7409 – تحضير صحيح البخاري
تحضير أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وسلطان الحمادي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ قَوْلِ اللهِ ﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾
٧٤٠٩ – حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى، هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ قَزَعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللهُ خَالِقُهَا.
——–
قال الخطابي: (-الخالق- هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قال سبحانه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣]. فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق: التقدير كقوله عز وجل: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩]
«شأن الدعاء» (ص: ٤٩).
والخلاق: من أفعال المبالغة من الخالق تدل على كثرة خلق الله تعالى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سبحانه الخلاق: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [الحجر: ٨٦].
واسمه سبحانه (الخالق والخلاق) مما أقرت به جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض رده على من قال: أن اسم (الخالق) يثبت له سبحانه مجازًا.
(إنه ليس في المعلومات أظهر من كون الله: (خالقًا)، ولهذا أقرت به جميع الأمم – مؤمنهم وكافرهم – ولظهور ذلك؛ وكون العلم به بديهيًا فطريًا؛ احتج الله به على من أشرك به في عبادته فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: ٣٨]، في غير موضع من كتابه.
فعلم أن كونه سبحانه (خالقًا): من أظهر شيء عند العقول، فكيف يكون الخبر عنه بذلك مجازًا؛ وهو أصل كل حقيقة، فجميع الحقائق تنتهي إلى خلقه وإيجاده، فهو الذي خلق وهو الذي علم، كما قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ – ٥].
فجميع الموجودات انتهت إلى خلقه وتعليمه، فكيف يكون كونه خالقًا عالمًا مجازًا؟ وإذا كان كونه خالقًا عالمًا مجازًا: لم يبق له فعل حقيقة ولا اسم حقيقة، فصارت أفعاله كلها مجازات، وأسماؤه الحسنى كلها مجازات … إلى قوله: فإن جميع أهل الإسلام متفقون على أن الله خالق حقيقة لا مجازًا، بل وعباد الأصنام وجميع الملل)
«مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٢٨)
وقد ذكر رحمه الله تعالى اسمه سبحانه (الخلاق) في نونيته حيث قال:
(وكذاك يشهد أنه سبحانه … الخلاق باعث هذه الأبدان)
«النونية» البيت رقم (٣٠٨٥)
(الباري) أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل كما قيل: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.
(المصور) الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، يقال هذه صورة الأمر أو مثاله فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا، وهذه الثلاثة الأسماء التي في سورة الحشر في خاتمتها هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الحشر:٢٤] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الانفطار:٨] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص١٦٤
——
قال ابن كثير: “الخلق: التقدير، والبُرء: هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدّره وقرّره إلى الوجود…، المصوّر، أي: الذي يُنفّذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها”. (تفسير ابن كثير)
وقال ابن القيم: “البارئ والمصوّر تفصيل لمعنى اسم الخالق”. (شفاء العليل لابن القيم) وسيأتي النقل تاما
والخلّاق: صيغة مبالغة، تدل على كثرة خلق الله تعالى وإيجاده، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبّك هُوَ الْخَلَّاق الْعَلِيم ﴾ الحجر: ٨٦.
وإذا أضيف الخلق إلى المخلوق كما في قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ ﴾ آل عمران: ٤٩، فالمعنى فهو تحويل الشيء من صفة إلى صفة، فالخشبة مثلاً في أصلها من الشجرة، ثم حُوّلت بالنجارة إلى باب، فتحويلها إلى باب يُسمَّى خَلْقاً، لكنه ليس الخَلْق الذي يختص به الخالق وهو الإيجاد من العدم.
قال ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : إن الخلق الذي ننسبه إلى الله عز وجل هو الإيجاد وتبديل الأعيان من عين لأخرى، فلا أحد يوجد إلا الله عز وجل، ولا أحد يبدل عينا إلى عين إلا الله عز وجل، وما قيل: إنه خلق بالنسبة للمخلوق فهو عبارة عن تحويل شيء من صفة إلى صفة، فالخشبة مثلا بدلا من أن كانت في الشجرة، تحول بالنجارة إلى باب، فتحويلها إلى باب يسمى خلقا، لكنه ليس الخلق الذي يختص به الخالق وهو الإيجاد من العدم، أو تبديل العين من عين إلى أخرى. اهـ.
– مقتضى أسماء الله الخالق الخلّاق البارئ المصوّر وآثارها:
أسماء الله الخالق والخلّاق والبارئ والمصوّر تُعرّف العبدَ على خالقه ومُوجِده ومصوّرِه، فالإنسان مخلوق، والمخلوق لا بدّ له من خالق، فبعدما كان العبد عَدَمَاً أوجده الله سبحانه وصَوّره وخَلَقَه في أحسن تقويم، مما يوجب على العبد شكر خالقه والثناء عليه، وتوحيده والإخلاص له، وتعظيمه وتمجيده.
فالله تعالى لم يخلقنا عبثاً بلا قصد ولا حكمة، بل خلقنا لعبادته وتوحيده وإقامة شرعه، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ المؤمنون: ١١٥، فالغاية من خلق الخلق هي عبادة الله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ الذاريات: ٥٦، ٥٧.
——
الأدلة على أن الله تعالى خالق الكون كثيرة جدا، ومحل هذه المسألة كتب العقيدة، لكننا نكتفي في هذا المقام بالإشارة إشارة سريعة إلى أربعة أدلة من الكون نفسه تشهد بأن الله تعالى هو الخالق، وقد أشار إليها ربنا في فاتحة سورة الأعلى، حيث قال تعالى: سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى {الأعلى: 1-3}.
والدليل الأول وجود الخلق، وهو يشهد بوجود خالقه، قال تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون {الطور: 35}.
والدليل الثاني: التسوية، ومعناه أن الله تعالى خلق الخلق بإتقان بديع، وهذا يظهر مثلا في جوارحنا، فما من جارحة إلا وأتقنها الله إتقانا بديعا حتى تؤدي وظيفتها التي خلقت من أجلها على أكمل وجه، قال تعالى: صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون {النمل: 88}.
والدليل الثالث: التقدير، ومعناه أن الله تعالى خلق كل شيء بتقدير وحساب وترتيب بحيث يتناسب مع مكان وجوده وزمانه، وبحيث يتلاءم مع غيره من الموجودات، قال تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر {القمر: 49}.
ومن الأدلة على ذلك: الشمس، تبعد عنا مسافة لو نقصت لكان من الممكن أن نحترق، ومن ذلك هذا التكامل بين النبات وسائر الحيوان، فالنبات يتنفس ثاني أكسيد الكربون ويخرج الأكسجين، وسائر الحيوان يتنفس الأكسجين ويخرج ثاني أكسيد الكربون.
والدليل الرابع: دليل الهداية، ومعناه أن الله تعالى هدى كل مخلوق إلى ما يصلحه، قال تعالى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى {طه: 50}.
ومن الأدلة على ذلك: المولود يولد، فيهديه الله تعالى إلى التقام ثدي أمه.
علاج الوسوسة :
جوابه يعرف من أدلة على أن الله تعالى هو الخالق، فإذا ثبت أنه سبحانه الخالق، فكيف يكون مخلوقا؟! فهذا أمر محال ولا يقبله عقل أبدا، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: على أن قوله من خلق ربك كلام متهافت ينقض آخره أوله، لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقا، ثم لو كان السؤال متجها لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات تفتقر إلى محدث، فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات. انتهى.
واعلم أن الطريق الأمثل للتخلص من هذه الوسوسة التي بدت لنا جلية من خلال طرحك للسؤال هو أن تمتثل لما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتي يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته.
وجاء في سنن أبي داود: فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. ثم ليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ من الشيطان. والحديث حسنه الألباني. وجاء في مسند أبي يعلى عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماوات؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا كان ذلك فليقل آمنت بالله ورسله. والحديث قال فيه الشيخ حسن أسيد: إسناده صحيح.
——
لا شك أن الله تعالى هو المنفرد بالخلق ، قال الله تعالى : (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فاطر/3 . ولكن ورد إضافة الخلق إلى غير الله تعالى ، كما في قوله سبحانه : ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) المؤمنون/14 . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المصورين يقال لهم يوم القيامة: ( أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) .
فإضافة الخلق إلى الله تعالى معناها الإيجاد من العدم ، وهذا هو الذي لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى .
وأما إضافة الخلق إلى البشر فمعناها تحويل الشيء من صورة إلى صورة .
فإذا أطلق على غير الله أنه يخلق باعتبار أنه يحول الشيء من صورة إلى أخرى فهذا صحيح ، وأما إذا أطلق على غير الله أنه يخلق بمعنى أنه يوجد الشيء من العدم فهذا غير جائز . والله تعالى أعلم .
كتاب القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ ابن عثيمين 1/6 .
وأما قول بعض الناس : إن فلاناً له عقل خلاق . فإنهم يقصدون بذلك حسن تفكيره ، وقدرته على الابتكار ، والإتيان بالأفكار الجديدة . وليس في هذا محذور شرعي . وإن كان الأولى التنزه عن مثل هذه الألفاظ التي قد يفهم منها معنى باطل .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
فَذَكَرَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، وَلَمْ يَصِفْ قَطُّ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا لَا مَلَكًا وَلَا نَبِيًّا، وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ – لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٢ – ٦٣]
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٤/٤٥
قال رحمه الله تعالى: «الخالق، البارئ، المصور، الذي خلق جميع الموجودات وبرأها، وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا الوصف العظيم»
تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي ١/١٧٠
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
وأما الخالق والمصوِّر فإنِ استُعْمِلا مطلقيَن غير مقيدَين لم يُطلقا إلا على الربّ سبحانه، كقوله: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وإناستُعْمِلا مقيّدَين أُطْلِقا على العبد، كما يقال لمن قدّر شيئًا في نفسه: إنه خلقه.
قال:
ولأنت تَفْري ما خلقتَ وبعـ … ـض القوم يخلق ثم لا يَفْري
أي: لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدّرته في نفسك، وغيرك يقدّر أشياء وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها.
وبهذا الاعتبار صحّ إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، أي: أحسن المصوّرين والمقدّرين.
والعرب تقول: قدّرت الأَدِيم وخلقته إذا قسته لتقطع منه مَزَادة أو قربة ونحوها.
قال مجاهد: «يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين» .
وقال الليث: «رجلٌ خالق، أي: صانع، وهن الخالقات: للنساء» .
وقال مقاتل: «يقول الله تعالى: هو أحسن خلقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها، التي لا يتحرك منها شيء».
وأما البارئ فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه؛ فإنه الذي برأ الخليقة وأوجدها بعد عدمها، والعبد لا تتعلق قدرته بذلك؛ إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الربُّ تعالى وبرأه، وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعدّاه قدرته.
وليس من هذا: بريت القلم؛ لأنه معتل لا مهموز. ولا: برأت من المرض؛ لأنه فعل لازم غير متعدّ.
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل – ط عطاءات العلم ١/٤٢٧ — ابن القيم
قال ابن القيم رحمه الله أيضاً :
ولهذا جعل سبحانه اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة وهي الخالق البارئ المصور فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز *كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق.*
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل – ط المعرفة ١/١٢١
قال أحمد الفراهيدي:” برأ: البَرْءُ، مهموز: الخلْق. برأ اللهُ الخلق يَبرَؤُهُمْ برء، فهو بارِىءٌ. والبُرْءُ: السَّلامةُ من السّقم، تقول: بَرَأَ يبرأ ويبرؤ برء وبروء. وبَرِىء يَبْرَأُ بمعناه ”
قال ابن فارس:”
(بَرَأَ) فَأَمَّا الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْهَمْزَةُ فَأَصْلَانِ إِلَيْهِمَا تَرْجِعُ فُرُوعُ الْبَابِ: أَحَدُهُمَا الْخَلْقُ، يُقَالُ: بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَبْرَؤُهُمْ بَرْءًا. وَالْبَارِئُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وَقَالَ أُمَيَّةُ:
الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ
وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: التَّبَاعُدُ مِنَ الشَّيْءِ وَمُزَايَلَتُهُ، مِنْ ذَلِكَ الْبُرْءُ وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنَ السُّقْمِ، يُقَالُ: بَرِئْتُ وَبَرَأْتُ.”
قال ابن الأثير:” (البارئ): هو الذي خلق الخلق لا عن مثال، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والأرض.”
(جامع الأصول)
قال صاحب أضواء البيان: “فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد،
و(البارئ) الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئًا أوجده إلا الله،
و(المصور) المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه”.
قال ابن الجوزي :
” فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ؟
فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإِيجاد، ولا موجِد سوى الله، ويكون بمعنى التقدير، كقول زهير:
وبعض القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي .
فهذا المراد ها هنا، أن بني آدم قد يصوِّرون ويقدِّرون ويصنعون الشيء، فالله خير المصوِّرين والمقدِّرين، وقال الأخفش: الخالقون ها هنا ، هم الصانعون، فالله خير الخالقين” انتهى من “زاد المسير” (3/258) .
وقال ابن عطية رحمه الله :
وقوله (أحسن الخالقين) معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئا : خلقه . ومنه قول الشاعر:
ولأنْتَ تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبَعـ * ـضُ القَوْم يَخْلُقُ ثمَّ لَا يَفْرِى
وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، فقال ابن جريج: إنما قال الخالقين لأنه تعالى قد أذن لعيسى في أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك.
ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع ، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم” انتهى من “المحرر الوجيز” (10/340) .