشياء، مما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده، ككراهيته أكل لحم الضب، وكراهيته قاتل حمزة.
ومثل هذا أيضًا ما يفعله في حالات اللاّوعي، كما يقع منه من الحركات وانتقال الأعضاء في منامه، أو غفلته، أو نحو ذلك.
فهذا النوع لا حكم له شرعًا، لوقوعه دون قصد منه ﷺ، وهو لذلك خارج عن نطاق التكليف، ومن أجل ذلك لا يستفاد منه حكم، ولا يتعلق به أمر باقتداء ولا نهي عن مخالفة.
* ومما يستأنس به لصحة هذه القاعدة ما ورد أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: “اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا أملك» (١). والذي لا يملكه ﷺ هنا هو ميل القلب إلى إحداهنّ أكثر من الأخرى. فهذا لا قدوة فيه، والمطلوب العدل قدر الإمكان.
وقد يقع من الأفعال ما يشتبه فيه أنه اضطراري أو غير اضطراري، فيقع الاشتباه في حكمه على أساس ذلك. ومن ذلك ما ورد عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء» (٢) ﷺ يحتمل أنه كان يستدعي البكاء بمناسبته لمقصود العبادة، فيدل على جواز استدعائه، ويحتمل أنه ﷺ كان يغلبه البكاء وهو لا يريده، فلا يدل على جواز استدعاء البكاء. …. ثم ذكر الباحث قسم تقسيمات وذكر أمثلة
أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية ١/٢٢٠-٢٢٤
في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو جواز البكاء في الصلاة. وأنه لا يبطلها.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من شدة الخوف والبكاء مع أن الله -تَعَالَى- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ومنها: أنه ينبغي للمسلم أن يكون دائم الخوف من الله -تَعَالَى- حتى في الصلاة التي هي من أعظم القربات، فإنها إنما تنفع إذا كانت بالخشوع والخوف من الله سبحانه، قال الله -تَعَالَى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: الآيتان:١، ٢]. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.