[1ج/ رقم (546)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة : طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي
وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (546)]:
قال الإمام البزار رحمه الله كما في «كشف الأستار» (ج ٣ ص ٢٨٧): حدثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ الرُّخَامِيُّ، وَهِلالُ بْنُ الْعَلاءِ، قَال: حدثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ».
قال البزار: لا نعلم رواه إلا عيسى، ولا عنه إلا عبد الله بن جعفر.
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيحٌ. وعبد الله بن جعفر هو الرَّقِّيُّ.
وقد ذكر في «تهذيب الكمال» من شيوخه عيسى بن يونس.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث أبو بكر البزار (ت ٢٩٢) رحمه الله، في مسند البزار ، البحر الزخار، (٣٣٤٠). وقوله في نهاية الحديث: “وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ إِلَّا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَلَا عَنْ عِيسَى إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ”. انتهى.
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١٣ – كتاب الجهاد والغزوات، ٨٨ – غزوة الحديبية، (٢٠٨١).
١٦ – كتاب الفضائل، ٦ – فضائل أهل بدر والحديبية رضي الله عنهم -.
وفي كشف الأستار عن زوائد البزار لنور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧) رحمه الله، كتاب علامات النبوة، مناقب أهل بدر والحديبية، (٢٧٦٠).
والثاني: شرح وبيان الحديث
(لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ) من أهل الْقبْلَة (شَهِدَ بَدْرًا) أَي: وقْعَة بدر، (وَالْحُدَيْبِيَةَ) يَعْنِي وَشهد صلح الْحُدَيْبِيَة لما توجه الْمُصْطَفى وَصَحبه الى زِيَارَة الْبَيْت قصدهم الْمُشْركُونَ ثمَّ وَقع الصُّلْح على ان يدخلهَا فِي الْعَام الْقَابِل [التيسير بشرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١)، (2/ 303)، بتصرف].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): معالم في معرفة الصحابة رضي الله عنهم
(المطلب الأول): تعريف الصحابي، وفيها ثلاثة فروع:
– أَولها: تعريف الصحابي لغة:
الصحابي اللغة واحد الصحابة، منسوبا إليهم، مشتق من قولهم: (صحب)، واتفقت كلمة أهل اللغة على أنه أصل يدل على الاتباع، والملازمة، والمعاشرة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلا كان، أو كثيرًا، والدعاء إليها، والحفظ والمنع فيها.
[انظر: لسان العرب (حرف: الباء الموحدة، فصل: الصاد المهملة) ١/ ٥١٩ – ٥٢١، والقاموس المحيط (باب: الباء، فصل: الصاد) ص/ ١٣٤، والمعجم الوسيط (باب: الصاد) ١/ ٥٠٧، وانظر – أيضًا -: الكفاية للخطيب (ص/ ١٠٠)، والإحكام للآمدي (٣/ ٨٢)، ومنهاج السنة (٨/ ٣٨٢ – ٣٨٩)، والتقييد للعراقي (ص/ ٢٥١ وما بعدها)، والتدريب للسيوطي (٢/ ٢١١)].
وقال ابن فارس : (الصاد، والحاء، والباء: أصل واحد، يدل على مقارنة شيء، ومقاربته. من ذلك: الصاحب، والجمع الصحب، كما يقال: راكب، وركب. ومن الباب: أصحب فلان، إذا انقاد ….. وكل شيء لاءم شيئا فقد اصطحبه) اهـ [معجم المقاييس (كتاب: الصاد، باب: الصاد والحاء وما يثلثهما) ص/ ٥٨٧].
– والثاني : تعريفه في الاصطلاح:
للصحابي في اصطلاح علماء الشريعة تعريف، ومفهوم يختلف باختلاف تخصصهم، ومجال بحثهم، فله تعريف عند أصحاب الحديث، وآخر عند الفقهاء، والأصوليين.
وقد يختلف أصحاب هذه العلوم فيما بينهم، وقد تختلف عباراتهم، والمعنى واحد، وجملة الأقوال في تعريف الصحابي عندهم تعود إلى سبعة، أذكر أشهرها، وأصحها [وانظر: تحقيق منيف الرتبة للعلائي (ص/ ٣٠ – ٣٥)، وَ(ص/ ٣٩، وما بعدها)، وتدريب الراوي (٢/ ٢٠٨ – ٢١٣)].
فالمشهور عند جمهور المحدثين أنه: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك ردة.
[ذكر هذا، ومعناه جماعة من أهل العلم في كتبهم، انظر – مثلا -: علوم الحديث لابن الصلاح (ص/ ٢٥١ – ٢٥٥)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (٢/ ٤٩١ – ٤٩٧)، وتحقيق منيف الرتبة (ص/ ٣٠ – ٣٢)، والمنهل الروي (ص/ ١١١)، والتقييد (ص/ ٢٥١ – = = ٢٥٢)، والفتح لابن حجر (٧/ ٦ – ٧)…
وهذا شامل يدخل فيه الرجال، والنساء، الأحرار، والموالي، ومن صحبه قليلا، أو كثيرا، ومن رآه، ولم يجالسه، وغير ذلك، حتى من كان ضريرًا منهم.
[شرح التعريف، وذكر محترزاته جماعة، منهم: ابن حجر في الإصابة، والسخاوي في فتح المغيث (٤/ ٧٨ – ٨٩)،
قال السيوطي في ألفيته [(ص/ ٢١٥)، والبيتان غير متتاليين. وانظر: شرح ألفية السيوطي للشيخ محمد الأثيوبي (٢/ ١٧٩ – ١٨٢)]:
حدّ الصحابي مسلما لاقى الرسول … وإن بلا رواية عنه وطول
وشرطه الموت على دين ولو … تخلل الردة …….
والمشهور عند جمهور الفقهاء، والأصوليين أن تعريفه كتعريف جمهور المحدثين مع اشتراط كثرة اللقاء وطول الصحبة، على اختلاف بينهم في المدة المعتبرة قلة، وكثرة.
[ذكر جماعة من الفقهاء، والأصوليين تعريف الصحابي عندهم، انظر – مثلًا -: التعريفات للجرجاني (ص/ ١٧٣)، والمستصفى للغزالي (١/ ١٦٥)، وكشف الأسرار للبزدوي (٣/ ٣٨٤)، والبحر المحيط (٤/ ٣٠١)، والتحرير لابن همام الدين (٣/ ٦٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (ص/ ٦٥)].
والتعريف الأول هو الصحيح، المعول عليه
[انظر: قولي الإمام أحمد، والبخاري – رحمهما الله – في الكفاية للخطيب (ص/ ٩٩)، وانظر: صحابة رسول الله ﷺ (ص ٧١ – ٧٧)]،
يؤيده المعني اللغوي – المتقدم -، وهو ما دل عليه معني الصاحب في القرآن، كقوله – تعالى – في النبي ﷺ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾. وصح عن النبي ﷺ قوله في عدة أحاديث: (طوبى لمن رآني)، وقوله: (لا تمس النار مسلمًا رآني)، … وهذه الأدلة في أدلة أخرى كلها تدل على مطلق الصحبة، والرؤية، ليست واردة في مقدار خاص منها – والله أعلم -.
والتعريف الثاني للصحابي تعريف مرجوح، اعتمد أصحابه على الاستعمال، والمعنى العرفي للصاحب – فيما يظهر -.
[وانظر: التقييد (ص/ ٢٥٦)، ومسلم الثبوت (٢/ ١٥٨)، والبحر المحيط (٤/ ٣٠١ – ٣٠٢)، ومحاضرات في علوم الحديث للتازي (١/ ١٣١)]، والله تعالى أعلم.
قال الإمام أحمد رحمه الله في عقيدته [شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٦٠)]: (كل من صحبه – سنة، أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه).
واختلف العلماء:
هل الخلاف في تعريف الصحابي خلاف لفظي لا أثر له، أم أنه معنوي، له أثر وثمرة؟
على قولين، الصحيح منهما: أنه معنوي، له أثر في الرواية، وإثبات فضل الصحبة والعدالة، وغير ذلك. [انظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٩٢)، والتحرير (٣/ ٦٧)، وتيسيره (٣/ ٦٧)].
(المطلب الثاني): منزلتهم في القرآن، والسنة:
الصحابة رضي الله عنهم من أعظم الناس عند الله تبارك وتعالى، وعند رسوله ﷺ مرتبة، وأشرفهم حظوة، ومنزلة، أطنب الله عز وجل، ورسوله ﷺ في وصفهم، والثناء عليهم، ومدحهم … فتواترت الآيات، والأحاديث بذكرهم الجميل، ونشرهم الطيب، ورفعتهم السامية في الدنيا والآخرة، وما خصوا به من الصفات الكريمة، والشيم العالية، والمواهب الجليلة الرفيعة.
وما ورد فيهم في كتاب الله – جل وعلا – كثير، وبابه واسع … سواء ما ورد من ذلك في فضائلهم، والثناء عليهم عامة، أو بخاصة.
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب [رسالته في الرد على الرافضة (ص/ ١٧)]: (القرآن مشحون من مدح الصحابة رضي الله عنهم) [كل ما في القرآن من خطاب المؤمنين، والمتقين، والمحسنين، ومدحهم، والثناء عليهم فالصحابة أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة. عن شيخ الإسلام في منهاج النبوة (٢/ ٤٩ – ٥٠)]. [وقد جمع في السلام العلمية بعنوان]: الصحابة رضي الله عنهم في القرآن الكريم.
ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾.
وما ورد فيهم في سنة النبي ﷺ عدده جمّ، وكثير – أيضًا – … فيه الثناء عليهم، ومدحهم على وجه الإجمال، أو التفصيل؛ لما خصوا به من صحبه رسول الله ﷺ والجهاد معه، ونشر دينه، والقتال عليه. وما فيه من أن قرنهم خير قرون الناس، وأن النبي ﷺ أمنة لهم، وهم أمنة لأمته، ووصاته ﷺ بهم، ومعرفة حقهم، ونهيه عن سبهم والطعن فيهم، وغير هذا.
(المطلب الثالث): عقيدة السلف الصالح فيهم … وفيها فرعان:
– أولهما: عقيدتهم فيهم إجمالا:
عقيدة أهل السنة والجماعة وسط بين الإفراط، والتفريط، ووسط بين الغلو والجفاء في جميع مسائل الاعتقاد، ومن هذا عقيدتهم في أصحاب رسول الله ﷺ [وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٣/ ٣٧٥)].
وكل ما أثبته الله عز وجل في كتابه – الكريم -، والنبي ﷺ في سنته المشرفة للصحابة حق يجب الأخذ به، وعدم العدول عنه عندهم …
من اعتقاد: إخلاصهم في استجابتهم لله، ولرسوله ﷺ، وإيمانهم، وعدالتهم، وشرائهم أنفسهم ابتغاء مرضات الله، ورجاء رحمته، وحسن ثوابه، وهجرتهم، وجهادهم بأنفسهم، وبأموالهم، ونصرتهم للنبي ﷺ وحمايتهم له.
مع شدة بأسهم على أهل الكفر والزيغ والفساد، ولين جانبهم لأهل الإيمان والحق والرشاد. واعتقاد: خوفهم من الله – جل وعلا -، ودعائهم، أن يتقبل الله – تعالى – منهم، وأن يغفر لهم.
واعتقاد: أن الله – جل وعلا – قد رضي عنهم، ورضوا عنه، وعدّهم من المحسنين، آتاهم ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وبشرهم برحمة منه، ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا.
واعتقاد: أنهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويعتمدون على الله – جل وعلا -.
واعتقاد: أن قرنهم خير قرون الناس أجمعين، وينزلونهم منازلهم بالعدل والإنصاف، ويحبونهم، ويوقرونهم، ويترضون عنهم، ويكفون عما شجر بينهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، وينشرون مناقبهم وفضائلهم، ولا يروون ما ينقل في معايبهم، وأخطائهم [خيار هذه الأمة هم الصحابة، ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة – من الأمة، وغيرها – أعظم اجتماعًا على الهدى والرشاد ودين الحق، ولا أبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف منهم.
وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلًا من كثير. قاله شيخ الإسلام في منهاج السنة (٦/ ٣٦٤، ٣٦٦)]، وأن لهم من السوابق، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر.
قال الطحاوي [في عقيدته (ص/ ٢٣)، وانظر: شرح السنة للبربهاري (ص / ٧٦)]: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من حب أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وطغيان) اهـ.
واعتقاد أن الطعن فيهم، أو سبهم منهي عنه لا يجوز، وأن من سبهم فهو من أهل الزيغ، والضلال، ولازم قوله: الطعن في هذا الدين ورسوله، لأنهم أتباعه، ونقلته، وناشروه. قال البربهاري [شرح السنة (ص/ ١٢٣) رقم النص/ ١٤٧]: (واعلم أنه من تناول أحدًا من أصحاب محمد ﷺ فاعلم أنه إنما أراد محمدًا ﷺ، وقد آذاه في قبره) ا هـ.
وقال – أيضًا – [شرح السنة (ص / ١١٥) رقم النص / ١٣٣]: (وإذا رأيت الرجل يطعن علي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء، وهوى، ولقول رسول الله ﷺ: «إذا ذكر اصحابي فأمسكوا» … وقوله: «ذروا أصحابي، لا تقولوا فيهم إلّا خيرا».
ولا تحدّث بشيء من زللهم، ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدّث به؛ فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت) اهـ.
وقال ابن تيمية [العقيدة الواسطية (٢/ ١٤٢ – ١٥١) – الهراس -، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣١ – ٤٣٣، ٤٣٤ وما بعدها)]: (من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ .. ويتبرؤن من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم. وطريقة النواصب الذين يوذون أهل البيت …، ويسكتون عما شجر بين الصحابة ..، وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم) اهـ [وانظر: الرواة الثقات للذهبي (تحقيق: الموصلي) ص/ ٢٣ – ٢٤].
واعتقاد: فضائلهم، ومناقبهم الثابتة عن النبي ﷺ، سواء ما ورد منها على وجه الإجمال، أو على وجه التفصيل، واعتقاد فضل الخلفاء الراشدين، وأنهم أفضل الخلق بعد النبيين، والمرسلين، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
واعتقاد: فضل المهاجرين، والأنصار، وحقوقهم، وحفظ وصايا الرسول ﷺ فيهم.
واعتقاد: فضل أهل بيت رسول الله ﷺ، والتقرب إلى الله عز وجل بموالاتهم، ومحبتهم، وصلتهم، وحفظ وصايا رسول الله ﷺ فيهم.
واعتقاد: فضل أمهات المؤمنين، وتعظيم قدرهن، ومعرفة فضلهن، وطهرهن، وشرفهن، ولا تُذكر إحداهنّ إلّا بخير، مع الإيمان بأنهن أزواج النبي ﷺ في الآخرة.
والتمسك بما كانوا عليه، والاقتداء بهم،
واعتقاد: أن من حقهم رضي الله عنهم أجمعين – على كل من جاء بعدهم من المؤمنين أن يدعو لهم، ويستغفر لهم، قال – تعالى – [الآيات: (٨ – ١٠)، من سورة: الحشر. وانظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (ص / ٥٠١ – ٥٠٣)، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني (ص/ ٢٨٧ – ٢٩٤)، وشرح أصول الاعتقاد (١/ ١٥٦)، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام – مع شرح الهراس – (ص / ١٥٢ – ١٥٣)، – ومع شرح العثيمين – (٢/ ٢٤٧ – ٢٩٥)، ورسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرد على الرافضة، وعقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام للدكتور / ناصر الشيخ]:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾.
و عقيدتهم في عدالتهم بخاصة:
العدالة مَلَكة تحمل المرء على ملازمة التقوى، والمروءة
والصحابة – رضوان الله عليهم – كلهم عدول، مأمونون بنص كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه ﷺ، بما جاء فيهما من حسن الثناء عليهم، ووصفهم بأحسن الأوصاف، وما أعدّ لهم في الآخرة من الخير العظيم، والخلود المقيم في جنات النعيم … هذا قول السلف، وأجمع عليه من يعتد به في الإجماع ممن بعدهم
[ذكر الإجماع: ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٩)، والخطيب في الكفاية (ص/ ٩٦)، وابن الصلاح في علوم الحديث (ص/ ٢٦٠)، والنووي في شرح مسلم (١٥/ ١٤٩)، وابن كثير في اختصار علوم الحديث (٢/ ٤٩٨)، والزركشي في البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، والسخاوي في الغاية (١/ ٣٨٢)، والسفاريني في لوائح الأنوار (٢/ ١٩٠)، وغيرهم. وانظر: السنن الأبين (ص/ ١٢٠)، وتحقيق منيف الرتبة (ص/ ٧٨)]، …
قال الله – عز رجل-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾، وقال (٣): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾، وفي نصوص القرآن الشاهدة بذلك كثرة وعدد جمّ يكثر إيراده، ويطول تعداده.
كما أن في النصوص الصحيحة المسندة إلى النبي ﷺ الدالة على عدالتهم كثرة متسعة، استفاضت، وتواترت في هذا المعنى، والسنة مبينة للقرآن، قال – تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ……. وهذه النصوص مذكورة بأسانيدها، ومتونها، انظر – مثلًا -: ما ورد في فضل مَن رأى النبي ﷺ وصحبه، وما ورد في أن خير الناس القرن الذي كان فيه النبي – صلى الله عليه وسلم -، وما ورد في النهي عن سبهم، وغير هذا مما وردت فيه فضائلهم العامة، والخاصة.
قال ابن حبان [في صحيحه (الإحسان ١/ ١٦١)]: (كلهم أئمة، سادة، قادة، عدول، نزه الله عز وجل أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن أن يلزق بهم الوهن. وفي قوله ﷺ: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول، وليس فيهم مجروح، ولا ضعيف … وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا) اهـ.
وقال الخطيب في ترجمة أحد أبواب الكفاية [(ص/ ٩٣)، وانظره (ص / ٩٦ – ٩٧)]: (باب ما جاء في تعديل الله، ورسوله ﷺ للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم)، ثم قال: (لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن).
وقال ابن عبد البر [الاستيعاب (١/ ٢)]: (فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله ﷺ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ﷺ، ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منها)، إلى أن قال [(١/ ٧)]: (إنما وضع الله عز وجل في الموضع الذي وصفهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة؛ لتقوم الحجة على جميع أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة وسنة).
وقال ابن تيمية [منهاج السنة (٢/ ٤٥٧)]: (الصحابة كلهم ثقات باتفاق أهل العلم بالحديث، والفقه). وقال ابن حجر [الإصابة (١/ ١٠)]: (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة) ا هـ [وانظر: أضواء البيان (١/ ٤٠٠)].
ومع ثبوت عدالة الصحابة الكرام رضي الله عنهم ثبوتًا قطعيًا فأهل السنة، والجماعة – بحمد الله – ليسوا ممن يغلون فيهم، ولا يدّعون لهم العصمة، بل هم بشر كسائر البشر، يجوز عليهم الذنب، والخطأ، والنسيان، والعصمة إنما هي للأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة، والسلام – …، وإن ثبت على أحد من الصحابة شيء من ذلك فهو مغمور في سعة رحمة الله بما ثبت لهم من الفضائل، والمحامد التي لا يسع صاحب دين، أو لبّ أن يكتمها، ويدفنها.
وهذا خلاف لمن تجاوزوا الحد، وكانوا على طرفي نقيض في أصحاب رسول الله ﷺ … في أحدهما من يكفرهم، وبغير الحق يذكرهم، وفي الآخر من رفع بعضهم فوق المنزلة الي قررها لهم الكتاب، والسنة الثابتة، فنقلوهم من حيز الصحبة إلى حيز الإلهية والربوبية، وادعو فيهم العصمة والحفظ، واتبعوا كل ما ورد عنهم من غير نظر وتمحيص، لم يراعوا الصحة من الخطأ، ولا الثابت عنهم من غير الثابت، وهذا حقيقته العبادة لهم من دون الله عز وجل، وإن لم يقربها من صنع ذلك – نسأل الله الهداية، ونعوذ به من الغواية -.
(المطلب الرابع): القول في تفضيل بعضهم على بعض:
قرر الله عز وجل في كتابه، والنبي ﷺ في سنته التفاضل بين المخلوقات، وأنها على مراتب، وأقدار، بل كل جنس ونوع فيما بين عناصره، وأفراده، وأنهم على درجات بعضها فوق بعض …،
وأصل التفضيل بين أصحاب النبي ﷺ، كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.
قال – تعالى -: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وروى الشيخان [خرجته من كتابيهما وغيرهما في فصل النهي عن سب أصحاب النبي ﷺ، من الباب الأول، ورقمه/ ٣٤، ١٠١]، وغيرهما من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ: لا تَسُبُّوا أَحَدًا مِن أَصْحَابِي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه).
وفي هذا دليل على فضل السابقين الأولين على من جاء بعدهم.
قال القرطبي في تفسيره [(٣/ ٢٦٤)] – وقد ذكر ما قيل في التفاضل بين الأنبياء -: (وهكذا القول في الصحابة – إن شاء الله تعالى – اشتركوا في الصحبة، ثم تباينوا في الفضائل، بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك، مع أن الكل شملتهم الصحبة، والعدالة، والثناء عليهم) اهـ. وذكر شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى (٤/ ٤١٤ – ٤١٥)، وانظر تتمة كلامه] أن التفضيل يثبت إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا، وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب التفضيل على الغير.
والسلف الصالح يقدمون:
المهاجرين على الأنصار، ولأهل العقبتين من الأنصار مزية عندهم، ويفضلون من أنفق قبل صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل.
وأفضلهم من الرجال: الخلفاء الأربعة – وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة – [يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٨ – ٤٠٩): (والسنة محبة عثمان، وعلى جميعًا، وتقديم أبي بكر، وعمر عليهما رضي الله عنهم؛ لما خصهما الله به من الفضائل إلى سبقا بها عثمان، وعليًا جميعا. وقد نهى الله في كتابه عن التفرق، والتشتت، وأمر بالإعتصام بحبله. فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه، ويعتصم بحبل الله؛ فإن السنة مبناها على العلم، والعدل، والإتباع لكتاب الله، وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -). وقال المحب الطبري في الرياض النضرة (٢/ ١٨٠ – ١٨٢): (وقد أجمع أهل السنة من السلف، والخلف من أهل الفقه والأثر أن عليًا أفضل الناس بعد عثمان، هذا مما لم يختلف فيه،
وإنما اختلفوا في علي وعثمان …)، ثم ذكر أن الأمر استقر عندهم على تقدم عثمان على علي – رضوان الله عليهما -. وانظر: قول الإمام أحمد المنقول في طبقات الحنابلة (١/ ٣٠).
ويقول ابن القيم في الكبائر (ص / ٤٠٣): (وأجمعت علماء السنة أن أفضل الصحابة العشرة المشهود لهم. وأفضل العشرة: أبو بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين -. ولا يشك في ذلك إلا مبتدع، منافق، خبيث) اهـ. ]، ثم سائر العشرة المبشرين بالجنة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان …، هذا الصحيح المشهور عندهم
[انظر: السنة للخلال (ص/ ٣٧١ – ٤١٠)، وعقيدة السلف للصابوني (ص/ ٢٨٩)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائى (١/ ١٥٩، ١٥٥، ١٥٢ – ١٧٦، ١٦٧، ١٦٠ – ١٦٨)، و(٨/ ١٣٦٣ وما بعدها)، والاعتقاد للبيهقي (ص/ ١٩٢)، والمدخل لابن بدران (ص / ١٨)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (٢/ ٥٠١ – ٥٠٢)، وشرح مسلم (١٥/ ١٤٨)، والتقريب (٢/ ٢٢٢ – ٢٢٣) كلاهما للنووى، والعقيدة الواسطية – مع شرح العثيمين – (٢/ ٢٥٣ – ٢٧٢)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ وما بعدها)، والمنهل الروي (ص / ١١٢)، والخلاصة للطيبي (ص/ ١٢٤)، ولوائح الأنوار (٢/ ٩٩ – ١٠٠)، ومعارج القبول للحكمي (٣/ ١١٢٦ وما بعدها)].
قال أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري في قصيدة له في الآداب والسنة [(ص/٥٧ – ٥٨)]:
وتولَّ أصحاب النَّبي وآله … وأَذِع محاسنهم جميعًا وانشرِ
وامنحهمُ محض الوداد وقدم الـ … ـعمرين في كلّ الفضائل وابدرِ
ويليهما عثمانُ ثم علي الـ … بطل المسوّم في الحروب الشَّمري
خلفاء صدق وطّدوا دين الهدى … وارَوا معالمه عيونَ النُّظَّرِ
والسّتّة الأعلام من شركائهم … بحراء في اليومِّ الأغرِّ الأشهرِ
واذكرهمُ بالسبق واشهد فيهمُ … ولهمْ بما شهد الرّسول وأخبرِ
واذكر سواهم بالجميل ولا تكن … بمقدِّم فيهم ولا بمؤخرِ
فجميعهمْ للبرِّ أهلٌ والتقى … قَمِنٌ بها وبكلّ صالحة حري
وقال ابن الجزري في الهداية [(١/ ٣٨١)]:
وهمْ بالإجماع عدولٌ اجمع … أفضلهم فالخلفاء الأربع
فستَّة فأهل بدر فأحد … فبيعة الرضوان ………
وأما أفضل نسائهم: فالتوقف في التفضيل المطلق بينهن أولى، وهو أعدل الأقوال؛ لأن الأفضلية على الإطلاق لا يعلمها إلّا الله، ولا نص، وكل واحدة ممن قيل إنها الأفضل، والأشرف باعتبار النظر في بعض الأدلة لها فضل تفوق به سائر النساء [انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٣ – ٣٩٤)، وبدائع الفوائد (٣/ ١٦١ – ١٦٣)، وصحابة رسول الله ﷺ للكبيسي (ص/ ٢٤٥ – ٢٥١)].
(المطلب الخامس): طبقاتهم:
الطبقات جمع طبقة، وهي في اللغة: المرتبة وَالمنزلة
[انظر: لسان العرب (حرف: القاف، فصل: الطاء المهملة) ١٠/ ٢١٠، والقاموس المحيط (باب: القاف، فصل: الطاء) ص / ١١٦٥].
وتطلق في الاصطلاح على الجماعة الذين تشاركوا في السن، أو تقاربوا فيها، أو اشتركوا في الأخذ عن مشايخهم، أو في وصف عام يشملهم.
وإنما سموا طبقة؛ لأن لهم من رتبة السبق، أو التوسط، أو التأخر ما يحدد وصفهم، ويعين مرتبتهم [انظر: محاضرات التازي (١/ ١٥٢)].
وإذا تميّز بعضهم عن بعض – مُيّزوا على طبقات فيما بينهم [انظر: الطبقات للنسائي، وشرح العلل لابن رحب (٢/ ٦١٣ وما بعدها)، وعلم الطبقات عند المحدثين لإسلام سعيد]. والصحابة على منازل وطبقات بالإجماع [انظر: السنة قبل التدوين (ص/ ٣٩١)]،
واختلف أهل العلم في عدّ طبقاتهم وأصنافهم؛ لتعدد أنظارهم في الأسباب، والاعتبارات الداعية إلى جعلهم طبقة واحدة، أو أكثر.
فمن نظر إلى مطلق الصحبة، واللقي؛ لما حصل لهم بها من الشرف والفضل جعلهم طبقة واحدة كابن حبان [الثقات، المجلد الثالث. وانظر: اختصار علوم الحديث (٢/ ٦٧١ – ٦٧٢)، ومحاضرات التازي (١/ ١٥٢)، وصحابة رسول الله ﷺ (ص / ١٠٤)].
ومن نظر إلى مشاهدهم مع رسول الله ﷺ، وسبقهم إلى الإسلام، والهجرة جعلهم أكثر من طبقة …
ومنهم ابن سعد، جعلهم خمس طبقات [ي الطبقات الكبرى، وبعضها لم يزل مفقودًا … وانظر: الجامع للخطيب (٢/ ٢٩٢)، وفتح المغيث (٤/ ١١٢)، والتدريب (٢/ ٢٢١)، والباعث الحثيث (٢/ ٥٠٤)]:
الأولى: البدريون. والثانية: من أسلم قديما ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهد أحدا فما بعدها. والثالثة: من شهد الخندق فما بعدها. والرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها. والأخيرة: الصبيان والأطفال الذين رأهم النبي ﷺ ممن لم يغز سواء حفظ عنه – وهم الأكثر – أم لا.
ومنهم: الحاكم [معرفة علوم الحديث (ص / ٢٩ – ٣١)]، جعلهم اثنتي عشرة طبقة، الأولى: قوم أسلموا بمكة – كالخلفاء الأربعة -. والثانية: أصحاب دار الندوة. والثالثة: مهاجرة الحبشة. والرابعة: أصحاب العقبة الأولى. والخامسة: أصحاب العقبة الثانية. والسادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه بقباء، قبل أن يدخلوا المدينة. والسابعة: أهل بدر. والثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية. والتاسعة: أهل بيعة الرضوان. والعاشرة: من هاجر بين الحديبية، وفتح مكة. والحادية عشرة: مسلمة الفتح. والأخيرة: صبيان، وأطفال رأوه يوم الفتح في حجة الوداع، وغيرها [وانظر: فتح المغيث (٤/ ١١١ – ١١٢)، والتدريب (٢/ ٢٢١ – ٢٢٢)].
ومنهم: أبو منصور البغدادي [أصول الدين (ص / ٢٩٨ – ٣٠٣)]، جعلهم سبع عشرة طبقة، ذكرها.
والمشهور عند أهل العلم في عد طبقات الصحابة: ما ذكره الحاكم في كتابه المتقدم [انظر: منهج ذوي النظر (ص/ ٢٢٢)، والباعث الحثيث (٢/ ٥٠٤)، وصحابة رسول الله ﷺ (ص / ١١٤ – ١١٥)]. [الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة للصاعدي رحمة الله عليه، (1/ 53 – 117)، باختصار].
(المسألة الثانية): أهل بدر والحديبية رضي الله عنهم ومالهم من الفضائل
(المطلب الأول): في معنى بدر والحديبية وأصحاب الشجرة رضي الله عنهم:
أولاً: أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، والحديبية رضي الله عنهم:
قال القرطبيّ رحمه الله: هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وكانت بالحديبية التي تقدم ذِكرها، والمبايعون تحتها: كانوا ألفًا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، كانوا بايعوا رسول الله ﷺ على الموت، أو على ألا يفرُّوا، على خلاف بين الرواة، ثم إن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة، وكفى الله المؤمنين القتال، وأحرز لهم الثواب، وأثابهم فتحًا قريبًا، ورضوانًا عظيمًا. انتهى [«المفهم» ٦/ ٤٤٣ – ٤٤٤].
و«الْحُديبية»: بتشديد الياء وتخفيفها لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف، وقال أبو عبيد البكريّ: أهل العراق يثقّلون، وأهل الحجاز يُخفّفون. انتهى [«الفتح» ٩/ ٢٥٥، كتاب «المغازي» رقم (٤١٤٧)].
وهي بئر بقرب مكة على طريق جُدّة دون مرحلة، ثمَّ أُطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحِلّ، وبعضه في الحَرَم، وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت.
وقال في «الفتح»: الحديبية بئر، سُمّي المكان بها، وقيل: شجرة حَدْباء صُغِّرت، وسُمّي المكان بها، قال المحبّ الطبريّ: الحديبية قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم. انتهى [«الفتح» ٦/ ٦٢٦].
قال الفيّوميّ رحمه الله: “الحديبية”: بئر بقرب مكة، على طريق جدة، دون مرحلة، ثم أُطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحلّ، وبعضه في الحرم، وهوأبعد أطراف الحرم عن البيت، ونَقَل الزمخشريّ، عن الواقديّ أنَّها على تسعة أميال من المسجد، وقال أبو العباس أحمد الطبريّ في»كتاب دلائل القبلة«: حَدُّ الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدّة عشرة أميال، ومن طريق الطائف سبعة أميال، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن طريق العراق سبعة أميال.
[«المصباح المنير» ١/ ١٢٣، ١٢٤].
وأهل بيعة الرضوان:
أهل بيعة الرضوان هم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية على قتال قريش، وإلا يفروا حتى الموت، وسببها ما أشيع من أن عثمان قتلته قريش حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إليهم للمفاوضة. وسميت ببيعة الرضوان، لأن الله رضي عنهم بها، وعددهم نحو ألف وأربعمائة.
والفضيلة التي حصلت لهم هي:
1) رضا الله عنهم؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: من الآية 18].
2) سلامتهم من دخول النار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة [أخرجه مسلم (2496) عن جابر رضي الله عنه]. “.
يقول الله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] هذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة. [مذكرة العقيدة الواسطية].
ثانيًا: «بَدْر»
«بَدْر» بفتح الباء الموحّدة، وسكون الدال المهملة، آخره راء.
قال في «الفتح»: «بَدْرٌ: هي قرية مشهورة، نُسبت إلى بدر بن مَخلد بن النضر بن كنانة، كان نزلها، ويقال: بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر التي بها، سُمّيت بذلك؛ لاستدارتها، أو لصفاء مائها، فكان البدر يُرَى فيها، وحَكَى الواقديّ إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غِفَار، وإنما هي ماؤنا، ومنازلنا، وما مَلَكها أحدٌ قط، يقال له: بدر، وإنما هو عَلَمٌ عليها كغيرها من البلاد». انتهى [«الفتح» ٩/ ١٥، كتاب «المغازي» رقم (٣٩٥١)].
وقال الفيّوميّ رحمه الله: بَدْرٌ: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو على ثمانية وعشرين فَرْسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمّيت بدرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جُهينة، اسمه بَدْرٌ، وقال الواقديّ: كان شيوخ غِفَار يقولون: بدرٌ ماؤنا، ومنزلنا، وما ملكه أحد قبلنا، وهو من ديار غِفَار. انتهى [«المصباح المنير» ١/ ٣٨].
(المطلب الثاني):
أولاً: قصّة غزوة بدر، وبيان سببها:
(عَنْ أَنَس، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاج، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَصْحَابِه، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أنا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ، فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاس، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ»، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ»، قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَا هُنَا، وَهَا هُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ). [صحيح مسلم، [٤٦١٢] (١٧٧٩)].
[تنبيه1]:
العير التي مع أبي سفيان يقال: كانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكان فيها ثلاثون رجلًا من قريش، وقيل: أربعون، وقيل: ستّون، قاله في «الفتح» [«الفتح» ٩/ ١٦، كتاب «المغازي» رقم (٣٠٥١)].
[تنبيه 2]: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧] نزل في قصة بدر بلا خلاف، بل جميع سورة الأنفال، أو معظمها نزلت في قصة بدر، وعن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: «سورة الأنفال؟» قال: نزلت في بدر، والمراد بالطائفتين: العير، والنفير، فكان في العير: أبو سفيان، ومن معه، كعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وما معه من الأموال، وكان في النفير: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وغيرهما، من رؤساء قريش، مستعدِّين بالسلاح، متأهبين للقتال، وكان ميل المسلمين إلى حصول العِير لهم، وهو المراد بقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، والمراد بذات الشوكة الطائفة التي فيها السلاح.
وروى الطبرانيّ، وأبو نعيم في «الدلائل»، من طريق عليّ بن طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت عير لأهل مكة من الشام، فخرج النبيّ ﷺ يريدها، فبلغ ذلك أهل مكة، فأسرعوا إليها، وسَبقت العير المسلمين، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يَلْقَوا العير أحب إليهم، وأيسر شوكةً، وأخصّ مغنمًا من أن يلقوا النفير، فلمّا فاتهم العير نزل النبيّ ﷺ بالمسلمين بدرًا، فوقع القتال، ذكره «الفتح» [«الفتح» ٩/ ١٦، بواسطة البحر المحيط الثجاج].
ثانيًا: قصة بيعة الرضوان:
أن النبي صلى الله عليه وسلم في سنة ست من الهجرة رأى في المنام أنه والمسلمين يدخلون المسجد الحرام آمنين، محلقين رءوسهم، ومقصرين، لا يخافون، فأخبر أصحابه، واستعدوا للعمرة، وفي مستهل ذي القعدة خرج في ألف وأربعمائة من المسلمين قاصدين العمرة ومعهم الهدي، حتى وصلوا إلى مشارف مكة عند الحديبية قال الحافظ في الفتح: “والحديبية بالتثقيل والتخفيف لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف. وقال أبو عبيد البكري: أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون “.وقال: “قوله: (والحديبية بئر) يشير إلى أن المكان المعروف بالحديبية سمي ببئر كانت هنالك، هذا اسمها ثم عرف المكان كله بذلك”.
وعندها صدهم المشركون، ومنعوهم من دخول مكة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة، وحمله على جمل له، يقال له: الثعلب، يعلمهم أنه ما جاء لقتال، وأنه إنما جاء معتمرا، ثم يعود، فلما أتاهم وكلمهم عقروا جمله، وأرادوا قتله، ثم خلوا سبيله، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله، إن القوم قد عرفوا عداوتي لهم، وغلظتي عليهم، وإني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني عدي، يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وهم يحبونه، فيبلغ ما أردت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، فأرسله إلى قريش، وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره صلى الله عليه وسلم أن يبشر رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله تعالى سيظهر دينه بمكة قريبا، فذهب عثمان رضي الله عنه إلى قريش، فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت فطف بالبيت، وأما دخولكم علينا فلا سبيل له، فقال رضي الله عنه: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسوه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فقال عليه الصلاة والسلام: لا نبرح حتى نناجز القوم ونادى مناديه عليه الصلاة والسلام: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على أن لا يفروا، وعلى الموت أو النصر، كانت هذه البيعة تحت شجرة، فأنزل الله تعالى فيها: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] ونزل: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ولما علمت قريش بالبيعة خافوا، وأرسلوا عثمان رضي الله عنه.
وكان بعد ذلك صلح الحديبية المشهور.
ولما كان الله قد وعد المؤمنين بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ولما كان هؤلاء المبايعون قد باعوا أنفسهم كانت لهم الجنة، وكان قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد، أي الذين بايعوا تحتها.
وقد جاء ذكر قصّة الحديبية من «صحيح البخاريّ»، حيث إنه ساقه مطوّلًا جدًّا، قال رحمه الله في «كتاب الشروط»:
(٢٧٣١) – حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يُصَدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق، قال النبيّ ﷺ: «إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، طَليعةً، …… انتهى.
[تنبيه]:
قد تكلّم الإمام ابن القيّم رحمه الله على الفوائد، والحكم التي تضمّنها صلح الحديبية.
(المطلب الثالث): الفضائل
(الفرع الأول): من عادة أهل العلم أن يذكروا الأحاديث الواردة في فضائلهم رضي الله عنهم حسب الحوادث، والوقائع، والقبائل، والطوائف، والبلاد
ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاثة أقسام:
– الأول: الأحاديث الواردة في فضائلهم حسب الحوادث والوقائع.
– الثاني: الأحاديث الواردة في فضائلهم حسب القبائل والطوائف.
– الثالث: الأحاديث الواردة في فضائلهم حسب البلاد.
(الفرع الثاني): النصوص الواردة في فضائل أهل بدر والحديبية
وفضائل أهل بدر والحديبية من القسم الأول، ويمكن تقسيمه إلى ثلاث فضائل خاصة بأهل بدر، وفضائل خاصة بأهل الحديبية، وفضائل مشتركة في النصوص، والأخير مثل حديث الباب.
أولاً: ما جاء في فضائل أهل بدر:
- عن عبيد الله بن أبي رافع، وهو كاتب علي قال: سمعت عليا ﷺ وهو يقول: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: «ائتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها». فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: …..
وفي هذا الحديث: أن المانع من قتل حاطب رضي الله عنه صدقُهُ مع النبي ﷺ، وكذلك كان المانع شهوده بدرًا.
وفيه: أن من رمى أحدًا بالكفر والنفاق متأوِّلًا لا يلحقه الوعيد الذي جاء في قوله ﷺ: «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» [أخرجه مسلم (٦١)]، فقول عمر رضي الله عنه: «دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ»: كان فيه متأولًا بسبب ما شهده من ذلك، وهو معذور في هذا، كمن قاتل متأولًا مجتهدًا، فلا يلحقه- أيضًا- الوعيد الذي ورد في قول النبي ﷺ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [أخرجه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥)].
وفيه: أن ما فعله حاطب رضي الله عنه كبيرة من كبائر الذنوب.
وفيه: أن أهل بدر غير معصومين لا من الكبائر ولا من غيرها، ولكنهم موفَّقون إما للتوبة، أو لإقامة الحد، أو يعفو الله عنهم في الآخرة؛ ولهذا أقام النبي ﷺ الحد على مسطح وحسان وحمنة رضي الله عنهم.
وفيه: أن التجسس على المسلمين كبيرة من كبائر الذنوب وليس كفرًا؛ لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾.
وفيه: أن من رضي بالكفر فهو كافر.
وفيه: أن من عادى المسلمين ورضي عن الكفار فإنه يكفر إلا إذا كان متأولًا.
وفيه: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإذا وجدت مفسدتان لا يمكن درؤهما بل لا بد من فعل واحدة منها فإنه يرتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، كما أنه إذا وجدت مصلحتان لا يمكن فعلهما معًا، فإنه يتعين فعل المصلحة الكبرى وإن فاتت الصغرى. [توفيق الرب المنعم، (7/ 201 – 202)].
المضامين:
(الأول): المضمون العام:
بيان فضل الصحابة الذين شهدوا غزوة بدر، وتأكيد مغفرة الله لهم، ولو ارتكبوا ذنوبا بعده.
(الثاني):
– عظم منزلة أهل بدر، توجب تعظيمهم وعدم الطعن فيهم؛ لما خصهم الله به من مغفرة.
– حسن الظن بالصحابة: الدفاع عن حاطب رضي الله عنه رغم خطئه.
- عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «اطلع الله على أهل بدر فقال: اعملوا ما شِئْتُمْ فقد غفرت لكم».
حسن: رواه أبو داود (٤٦٥٤)، وأحمد (٧٩٤٠)، والحاكم (٤/ ٧٧، ٧٨) كلهم من طريق يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: فذكره.
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ على اليقين: إن الله تعالى اطلع عليهم فغفر لهم، إنما أخرجاه على الظن: «وما يدريك لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر».
قال الأعظمي: هكذا رواه على اليقين: يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة.
ورواه موسى بن إسماعيل التبوذكي عند أبي داود (٤٦٥٤) وعمرو بن عاصم عند الدارمي في مسنده (٢٨٠٣) كلاهما عن حماد بن سلمة به بالظن: «فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
وإسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود فإنه حسن الحديث.
- عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه – وكان أبوه من أهل بدر -، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين». أو كلمة نحوها، قال: «وكذلك من شهد بدرا من الملائكة».
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٩٢) عن إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة، عن أبيه قال: فذكره.
- عن رافع بن خديج قال: إن جبريل أو ملكا جاء إلى النبي ﷺ فقال: «ما تعدون من شهد بدرًا فيكم؟». قالو: خيارنا، قال: «كذلك هم عندنا خيارنا من الملائكة».
صحيح: رواه ابن ماجه (١٠٦)، وأحمد (١٥٨٢٠)، وعبد بن حميد (٤٢٥)، وصحّحه ابن حبان (٧٢٢٤) كلهم من طريق سفيان (هو الثوري)، عن يحيى بن سعيد (هو التيمي أبو حيان)، عن عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج فذكره. وإسناده صحيح.
- عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال وهو في قبّة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهم! إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا». فأخذ أبو بكر بيده، وقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألحَحْت على ربك، وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ – ٤٦].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٧٧) عن إسحاق، ثنا خالد، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
- عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم! أنجز لي ما وعدتني، اللهم! آت ما وعدتني، اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض … فأمده الله بالملائكة». الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٧٦٣) عن هنّاد بن السري، ثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، ثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: فذكره.
- عن علي قال: بات رسول الله ﷺ يدعو ربه عز وجل ويقول: «اللهم! إن تهلك هذه الفئة لا تعبد».
صحيح: رواه أحمد (٩٤٨)، والبزار (٧١٩) كلاهما من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أبو داود (٢٦٦٥) من طريق إسرائيل به، ولكنه لم يذكر موضع الشاهد منه. ورواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤٩) من وجه آخر عن شعبة، عن أبي إسحاق مختصرا.
وأما ما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر، فقال رسول الله ﷺ «اللهم! إنهم حفاة فاحملهم، اللهم! إنهم عراة فاكسهم، اللهم! إنهم جياع فأشبعهم، ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل وقد رجع إلا بجمل أو جملين، واكتسوا، وشبعوا». فضعيف.
رواه أبو داود (٢٧٤٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٣، ١٣٣)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٠٦) كلهم من طرق، عن عبد الله بن وهب، عن حيي – وهو ابن عبد الله المعافري -، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: فذكره.
وحييّ بن عبد الله المعافري مختلف فيه، والجمهور على تضعيفه.
ثانيًا: ما جاء في فضائل أصحاب الشجرة:
- عن جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله! فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال النبي ﷺ: «قد قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]».
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٦) عن هارون بن عبد الله، ثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره. أم مبشر هي: زوجة زيد بن حارثة.
وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بمراجعة العالم لأجل الفائدة، أو المناظرة لأجل أن تتبين المسألة؛ فإن حفصة رضي الله عنها راجعت النبي ﷺ بقولها: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾.
وقد اختلف العلماء في المراد بالورود في الآية على قولين، أصحهما: أن المراد بالورود: المرور على الصراط، وقيل: المراد به دخول النار.
وهذه الآية من الآيات التي فسرها النبي ﷺ، فقد فسر الورود بالمرور على الصراط، وبين أن النجاة لا تستلزم دخول النار، كما أن النجاة في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحًا﴾، وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا﴾ لا تستلزم حصول العذاب؛ فالله تعالى أخبر أنه نجى أنبياءه ولم يصبهم العذاب الذي أهلك به أممهم، فكذلك قوله: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ لا يستلزم دخول النار.
ومن الآيات التي فسرها النبي ﷺ: قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، فقد أشكلت على الصحابة رضي الله عنهم، فبين لهم النبي ﷺ معناها بقوله: «لَيْسَ الظُّلْم الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ العَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾؟». ففسر الظلم في الآية بالشرك.
وفيه: فضل أهل بيعة الرضوان أهل الشجرة، وأنهم مشهود لهم بالجنة. [توفيق الرب المنعم للراجحي، (7/ 203 – 204)].
- عن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة، قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة فقال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية». قالت حفصة: أليس الله عز وجل يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] قال رسول الله ﷺ: «فمه».
صحيح: رواه أحمد (٢٧٠٤٢)، وابن ماجه (٤٢٨١)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٨٧)، وصحّحه ابن حبان (٤٨٠٠) كلهم من طريق ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر قالت: فذكرته. وإسناده صحيح.
- عن أم مبشر قال: جاء غلام حاطب فقال: والله! لا يدخل حاطب الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «كذبت قد شهد بدرا والحديبية».
صحيح: رواه أحمد (٢٧٠٤٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٤)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٠٢) كلهم من طريق معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن سليمان – هو الأعمش -، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر قالت: فذكرنه.
- عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن لا يدخل النار – إن شاء الله – أحد شهد بدرا والحديبية». قالت: فقلت: أليس الله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ قالت: فسمعته يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
صحيح: رواه أحمد (٢٦٤٤٠)، وابن ماجه (٤٢٨١)، وأبو يعلى (٧٠٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٨٦) كلهم من حديث أبي معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة قالت: فذكرته.
وإسناده صحيح.
- عن جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: «كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية».
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٥) من طرق، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: فذكره.
وفي لفظ: «كذبت، لا يدخلها أبدا …». فزاد كلمة «أبدا».
رواه أحمد (١٤٤٨٤) عن حجاج، ثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: فذكره. وحجاج: هو ابن محمد الأعور.
في هذا الحديث: دليل على أن حاطبًا رضي الله عنه مشهود له بالجنة، فقد جاء عبدٌ له يشكوه إلى رسول الله ﷺ، ويقول: «لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ»، ومعنى كذبت، أي: أخطأت.
وفيه: أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمدًا أو سهوًا. [توفيق الرب المنعم، (7/ 202)].
- عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة».
حسن: رواه أبو داود (٤٦٥٣)، وأحمد (١٤٧٧٨)، والترمذي (٣٨٦٠)، والنسائي في الكبرى (١١٤٤٤)، وابن حبان (٤٨٠٢) كلهم من طرق، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
- عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فقال لنا النبي ﷺ: «أنتم اليوم خير أهل الأرض». وقال جابر: «لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة».
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٥٤)، ومسلم في الإمارة (١٨٥٦ – ٧١) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: فذكره.
وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري نحوه.
- عن ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ قال: «لن يلج النار أحد شهد بدرا والحديبية».
صحيح: رواه البزار (٣٣٤٠) عن الفضل بن يعقوب الرخامي وهلال بن العلاء قالا: أنا عبد الله بن جعفر قال: أنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى فذكره.
ورجاله ثقات، سوى عبد الله بن جعفر هو ابن غيلان الرقي وهو ثقة أيضا لكنه تغير قبل موته بسنتين تغيرا ليس بفاحش، وقد أدركه البخاري بعد ما تغير فلم يرو عنه مباشرة، ولكنه روى بواسطة الفضل بن يعقوب الرخامي حديثا واحدا كما قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري (ص ٤١٣) وهذا يدل على أن الرخامي من قدماء أصحابه، والله أعلم.
وقال البزار عقبه: «هذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن إسماعيل بن أبي خالد إلا عيسى بن يونس، ولا عن عيسى إلا عبد الله بن جعفر». [الجامع الكامل في الحديث للأعظمي رحمه الله، (9/ 154 – 161)].
المضامين:
(الأول):
– الجمع بين فضل أهل بدر وأهل الحديبية، وتأكيد أنهم لا يدخلون النار.
وأيضًا غير ما سبق وذكره الوادعي في الجامع الصحيح:
٤ – فضائل أهل بدر رضي الله عنهم –
* وقال الإمام أبو محمد الدارمي رحمه الله (ج ٢ ص ٤٠٤): حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «أين فلان؟» فغمزه رجل منهم فقال إنه وإنه فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أليس قد شهد بدرًا؟» قالوا بلى قال «فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
هذا حديث حسنٌ. وعاصم هو ابن أبي النَّجُودِ، كما في «تحفة الأشراف».
٥ – فضل أصحاب الحديبية رضي الله عنهم – :
٢٤٢٠ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٣ ص ٢٦): حدثنا يحيى عن محمد بن أبي يحيى قال حدثني أبي أن أبا سعيد الخدري حدثه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما كان يوم الحديبية قال «لا توقدوا نارًا بليل» قال فلما كان بعد ذاك قال «أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم».
هذا حديث صحيحٌ.
ووالد محمد بن أبي يحيى اسمه سمعان، وقد وثَّقه أبو داود كما في ترجمة ابنه محمد من «تهذيب التهذيب».
والحديث أخرجه أبو يعلى (ج ٢ ص ٢٧٢). [الجامع الصحيح للوادعي رحمه الله، (4/ 21 – 24)].
المضامين:
(الأول):
– تفضيل الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة (بيعة الرضوان) في الحديبية، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أفضل ممن بعدهم في القنوت والعبادة.
(الثاني):
– تفضيل السابقين: تثبيت فضل الجيل الأول من الصحابة على من جاء بعدهم.
– الاقتداء بهم: الحث على اتباع منهجهم في الصبر والثبات في سبيل الله تعالى.
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): أهل بدر والحديبية لهم فضل عظيم لا ينكره إلا جاهل أو مبتدع، وقد غفر الله لهم ذنوبهم لسابق جهادهم.
2 – (ومنها): الجمع بين الفضلين أعظم دليل على رفعة هؤلاء الصحابة.
2 – (ومنها): نفي دخول النار يفيد أنهم من أهل الجنة، وهذه بشارة عظيمة.
2 – (ومنها): أن الله عز وجل يثيب أهل الإيمان بثواب يتجاوز أعمالهم أحيانا، وهذا من رحمة الله وكرمه.
2 – (ومنها): حسن الظن بالصحابة، واجب شرعي، والطعن فيهم بدعة تخالف النصوص وإجماع السلف.
3 – (ومنها): التفريق بين الخطأ والكفر، لا يجوز الحكم على الصحابة بالكفر أو النفاق لمجرد زلة، بل يحمل فعلهم على أحسن المحامل.
4 – (ومنها): تنبيه إلى عظم أثر العمل في وقت الفتن والابتلاء، أهل الحديبية بايعوا والنبي صل الله عليه وسلم في أصعب المواقف.
5 – (ومنها): أهل بدر والحديبية لهم مزية عظيمة ومغفرة من الله، وسبق لا يدركه من بعدهم.
6 – (ومنها): النصوص تدل على عناية الله بعباده المجاهدين المخلصين في المواقف الفاصلة.
7 – (ومنها): ينبغي للمسلم توقيرهم والاقتداء بإخلاصهم وبذلهم.
8 – (ومنها): أن الصحابة أُثيبوا بأجر لم تدركه الأمة بعدها؛ قال الله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18].
[تنبيه]:
سبق ذكر ما يتعلق بحديث الباب في (37 – بَابُ: مِنْ فَضَائِلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ)، و(بَابُ مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ)، على صحيح مسلم.
فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند (221)، و(994). كلها في قصة حاطب