(3026 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد بنياد وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تابع 10 لــ (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
٢٣ – (٣٠٢٦) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول:
كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا، لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه. فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ [٢ /البقرة / ١٨٩].
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
علاقة الحديث بكتاب التفسير من صحيح مسلم:
جمع الإمام مسلم رحمه الله في “كتاب التفسير” الأحاديث التي تبين أسباب النزول وتوضح معاني الآيات، مما يساعد في فهم القرآن وفق السنة.
وهذا الحديث مثال على كيف تُفسر السنة القرآن، فالسنة شارحة للقرآن.
والحديث يقع ضمن تفسير آية من سورة البقرة.
ويدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعالج المفاهيم الخاطئة بالتنزيل المباشر.
يربط الفعل بالوحي تفسيرًا وتشريعًا.
وقال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٥١٠] (٣٠٢٦) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ) هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار، لكن في حديث جابر رضي الله عنه أن سائر العرب كانوا كذلك، إلا قريشًا، ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة، كما قال البراء، وكذلك أخرجه الطبريّ من مرسل الربيع بن أنس نحوه. (إِذَا حَجُّوا) وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عند البخاريّ بلفظ: «إذا أحرموا في الجاهلية». (فَرَجَعُوا) إلى بلدانهم (لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا)؛ أي: نقبوا البيت من قِبَل ظهره، فدخلوا فيه. (قَالَ) البراء: (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو قُطْبة -بضم القاف، وإسكان الطاء المهملة، بعدها موحّدة- ابن عامر بن حَدِيدة -بمهملات، وزن كبيرة- الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ، كما أخرجه ابن خزيمة، والحاكم في «صحيحيهما» من طريق عمار بن رُزيق [بتقديم الراء مصغّرًا]، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: «كانت قريش تُدْعَى الْحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب، لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان، فخرج من بابه، فخرج معه قُطبة بن عامر الأنصاريّ، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة رجل فاجر، فإنه خرج معك من الباب، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، قال: إني أحمسيّ، قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية»، وهذا الإسناد وإن كان على شرط مسلم، لكن اختُلف في وصله على الأعمش، عن أبي سفيان، فرواه عبد بن حميد عنه، فلم يذكر جابرًا، أخرجه بَقِيّ، وأبو الشيخ في «تفسيرهما» من طريقه، وكذا سماه الكلبيّ في «تفسيره» عن أبي صالح، عن ابن عباس، وكذا ذكر مقاتل بن سليمان في «تفسيره».
وجزم البغويّ وغيره من المفسرين بأن هذا الرجل يقال له: رفاعة بن تابوت، واعتمدوا في ذلك على ما أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير من طريق داود بن أبي هند، عن قيس بن جبير النَّهْشليّ، قال: «كانوا إذا أحرموا لم يأتوا بيتًا من قِبَل بابه، ولكن من قِبَل ظهره، وكانت الحُمُس تفعله، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطًا، فاتّبعه رجل يقال له: رفاعة بن تابوت، ولم يكن من الحمس. . .» فذكر القصة.
قال الحافظ: وهذا مرسل، والذي قبله أقوى إسنادًا، فيجوز أن يُحْمَل على التعدد في القصة، إلا أن في هذا المرسل نظرًا من وجه آخر؛ لأن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هَبَّت الريح العظيمة لموته، كما وقع مبهمًا في «صحيح مسلم»، ومفسَّرًا في غيره من حديث جابر، فإن لم يُحْمَل على أنهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما، وإلا فكونه قطبة بن عامر أَولى.
ويؤيده أن في مرسل الزهريّ عند الطبري: «فدخل رجل من الأنصار، من بني سَلِمة» وقطبة من بني سَلِمة، بخلاف رفاعة.
ويدلّ على التعدد اختلاف القول في الإنكار على الداخل، فإن في حديث جابر: «فقالوا: إن قطبة رجل فاجر»، وفي مرسل قيس بن جبير: «فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة»، لكن ليس بممتنع أن يتعدد القائلون في القصة الواحدة.
وقد وقع في حديث ابن عباس عند ابن جريج أن القصة وقعت أوّل ما قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وفي إسناده ضعف.
وفي مرسل الزهريّ أن ذلك وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدّيّ عند الطبري أيضًا أن ذلك وقع في حجة الوداع، وكأنه أخذه من قوله: «كانوا إذا حجوا»، لكن وقع في رواية الطبريّ: «كانوا إذا أحرموا»، فهذا يتناول الحج والعمرة، والأقرب ما قال الزهريّ.
وبيَّن الزهريّ السبب في صنيعهم ذلك، فقال: «كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة، لم يَحُلْ بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلّ، فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب، من أجل أن السقف يحول بينه وبين السماء».
[تنبيه]: اتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلا ما أخرجه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن، قال: «كان الرجل من الجاهلية يَهُمّ بالشيء يصنعه، فيحبس عن ذلك، فلا يأتي بيتًا من قبل بابه، حتى يأتي الذي كان همّ به»، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام.
وخالفهم محمد بن كعب القُرظيّ، فقال: «كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزل من باب البيت» فنزلت، أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف.
وأغرب الزجاج في «معانيه»، فجزم بأن سبب نزولها ما رُوي عن الحسن، لكن ما في الصحيح أصحّ، والله أعلم.
[تنبيه آخر]: اتفقت الروايات على أن الحمس كانوا لا يفعلون ذلك، بخلاف غيرهم، وعَكَس ذلك مجاهد، فقال: «كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثَقَب كُوّةً في ظهر بيته، فدخل منها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ومعه رجل من المشركين، فدخل من الباب، وذهب المشرك ليدخل من الكوّة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شأنك؟ فقال: إني أحمسيّ، فقال: وأنا أحمسيّ»، فنزلت، أخرجه الطبريّ، ذكر هذا كلّه في «الفتح» [«الفتح» ٥/ ٤٣ – ٤٥، «كتاب العمرة» رقم (١٨٠٣)].
(فَدَخَلَ) ذلك الرجل (مِنْ بَابِهِ)؛ أي: من باب بيته، (فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: كلّموه، وعابوه على ما فعل، وتقدّم أنهم قالوا: «نافق رفاعة»، وفي رواية: «إن قُطبة رجل فاجر»، (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ردًّا عليهم في إنكارهم، وجعلته من أعمال الجاهليّة، لا من أعمال البرّ. (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾).
وقال القرطبيّ رحمه الله: إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضي إحرامهم، ويَصِلوا إلي منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها، قاله الزهريّ، يعتقدون أن ذلك من البِرّ والقُرَب، فنفى الله ذلك بقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، ثم بيّن ما يكون فيه البرّ بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: برّ من اتقى الله، وعَمِل بما أمره الله به من طاعته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله [«المفهم» ٧/ ٣٢٠ – ٣٢١].
وحديث البراء رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
فقه وفوائد الحديث:
1 – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
2 – (ومنها): ما كان عليه الجاهليّة من المشقّة والتعب في إقامة دينهم الباطل.
3 – (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: يستفاد من الآية أن الطاعات والقُرَب إنما يُتوصّل إليها بالتوقيف الشرعيّ، والتعريف، لا بالعقل والتخريف، فالبيوت على هذا محمولة على حقائقها، وقد قال بعض العلماء: إن المراد بها إتيان الأمور من وجوهها، وهو بعيد، وأبعدُ من قول من قال: إن المراد بها إتيان النساء في فروجهنّ، لا في أدبارهنّ، والصحيح الأول، وأما القولان الآخران فيؤخذان من موضع آخر، لا من الآية. انتهى [«المفهم» ٧/ ٣٢٠ – ٣٢١]. [البحر المحيط الثجاج].
لكن سيأتي استعمال العلماء لها .
4 – (ومنها): يسر الشريعة وسماحتها.
5 – (ومنها): التنبيه على خطأ الاعتقادات الباطلة، كظن الجاهلية أن أفعالهم قربى.
6 – (ومنها): وجوب اتباع الشرع، البر الحقيقي في الامتثال للأوامر والنواهي، لا في العادات.
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في تفسير قوله الله تعالى: { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة (189)].
(المطلب الأول ): الفوائد التربويَّة:
1- أنَّ العاداتِ لا تجعَل غيرَ المشروع مشروعًا؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}، مع أنَّهم اعتادوه واعتقَدوه من البِرِّ، فمن اعتاد شيئًا يعتقده بِرًّا، فإنَّ عليه أنْ يعرِضَه على شريعة الله.
[انظر: ((تفسير ابن عُثيمين – الفاتحة والبقرة)) (2/372)].
2- أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يأتيَ الأمور من أبوابها؛ ليحصلَ على مقصوده؛ لقوله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}؛ فإن هذه الآيةَ كما تناوَلتِ البيوت الحسِّيَّة تناولت أيضًا الأمورَ المعنويَّة.
[انظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 88)، ((تفسير ابن عُثيمين – الفاتحة والبقرة)) (2/372)].
قال ابن القيم مستعملا الآية في بيان لزوم متالع الرسول :
ويدلُّه على طريق الوصول إليه. وهذا الدّليل هو الرّسول ﷺ، فهو موقوفٌ عليه ويتقيّد به، لا يخطو خطوةً إلّا وراءه.
وأيضًا فإن القوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة، وهذا لا يمكن طلبه بالدّليل أصلًا. ولا يقال: ما الدّليل على حصول هذا؟ وإنّما يحصل بالسُّلوك في منازل السّير، وقَطْعِها منزلةً منزلةً حتّى يصلَ إلى المطلوب، فوصوله إليه بالسّير لا بالاستدلال. بخلاف وصول المستدلِّ، فإنّه إنّما يصل إلى العلم، ومطلوبُ القوم وراءه. والعلم منزلةٌ من منازلهم كما سيأتي ذكرها، ولهذا يسمُّون أصحاب الاستدلال: أصحابَ القال، وأصحاب الكشف: أصحاب الحال. والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل بنور العيان، لا على العلم الذي يُنال بالاستدلال والبرهان.
وهذا موضع غلطٍ واشتباهٍ، فإنّ الدّليل في هذا المقام شرطٌ، وكذلك العلم. وهو بابٌ لا بدَّ من دخوله إلى المطلوب، ولا يُوصَل إلى المطلوب إلّا من بابه، كما قال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
ثمّ إنّه يُخاف على من لم يقف مع (١) الدّليل ما هو أعظم الأمور، وهو الانقطاع عن المطلوب بالكلِّيّة، والوصول إلى مجرّد الخيال والمحال. فمن خرج عن الدّليل ضلّ عن (٢) سواء السّبيل.
قال السعدي :
ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب الذي قد جعل له موصلًا، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمرًا من الأمور، وأتاه من أبوابه، وثابر عليه فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود.
تفسير السعدي
قال الشيخ ابن عثيمين في شرح صحيح كتاب الحج : وهذه جملة الآية صارت نبراساً يتمشى عليه الإنسان في تصرفاته فيأتي إلى البيوت من أبوابها حتى في المعاملات، مثلاً إذا كان عنده إشكال لا يذهب إلى إدارة التعليم دون إدارة المدرسة، يبدأ بإدارة المدرسة، ثم كان تنتهي بإدارة التعليم لا يرفع إلى الوزارة الوزارة، وهكذا.
فصارت هذه الآية مثلاً لكل من أراد أن يعامل معاملة فيأتي البيوت من أبوابها.
كذلك أيضاً لو رأى امرأة متبرجة فلا يتكلم معها ، يتكلم مع من؟ مع وليها زوجها أو أخيها أو أبيها أو ما أشبه ذلك، ليكون قد أتى البيوت من أبوابها.
كذلك أيضاً في طلب العلم لا يطلب العلم أول ما يطلب يذهب إلى المغني مثلاً أو إلى شرح المهذب أو إلى التمهيد أو ما أشبه ذلك، لا، يبدأ من أسفل.
فهذه الآية الكريمة صارت الآن نبراساً يمشي عليه الناس في كل أحوالهم.
3- أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا نَهَى عن شيءٍ فتَح لعباده مِن المأذون ما يقومُ مقامَه؛ فإنَّه لَمَّا نفى أنْ يكونَ إتيانُ البيوت من ظهورها من البِرِّ، بيَّن ما يقومُ مقامَه؛ فقال تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}.
[انظر: ((تفسير ابن عُثيمين – الفاتحة والبقرة)) (2/372)].
(المطلب الثاني ): الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:
1- حِرص الصَّحابة رضي الله عنهم على العلم؛ لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ}. [انظر: ((تفسير ابن عُثيمين – الفاتحة والبقرة)) (2/371)].
2- بيان عِلم الله، وسَمْعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ؛ علِم اللهُ بسؤالهم، وسمِعه، ورحِمهم بالإجابة [انظر: ((تفسير ابن عُثيمين – الفاتحة والبقرة)) (2/371)].
3- أنَّ الميقات المعتبرَ هو الذي وضَعه الله للناس- وهو الأهلَّة – فالأصل أنْ يكونَ هو الميقاتَ العالَمي؛ لقوله تعالى: {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}، وأمَّا التوقيتُ بالأشهر الإفرنجيَّة فلا أصلَ له.
[انظر: ((تفسير ابن عُثيمين – الفاتحة والبقرة))
(2/371). قال ابن تيميَّة: (وقد بلغني أنَّ الشرائع قبلنا أيضًا إنما علَّقت الأحكام بالأهِلَّة، وإنما بدَّل مَن بدَّل من أتباعهم كما يفعله اليهود في اجتماع القُرصين، وفي جعْل بعض أعيادها بحساب السَّنة الشمسيَّة، وكما تفعله النصارى في صومها حيث تراعي الاجتماعَ القريب من أول السَّنة الشمسيَّة، وتجعل سائر أعيادها دائرة على السَّنة الشَّمسيَّة بحسب الحوادث التي كانت للمسيح، وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين في اصطلاحات لهم، فإنَّ منهم من يَعتبر بالسَّنة الشمسية فقط، ولهم اصطلاحات في عدد شهورها؛ لأنَّها وإن كانت طبيعية فشهرُها عدَدي وضْعي، ومنهم مَن يَعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القُرصين، وما جاءت به الشريعة هو أكملُ الأمور وأحسنُها، وأبينها وأصحُّها، وأبعدها من الاضطراب). ((مجموع الفتاوى)) (25/135).
وقال ابن القيِّم: (… فالحِكمة البالغة التي في تقدير السِّنين والشهور بسَير القمر أظهرُ وأنفع وأصلح، وأقلُّ اختلافًا من تقديرها بسير الشمس) ((التبيان في أقسام القرآن)) (ص: 165)].
تنبيه : معنى اجتماع القُرصين الذي كلام ابن تيمية :
فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس ولا يشرك الهلال في ذلك شيء فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال : أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس مع تعب وتضييع زمان كثير واشتغال عما يعني الناس وما لا بد له منه وربما وقع فيه الغلط والاختلاف .
[ ص: 137 ] وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني أو الفلاني هذا أمر لا يدرك بالأبصار . وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه وإنما يعلم ذلك بالإحساس تقريبا . فإنه إذا انصرم الشتاء ودخل الفصل الذي تسميه العرب الصيف ويسميه الناس الربيع : كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال الذي هو أول الحمل . وكذلك مثله في الخريف . فالذي يدرك بالإحساس الشتاء والصيف وما بينهما من الاعتدالين تقريبا . فأما حصولها في برج بعد برج فلا يعرف إلا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره مع قلة جدواه .
فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال .
خطر البدعة :
كَانَ أَحَدُهُمْ إذَا أَحْرَمَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ سَقْفٍ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِبِرٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَمَنْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ كَانَ عَاصِيًا مَذْمُومًا مُبْتَدِعًا وَالْبِدْعَةُ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَاصٍ فَيَتُوبُ وَالْمُبْتَدِعُ يَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ طَاعَةٌ فَلَا يَتُوبُ. وَلِهَذَا مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ لَا يَعُدُّهُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ وَلَا يَرْجُو بِهِ الثَّوَابَ وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ عَلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَتَّخِذُهُ دِينًا وَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَانَ كَمَنْ نَهَى عَنْ دِينِهِ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ عَنْ اللَّهِ وَحَرُمَ نَصِيبُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذَا تَرَكَهُ. فَهَؤُلَاءِ ضُلَّالٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
(المطلب الثالث ): بلاغة الآيات:
1- قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}.
– فيه اختصار بليغ؛ إذ نبَّه تعالى بقوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ}ِ على جميع المنافِع التي تكون في اختلاف أحوال القمر؛ لأنَّ تعديد جميع هذه الأمور يَقضي إلى الإطناب، والاقتصار على البعض دون البعض ترجيحٌ من غير مرجِّح؛ فلم يبقَ إلَّا الاقتصار على كونه ميقاتًا، فكان هذا الاقتصار دليلًا على الفصاحة العظيمة لهذا الكلام البليغ. [انظر: ((تفسير الرازي)) (5/284-285)، ((تفسير أبي حيان)) (2/236)].
– وإفرادُ الحجِّ بالذِّكر لبيان أنَّ الحجَّ مقصورٌ على الأشهُر التي عيَّنها الله تعالى لفرضه، وأنَّه لا يجوز نقْل الحجِّ من تلك الأشهُر إلى أشهرٍ أخرى، كما كانتِ العربُ تَفعَل ذلك في النَّسيء. [انظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (1/218). [الموسوعة التفسيرية].
(المسألة الثانية): النهي عن التشبه بأهل الكفر والجاهلية.
(المطلب الأول): أنواع التشبه بالكفار:
التشبه بالكفار منه ما هو كفر، ومنه ما هو دون ذلك.
أ – التشبه المطلق بالكفار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث: «من تشبه بقوم فهو منهم»: «فقد يحمل هذا [يعني حديث: “من تشبه بقوم فهو منهم”] على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك». [اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٣٨].
ب – تعظيم شعيرة من شعائرهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن العيد، فقال: «لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يُستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا عيدهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وأما إذا أصابه المسلمون قصدًا، فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف، وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر، وقال طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرًا». [مجموع الفتاوى ٢٥/ ٣٢٩، ٣٣٠].
(المطلب الثاني): جاء الإجماع على حرمة التشبه والنهي عنه:
قال ابنُ تَيمِيَّةَ في الاقتضاء: «وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام، وقد يتردد العلماء في بعض هذه القاعدة لتعارض الأدلة فيها أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة …». [ الاقتضاء ١/ ٣٥٥].
(المطلب الثالث): ضابط التشبه بالكفار:
هناك أمور مشتركة ليست من خصائص الكفرة، وليس لهم فيها سمة تخصهم، بل يشترك فيها المسلم والكافر ويشترك فيها الناس كلهم، كتعلم الصناعات والعلوم الدنيوية التي لا تخل بعقيدة المسلم وكاتخاذ القوة وصناعة السلاح والانتفاع مما أباح الله من زينة الأنعام وأكل الطيبات من الرزق،
فهذه الأمور المشتركة قد تكون مباحة، وقد يكون الأخذ بها واجب كإعداد القوة للجهاد، وهذه الأمور وإن ابتدأ بأخذها أهل الكتاب أو غيرهم فالأخذ بها جائز، ومن الأمثلة على ذلك حفر الخندق واستعمال المنجنيق وتدوين الدواوين، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أمور الجاهلية كالقسامة. [صحيح مسلم (١٦٦٩)، وانظر السنن والآثار لسهيل ص ٦٥].
ولكن من الأمور المشتركة ما يكون محرما بعد الإباحة؛ لأن الكفار اتخذوه من خصائصهم فصار شعارًا لهم، قال الذهبي: «ألا ترى أن العمامة الزرقاء والصفراء كان لباسهما لنا حلالا قبل اليوم، وفي عام سبعمائة لما ألزمهم السلطان الناصر بلبسهم حرمت علينا». [تشبه الخسيس بأهل الخميس ص ٢٥].
وقال في كشاف القناع: «قال الشيخ: ولما صارت العمامة الصفراء أو الزرقاء من شعارهم حرم لبسها». [كشاف القناع للبهوتي ١/ ٢٠، وانظر تشبيه الخسيس ص ١٩٣].
وبهذا يعلم أن الأحكام في النهي عن التشبه بهم منصبة فيما هو من خصائصهم وتقاليدهم، فالتشبه منه ما هو كفر أو وسيلة إليه، ومنه ما هو محرم ظاهر التحريم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: «لا ريب أن ضابط التشبه بهم فعل ما هو من خصائصهم». [فتاوى محمد بن إبراهيم ٦/ ٢٣١].
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم،
أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة وقد صرح بمثله صاحب الفتح». [مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٤٧].
وسئل عن الضابط في مسألة التشبه بالكفار، فأجاب بقوله: «التشبه بالكفار يكون في المظهر واللباس والمأكل وغير ذلك لأنها كلمة عامة، ومعناها أن يقوم الإنسان بشيء يختص به الكفار بحيث يدل من رآه أنه من الكفار، وهذا هو الضابط،
أما إذا كان الشيء قد شاع بين المسلمين وصار عامًا بين المسلمين والكفار فإن التشبه يجوز، وإن كان أصله مأخوذًا من الكفار ما لم يكن محرمًا لعينه كلباس الحرير» [مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي ٣/ ٣٦٧].
(المطلب الرابع): حكم التشبه بهم في أعيادهم وما أحدثوه من العبادات أو العادات:
وقد تقدم بعض النقول في ذلك.
قال ابن تيمية: «بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه، أما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية». [اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧١، ٤٧٢].
وقال ابن تيمية رحمه الله: «الوجه الثالث من الاعتبار يدل أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك [أي إقامة الأعياد] أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيدا حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام فيما يفعلونه في آخر صوم النصارى من الهدايا والأفراح والنفقات وكسوة الأولاد وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين بل البلاد المصاقبة (أي: أي الملاصقة والقريبة ). للنصارى التي قل علم أهلها وإيمانهم قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله على ما حدثني به الثقات» [اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧٣، ٤٧٤].
وقال أيضًا: «أما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات، أو كليهما فهو أقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحًا، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح. فهذا أصل.
وأصل آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه: من عبادة أو عادة، أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع، إذ الكلام في ما كان من خصائصهم، وأما ما كان مشروعًا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون فلا كلام فيه». [اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٢٣].
وأما تقليدهم فيما هو من عاداتهم السيئة وأخلاقهم الذميمة كالتختم بالذهب والتحلي به للرجال … وغير ذلك وهذا باب واسع، وكله محرم وداخل في قوله صلى الله عليه وسلم : «من تشبه بقوم فهو منهم».
(المطلب الخامس): ينهى عن التشبه ولو لم يقصد:
تقدم قول ابن تيمية رحمه الله: «… فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهًا نظر. ولكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم : “غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود”، دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل، بل بمجرد ترك تغيير خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية، الاتفاقية». [اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٣٨].
وقال: «… ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة وإن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا ينهى عن السجود لله بين يدي الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك؛ لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يصلى إلى القبلة التي يصلون إليها كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد».
وقال رحمه الله: «وقد تقدم بيان أن ما أمرنا الله ورسوله به من مخالفتهم مشروع سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم أو لم يقصد، وكذلك ما نهى عنه من مشابهتهم يعم ما إذا قُصدت مشابهتهم أو لم تقصد فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يُتصور قصد المشابهة فيه كبياض الشعر وطول الشارب ونحو ذلك».
وقال الشيخ ابن عثيمين: «… ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال أنا لا أقصد التشبه بهم نقول التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، و
كذلك لو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال ما أردت التشبه قلنا له حصل التشبه» [القول المفيد ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤].
(المطلب السادس): المقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنًا:
قال ابن القيم: «والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنا، والنبي سن لأمته ترك التشبه بهم بكل طريق» [القول المفيد ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤].
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات» [مجموع الفتاوى ١/ ١٦٤].
(المطلب السابع): ذكر أصناف ينهى عن التشبه بهم:
١/ الكفار عموما
٢ – الجاهلية وأهلها
٣ – الفساق
٤ – الشيطان
٥ – الأعراب الذين لم يكمل دينهم
٦ – البهائم
٧ – تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال.
مسألة : الاقتباس من القرآن : سبق ذكرنا جواز الاستدلال بآية من القرآن على معنى مشابه لسبب النزول ولو بالتوسع . مثل لكن يأتي للأمر من غير بابه فتسدل عليه بالآية بأن يأتي الأمور من أبوابها
. وتكلم العلماء عن حكم الاقتباس من القرآن :
يجب على المسلم أن يقدس القرآن الكريم بألفاظه ومعانيه، ولأجل ذلك شرعت أحكام خاصة تتعلق بقدسية المصحف من وجوب الطهارة لمن يريد القراءة فيه أو مسه وغير ذلك من الأحكام الشرعية، قال الله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الواقعة/77 – 80.
وحكم الاقتباس من القرآن الكريم يعتمد على معناه، وهو أن يأخذ المتكلم أو الكاتب شيئاً من آيات القرآن الكريمة، ويجعلها في كلام له، يمكن أن يكون الاقتباس مع تغيير في المعنى، أو مع عدم تغيير فيه، مثال ما لا تغيير فيه أن يقول القائل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) الأعراف/ 43، ومثال ما يكون معه تغيير أن يقول القائل لشخص ما: لا مرحباً بكم.
واختلف العلماء في حكم الاقتباس من القرآن الكريم إذا لم يكن معه تغيير، فمنهم من كره ذلك ومنهم من رخص فيه.
جاء في [تحفة المحتاج 2/ 447]: “وكره جماعة تضمين شيء من آي القرآن بغيره من الخطب والرسائل ونحوهما، ورخّصه جماعة، وهو الظاهر”.
وأما الاقتباس الذي يحصل معه تغيير، فقد أجازه العلماء، لكنهم جعلوا له ضوابط وشروطاً، منها أن يكون الكلام مفيداً فائدة صحيحة ومقبولة شرعاً، ولا مجون فيه، ولا حرمة ولا تهتُّك ولا عبث، وأن لا يكون اللفظ المغيَّر مفيداً لشيء لا ينبغي، أو موهماً لباطل.
جاء في [تحفة المحتاج 2/ 447]: “الحقّ أن تضمين ذلك والاقتباس منه – ولو في شعر – جائز، وإن غير نظمه، ومن ثم اقتضى كلام صاحب البيان وغيره أنه لا محظور في أن يراد بالقرآن غيره، وكـ (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) ق/ 34 لمستأذن، نعم إن كان ذلك في نحو مجون حرم”.
وعليه؛ إذا كان الاقتباس من القرآن بصورة حسنة موافقة للشروط المذكورة فهو حسن، وأما إن كان مغيراً للمعنى بصورة مخلّة، أو مضمَّناً في كلام مبتذل لا يتبين له معنى صحيح، ككلام العوام والسوقة من الناس، أو كلام كثير الرمز أو غريب عن الأسماع، فلا يجوز. والله تعالى أعلم.
يجوز الاقتباس من القرآن أو الحديث الشريف عند جمهور العلماء إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسينا للكلام وترسيخا لمعانيه في النفوس.
أما إذا كان الكلام ـ شعرا أو نثرا ـ مستقبحا شرعا، فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن ولا من الحديث.
قال ابن حجة الحموي في الخزانة: والاقتباس في القرآن على ثلاثة أقسام، مقبول، ومباح، ومردود:
فالأول: ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.
والثاني: ما كان في الغزل والرسائل والقصص.
والثالث عن أمرين: أحدهما ما نسبه الله تعالى لنفسه ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه..
والثاني: تضمين آية كريمة في معني هزل..
وقد استحسن السيوطي هذا التقسيم في كتابه الإتقان ج1 ص309 في النوع الخامس والثلاثون وقال: وبه أقول.
والله أعلم.
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – : كثيراً ما يتناقل بعض الناس أثناء الحديث على ألسنتهم آيات من القرآن الكريم ، أو من السنَّة على سبيل المزاح ، مثاله : كأن يقول بعضهم : فلان ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ) الشمس/13 ، أو قول بعضهم للبعض : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) الكافرون/ 6 ، واليوم رأينا نون وما يعلمون ، وهكذا ، ومن السنَّة : كأن يقول أحدهم إذا ذُكّر ونُصح بترك المعصية : يا أخي ( التقوى هاهنا ) ، أو قوله : ( إن الدين يسر ) وهكذا .
فما قولكم في أمثال هؤلاء ؟ وما نصيحتكم لهم ؟ .
فأجاب : ” أما من قال هذا على سبيل الاستهزاء والسخرية : فإنه على خطر عظيم ، وقد يقال إنه خرج من الإسلام ؛ لأن القرآن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُتخذ هزواً ، وكذلك الأحكام الشرعية ، كما قال الله تبارك وتعالى : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) التوبة/64 – 66 .
ولهذا قال العلماء رحمهم الله : من قال كلمة الكفر ولو مازحاً : فإنه يكفر ، ويجب عليه أن يتوب ، وأن يعتقد أنه تاب من الردة ، فيجدد إسلامه ، فآيات الله عز وجل ورسوله أعظم من أن تتخذ هزواً أو مزحاً .
أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت : فهذا لا بأس به ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهد بالآيات على الوقائع ، فاستشهد بقوله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) التغابن/15 ، حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في أثوابهما ، فنزل من المنبر صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة ) التغابن/15 ، فالاستشهاد بالآيات على الوقائع : لا بأس به ، وأما أن تنزّل الآيات على ما لم يُرد الله بها – ولاسيما إن قارن ذلك سخرية واستهزاء – : فالأمر خطير جدّاً ” انتهى .
“لقاءات الباب المفتوح” (60/السؤال الأول) .
وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – : نسمع كثيراً من الإخوان يستخدمون الآيات القرآنية لضرب أمثلة ، كقوله تعالى : ( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ )
الغاشية/7 ، وقوله : ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ) طه/55 .
فهل هذا جائز أم لا ؟ وإذا كان جائزاً : ففي أي الحالات يمكن ذكرها وترديدها ؟ .
فأجاب : ” لا بأس بالتمثل بالقرآن الكريم إذا كان لغرض صحيح ، كأن يقول : هذا الشيء لا يُسمن ، ولا يُغني من جوع ، أو يقول : ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ) طه/55 ، إذا أراد التذكير بحالة الإنسان مع الأرض ، وأنه خلق منها ، ويعود إليها بعد الموت ثم يبعثه الله منها ، فالتمثل بالقرآن الكريم إذا لم يكن على وجه السخرية والاستهزاء : لا بأس به ، أما إذا كان على وجه السخرية والاستهزاء : فهذا يعتبر ردة عن الإسلام ؛ لأن من استهزأ بالقرآن الكريم أو بشيء من ذكر الله عز وجل ، وهزل بشيء من ذلك : فإنه يرتد عن دين الإسلام ، كما قال تعالى : ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) التوبة/65 ، 66 ، فيجب تعظيم القرآن واحترامه ” انتهى.
“المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان” (2 /79 ) .
[تنبيه]:
سبق ذكر مسائل التقوى في الدروس السابقة.