2284 الى 2290 – تحضير سنن أبي داود
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ فِي نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ
٢٢٨٤ – حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ ⦗٢٨٦⦘، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَهَا لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، وَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ،
[حكم الألباني]: صحيح
٢٢٨٥ – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ، طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِيهِ: وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَنَفَرًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَإِنَّهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً يَسِيرَةً، فَقَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ.
[حكم الألباني]: صحيح
٢٢٨٦ – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ، طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَخَبَرَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَال: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ»، قَالَ فِيهِ: وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ»،
[حكم الألباني]: صحيح
٢٢٨٧ – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ فِيهِ: «وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، وَالْبَهِيُّ وَعَطَاءٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَاصِمٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ، كُلُّهُمْ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ ⦗٢٨٧⦘ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا
[حكم الألباني]: صحيح
٢٢٨٨ – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى»
[حكم الألباني]: صحيح
٢٢٨٩ – حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَتْهُ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى “، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَمْزَةَ دِينَارٌ وَهُوَ مَوْلَى زِيَادٍ»
[حكم الألباني]: صحيح
٢٢٩٠ – حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ، إِلَى فَاطِمَةَ فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَعْنِي عَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ، كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهَا، فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا»، وَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ، وَلَا يُبْصِرُهَا، فَلَمْ تَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى مَضَتْ عِدَّتُهَا فَأَنْكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ ⦗٢٨٨⦘ إِلَّا مِنَ امْرَأَةٍ، فَسَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] حَتَّى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قَالَتْ: فَأَيُّ أَمْرٍ يُحْدِثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا الزُّبَيْدِيُّ، فَرَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِمَعْنَى مَعْمَرٍ، وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَة بِمَعْنَى عُقَيْلٍ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ حَدَّثَهُ بِمَعْنًى دَلَّ عَلَى خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حِينَ قَالَ: فَرَجَعَ قَبِيصَةُ، إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ
[حكم الألباني]: صحيح
——
قال الخطابي:
معنى البتة هنا الطلاق وقد روي أنها كانت آخر تطليقة بقيت لها من الثلاث. وفيه دليل أن المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، واختلف فيها فقالت طائفة لا نفقة لها ولا سكنى إلاّ أن تكون حاملًا وروي ذلك عن ابن عباس وأحمد وروي عن فاطمة أنها قالت لم يجعل رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة.
وقالت طائفة لها السكنى والنفقة حاملًا كانت أو غير حامل. وقاله عمر وسفيان وأهل الرأي.
وقالت طائفة لها السكنى ولا نفقة قاله مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وابن المسيب والحسن وعطاء والشعبي، واحتجوا بقوله ﴿أسكنوهن﴾ الآية فأوجب السكنى عامًا، وأن نقل النبي ﷺ إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم فليس فيه إبطال السكنى بل فيه إثباته وإنما هو اختيار لموضع السكنى.
واختلف في سبب ذلك فقالت عائشة كانت فاطمة في مكان وحش فخيف عليها فرخص لها رسول الله ﷺ في الانتقال.
وقال ابن المسيب إنما نقلت عن بيت حمائها لطول لسانها وهو معنى قوله ﴿ولا يخرجن إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١] الآية وقد بيناه.
معالم السنن ٣/٢٨٣ — الخطابي (ت ٣٨٨)
قال العباد:
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب نفقة المبتوتة، أي: التي طلقت طلاقًا بائنًا وليس طلاقًا رجعيًا، وأما المطلقة طلاقًا رجعيًا فهي زوجة تجب لها النفقة، ولو مات أحدهما فإنهما يتوارثان ما دامت في العدة؛ لأنها زوجة من الزوجات، وله أن يجامعها، ولو جامعها فإن ذلك يكون رجعة لها، وعلى هذا فالنفقة والسكنى واجبتان لها، وأما المبتوتة فهي بخلاف ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى الاستفادة منها ولا إلى الرجوع إليها، وأما المطلقة طلاقًا رجعيًا فإنها زوجته ما دامت في العدة، فينفق عليها ويسكنها، ويمكن أن يرجع إليها، وأن يعود الأمر على ما عليه قبل الطلاق؛ وأما المطلقة طلاقًا بائنًا فإنها لا سكنى لها ولا نفقة، كما جاء ذلك في حديث فاطمة بنت قيس هذا الذي بدأ به المصنف، حيث ذكر الأحاديث الواردة في قصة طلاق أبي عمرو بن حفص لها وأنه طلقها البتة وذلك آخر ثلاث تطليقات، أي: أنه طلقها مرة ثم مرة، ثم بقيت لها الثالثة فطلقها إياها فبانت منه، فالمطلقة طلاقًا بائنًا لا نفقة لها ولا سكنى، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم: فمنهم من قال: لا نفقة لها ولا سكنى، كما جاء في حديث فاطمة هذا.
ومنهم من قال: لها السكنى ولها النفقة، ويستدلون بعموم قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ [الطلاق:٦]، وقالوا: إنها تجب لها النفقة؛ لأنها محبوسة عليه لأجل العدة.
ومنهم من قال: تجب لها السكنى دون النفقة؛ لأن السكنى جاء التنصيص عليها في القرآن بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ [الطلاق:٦]، وأما النفقة فلم يأت التنصيص عليها.
وأرجح الأقوال الثلاثة: أنها لا سكنى لها ولا نفقة، كما جاء ذلك موضحًا في حديث فاطمة بنت قيس الذي جاء من طرق متعددة، وهذه الطريق التي أوردها المصنف هي أول هذه الطرق.
قوله: [عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة].
البتة جاء تفسيرها بأنها آخر ثلاث تطليقات، إذًا: فقد بانت منه؛ لأنه بت طلاقها، بمعنى: أنها انتهت الصلة والعلاقة بها، وأنه لا سبيل له إلى الرجوع إليها إلا أن تتزوج ويطلقها زوجها أو يموت عنها، كما جاء ذلك في القرآن.
وقوله: [وهو غائب] يعني: أرسل لها بالطلاق.
وقوله: [فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخطته].
يعني: لم ترض به؛ إما لكونه من نوع رديء من الطعام، أو لكونه قليلًا، فسخطته ولم يعجبها، وكأنها لم ترض به ولم توافق عليه، فقال لها: إنه ليس لكِ علينا نفقة، أي: وإنما هذا من باب الإحسان، وإلا فإنه لا نفقة لك، فلما قال لها ذلك ذهبت إلى رسول الله ﷺ.
قوله: [فقال: والله! ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال لها: (ليس لكِ عليه نفقة)]، فكأن وكيله هذا كان على علم بأن المطلقة البائن ليس لها نفقة، فجاءت الرسول ﷺ وأخبرته، فقال: (ليس لكِ عليه نفقة)؛ لأنه لا سبيل له إليها، إذًا فلا نفقة لها عليه، وأما إذا كانت حاملًا فالنفقة ليست لها وإنما هي للحمل.
قوله: [وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك].
وهذا يبين أنه ليس لها سكنى، وأم شريك هي امرأة من أصحاب رسول الله ﷺ، ثم إنه قال: (إنه يغشاها أصحابي) يعني: يأتي إليها أصحاب رسول الله ﷺ، (ولكن اعتدي في بيت ابن أم مكتوم؛ فإنه أعمى، تضعين ثيابك) أي: ولا يبصرك، فالمبصر ليس له أن ينظر إلى المرأة، والمرأة لا تنظر إليه، فلا ينظر الرجل إلى المرأة ولا تنظر المرأة إلى الرجل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فكلٌّ مأمور بغض البصر، ولكن الذي يبصر قد يقع بصره فجأة من غير قصد منه، وأما الأعمى فإنه لا يرى ولا يحصل منه شيء، ولذا قال: (فإنه أعمى تضعين ثيابك) يعني: فلا يراك.
قوله: [(وإذا حللت فآذنيني)].
يعني: إذا انتهيتِ من العدة فأخبريني؛ لكي يكون عندي علم بانتهائك من العدة، ومعلوم أن المطلقة في حال عدتها لا يحل لها الزواج، وإنما يكون زواجها بعد فراغها من العدة، سوءًا كانت بائنة أو رجعية، إلا أن الرجعية -كما عرفنا- ما زالت زوجة، وأما البائنة فتعتبر أجنبية.
وفي هذا التعريض بالنكاح، لكن ليس له ﷺ وإنما لغيره، فهو لم يردها لنفسه وإنما كان يريدها ﷺ لـ أسامة بن زيد، وقد جاء في بعض الروايات: (لا تفوتيني بنفسك) وهذا تعريض أوضح من قوله: (آذنيني) يعني: أخبريني.
قوله: [قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم رضي الله عنهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد)].
ثم إنها لما انتهت عدتها وحلت للأزواج آذنته، وأخبرته أيضًا أن معاوية بن أبي سفيان وأبا الجهم خطباها، أي: أن كل واحد منهما خطبها، فقد لا يكون أحدهما علم بفعل الآخر وقد يكون علم ولكنه لم يعلم أنها قبلته، فالرسول ﷺ قال لها: (أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه) وفسر ذلك بأنه كثير الأسفار، أو أنه ضراب للنساء، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه ضراب للنساء.
وقوله: (وأما معاوية فصعلوك لا مال له) يعني: أنه فقير ليس عنده مال، فالرسول ﷺ ذكر هذين بالأمر الذي يهمها معرفته منهما، وهذه من النصيحة والمشورة والإخبار عن الشخص بما فيه عند الاستشارة فيه، ولا يكون هذا من الغيبة، وإنما هذا من النصيحة، فإذا كان للحاجة فلا يعتبر من الغيبة وإن كانوا يكرهون ذكرهم بهذا الشيء، فالغيبة هي: ذكرك أخاك بما يكره، ولكن ليس كل ذكر بما يكره يكون غيبة، فالكلام في جرح الرواة وجرح الشهود هو من النصيحة وليس من الغيبة، وكذلك المستشار في مصاهرة أو من أجل معاملة في تجارة، أو في مجاورة أو غير ذلك يذكر بما فيه.
وفيه أيضًا دليل على أنه لا يلزم أنه يبحث عن حسناته فتذكر كما يسمونه في هذا العصر بالموازنة بين الحسنات والسيئات، وأنه لا تذكر سيئات الإنسان إلا مع ذكر حسناته، فإن النبي ﷺ لم يقل عن معاوية: إنه كاتب الوحي، وإنه كذا وكذا، ولم يمدحه بذكر صفاته الحسنة، وإنما ذكر الشيء الذي يهمها، وهو ما يتعلق بكونه خطبها ويريد أن يتزوجها، فذكر لها أن فيه هذا الوصف وهو: كونه صعلوكًا لا مال له.
ثم إنه أرشدها أن تنكح أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما، وكان أسامة أسود، فكرهته لذلك ولم يعجبها، فأعاد عليها الرسول ﷺ ذلك فقبلت، ثم بعد ذلك اغتبطت به وأعجبها وارتاحت معه في هذا النكاح الذي أشار به عليها رسول الله ﷺ.
شرح سنن أبي داود للعباد ٢٦١/١٢ — عبد المحسن العباد (معاصر)
قال الأتيوبي:
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملًا:
فأباها قومٌ، وهم أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعيّ، وتابعهم على ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وحجتهم هذا الحديث، قوله ﷺ لفاطمة: «ليس لك عليه نفقة»، وهو مرويّ من وجوه صحاح، متواترة عن فاطمة – رضي اللَّه تعالى عنها -.
وممن قال: إن المبتوتة لا نفقة لها، إن لم تكن حاملًا: عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن البصريّ. وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والحسن بن حيّ: لكلّ مطلّقة السكنى، والنفقة، ما دامت في العدّة، حاملًا كانت، أو غير حامل، مبتوتة، أو رجعيّة. وهو قول عثمان البَتِّيِّ، وابن شُبْرُمة.
وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود – رضي اللَّه تعالى عنهما -، قالا في المطلّقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة ما كانت في العدّة.
وقالت طائفة: المطلّقة المبتوتة إن لم تكن حاملًا لا سكنى لها، ولا نفقة، منهم: الشعبيّ، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر بن عبد اللَّه. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
ثم قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-بعد أن ذكر أقوال من ردّ حديث فاطمة، أو تأوله-: ما نصّه:
لكن من طرق الحجة، وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل، ومن تابعه أصحّ، وأحجّ؛ لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبّدها اللَّه بها، لزمها ذلك رسول اللَّه ﷺ، ولم يُخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت أم مكتوم؛ ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدّب، وتقصر على السكنى في المنزل الذي طُلّقت فيه، وتُمنع من أذى الناس، فدلّ ذلك على أن من اعتلّ بمثل هذه العلّة في الانتقال، اعتلّ بغير صحيح من النظر، ولا متّفقٌ عليه من الخبر، هذا ما يوجبه عندي التأمّل لهذا الحديث مع صحّته. وباللَّه تعالى التوفيق.
وإذا ثبت أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة بنت قيس -وقد طُلّقت طلاقًا باتا -: لا سكنى لك، ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأيّ شيء يعارض به هذا؟ هل يُعارض إلا بمثله عن النبيّ ﷺ الذي هو المبيّن عن اللَّه مراده من كتابه، ولا شيء عنه عليه السلام يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول اللَّه عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ من غيره ﷺ، وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول: لها السكنى والنفقة، منهم: عمر، وابن مسعود، ومنهم من يقول: لها السكنى، ولا نفقة، منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها، ولا نفقة، وممن قال ذلك: عليّ، وابن عباس، وجابر، وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال، على ما ذكرنا، وبيّنّا -والحمد للَّه-. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- من ترجيح القول بما دلّ عليه حديث فاطمة بنت قيس – رضي اللَّه تعالى عنها – هو الحقّ الذي لا مرية فيه.
والحاصل أن الصحيح أنه لا سكنى، ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملًا؛ لحديث فاطمة – رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى ٢٩/٣٣٧ — محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (ت ١٤٤٢)
——
——-
قال الحافظ: وقد اختلف السلف في نفقة المطلقة البائن وسكناها، فقال الجمهور: لا نفقة لها، ولها السكنى، واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ [الطلاق: 6]، ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 6]، فإن مفهومة أن غير الحامل لا نفقة لها، وألا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، والسياق يفهم أنها في غير الرجعية؛ لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملًا، وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة بنت قيس، ونازعوا في تناول الآية الأولى المطلقة البائن، وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها بيني وبينكم كتاب الله؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1] إلى قوله: ﴿ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]، قالت هذا لمن كانت له مراجعة، فهي أمر يحدث بعد الثلاث وإذا لم يكن لها نفقة، وليست حاملًا، فعلام يحبسونها، وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ المراجعة، قتادة والحسن والسدي والضحاك أخرجه الطبري عنهم[6].
قوله: (فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: “تلك امرأة يغشاها أصحابي”)؛ أي: يزورونها لصلاحها.
قوله: (اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك)؛ أي فتأمن من نظر الرجال إليها.
وقال البخاري: باب قصة فاطمة بنت قيس، وقوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1].
حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد أنه سمعه يذكر أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق بنت عبدالرحمن بن الحكم فانتقلها عبدالرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان، وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها، قال مروان في حديث سليمان: إن عبدالرحمن بن الحكم غلبني، وقال القاسم بن محمد: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، قالت: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة، فقال: مروان بن الحكم: إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت ما لفاطمة: ألا تتقي الله يعني في قولها لا سكنى، ولا نفقة.
حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال عروة بن الزبير لعائلة: ألم ترين إلى فلانة بنت الحكم طلَّقها زوجها البتة، فخرجت فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول فاطمة قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث.
وزاد ابن أبي الزناد عن هشام، عن أبيه عابت عائلة أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي – صلى الله عليه وسلم[7]؛ انتهى.
قال الحافظ: (وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة، فرتب الجواز على أحد الأمرين، أما خشية الاقتحام عليها وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش من القول، ولم ير بين الأمرين في قصة فاطمة معارضة لاحتمال وقوعهما معًا في شأنها، وقال أيضًا: فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع طرقه، خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها ومنها، واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها، وإنما سقطت للسبب المذكور نعم، وكانت فاطمة بنت قيس تجزم بإسقاط سكنى البائن ونفقتها، وتستدل لذلك بالآية.
قوله: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه): العاتق ما بين العنق والمنكب في رواية: “إنه ضراب للنساء”.
وفي الحديث دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، وأنه لا يكون من الغيبة المحرمة، وفيه استعمال المبالغة وجواز نكاح القرشية للمولى[8]، والله أعلم.
——
واعلم أن العلماء قد اتفقوا على وجوب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية واختلفوا في المبتوتة على ثلاثة أقوال مشهورة:
(١) قال أبو حنيفة وأصحابه: لها النفقة والسكنى على كل حال سواء كانت حاملًا أو غير حامل وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وبه قال حماد وشريح والنخعي والثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح وعثمان البتي وهو رواية عن ابن أبي ليلى وحجتهم الكتاب والأحاديث والآثار والقياس كقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ فالمطلقات ها هنا تعم الرجعية والمبتوتة إلى آخر ما قالوا.
وقال أحمد وإسحاق وأهل الظاهر: لا نفقة لها ولا سكنى احتجوا على عدم وجوبها بحديث الباب حديث فاطمة بنت قيس فإنه صريح في عدم وجوبها.
وقال الشافعي ومالك: لها السكنى على كل حال ولا نفقة لها إذا كانت حاملًا وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيدة، ورُوي ذلك عن ابن أبي ليلى أيضًا، واستدلا بقول الله عز وجل ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فإنه تعالى جعل لها السكنى مطلقًا، وقيد وجوب النفقة بأن تكون حاملًا، والمفهوم حجة عند الشافعي فظهر أنه لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا اهـ ملخصًا من عمدة القاري وأحكام القرآن للجصاص.
الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٦/٢٦٣ — محمد الأمين الهرري (ت ١٤٤١)
وأما الرابعة: فوجوب النفقة والسكنى للمبتوتة مختلفٌ فيه، والحجة مع من ينفيه.
الحكم المشروع في الطلاق المجموع – ضمن «آثار المعلمي» ١٧/٦٣١
——
قال ابن عثيمين رحمه الله:
ومن فوائد هذا الحديث أن المرأة إذا اعطيت نفقة دون ما يجب لها فلها أن تردها وأن تطلب النفقة الملائمة لها، وكيف تكون الملائمة؟ هل المعتبر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما؟ في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: …والصحيح الذي دل عليه القران أن المعتبر حال الزوج لقوله تعالى (( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها )).
ومن فوائد هذا الحديث جواز القسم دون استقسام، لقول الوكيل ” فقال والله ما لك علينا من شيء “.
ومن فوائد هذا الحديث أن المرجع الى الله ورسوله لأن المرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك.
ومنها أن المبتوتة وهذا الشاهد ليس لها نفقة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس لك عليه نفقة ) فإن قال قائل هذا يقتضي أن لا نفقة للمبتوتة مطلقا ولو حاملا، فالجواب ليس كذلك، لأن هذا يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالما بحالها وأنها غير حامل لأن الله تعالى يقول (( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن )).
ومنها جواز افتاء المفتي بما يعلم من حال المستفتي بدون استفصال، لأن الاستفصال مع العلم بالحال وعدم التغير لا يحتاج إليه تطويل بلا فائدة، أما القاضي فلا يحكم بعلمه، القاضي لا يحكم بعلمه يعني لو تخاصم رجلان عند القاضي والقاضي يعلم أن زيدا له الحق على عمرو فإنه لا يحكم له بذلك
ومن فوائد هذا الحديث أن البائن لا يلزمها أن تعتد في بيت زوجها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت من؟ في بيت أم شريك، طيب، فلو أن رجلا طلق امرأته ثلاثا يعني آخر طلاق فلا يلزمها أن تبقى في البيت تذهب إلى أهلها ولا بأس، أما الرجعية فيلزمها أن تبقى في البيت، إذا طلق الإنسان زوجته طلاقا رجعيا لزمها أن تبقى في البيت ولا تخرج لقول الله تعالى (( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن )).
ومن فوائد الحديث جواز دخول الرجال على المرأة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ) يعني يأتون إليها كثيرا ولكن يشترط أن لا يخلو الرجل بها وهو من غير محارمها، من أين شرطنا هذا؟ من نصوص آخرى لأن الشريعة يكمل بعضها بعضا.
ومن فوائد هذا الحديث أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى لقوله صلى الله عليه وسلم ( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده )، وعلى هذا إذا كان لا يجب عليها أن لا تحتجب منه فيجوز لها أن تنظر إليه، وهو كذلك، فيتفرع على هذه الفائدة فائدة اخرى وهي أن المرأة يجوز لها أن تنظر إلى الرجل، إلى وجهه، إلى رأسه، إلى كفه، الى ذراعه إلى ساقه الى قدمه، يجوز لها أن ترى هذا إلا إذا كان نظرها نظر شهوة أو نظر متعة فلا يجوز لقوله تعالى (( وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن )).
ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للرجل أن يقول للمعتدة إذا فرغت من العدة فأخبريني، وهذا نوع من التعريض في الخطبة
ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز أن يتوارد على المرأة خاطبان فأكثر لأن فاطمة رضى الله عنها توارد عليها ثلاثة من؟ معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم وأسامة بن زيد، فإن قال قائل أليس من المعلوم أنه لا يجوز أن يخطب الإنسان على خطبة أخيه؟ قلنا بلى، ولكن هؤلاء خطب بعضهم هذه المرأة وهو لا يعلم أنها مخطوبة، أو أنه لا يعلم بالنهي، أما أن يكونوا قد علموا بالنهي وعلموا أنها مخطوبة فهذا لا يقع في الصحابة لمن علم حالهم، فإن علم الإنسان بأنها مخطوبة فإنه لا يحل له أن يتقدم إليها، إذا قبلوه فالأمر واضح أنه لا يجوز، وإن جهل هل قبلوه أم لا فهو لا يجوز أيضا، لأنهم قد يكونوا على وشك القبول فإذا خطبها الثاني عدلوا وهذا يشبه السوم على سوم أخيه، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن علم أنهم ردوه يجوز أن يخطب على خطبة أخيه؟ نعم يجوز.
ومن فوائد هذا الحديث جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان هذا من باب النصيحة
وكذلك أيضا من فوائده أنه لا بأس أن يرد الخاطب إذا علم أنه كثير الأسفار، واضح؟ وإذا علم أنه ضراب للنساء
من فوائد هذا الحديث جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان على سبيل النصيحة
ومن فوائد هذا الحديث بيان أن الله تعالى هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض فهذا الرجل الصعلوك معاوية، ماذا كانت حاله فيما بعد؟ كان خليفة، أمير المؤمنين …
ومن فوائد هذا الحديث الإشارة عند المشاورة إلى من يكون أحسن، وهذا واجب …
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان فيما يتعلق بحاله وقدرته لا يلام إذا خالف المشورة لأن فاطمة حين أشار عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح أسامة، كرهته، ؟ لأن فاطمة بنت قيس من صميم العرب وأسامة بن زيد مولى من الموالي فكرهته ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال انكحي أسامة مرة أخرى فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به.
ومن فوائد هذا الحديث بركة استشارة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية وفي غيرها أيضا، نعم.
كتاب النكاح والرضاع والطلاق واللعان والعتق-10b