[1ج/ رقم (397)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند ( تعديل 1 )
مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي وأحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (397)]:
٣٩٧ – قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله (ج ٢ ص ١٣٣٢): حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أبُو طُوالَةَ، حَدَّثَنا نَهارٌ العَبْدِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ النَّاسِ».
هذا حديث حسنٌ.
===================
الحديث سيكون من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو داود في السنن، ٣٦ – كتاب: الفتن، ٢١ – بَابُ: قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، رقم (٤٠١٧).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٢٩ – كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ٢ – السعة في ترك المنكر إذا لم يستطع إنكاره، (٣٤١٥).
و٣٣ – كتاب التفسير، ٨١ – قوله تعالى: ﴿ولْتَكُنْ مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، (٣٩٥٣).
و٣٤ – كتاب التوحيد، ٨٩ – صفة الكلام، (٤٦٠٢).
وقال محققو سنن ابن ماجة الأرنؤوط وغيره – ط: الرسالة – (5/ 148 -149):
“إسناده حسن.
نهار العبدي: هو نهار بن عبد الله العبدي المدني حسن الحديث وباقي رجاله ثقات.
وأخرجه الحميدي (٧٣٩)، وعبد بن حميد (٩٧٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧٥٧٥) من طرق عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، بهذا الإسناد.
وهو في «مسند أحمد» (١١٢١٤)، و«صحيح ابن حبان» (٧٣٦٨)”. انتهى.
وهو في الصحيحة ٩٢٩
والثاني: شرح وبيان الحديث
(يا رب؛ رجوتك) أي: رجوت رحمتك وعفوك لي في تركي إنكار المنكر، (وفَرقْتُ) أي: خِفْتُ (من) إِذاية (الناس) وشَرِّهم إن أنكرتُ ذلك المنكر عليهم؛ أي: خِفْتُهم ورجوتُ المسامحةَ لي في حقك؛ اعتمادًا على أنك كريم مرجوُّ العَفْوِ؛ لكمال فضلك وسعة غفرانك وإدراك لطفك لي، بخلاف الناس؛ فإنهم من الشح بمكان بعيد.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: وهذا الحديث إسناده صحيح، رواه الحاكم في «المستدرك» من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد فذكره، وسياقه أتم، وأخرجه أيضًا ابن حبان في «صحيحه»، وأحمد في «مسنده».
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحةِ سندِه، ولأن له متابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي ثعلبة الخشني. [شرح سنن ابن ماجه، (24/ 178 – 178)، بتصرف يسير].
قال الصنعاني رحمه الله:
[إن قلت]: يعارضه حديث أبي سعيد رضي الله عنه الماضي قريبًا: «ألا، لا يمنعن رجلًا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه».
[قلت]: لعل الأول في مهابة لا تقضي إلى شيء تنزل به، وهذا في خوف حصل منه ظن إنزال المكروه به، ولذا عبر هنالك بتهاب وهنا بفرق.
وفيه دليل على أنه لا يسقط الإنكار مخافة شر من ينكر عليه إذ لو سقط لما سئل عنه وعوقب على تركه. (حم ٥ حب عن أبي سعيد) رمز المصنف لصحته. [التنوير شرح الجامع الصغير — الصنعاني (ت ١١٨٢)، (3/ 343 – 344، برقم”١٧٩٠”)].
ونقل البيهقي عن الإمام أحمد: هذا فيمن
يخاف سطوتهم
قال البيهقي:
[٧١٦٨] أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر القطان، حدثنا أحمد بن يوسف قال ذكر سفيان عن هشام بن سعد، عن نهار، عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ ليسأل العبد يوم القيامة فيقول: مالك إذا رأيت المنكر فلم تنكره؟ – قال رسول الله ﷺ:- فإذا لقن الله عبدًا حجته، فيقول: يارب خفتُ الناس ورجوتك».
قال الإمام أحمد: ويحتمل أن يكون هذا فيمن يخاف سطوتهم وهو لا يستطيع دفعها عن نفسه.
شعب الإيمان – ط الرشد ١٠/٦٤ — أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨)
قد تكلّم النوويّ رحمه الله تعالى على هذا الحديث في «شرحه» بكلام نفيسٍ، ملخّص مما قاله المحقّقون، أحببت إيراده هنا، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن ذكره مجموعًا في موضع واحد أعون على استيعابه، وأسرع لاستحضاره:
قال رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ: «فليغيره»: فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تَطَابق على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يُعتَدّ بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي، إمام الحرمين: لا يُكتَرث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء.
ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة، وأما قول الله ﷿: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٥]، فليس مخالفًا لما ذكرناه؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كُلّفتم به، فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان كذلك، فمما كُلِّف به الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطَب، فلا عَتْبَ بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي، لا القبول، والله أعلم.
(١) راجع: «المفهم» ١/ ٢٣٤.
ثم إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس، سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه، بلا عذر، ولا خوف.
ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يَعْلَم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يَرَى زوجته، أو ولده، أو غلامه على منكر، أو تقصير في المعروف.
قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي، لا القبول، وكما قال الله ﷿: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨]، ومَثَّل العلماء هذا بمن يرى إنسانًا في الحمام، أو غيره، مكشوف بعض العورة، ونحو ذلك، والله أعلم.
قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كاملَ الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كان مُخِلًّا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخلّ بأحدهما، كيف يباح له الإخلال بالآخر؟.
قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير ولاية، والله أعلم.
ثم إنه إنما يأمر وينهى، من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة، كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر، ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم
يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين (١)، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنّة، أو وقوع في خلاف آخر.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢/٢٠٥-٢٠٧ — محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (ت ١٤٤٢)
قال الشيخ الفوزان حفظه الله
لا تعارض بين الحديثين؛ لأن الحديث الأول يدل على أن إنكار المنكر لابد منه، ولكنه على مراتب: فالمرتبة الأولى: أن يغيره بيده وذلك إذا كان من أهل السلطة وأهل الحسبة الذين يأخذون على يد العصاة بالأدب والعقوبة، وليس هو كما ذكر السائل القوي في بدنه والقوي في نفسه، لا بل المراد به صاحب السلطة الذي يتمكن من إزال المنكر بالقوة لكونه سلطانًا أو مأمورًا من قبل السلطان، أو لكونه صاحب البيت؟ لأن صاحب البيت له السلطة على من فيه من أولاده وأهله فيغير عليهم المنكر بيده؛ لأن الله أعطاه السلطة عليهم، فإذا لم يكن بيده سلطة عامة ولا خاصة فإنه يغير بلسانه بأن يبين المنكر وينهى عنه ويحذر منه إن استطاع ذلك، فإن لم يستطع أن يبين بلسانه لكونه يخشى مفسدة أشد فإنه ينكره بقلبه، ويبغض المنكر وأهل المنكر ولا يطمئن إلى العصاة ولا يأنس بهم، وإنما يخالفهم ويتباعد عنهم، ولا يكون كبني إسرائيل الذين كانوا ينهون عن المنكر في أول الأمر ثم لا يمنعهم بعد ذلك أن يجالسوا العصاة وأن يأنسوا بهم، هذا ما يدل عليه الحديث الأول. أما الحديث الثاني وهو أن الله سبحانه يسأل العبد يوم القيامة: لماذا لم ينكر المنكر؟ فيقول: إني خشيت الناس، فيقول الله: أن أحق أن تخشاني الحديث أيضًا ظاهر في أن هذا في شخص كان يستطيع أن ينكر بيده ولكنه لم ينكر، أو يستطيع أن ينكر بلسانه ولكنه لم ينكر، بل ادخر وسعه وترك ما يقدر عليه من إنكار المنكر مداراة للناس ومجاملة لهم، فهذا هو الذي يكون ملومًا، أما الذي يترك إنكار المنكر بيده أو بلسانه لكونه لا يستطيع ذلك، أو يخشى من مفسدة أشد، فهذا يكون معذورًا في هذه الحالة على أن ينكر ذلك بقلبه ويبتعد عنه وعن أهله، فلا تعارض بين الحديثين، ولله الحمد.
تنبيه : حديث ( خشيت الناس ) أخرجه أحمد 11255 ضعفه محققو المسند وراجع رقم 11017 . وفي حديث 11017 حديث لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو شهده أو سمعه . وقالوا اسناده صحيح . وهو في الصحيح المسند 414
رابعا : هل يغير المنكر باليد؟ ولمن يكون التغيير باليد مع ذكر الأدلة حفظكم الله؟
قال ابن باز رحمه الله تعالى
الله سبحانه وصف المؤمنين بإنكار المنكر والأمر بالمعروف، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا، وما ذاك إلا لأهميته وشدة الحاجة إليه.
وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم في الصحيح.
فالإنكار يكون باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع.
أما من لا يستطيع ذلك أو إذا غيره بيده يترتب عليه الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده، بل ينكر بلسانه، ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره، كما نص على ذلك أهل العلم.
أما هو فحسبه أن ينكر بلسانه، فيقول: يا أخي، اتق الله، هذا لا يجوز، هذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة والأسلوب الحسن.
ثم بعد اللسان القلب، يعني يكره بقلبه المنكر ويظهر كراهته ولا يجلس مع أهله، فهذا من إنكاره بالقلب، والله ولي التوفيق.
قال المصنف في كتاب قواعد وفوائد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
ومن الأمر بالمعروف كذلك الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة وغير ذلك، وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله، وهو أن يدعو مع الله إلها آخر كالشمس والقمر والكواكب أو كملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء أو رجل من الصالحين أو أحد من الجن أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى، أو يستغاث به، أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله، ومن المنكر كل ما حرمه الله، كقتل النفس بغير الحق، وأكل أموال الناس بالباطل بالغصب أو بالربا أو الميسر والبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال، والميزان والإثم والبغي، وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك” .
[ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
– التعلل بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطلب السلامة من الفتنة:
قال – رحمه الله-: ” وقال: {وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُون}، ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال تعالى عن المنافقين: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا}، وقد ذكروا في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس … والناس فيه على قسمين: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبا لإزالة الفتنة زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتن الواقعة بين الأمة مثل الخوارج، وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة”
الاستقامة: ٢/ ٢٩٠٢٨٧ – .
– كمال الرسالة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال – رحمه الله-: ” وقوله سبحانه في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} هو لبيان كمال رسالته؛ فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث .
– هذه الأمة أكمل الأمم:
قال – رحمه الله-: ” هذه الأمة خير الأمم للناس، فهم أنفعهم لهم وأعظمهم أحسانا إليهم؛ لأنهم كملوا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر، حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد، وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وهذا كمال النفع للخلق وسائر الأمم، لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا جاهدوا على ذلك” (٢).
[من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
– كل أحد لا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى:
قال – رحمه الله-: ” وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى؛ حتى لو أنه وحده لكأن يأمر نفسه وينهاها: إما بمعروف، وإما بمنكر، كما قال الله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} ” (٣).
(١) الاستقامة: ٢/ ٢٠٠ – ٢٠١. (٢) الاستقامة: ٢/ ٢٠٦ – ٢٠٧. (٣) الاستقامة: ٢/ ٢٩٢.
والثالث: ملحقات: حِسْبَةٌ
(المسألة الأولى):
الْحِسْبَةُ لُغَةً:
اسْمٌ مِنَ الاِحْتِسَابِ، وَمِنْ مَعَانِيهَا الأَجْرُ وَحُسْنُ التَّدْبِيرِ وَالنَّظَرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلاَنٌ حَسَنُ الْحِسْبَةِ فِي الأَمْرِ إِذَا كَانَ حَسَنَ التَّدْبِيرِ لَهُ.
وَالْحِسْبَةُ اصْطِلاَحًا:
عَرَّفَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهَا الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ.
[الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٠، ولأبي يعلى ص ٢٦٦، ومعالم القربة ص ٧، ونهاية الرتبة في طلب الحسبة ص ٦، ولابن بسام ص ١٠].
(المسألة الثانية): مَشْرُوعِيَّةُ الْحِسْبَةِ:
شُرِعَتِ الْحِسْبَةُ طَرِيقًا لِلإِرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ وَمَنْعُ الضَّرَرِ.
وَقَدْ حَبَّبَ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ الْخَيْرَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَدْعُوا إِلَيْهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُنْكَرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنِ اقْتِرَافِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ فَقَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِهَا، وَقَرَنَهَا بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ، مَعَ تَقْدِيمِهَا فِي الذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وَوَصَفَ الْمُنَافِقِينَ بِكَوْنِهِمْ عَامِلِينَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وَذَمَّ مَنْ تَرَكَهَا وَجَعَل تَرْكَهَا سَبَبًا لِلَّعْنَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وَجَعَل تَرْكَهَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَشِيعَتِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
وَفَضَّل مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الأُمَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أَمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وَامْتَدَحَ مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الأُمَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وَجَعَل الْقِيَامَ بِهَا سَبَبًا لِلنَّجَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وَإِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا شِرْعَةٌ فُرِضَتْ عَلَى غَيْرِنَا مِنَ الأُمَمِ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ذَلِكَ بَعْضُ مَا يَدُل عَلَى شَرْعِهَا مِنَ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.
وَلَقَدْ سَلَكَتِ السُّنَّةُ فِي دَلاَلَتِهَا عَلَى ذَلِكَ مَسْلَكَ الْكِتَابِ مِنَ الأَمْرِ بِهَا، وَالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّهَاوُنِ فِيهَا؛ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّرضي الله عنه، أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)). [أخرجه مسلم (١ / ٦٩ – ط الحلبي)].
وَجَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِهَا؛ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ((لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا)). [أخرجه أبو داود (٤ / ٥٠٨ – تحقيق عزت عبيد دعاس) عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرفوعا به، وقال المنذري عن أبي عبيدة إنه لم يسمع من أبيه. كذا في الترغيب والترهيب (٣ / ٢٢٩ – ط الحلبي)].
(المسألة الثالثة): الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
الْحِسْبَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لاَ بِالنَّظَرِ إِلَى مُتَعَلَّقِهَا، إِذْ إِنَّهَا قَدْ تَتَعَلَّقُ بِوَاجِبٍ يُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ مَنْدُوبٍ يُطْلَبُ عَمَلُهُ، أَوْ حَرَامٍ يُنْهَى عَنْهُ،
فَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِوَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ فَوُجُوبُهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ، وَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِمَنْدُوبٍ أَوْ بِمَكْرُوهٍ فَلاَ تَكُونُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةً، بَل تَكُونُ أَمْرًا مُسْتَحَبًّا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ تَبَعًا لِمُتَعَلَّقِهَا؛ إِذِ الْغَرَضُ مِنْهَا الطَّاعَةُ وَالاِمْتِثَال، وَالاِمْتِثَال فِي ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا بَل أَمْرًا مُسْتَحَبًّا، فَتَكُونُ الْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ كَذَلِكَ أَمْرًا مُسْتَحَبًّا.
وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ مَا يَجْعَل الإِقْدَامَ عَلَيْهَا دَاخِلًا فِي الْمَحْظُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَتَكُونُ حَرَامًا [نصاب الاحتساب ١٨٩، ٢١٥، والفروق ٤ / ٢٥٨، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ٢٢، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٦٨، الآداب الشرعية ١ / ١٩٤].
وَقَدِ اسْتَدَل الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحِسْبَةِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِالأَدِلَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فِي الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ،
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ فِي النَّوْعِ الَّذِي لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى هُوَ الْمَعْرُوفُ بِوِلاَيَةِ الْحِسْبَةِ. وَقَاعِدَتُهُ وَأَصْلُهُ: الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَل بِهِ كُتُبَهُ. [الطرق الحكمية ٢٣٧].
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ. [شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٢، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٣].
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحِسْبَةَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ [أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣١٥، أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٩٢، وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي ٢ / ٦٢، وشرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، والطرق الحكمية ٢٣٧، قواعد الأحكام ١ / ٥٠، وجمع الجوامع بشرح الجلال المحلي وحاشية ١ / ١٨٥، ١٨٦، والآداب الشرعية ١ / ١٨١، غذاء الألباب ١ / ١٨٨]،
وَقَدْ تَكُونُ (فَرْضَ عَيْنٍ) فِي الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ، وَفِي (حَقِّ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) كَمَا يَلِي:
الأولَى: الأَئِمَّةُ وَالْوُلاَةُ وَمَنْ يَنْتَدِبُهُمْ أَوْ يَسْتَنِيبُهُمْ وَلِيُّ الأَمْرِ عَنْهُ؛ لأَنَّ هَؤُلاَءِ مُتَمَكِّنُونَ بِالْوِلاَيَةِ وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ؛ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إِلَى الاِسْتِيلاَءِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ الْوُلاَةُ وَالْحُكَّامُ، فَلاَ عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّهُ إِذَا أَهْمَل الْوُلاَةُ وَالْحُكَّامُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ. [الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٠، ٢٤١، وتحفة الناظر وغنية الذاكر ٤، ٢٤، وتفسير القرطبي ٤ / ١٦٥، ونصاب الاحتساب ٢٤، ١٨٩، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٤ / ٢٨، والآداب الشرعية ١ / ١٨٢، والطرق الحكمية ٢٣٧].
الثَّانِيَةُ: مَنْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ إِلاَّ هُوَ، أَوْ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ غَيْرُهُ كَالزَّوْجِ وَالأَبِ، وَكَذَلِكَ كُل مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْبَل مِنْهُ وَيُؤْتَمَرُ بِأَمْرِهِ، أَوْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ صَلاَحِيَّةَ النَّظَرِ وَالاِسْتِقْلاَل بِالْجِدَال، أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ. [شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٧٠، والآداب الشرعية ١ / ١٧٤، وغذاء الألباب ١ / ١٨١، نصاب الاحتساب ١٩٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٩٢].
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحِسْبَةَ قَدْ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَنْصُوبِ لَهَا بِحَسَبِ عَقْدٍ آخَرَ، وَعَلَى الْمَنْصُوبِ لِهَا تَجِبُ ابْتِدَاءً، كَمَا إِذَا رَأَى الْمُودِعُ سَارِقًا يَسْرِقُ الْوَدِيعَةَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَال فَحْلٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ وَإِنْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِل هُوَ أَوِ الَّذِي صَال عَلَيْهِ الْفَحْل، أَوْ مُعَيَّنًا لَهُ مِنَ الْخَلْقِ وَلاَ ضَمَانَ؛ لأَنَّ دَفْعَهُ فَرْضٌ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فَنَابَ عَنْهُمْ فِيهِ. [نصاب الاحتساب ٢٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٩٣، وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي ٢ / ٦٢].
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: الإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ وَلاَ يَسْقُطُ أَصْلًا، إِذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ.
وَقَال الإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّ تَرْكَ الإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ كُفْرٌ؛ لِحَدِيثِ وَهُوَ أَضْعَفُ الإْيمَانِ الَّذِي يَدُل عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَالإْنْكَارُ بِالْقَلْبِ لاَ بُدَّ مِنْهُ، فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَل عَلَى ذَهَابِ الإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ. [الفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤، والزواجر ٢ / ١٧٠، وغذاء الألباب ١ / ١٩٤، ١٩٥، نصاب الاحتساب ١٨٠، ١٨٣]
وَقَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى الْكُل مَعَ إِسْنَادِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْبَعْضِ بِمَا يُحَقِّقُ مَعْنَى فَرْضِيَّتِهَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْكُل، لَكِنْ بِحَيْثُ إِنْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلَوْ أَخَل بِهَا الْكُل أَثِمُوا جَمِيعًا.
وَلأَنَّهَا مِنْ عَظَائِمِ الأُمُورِ وَعَزَائِمِهَا الَّتِي لاَ يَتَوَلاَّهَا إِلاَّ الْعُلَمَاءُ الْعَالِمُونَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمَرَاتِبِ الاِحْتِسَابِ، فَإِنَّ مَنْ لاَ يَعْلَمُهَا يُوشِكُ أَنْ يَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ، وَيَغْلُظَ فِي مَقَامِ اللِّينِ، وَيَلِينَ فِي مَقَامِ الْغِلْظَةِ، وَيُنْكِرَ عَلَى مَنْ لاَ يَزِيدُهُ الإِنْكَارُ إِلاَّ التَّمَادِي وَالإِصْرَارَ. [إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٢ / ٦٧].
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ (حَرَامًا) فِي حَالَتَيْنِ:
الأُولَى: فِي حَقِّ الْجَاهِل بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ مَوْضُوعَ أَحَدِهِمَا مِنَ الآْخَرِ، فَهَذَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ إِلَى مُنْكَرٍ أَعْظَم مِنْهُ، مِثْل أَنْ يَنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَدِّي نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَى قَتْل النَّفْسِ، فَهَذَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ. [الناظر وغنية الذاكر ٤، ٦، والفروق ٤ / ٢٥٧، وانظر أيضا أدرار الشروق، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٧ / ٢٧، والآداب الشرعية ١ / ١٨٥، وغذاء الألباب ١ / ١٩١].
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ (مَكْرُوهًا) إِذَا أَدَّى إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ.
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ (مَنْدُوبًا) فِي حَالَتَيْنِ:
الأُولَى: إِذَا تَرَكَ الْمَنْدُوبَ أَوْ فَعَل الْمَكْرُوهَ، فَإِنَّ الاِحْتِسَابَ فِيهِمَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ وُجُوبُ الأَمْرِ بِصَلاَةِ الْعِيدِ وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً، لأَنَّهَا مِنَ الشِّعَارِ الظَّاهِرِ فَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ الأَمْرُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً. [الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٦٨، والآداب الشرعية ١ / ١٩٤، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤].
وَحَمَلُوا كَوْنَ الأَمْرِ فِي الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبًّا عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَسِبِ، وَقَالُوا: إِنَّ الإِمَامَ إِذَا أَمَرَ بِنَحْوِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ أَوْ صَوْمِهِ صَارَ وَاجِبًا، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ بَعْضُ الآْحَادِ لَمْ يَصِرْ وَاجِبًا. [الزواجر ٢ / ١٦٨، وحاشية رد المحتار ٢ / ١٧٢، والآداب الشرعية ١ / ١٨٢، ١٨٣].
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا سَقَطَ وُجُوبُ الاِحْتِسَابِ، كَمَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَئِسَ مِنَ السَّلاَمَةِ وَأَدَّى الإِنْكَارُ إِلَى تَلَفِهَا. [قواعد الأحكام ١ / ١١٠، ١١١، الفروق ٤ / ٢٥٧، ٢٥٨، نصاب الاحتساب ١٩٠، تحفة الناظر ٦، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٢ / ٣١٧].
وَيَكُونُ حُكْمُ الاِحْتِسَابِ (التَّوَقُّفَ) إِذَا تَسَاوَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ، لأَنَّ تَحْقِيقَ الْمَصْلَحَةِ وَدَرْءَ الْمَفْسَدَةِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ،
فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيل الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ، فُعِل ذَلِكَ امْتِثَالًا لأِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾،
وَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّرْءُ دُرِئَتِ الْمَفْسَدَةُ وَلَوْ فَاتَتِ الْمَصْلَحَةُ؛ قَال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُل فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ؛ لأَنَّ مَفْسَدَتَهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا. [قواعد الأحكام ١ / ٩٨].
وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْمَفَاسِدُ الْمَحْضَةُ، فَإِنْ أَمْكَنَ دَرْؤُهَا دُرِئَتْ، وَإِنْ تَعَذَّرَ دَرْءُ الْجَمِيعِ دُرِئَ الأَفْسَدُ فَالأَفْسَدُ، وَالأَرْذَل فَالأَرْذَل…. [قواعد الأحكام ١ / ٩٣].
وَيَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، أَوْ تَزَاحَمَتْ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إِذَا ازْدَحَمَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، فَإِنَّ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيل مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُل مِنَ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ، بَل يَكُونُ مُحَرَّمًا إِذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ،
لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ هُوَ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ؛ فَمَتَى قُدِّرَ لإِنْسَانٍ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ لَمْ يَعْدِل عَنْهَا، وَإِلاَّ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ لِمَعْرِفَةِ الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ،
وَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ أَوِ الطَّائِفَةُ جَامِعِينَ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ بِحَيْثُ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، بَل إِمَّا أَنْ يَفْعَلُوهُمَا جَمِيعًا، أَوْ يَتْرُكُوهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلاَ أَنْ يُنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ، بَل يُنْظَرُ،
فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ أُمِرَ بِهِ، وَإِنِ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنَ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، بَل يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيل اللَّهِ وَالسَّعْيِ فِي زَوَال طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَال فِعْل الْحَسَنَاتِ،
وَإِنْ كَانَ الْمُنْكَرُ أَغْلَبَ نُهِيَ عَنْهُ وَإِنِ اسْتَلْزَمَ فَوَاتَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَيَكُونُ الأَمْرُ بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُنْكَرِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ أَمْرًا بِمُنْكَرٍ وَسَعْيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَإِنْ تَكَافَأَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ الْمُتَلاَزِمَانِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُمَا.
فَتَارَةً يَصْلُحُ الأَمْرُ، وَتَارَةً يَصْلُحُ النَّهْيُ، وَتَارَةً لاَ يَصْلُحُ لاَ أَمْرٌ وَلاَ نَهْيٌ.
وَإِذَا اشْتَبَهَ الأمْرُ اسْتَبَانَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ، فَلاَ يُقْدِمُ عَلَى الطَّاعَةِ إِلاَّ بِعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، وَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ عَاصِيًا، فَتَرْكُ الأَمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ، وَفِعْل مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الأَمْرِ مَعْصِيَةٌ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. [الحسبة لابن تيمية ٧٧ – ٧٩].
(المسألة الرابعة): قال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري (ت ١٤١٣) في “القول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ص(63 – 65)، في معرض ذكره ل٣٢ فصل [فضل وفضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]:
“الثامنة عشرة: إن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من الذم والتوبيخ في الدنيا والآخرة، ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، فله نصيب من الذم والتوبيخ بقدر ما ترك.
قال الله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط.
ثم ذكر ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية.
وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها أَنَّا لا ننهى. رواه ابن جرير.
قال ابن جرير: وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها.
وروى ابن جرير أيضًا عن سلمة بن نبيط عن الضحاك أنه قال: الربانيون والأحبار فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية.
قلت: وفي الذم لبني إسرائيل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوبيخ لعلمائهم على المداهنة تحذير لهذه الأمة عمومًا.
ولعلمائهم خصوصًا، ولا سيما أرباب الولايات منهم أن يفعلوا كفعل بني إسرائيل، فيصيبهم ما أصابهم.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن، فإنه لنا.
وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه قال: «يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عزوجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى».
وفي رواية لهم أيضًا وللترمذي والحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه».
زاد الترمذي وابن ماجة: فبكى أبو سعيد، وقال: قد – والله – رأينا أشياء فهبنا. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة أيضًا وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر إن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب، رجوتك، وفرقت من الناس».
وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه، أو شهده أنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو أن يذكر بعظيم».
وروي أبو نعيم في الحلية عن إسماعيل بن عمر سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر خوفًا ممن لا يملك لك ضرًا، ولا نفعًا.
قال: وسمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة المخلوقين نزعت منه الطاعة، فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف به”. انتهى المراد.
(المسألة الخامسة):
فصل [في بيان أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة من الكبائر]
وقد عد ابن حجر الهيثمي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة من الكبائر، ونقل ذلك عن بعض الشافعية.
ونقله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن بعض الشافعية أيضًا وهو متجه، والدليل على ذلك ما جاء من الوعيد الشديد على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث في ذلك، ولله الحمد والمنة. [القول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري (ت ١٤١٣)، ص(93)].
(المسألة السادسة):
بعض الحالات يسقط فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان دون الإنكار بالقلب، فإنه لا يسقط بحال: في الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وفيه ثلاثة فصول:
١- الحال الأولى:- عدم القبول والانتفاع به.
٢- الحال الثانية:- أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر.
٣- الحال الثالثة:- عدم القدرة أو خوف الضرر.
يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأحوال التالية:-
الحال الأولى: عدم القبول والانتفاع به
يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مظنة النفع به فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما إذا وجدت هذه الصفات: الشحّ المطاع، والهوى المتبع، وإيثار الدنيا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذه الأمور تكون عند فساد الزمان، ومروج الأديان، وكثرة الفتن والحروب، وظهور التغيير والتبديل في الدين، وانتشار شرّ المنافقين، وفقد المعين والمناصر.
فإذا عدمت فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط وجوبه، ومن الأدلة على ذلك:
١- ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
٢- ما في سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: كيف تقولون في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ»[الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٥٨)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٤)].
٣- ما في سنن أبي داود عن عبد الله بن عمر قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، َوَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ وَأمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ»[أبو داود: الملاحم (٤٣٤٣)].
٤- ما روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قالوا: لم يأت تأويلها بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان.
من ذلك:
أ- عن ابن مسعود قال: «إذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية».
ب- عن ابن عمر قال: «هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم».
ج- قال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا: «إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت». ومما سبق يتبين أن من علم أنه لا يقبل منه، لم يجب عليه الأمر والنهي، وحكي هذا رواية عن الإمام أحمد
وقال الأوزاعي «أأمر من ترى أن يقبل منك».
وفي آخر حديث أبي ثعلبة الخشني السابق: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّابِرُ فِيهِنَّ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا (يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)»[الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٥٨)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٤)]، وفي لفظ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»[الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٥٨)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٤)]، وأخرج الحديث أيضًا الحاكم وصححه، وابن جرير والبغوي في معجمه.
وفي بعض ألفاظه: «وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ» وفي لفظ: «لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ»[ابن ماجه: الفتن (٤٠١٤)]، [انظر تفسير ابن كثير جـ٣ ص ٢٥٧ – ٢٥٩، وتفسير البغوي جـ٣ ص ٢٥٧ – ٢٥٩، وانظر أضواء البيان جـ٢ ص ١٧٥ – ١٧٦، وانظر الدرر السنية جـ٧ ص ٤٢ – ٤٣، وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٢٨٣ – ٢٨٤، وانظر تنبيه الغافلين لابن النحاس ص ١٠٦].
الحال الثانية: أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر.
أمثلة لترتب مفسدة على الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.
يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، فإن كان إنكار المنكر يستلزم حصول منكر أعظم من ذلك المنكر، فإنه يسقط وجوب الإنكار، بل لا يسوغ الإنكار والحال هذه؛ لما يأتي:
١- إجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين.
٢- أن الشريعة الباهرة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، وبناء على ذلك، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة.
ومن أمثلة ذلك:
١- الإنكار على ولي الأمر بالخروج عليه، فإنه يستلزم منكرًا أعظم، والنبي ﷺ شرع لأمته إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، والإنكار على الملوك والولاة يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه أساس كل شر وفتنة، ولهذا كان من أصول أهل السنة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، ولهذا «أمر النبي ﷺ بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، لما استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتالهم وقالوا: “أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ – قَالَ: لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ»[مسلم: الإمارة (١٨٥٥)، وأحمد (٦ / ٢٤،٦ / ٢٨)، والدارمي: الرقاق (٢٧٩٧)]، [الحديث رواه أحمد ومسلم، انظر نيل الأوطار جـ٧ ص ١٨٢ – ١٨٣]، وقال ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فُلْيَصْبِرْ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»[البخاري: الفتن (٧٠٥٤)، ومسلم: الإمارة (١٨٤٩)، وأحمد (١ / ٢٧٥)، والدارمي: السير (٢٥١٩)]، [ الحديث متفق عليه، انظر نيل الأوطار جـ٧ ص ١٨١]، وذلك لما في الخروج عليهم من الفتن العظيمة التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين وانتهاك أعراضهم وحرماتهم، ونهب أموالهم، واختلال أمنهم واستقرارهم.
٢- لما فتحت مكة وصارت دار إسلام، عزم النبي ﷺ على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم لكن منعه من ذلك خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر.
٣- إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أُبيّ وأمثاله من أئمة النفاق والفجور؛ لأن إزالة منكره بعقابه مستلزمة لإزالة معروف أكثر وحصول منكر أعظم، لما لهم من الأعوان بغضب قومهم وحمايتهم، وبنفور الناس عن الإسلام إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه.
٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية «مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم».
٥- أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، مع أنه حدّ من حدود الله؛ خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره، بأن يلحق صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم [انظر أعلام الموقعين جـ٣ ص ١٤ – ١٧، ومجموع الفتاوى جـ٢٨ ص ١٣١، وانظر أضواء البيان جـ٢ ص ١٧٥].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: “وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي -وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرّمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة،…. اهـ . [انظر مجموع الفتاوى جـ ٢٨ ص١٢٩ – ١٣٠].
وسبق نقله بأكمله
وقال الشيخ حمد بن ناصر: “لكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار، وأنكر بقلبه، وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه، أنه لا ينبغي، وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد [انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية جـ ٧ ص ٣١].
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف:»وأوصيكم أيضًا بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان بأمر من أمور الخير، نظر، فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل، وسلامة في الدين، وكان الأصلح الأمر به، مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شرّ وفتن، وتفريق كلمة في العاجل والآجل، ومضرة في الدين والدنيا، وكان الصلاح في تركه، وجب تركه ولم يأمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح اهـ [انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية جـ٧ ص ٤٠ – ٤١].
وقال بعض علماء نجد: «وأيضًا يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره» اهـ [انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج٧ ص ٢٩١].
فالذي يترتب على تغيير المنكر وإنكاره واحد من أمور أربعة:
١- أن يزول ويخلفه ضده من المعروف وهذا مشروع.
٢- أن يقلّ المنكر ويخفّ وإن لم يزل بجملته، وهذا مشروع أيضًا.
٣- أن يزول ويخلفه ما هو شر منه، وهذا محرم.
٤- أن يزول ويخلفه ما هو مثله من المنكر، وهذا موضع اجتهاد من المنكِر والناهي.
فمثلًا: إذا رأيت أهل الفجور والفسوق اجتمعوا على سماع مكاء وتصدية، أو رأيتهم مجتمعين ومشتغلين بكتب المجون واللهو ونحوها، فإن نقلتهم إلى طاعة الله، وإلى ما هو أحب إلى الله ورسوله: كالرمي وسباق الخيل، أو تلاوة كتاب الله، وقراءة الكتب النافعة، كان ذلك خيرًا، وإن لم يحصل ذلك فتركهم على ما هم عليه خير من أن يتفرغوا لما هو أعظم من ذلك، كالإقبال على كتب الضلال والبدع والسحر، أو التعدي على أموال الناس أو أعراضهم أو أبدانهم، ونحو ذلك من المفاسد [انظر أعلام الموقعين جـ٣ ص ١٦].
الحال الثالثة: عدم القدرة أو خوف الضرر
يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون قادرًا وأن لا يخشى ضررًا على نفسه أو ماله أو أهله أو على المسلمين فإن عجز أو خاف الضرر، سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب.
وليس مجرد الهيبة مانعًا من الإنكار، بل الخوف هو المسقط للإنكار، وله أن يزيل بيده ما فعله الظلمة من المنكرات، ويبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان له قدرة على ذلك، فإن خشي في الإقدام على الإنكار عليهم أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم يَنْبَغِ له التعرض لهم حينئذٍ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، وإن خاف منهم على نفسه السيف أو السوط أو الحبس، أو القيد أو النفي أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم ونهيهم، وقد نصّ الأئمة على ذلك: منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم.
قال أحمد: «لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول، فإن خاف السبّ أو سماع الكلام السيئ لم يسقط عنه الإنكار بذلك». نص عليه الإمام أحمد وإن احتمل الأذى وقوي عليه فهو أفضل، نصّ عليه أحمد أيضًا، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»[أبو داود: الملاحم (٤٣٤٤)]، [الحديث رواه أبو داود وابن ماجه، كشف الخفاء للعجلوني جـ١ ص ١٧٣].
وأما حديث: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أن يُذِلَّ نَفْسَهُ»[الترمذي: الفتن (٢٢٥٤)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٦)، وأحمد (٥ / ٤٠٥)، الحديث رواه أحمد والترمذي وصححه عن جندب وابن ماجه عن حذيفة، كشف الخفاء جـ٢ ص٥٢٤]، فإنما يدل على أنه إذا علم أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذٍ للأمراء، وهذا حق، وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر على ذلك [انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٢٨٢ – ٢٨٣].
قال القرطبي في تفسيره: «أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب على كل من قدر عليه» اهـ [انظر تفسير القرطبي جـ٤ ص ٤٨].
وقال القرطبي أيضًا: «قال ابن عطية والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه، وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه» اهـ [انظر تفسير القرطبي جـ٦ ص ٢٥٣].
وقال القرطبي أيضًا في تفسيره على آية النساء: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) قال: «فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية» اهـ [انظر تفسير القرطبي جـ٥ ص ٤١٨].
وقال عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره على آية النساء السابقة: «والحاصل أن من حضر مجلسًا يُعْصَى الله به، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم، أو القيام مع عدمها» اهـ [انظر تفسير ابن سعدي جـ٢ ص٩٣].
ولا يجوز للعاجز عن تغيير المنكر الدخول إلى أماكن الظلم والفسق، ومواطن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة.
قال ابن النحاس في كتابه «تنبيه الغافلين»: «من علم أن بموضع من بلده منكرًا لا يرجع إليه في إنكاره، لزمه أن لا يحضر ذلك الموضع، ويعتزل في بيته؛ حتى لا يشاهده، ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب؛ لأن عجزه عن الإنكار ليس عذرًا في مشاهدته هذا المنكر من غير ضرورة» اهـ [انظر ص ١٠٦ من كتابه].
تنبيه: الإنكار بالقلب لا يسقط عن أحد هذه الأحوال التي يسقط منها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما يسقط فيها وجوب الإنكار باليد واللسان، وأما الإنكار بالقلب فلا يسقط عن أحد، بل هو فرض على كل مسلم كما سبق. [القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، ص(154 – 168)].
(المسألة السابعة):
ولإتمام الفائدة فهذه خلاصة معتصرة في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم» (١/ ٣١٩):
هذا الحديث خرّجه مسلم، من رواية قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد ، ومن رواية إسماعيل بن رَجَاء، عن أبيه، عن أبي سعيد رضي الله عنه
قال: وقد رُوِي معناه من وجه آخر، فخرّجه مسلم، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبيّ ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ….» الحديث.
ورَوَى سالم المرادي، عن عمرو بن هَرِم، عن جابر بن زيد، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاءٌ شديدٌ من سلطانهم، لا ينجو منه إلا رجلٌ عَرَف دين الله، فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله، فصدّق به وللأوّل عليه سابقةٌ، ورجلٌ عرف دين الله، فسكت عليه، فإن رأى من يعمل بخير أحبه عليه، وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه»، وهذا غريب، وإسناده منقطع.
وخرّج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جدًّا، عن مولى لعمر، عن عمر رضى الله عنه ، عن النبي ﷺ قال: «توشك هذه الأمة أن تهلك إلا ثلاثة نفر: رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه، فإن جَبُن بيده فبلسانه وقلبه، فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه».
وخرّج أيضًا من رواية الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، عن عليّ رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «سيكون بعدي فِتَنٌ لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه»، قلت: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: «ينكرونه بقلوبهم»، قلت: يا رسول الله، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئًا؟ قال: «لا، إلا كما ينقص القطر من الصَّفَا»، وهذا الإسناد منقطع.
وخرّج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي ﷺ بإسناد ضعيف. فدَلَّت هذه الأحاديث كلُّها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم يُنكر قلبه المنكر دلّ على ذهاب الإيمان من قلبه.
وقد رُوِي عن أبي جحيفة قال: قال علي رضي الله عنه: “إن أول ما تُغلبون عليه من الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يَعْرِف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر نُكِسَ، فجعل أعلاه أسفله».
وسَمِعَ ابن مسعود رضي الله عنه رجلًا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فقال ابن مسعود: هَلَكَ من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر.
يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك.
وأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : يوشك من عاش منكم أن يَرَى منكرًا لا يستطيع له، غير أن يَعْلَمَ الله من قلبه أنه له كاره.
وفي «سنن أبي داود» عن الْعُرْس بن عَمِيرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض، كان من شَهِدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها»[حديث حسن رواه أبو داود (٤٣٤٥)]
فمن شَهِد الخطيئة فكرهها في قلبه، كان كمن لم يشهدها، إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها؛ لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال.
وخزَج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال «مَن حَضَر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها فأحبها، فكأنه حضرها» [رواه البيهقيّ ٧/ ٢٦٦، وابن عديّ في «الكامل» ٧/ ٢٦٨٦، وفيه يحيى بن أبي سليمان، وهو ليّن الحديث، لكن يشهد له حديث العُرْس المذكور قبله]، وهذا مثل الذي قبله.
فتَبَيَّن بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم، في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان، فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، فلا يُغَيِّروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه»، أخرجه أبو داود بهذا اللفظ، وقال: قال شعبة فيه: «ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أكثر ممن يعمله» [صححه ابن حبان (٣٠٤ و٣٠٥)].
وخرّج أيضًا من حديث جرير رضي الله عنه سمعت النبي ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا»، وخرّجه الإمام أحمد، ولفظه: «ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ، وأكثر ممن يعمله، فلم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب»[صححه ابن حبّان أيضًا (٣٠٠ و٣٠٢)].
وخرّج أيضًا من حديث عَدِيّ بن عَمِيرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عَذّب الله العامة والخاصة» [رواه أحمد ٤/ ١٩٢ وفي إسناده رجل مجهول، وحسّنه الحافظ في «الفتح» ١٣/ ٤، وله شاهد من حديث العُرْس بن عميرة رضي الله عنه ، ورواه الطبرانيّ في «الكبير» ١٧/ ٣٤٣. قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٦٨: رجاله ثقات].
وخرّج أيضًا هو وابنُ ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تُنْكِره؟ فإذا لَقَّنَ الله عبدًا حجته قال: يا رب رَجَوتك، وفَرِقْتُ من الناس» [صححه ابن حبان (٧٣٦٨)].
فأما ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أيضًا، عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته: «ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه»، وبَكَى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا، وخرّجه الإمام أحمد، وزاد فيه: «فإنه لا يُقَرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يُقال بحق، أو يذكّر بعظيم»[رواه أحمد ٣/ ٢٩، وابن ماجه (٤٠١٧)، وصححه ابن حبان (٧٣٦٨)].
وكذلك خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يَحْقِرْ أحدكم نفسه»، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: «يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له: ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشيتُ الناس، فيقول الله: إياي كنت أحقَّ أن تخشى»[رواه أحمد ٣/ ٣٠ و٤٧ و٧٣، وابن ماجه (٤٠٠٨)، وفي سنده انقطاع، أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد، وأخرجه في ٣/ ٩١ من طريق أبي البختري، عن رجل، عن أبي سعيد].
فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة، دون الخوف المسقط للإنكار.
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف، وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خِفْتَ أن يقتلك فلا، ثم عُدت، فقال لي مثل ذلك، ثم عُدت، فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بُدّ فاعلًا ففيما بينك وبينه.
وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان، فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذلك الذي تريد، فكن حينئذ رجلًا. وقد ذكرنا حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي فيه: «يَخْلُف من بعدهم خُلُوف، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن …» [أخرجه مسلم في «صحيحه»] الحديث، وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد.
وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أَمَرَ رسول الله ﷺ فيها بالصبر على جور الأئمة.
وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نَصّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد، أن يزيل بيده ما فَعَلُوه من المنكرات، مثل أن يُريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يُبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان له قدرة على ذلك، وكلُّ ذلك جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم، الذي وَرَدَ النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشَى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف، فيُخْشَى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين.
نعم إن خَشِيَ في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم يَنْبَغِ له التعرض لهم حينئذ؛ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا متى خاف على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى سَقَطَ أمرهم ونهيهم.
وقد نَصَّ الأئمة على ذلك، منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، قال أحمد: لا يتعرض إلى السلطان، فإن سيفه مسلول، وقال ابنُ شُبْرُمة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كالجهاد يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرُم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك.
فإن خاف السَّبَّ، أو سماع الكلام السيئ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك، نَصَّ عليه الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى، وقَوِيَ عليه، فهو أفضل، نَصَّ عليه أحمد أيضًا، وقيل له: أليس قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه»[حديث صحيح أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٥٠٧) بلفظ: «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه»، قيل: يا رسول الله، وكيف يذلّ نفسه؟ قال: «أن يتعرّض من البلاء لما لا يُطيق»، قال الهيثميّ: سنده جيّد. انتهى، وله شاهد من حديث حذيفة رضي الله عنه عند أحمد ٥/ ٤٠٥، والترمذيّ (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦)، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو وإن كان ضعيف الحفظ، إلا أنه لا بأس به في الشواهد]، أي يُعَرِّضها من البلاء ما لا طاقة له به؟ قال: ليس هذا من ذلك.
ويَدُلّ على ما قاله ما خرّجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبيّ ﷺ قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»[حديث صحيح].
وخرّج ابن ماجه معناه، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه[سنده حسن].
وفي «مسند البزار» بإسناد فيه جهالة، عن أبي عُبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الشهداء أكرم على الله؟ قال: «رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر، فقتله»، وقد رُوِي معناه من وجوه أخرى كلها فيها ضعف.
وأما حديث: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه»، فإنما يَدُلّ على أنه إذا عَلِمَ أنه لا يطيق الأذى، ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للأمراء، وهذا حقّ، وإنما الكلام فيمن عَلِمَ من نفسه الصبر لذلك. قاله الأئمة، كسفيان، وأحمد، والفضيل بن عياض، وغيرهم.
وقد رُوِي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي داود: نحن نرجو إن أنكر بقلبه، فقد سَلِم، وإن أنكر بيده فهو أفضل.
وهذا محمول على أنه يَخاف، كما صَرَّح بذلك في رواية غير واحد.
وقد حَكَى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يَعْلَم أنه لا يَقْبَل منه، وصحَّحَ القول بوجوبه، وهذا قولُ أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرةً، وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
وقد وَرَدَ ما يُسْتَدَلُّ به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي سنن أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتَناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعًا، وهَوًى متبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام» [صححه ابن حبان (٣٨٥)، ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو ].
وفي «سنن أبي داود»[رقم (٤٣٤٢)، ورواه أحمد ٢/ ١٦٢، وحسّن إسناده الحافظان: المنذريّ، والعراقيّ، وصححه الحاكم ٤/ ٤٣٥ و٥٢٥، ووافقه الذهبيّ]، عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن جلوس حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة، فقال: «إذا رأيتم الناس مَرَجَت عهودهم، وخَفَّت أماناتهم، وكانوا هكذا»، وشبّك أصابعه، فقمت إليه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ فقال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخُذْ بما تَعْرِف، ودَعْ ما تُنْكِرُ، وعليك بأمر خاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة».
وكذلك رُوِي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قالوا: لم يأت تأويلها بعدُ، إنما تأويلها في آخر الزمان.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِستُم شِيَعًا، وذاق بعضُكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية.
وعن ابن عمر قال: هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يُقْبَل منهم، وقال جُبير بن نفير، عن جماعة من الصحابة قالوا: إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهَوىً مُتَّبَعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرُّك من ضلّ إذا اهتديت.
وعن مكحول قال: لم يأت تأويلها بعدُ، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرُّك من ضل إذا اهتديت.
وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا لها من ثقةٍ ما أوثقها! ومن سعة ما أوسعها!.
وهذا كُلُّهُ قد يُحْمَلُ على أن مَن عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر سقط عنه، وكلام ابن عمر يدُلُّ على أن من عَلِم أنه لا يُقْبَل منه لم يجب عليه، كما حُكِيَ روايةً عن أحمد، وكذا قال الأوزاعي: مُرْ مَن تَرَى أن يقبل منك.
وقوله ﷺ في الذي ينكر بقلبه: «وذلك أضعف الإيمان» يدُلّ على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من خصال الإيمان، ويدُلُّ على أن مَن قَدَر على خصلة من خصال الإيمان، وفَعَلَها، كان أفضل ممن تركها عجزًا.
ويدل على ذلك أيضًا قوله ﷺ في حقّ النساء: «أما نقصان دينها؛ فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي»، يشير إلى أيام الحيض، مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدل على أن مَن قَدَر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا» يَدُلّ على أن الإنكار متعلق بالرؤية، فإن كان مستورًا فلم يره، ولكن عَلِمَ به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يَتَعَرَّض له، وأنه لا يُفتِّش عما استراب به، وعنه رواية أخرى أنه يَكْشِف الْمُغَطَّى إذا تحقّقه، ولو سَمِعَ صوت غِنَاءٍ محرّم، أو آلات الملاهي، وعَلِمَ المكان الذي هي فيه، فإنه ينكرها؛ لأنه قد تحقّق المنكر، وعَلِمَ موضعه، فهو كما رآه. نَصّ عليه أحمد، وقال: أمّا إذا لم يعلم مكانه، فلا شيء.
وأما تَسَوُّر الجدران على مَن عَلِم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره مثلُ سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهيّ عنه، وقد قيل لابن مسعود: إن فلانًا تَقْطُرُ لحيته خمرًا؟ فقال: نهانا الله عن التجسس.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «الأحكام السلطانية»: إن كان في المنكر الذي غَلَب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاكُ حرمةٍ يفوت استدراكها كالزنا والقتل، فله التجسس، والإقدام على الكشف والبحث، حَذَرًا من فوات ما لا يُستَدْرَك من انتهاك المحارم، وإن كان دون ذلك في الرتبة، لم يجز التجسس عليه، ولا الكشف عنه.
والمنكر الذي يجب إنكاره، ما كان مُجْمَعًا عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا مَن قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا، أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا، واستثنى القاضي في «الأحكام السلطانية» ما ضَعُفَ فيه الخلاف، وإن كان ذَرِيعةً إلى محظور متفَقٍ عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النَّساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا، وذُكر عن إسحاق بن شاقلا أنّه ذَكَر أن المتعة هي الزنا صراحًا.
وعن ابن بطة قال: لا يُفسَخ نكاحٌ حَكَم به قاض، إن كان قد تأوَّل فيه تأويلًا، إلا أن يكون قَضَى لرجل بعقد متعة، أو طَلَّقَ ثلاثًا في لفظ واحد، وحَكَم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال.
والمنصوصُ عن أحمد الإنكار على الملاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على مَن لَعِب بها بغير اجتهاد، أو تقليدٍ سائغ، وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يُحَدُّ شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحدّ أبلغ مراتب الإنكار، مع أنه لا يَفسُقُ عنده بذلك، فَدَلَّ على أنه يُنْكَرُ كل مختلف فيه ضَعُفَ الخلاف فيه؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يَخرُج فاعلُهُ المتأوِّل من العدالة بذلك، والله تعالى أعلم.
وكذلك نَصَّ أحمد على الإنكار على من لا يُتِمُّ صلاته، ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك.
(واعلم): أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تارةً يَحْمِل عليه رجاءُ ثوابه، وتارةً خوفُ العقاب في تركه، وتارةً الغضبُ لله على انتهاك محارمه، وتارةً النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاءُ إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه، من التعرُّض لعقوبة الله وغضبه، في الدنيا والآخرة، وتارةً يَحمل عليه إجلالُ الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهلٌ أن يُطاع فلا يُعْصَى، ويُذْكَر فلا يُنسَى، ويُشْكَر فلا يُكفَر، وأنه يُفْتَدَى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف [هو زهير بن عبد الرحمن البابي، كما في «الحلية» ١٠/ ١٥٠]: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِض بالمقاريض، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه: وَدِدتُ أني غَلَت بي وبك القدور في الله .
ومن لَحَظَ هذا المقام، والذي قبله، وإن عليه كلُّ ما يَلْقَى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه، كما قال ذلك النبي ﷺ لَمّا ضربه قومه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»، متّفق عليه.
وبكل حال يَتَعَيّن الرفق في الإنكار، قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، إلا مَن كان فيه ثلاث خصال: رفيقٌ بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدلٌ بما يأمر، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمر، عالمٌ بما ينهى.
وقال أحمد: الناس محتاجون إلى مُداراة، ورِفْقِ الأمر بالمعروف بلا غِلْظَة، إلا رجلٌ مُعْلِنٌ بالفسق، فلا حرمة له، قال: وكان أصحاب ابن مسعود ﵁ إذا مَرُّوا بقوم يرون منهم ما يكرهون، يقولون: مَهْلًا رحمكم الله، مَهلًا رحمكم الله.
وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يَكْرَه لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه، والله تعالى أعلم”. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بطوله.
والرابع: فوائد الحديث
١ – (منها): الحثُّ عَلّى الأمْرِ بالمعروُفِ والنَّهْي عَنْ المُنْكَرِ.
٢ – (ومنها): “بيان أن الإيمان يزيد وينقص، ووجه الاستدلال به أنه ﷺ جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، فهو يدلّ على ما قبله، وهو الإنكار بالقول، قويّ الإيمان، والذي قبله، وهو الإنكار باليد أقوى منه، وهذا هو التفاوت.
٣ – (ومنها): أن قوله ﷺ: «فليغيّره» أمر، وهو للوجوب، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ودعائم الإسلام، بالكتاب، والسنّة، وإجماع الأمة، ولا يُعتدّ بخلاف الرافضة في ذلك؛ لأنهم إما مكفَّرون، وإما مبدَّعون، فلا يُعتدّ بخلافهم؛ لظهور فسقهم. قاله القرطبيّ.
٤ – (ومنها): أن وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الكفاية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فقد عبّر بـ «من» التبعيضيّة، مما يدل أنه واجب كفائيّ، والله تعالى أعلم.
٥ – : أن شرط وجوبه أمران:
(أحدهما): العلم بكون ذلك الفعل معروفًا، أو منكرًا؛ لأن ذلك لا يتأتّى للجاهل.
(والثاني): القدرة عليه؛ لأنه قال: «فإن لم يستطع … إلخ»، فدلّ على أن غير المستطيع لا يجب عليه، وإنما عليه أن ينكر بقلبه. والله تعالى أعلم.
٦ – (ومنها): أنه يدلّ على مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأوّلها الإنكار باليد، والثاني الإنكار باللسان، والثالث، وهو الأخير الإنكار بالقلب.
٧ – (ومنها): أنه يدلّ على أن من خاف القتل، أو الضرب سقط عنه تغيير المنكر، وهو مذهب المحقّقين سلفًا وخلفًا، وذهبت طائفة من الغُلاة إلى أنه لا يسقط، وإن خاف ذلك”. [راجع: «المفهم» ١/ ٢٣٤]. بواسطة [البحر المحيط الثجاج].
تنبيه: انظر: (أ) عبق الياسمين شرح رياض الصالحين (١٨٩).