[1ج/ رقم (547)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي
وأحمد بن علي وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة.
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (547)]:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ قَالَ: كُنَّا نُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ وَفِينَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَقَدْ لَحِقَ غُلَامٌ لَهُ بِالْخَوَارِجِ، وَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الشَّطِّ، وَنَحْنُ مِنْ ذَا الشَّطِّ، فَنَادَيْنَاهُ أَبَا فَيْرُوزَ أَبَا فَيْرُوزَ، وَيْحَكَ هَذَا مَوْلَاكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى؟ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ هُوَ لَوْ هَاجَرَ. قَالَ: مَا يَقُولُ عَدُوُّ اللهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ لَوْ هَاجَرَ. قَالَ: فَقَالَ: أَهِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَتِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ)).
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، (١٩١٤٩).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١٥ – كتاب دلائل النبوة، الإخبار عن أمور مستقبلة فوقعت كما أخبر ﷺ، ٥٣ – إخباره ﷺ بالخوارج، (٢٣٤٨).
و٣٠ – كتاب الهجرة، ٤ – الهجرة إلى المدينة النبوية، (٣٤٦٥).
وقال محققو المسند – ط: الرسالة – :
“حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح، غير سعيد بن جُمهان- وهو أبو حفص- فمن رجال أصحاب السنن، وفيه كلام ينزل به عن رتبة الصحيح، فقد وثقه ابن معين، وأحمد، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. عفان: هو ابن مسلم.
وأخرجه اللالكائي في»أصول الاعتقاد«. (٢٣١٢) من طريق عفان، بهذا الإسناد.
وفيه:»طوبى لمن قتلهم أو قتلوه”، وكررها. = = وأخرجه ابن سعد ٤/٣٠١-٣٠٢ عن كثير بن هشام، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٠٦) من طريق النَّضْر بن شُمَيْل، كلاهما عن حماد، به.
وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، سلف برقم (٦١٦)، بلفظ: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة»، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وانظر حديث عبد الله بن مسعود السالف برقم (٣٨٣١)، وقد ذكرنا أحاديث الباب هناك.
وسيرد (١٩٤١٤) .
قال السندي: قوله: «طوبى لمن قتلهم وقتلوه»، أي: لقاتلهم ومقتولهم، كما في الكفار قاتلهم ومقتولهم من أهل الخير”. انتهى.
والثاني: شرح وبيان الحديث
«طُوبَى لمن قتلَهم»؛ لأنه غازٍ.
«وقتلوه»؛ لأنه شهيدٌ. ( شرح المصابيح لابن الملك)
قال العظيم آبادي ” (طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ) فَإِنَّهُ يَصِيرُ غَازِيًا (وَقَتَلُوهُ) أَيْ وَلِمَنْ قَتَلُوهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَهِيدًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَذْفِ الْمَوْصُولِ أَوِ الْوَاوِ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ وَالتَّقْدِيرُ طُوبَى لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَد الْأَمْرَيْنِ قَتْلِهِ إِيَّاهُمْ وَقَتْلِهِمْ إياه قاله القارىء..
(طُوبَى لمن قتلَهم وَقَتَلُوه) أي طوبَى لقاتليهم ومقتوليهم . ( بذل المجهود)
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
(المطلب الأول):
أولاً:
الخَوارِجُ في اللُّغةِ جمعُ خارِجٍ، والخارِجيُّ اسمٌ مُشتَقٌّ من الخروجِ، وقد أطلق عُلَماءُ اللُّغةِ كَلِمةَ الخَوارِجِ في آخِرِ تعريفاتِهم اللُّغويَّةِ في مادَّةِ (خرج) على هذه الطَّائفةِ من النَّاسِ، مُعَلِّلين ذلك بخروجِهم عن الدِّين، أو على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، أو لخُروجِهم على النَّاسِ عُمومًا [نظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (7/50)، ((تاج العروس)) للزبيدي (2/30)].
قال الأزهريُّ: (الخَوارِجُ: قومٌ من أهلِ الأهواءِ لهم مقالةٌ على حِدةٍ).
[((تهذيب اللغة)) (7/50). ويُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (1/808)، ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (1/192)].
وقال الزَّبيديُّ عنهم: (هم الحَروريَّةُ، والخارِجيَّةُ طائفةٌ منهم، وهم سَبعُ طوائِفَ، سُمُّوا به لخروجِهم على النَّاسِ، أو عن الدِّينِ، أو عن الحَقِّ، أو عن عليٍّ كرَّم اللهُ وَجهَه بَعدَ صِفِّينَ) [((تاج العروس)) (2/30)].
ثانيًا:
اختلف العُلَماءُ في التَّعريفِ الاصطِلاحيِّ للخَوارِجِ:
1- منهم من عرَّفهم تعريفًا سياسيًّا عامًّا: فاعتبر الخروجَ على الإمامِ المتَّفَقِ على إمامتِه الشَّرعيَّةِ خُروجًا في أيِّ زمنٍ كان.
قال الشَّهْرَسْتانيُّ: (كُلُّ من خرج على الإمامِ الحَقِّ الذي اتَّفقت الجماعةُ عليه يُسَمَّى خارِجيًّا، سواءٌ كان الخروجُ في أيَّامِ الصَّحابةِ على الأئمَّةِ الرَّاشِدين، أو كان بَعدَهم على التَّابِعين لهم بإحسانٍ، والأئمَّةِ في كُلِّ زمانٍ). [((الملل والنحل)) (1/114)].
2- منهم من خصَّهم بالذين خرَجوا على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه:
قال الأشعَريُّ: (السَّبَبُ الذي سُمُّوا له خَوارِجَ خروجُهم على عليِّ بنِ أبي طالبٍ).
3- بَيَّن ابنُ حزمٍ أنَّ اسمَ الخارِجيِّ يَلحَقُ كُلَّ من أشبه الخارِجين على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، أو شاركهم في آرائِهم في أيِّ زمنٍ.
الخَوارِجُ بتعريفٍ عامٍّ: (كُلُّ من خرج على الإمامِ، وعلى الجماعةِ المُسلِمةِ بالسَّيفِ للدُّعاءِ إلى مُعتَقَدِه، وكان خروجُه نابعًا من مخالَفةِ الأصولِ في الشَّريعةِ)، فهذا التَّعريفُ أقربُ لتعريفِ الخَوارِجِ كفرقةٍ من الفِرَقِ، أمَّا من خرج لغيرِ ذلك ممَّا تقدَّم فيُطلَقُ عليهم اسمُ الخُروجِ العامِّ، ويُطلَقُ عليهم خَوارِجُ كحُكمٍ شَرعيٍّ، وصِفةٍ لفِعلِهم.
5- يُعرِّفُ بعضُ المُعاصِرين الخَوارِجَ كفِرقةٍ من الفِرَقِ بأنَّهم: (الذين يُكَفِّرون بالمعاصي، ويخرُجون على أئمَّةِ المُسلِمين وجماعتِهم) [نظر: ((الخوارج)) (ص: 28)]:
وهذا التَّعريفُ عامٌّ، وإن كان أخصَّ ممَّا ذكره الشَّهْرَسْتانيُّ، إلَّا أنَّه يشمَلُ كُلَّ من سار على هذا المنهَجِ، وإن تسمَّى باسمٍ آخَرَ غيرِ الخَوارِجِ، أو انتمى إلى فِرقةٍ أخرى؛ إذ كُلُّ من خرج على إمامِ المُسلِمين وجماعتِهم بالسَّيفِ، وكان الدَّافِعُ لهذا الخروجِ عقيدةً يعتقِدُها من تكفيرِ المخالِفين أو بدعةٍ يدعو إليها؛ يُسَمَّى خارِجيًّا، ويُعتَبرون خَوارِجَ، ويَلحَقُهم الذَّمُّ الواردُ في النُّصوصِ [ويؤكِّدُ هذا أنَّ أيُّوبَ السَّخْتيانيَّ يُسَمِّي أصحابَ البِدَعِ (الخوارج)، وقال: (الخوارجُ اختلفوا في الاسمِ، واجتَمَعوا على السَّيفِ). يُنظر: ((الشريعة)) للآجُرِّي (5/2549)، ((ذم الكلام)) للهَرَوي (4/198)]؛ لذلك يُطلَقُ على بعضِ فِرَقِ الرَّافضةِ خَوارِجُ مارقةٌ، بهذا المعنى [أجمعت الرَّافضةُ على تركِ الخُروجِ بالسَّيفِ حتَّى يَظهَرَ إمامُهم المُنتظَرَ، أي: إذا خرج إمامُهم حملوا السَّيفَ، أمَّا الزَّيديَّةُ من الشِّيعةِ بأجمعِها فترى السَّيفَ والعَرْضَ على أئمَّةِ الجَورِ، وإزالةَ الظُّلمِ. يُنظر: ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (1/129، 150)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (28/271) و(13/113)]، إلَّا أنَّ الفيصلَ بَينَهما هو القولُ في عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فالخَوارِجُ الحَروريَّةُ تُكَفِّرُه، والرَّافضةُ تتولَّاه؛ لذا إذا أرَدْنا أن نُعرِّفَ الخَوارِجَ الحَروريَّةَ بتعريفٍ خاصٍّ بهم كفِرقةٍ من الفِرَقِ، لا كحُكمٍ شَرعيٍّ فيهم أو تعريفٍ عامٍّ لهم، نقولُ: هم كُلُّ من كفَّر عليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وعثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وأصحابَ الجَمَلِ، ومَن رَضِي بالتَّحكيمِ، وهم الذين يُكَفِّرون بالمعاصي [تَشمَلُ كَلِمةَ (يُكَفِّرون بالمعاصي) كُفرَ الشِّركِ، وكُفرَ النِّعمةِ، وكُفرَ المِلَّةِ، على اختلافِ فِرَقِ الخوارجِ في ذلك]، ويَرَون الخروجَ على إمامِ المُسلِمين وجماعتِهم، ويتوَلَّون فِرقةَ المحَكِّمةِ الأولى. [نظر: ((ذكر مذاهب الفرق الثنتين وسبعين المخالفة)) لليافعي (ص: 23)].
فالخَوارِجُ هم من خرَج على أئمَّةِ المُسلِمين الشَّرعيِّين وجماعتِهم، ومن يُكَفِّرُ مُرتَكِبَ الكبيرةِ. [موسوعة الفرق].
(المطلب الثاني): نشأةُ الخَوارِجِ:
اختلف المُؤَرِّخون وعُلَماءُ الفِرَقِ والعقائِدِ في تحديدِ بدايةِ نشأةِ فِرقةِ الخَوارِجِ: هل كان ذلك في عهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو في عهدِ عُثمانَ، أو في عهدِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما؟ أو أنَّ نشأتَهم لم تبدأْ إلَّا بظُهورِ نافِعِ بنِ الأزرَقِ وخُروجِه عام 64هـ؟ وهل يُفرَّقُ بَينَ بدءِ نزعةِ الخروجِ على صورةٍ ما، وبَينَ ظهورِ الخَوارِجِ كفِرقةٍ مُستَقِلَّةٍ لها آراؤُها العَقَديَّةُ الخاصَّةُ؟
[نظر: ((الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية)) (ص: 37)، ((فرق معاصرة)) (1/232) كلاهما للعواجي. بتصرُّفٍ يسيرٍ. وللاستزادة يُنظر: ((الإيمان الأوسط)) لابن تيمية (ص: 314- 320)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (10/ 559- 647)].
القَولُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الخَوارِجِ هو ذو الخُوَيصِرةِ التَّميميُّ:
الذي بدأ الخروجَ بالاعتراضِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قِسمةِ الفَيءِ واتِّهامِه إيَّاه بعَدَمِ العَدلِ
عن أبي سعيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((بينا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقسِمُ جاء عبدُ اللهِ بنُ ذي الخُوَيصِرةِ التَّميميُّ فقال: اعدِلْ يا رسولَ اللهِ. فقال: وَيلَك! مَن يَعدِلُ إذا لم أعدِلْ؟! قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: دَعْني أضرِبْ عُنُقَه. قال: دَعْه؛ فإنَّ له أصحابًا يحقِرُ أحَدُكم صلاتَه مع صلاتِه، وصيامَه مع صيامِه، يَمرُقون من الدِّينِ كما يمرُقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ، يُنظَرُ في قُذَذِه فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، يُنظَرُ في نَصلِه فلا يوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنظَرُ في رِصافِه فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنظَرُ في نَضِيِّه فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، قد سَبَق الفَرثَ والدَّمَ، آيتُهم رجلٌ إحدى يَدَيه -أو قال ثَدْيَيه- مِثلُ ثَدْيِ المرأةِ -أو قال مِثلُ البَضعةِ- تَدَرْدَرُ ، يخرُجون على حينِ فُرقةٍ من النَّاسِ. قال أبو سعيدٍ: أشهَدُ سَمِعتُ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأشهَدُ أنَّ عَلِيًّا قتَلَهم وأنا معه، جيءَ بالرَّجُلِ على النَّعتِ الذي نعَتَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فنزَلَت فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة: 58] )) [أخرجه البخاري (6933) واللَّفظُ له، ومُسلِم (1064)].
وفي روايةٍ أخرى عن أبي سعيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((بَعَث عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه وهو باليمَنِ بذَهَبةٍ في تُربتِها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقَسَمها الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَينَ أربعةِ نَفَرٍ؛ الأقرَعِ بنِ حابِسٍ الحَنظليِّ، وعُيَينةَ بنِ بَدرٍ الفَزاريِّ، وعَلقَمةَ بنِ عُلاثةَ العامِريِّ، ثمَّ أحَدِ بني كِلابٍ، وزيدِ الخَيرِ الطَّائيِّ، ثمَّ أحَدِ بني نَبْهانَ، قال: فغَضِبَت قُريشٌ فقالوا: أيُعطي صناديدَ نجدٍ ويَدَعُنا؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي إنَّما فعلْتُ ذلك لأتألَّفَهم. فجاء رجلٌ كَثُّ اللِّحيةِ، مُشرِفُ الوَجنتَينِ، غائِرُ العينَينِ، ناتِئُ الجَبينِ، محلوقُ الرَّأسِ، فقال: اتَّقِ اللهَ يا محمَّدُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فمن يُطِعِ اللهَ إن عَصيتُه؟! أيَأمَنُني على أهلِ الأرضِ ولا تَأمَنوني؟! قال: ثمَّ أدبر الرَّجُلُ، فاستأذن رجلٌ من القومِ في قَتلِه -يُرَونَ أنَّه خالِدُ بنُ الوليدِ-، فقال رسولُ اللهِ: إنَّ مِن ضِئْضِئِ هذا قومًا يقرؤونَ القُرآنَ لا يجاوِزُ حَناجِرَهم، يَقتُلون أهلَ الإسلامِ ويَدَعون أهلَ الأوثانِ، يَمرُقون من الإسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ، لئِنْ أدرَكْتُهم لأقتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ )) [أخرجه البخاري (4351)، ومُسلِم (1064) واللَّفظُ له].
وقد أخبر عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه ببعضِ أوصافِهم التي أخبره بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ووقع مِصداقُ ذلك حينَ قتَلَهم في مَعركةِ النَّهْرَوانِ، كما جاء في كلامِ عُبَيدِ اللهِ بنِ أبي رافعٍ مولى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أنَّ الحَروريَّةَ لَمَّا خرَجَت وهو مع عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قالوا: لا حُكمَ إلَّا للهِ، قال عليٌّ: كَلِمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ؛ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصَف ناسًا إنِّي لأعرِفُ صِفَتَهم في هؤلاء، يقولون الحَقَّ بألسِنَتِهم لا يجوزُ هذا منهم (وأشار إلى حَلْقِه، مِن أبغَضِ خَلقِ الله إليه، منهم أسوَدُ، إحدى يَدَيه طُبْيُ شاةٍ أو حَلَمةُ ثَدْيٍ، فلمَّا قتلَهم عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: انظُروا، فنظَروا فلم يجِدوا شيئًا فقال: ارجِعوا فواللهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، مرَّتينِ أو ثلاثًا، ثمَّ وَجَدوه في خَرِبةٍ، فأتَوا به حتى وضَعوه بَينَ يَدَيه. قال عُبَيدُ اللهِ: وأنا حاضِرُ ذلك مِن أمرِهم وقَولِ عَليٍّ فيهم)) [أخرجه مُسلِم (1066)].
وقد ذهب إلى القولِ بأنَّ أوَّلَ الخَوارِجِ هو ذو الخُوَيصِرةِ كثيرٌ من العُلَماءِ؛ منهم ابنُ الجوزيِّ، وذلك في قولِه: (هذا أوَّلُ خارِجيٍّ خرج في الإسلامِ، وآفتُه أنَّه رَضِيَ برأيِ نَفسِه، ولو وقف لعَلِم أنَّه لا رأيَ فوقَ رأيِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأتباعُ هذا الرَّجُلِ هم الذين قاتلوا عَليَّ بنَ أبي طالبٍ). [((تلبيس إبليس)) (ص: 90)].
ومنهم ابنُ حزمٍ ، وهو رأيُ الشَّهْرَسْتانيِّ أيضًا؛ حيثُ قال: (هم الذين أوَّلُهم ذو الخُوَيصِرةِ، وآخِرُهم ذو الثُّدَيَّةِ) [((الملل والنحل)) (1/116)].
واعتَبر الشَّهْرَسْتانيُّ اعتراضَ ذي الخُوَيصِرةِ خروجًا صريحًا؛ إذ إنَّ الاعتراضَ على الإمامِ الحَقِّ يسمَّى خروجًا، فكيف بالاعتراضِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! فقال بَعدَ أن ذَكَر حديثَ ذي الخُوَيصِرةِ: (ذلك خروجٌ صريحٌ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو صار مَن اعترض على الإمامِ الحَقِّ خارِجيًّا، فمَن اعترض على الرَّسولِ أحَقُّ بأن يكونَ خارِجيًّا) [((الملل والنحل)) (1/21)].
والآجُرِّيُّ يرى أنَّ أوَّلَ الخَوارِجِ كان في عهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ إنَّهم بَعدَ ذلك خرجوا من بُلدانٍ شتَّى، واجتمعوا وأظهروا الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ، حتى قَدِموا المدينةَ فقَتَلوا عثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، ثُمَّ خرجوا بَعدَ ذلك على عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه [انظر: ((آراء الخوارج)) للطالبي (ص: 45)].
القَولُ الثَّاني: أنَّ نشأةَ الخَوارِجِ بدأت بالخُروجِ على عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه:
وذلك في الفتنةِ التي انتَهت بقَتلِه، وتُسمَّى الفِتنةَ الأولى
وممَّن ذهب إلى هذا القَولِ ابنُ أبي العِزِّ، فقال: (الخَوارِجُ والشِّيعةُ حَدَثوا في الفتنةِ الأولى) [((شرح الطحاوية)) (ص: 472)].
وسمَّى ابنُ كثيرٍ الذين ثاروا على عثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وقتلوه خَوارِجَ، فقال: (جاء الخَوارِجُ، فأخذوا مالَ بيتِ المالِ، وكان فيه شيءٌ كثيرٌ جِدًّا) [((البداية والنهاية)) (7/189)].
القَولُ الثالث :
أنَّ نشأةَ الخَوارِجِ بدأت بانفصالِهم عن جيشِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه وخروجِهم عليه:
وهذا الرَّأيُ هو الذي عليه الكثرةُ الغالبةُ من العُلَماءِ؛ إذ يُعَرِّفون الخَوارِجَ بأنَّهم هم الذين خرجوا على عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه بَعدَ التَّحكيمِ، ومن هؤلاء الأشعَريُّ؛ فقد أرَّخ للخَوارِج، وأقدَمُ مَن أرَّخ لهم منهم هم الخارِجون على عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، وقال عنهم: (السَّبَبُ الذي سُمُّوا له خَوارِجَ: خروجُهم على عليِّ بنِ أبي طالبٍ). [((مقالات الإسلاميين)) (1/207)].
وقد تابعه في ذلك البغداديُّ؛ حيث بدأ التَّأريخَ للخَوارِجِ بذِكرِ الخارِجين على عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه . وكذلك يرى أبو الحُسَينِ المَلَطيُّ أنَّ الفِرقةَ الأولى للخَوارِجِ هي المُحَكِّمةُ. [يُنظر: ((التنبيه والرد)) (ص: 15)].
وقد سار على هذا الرَّأيِ أصحابُ المعاجِمِ ودوائِرِ المعارفِ (في مادَّةِ الخروجِ)، والكُتَّابُ المُحْدَثون الذين كتَبوا عن الفِرَقِ الإسلاميَّةِ؛ كأحمد أمين، وأبي زهرةَ، والغُرابيِّ، والمؤرِّخون في تأريخِهم لأحداثِ الفِتنةِ الكُبرى.
قال أحمد أمين: (اسمُ الخَوارِجِ جاء من أنَّهم خرَجوا على عليٍّ وصَحبِه) [((فجر الإسلام)) (ص: 257)].
أمَّا تعبيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذي الخُوَيصِرةِ بأن له أصحابًا، فله عِدَّةُ احتمالاتٍ:
أوَّلًا: أن يكونَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد توقَّع وجودَ أصحابٍ يُؤَيِّدون هذا الرَّجُلَ؛ حيثُ استطاع الاعتراضَ على صاحِبِ الدَّعوةِ، فامتنع عن قَتلِه تألُّفًا له ولهم.
ثانيًا: أن يكونَ ذلك القولُ من النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إخبارًا عمَّا سيكونُ من عاقبةِ هذا الرَّجُلِ وأمثالِه؛ إذ إنَّ الاعتراضَ على شخصيَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجعَلُ من المتوقَّعِ أن يوجَدَ الاعتراضُ على الخُلَفاءِ مِن بَعدِه، والخروجُ عليهم من بابِ أَولى.
و تلك الحادثةِ التي ارتكَبها ذو الخُوَيصِرةِ حادِثةً فرديَّةً في وقتِها؛ حيثُ لم يشتَهِرْ بالخروجِ ولم تُعرَفْ له آراءٌ خاصَّةٌ يتمَيَّزُ بها.
وأمَّا القولُ بأنَّ نشأتَهم تبدأُ بثورةِ الثَّائِرين على عثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فلا شَكَّ أنَّ ما حدث كان خروجًا عن طاعةِ الإمامِ، إلَّا أنَّه لم يكُنْ يتميَّزُ بأنَّه خروجُ فِرقةٍ ذاتِ طابَعٍ عقائِديٍّ خاصٍّ، لها آراءٌ وأحكامٌ في الدِّينِ، غايةُ ما هنالك أنَّ قومًا غَضِبوا على عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، واستحوَذ عليهم الشَّيطانُ حتَّى أدَّى بهم إلى ارتكابِ جريمةِ قَتلِه، ثُمَّ دخلوا بَينَ صُفوفِ المُسلِمين كأفرادٍ منهم.
وهناك آراء لبعض الاباضية أن زلحة والزبير هم مبدأ الخوارج كأنهم يريدون أن لنا سلف في ذلك
ففيما يتعلَّقُ بالقولِ بأنَّ طَلحةَ والزُّبيرَ رَضِيَ اللهُ عنهما كانا أوَّلَ الخارِجين على عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه -كما يقولُ الوَرْجَلانيُّ- فمِن الصَّعبِ عليه إثباتُ ذلك؛ فقد كان معهما أمُّ المُؤمِنين عائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها، ومَن معهم من المُسلِمين، وعلى كُلٍّ فقد انتهت موقعةُ الجمَلِ واندمج من بَقِيَ منهم في صُفوفِ المُسلِمين دونَ أن تجمَعَهم رابطةٌ مُعَيَّنةٌ، وطلحةُ والزُّبَيرُ من العَشَرةِ الذين بَشَّرهم الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالجنَّةِ، فكيف يجوزُ أن يُعتَبَرا من الخَوارِجِ ويُطَبَّقَ عليهما أحاديثُ المُروقِ الواردةُ في الخَوارِجِ؟!
أمَّا القولُ بأنَّ نشأتَهم تبدأُ من قيامِ نافِعِ بنِ الأزرَقِ فإنَّه لم يقُلْ به غيرُ عَليِّ بنِ يحيى مَعْمَر تَبَعًا لقُطبِ الأئمَّةِ الإباضيَّةِ أبي إسحاقَ أَطَّفَيِّشَ؛ لنَفيِهم وجودَ صِلةٍ ما بَينَ المُحَكِّمةِ ومَن ثار على طريقتِهم وبَينَ الأزارقةِ بَعدَهم، وهو قولٌ غيرُ مقبولٍ؛ لتسلسُلِ الأحداثِ وارتباطِها من المُحَكِّمةِ إلى ظهورِ نافِعِ بنِ الأزرَقِ، بحيثُ يظهَرُ أنَّ الأوَّلينَ هم سَلَفُ الخَوارِجِ جميعًا.
وهكذا يتَّضِحُ الفَرقُ بَينَ مجرَّدِ وُجودِ نَزعةِ الاعتراضِ أو الثَّورةِ خُروجًا عن طاعةِ الإمامِ، وبَينَ الخروجِ في شكلِ طائفةٍ لها اتِّجاهُها العَقَديُّ وآراؤُها الخاصَّةُ؛ كخُروجِ الذين خرجوا على عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه مُنذُ وَقعةِ صِفِّينَ، وهم الذين ينطَبِقُ عليهم مُصطَلَحُ الخَوارِجِ بالمعنى الدَّقيقِ لهذه الكَلِمةِ، وهذا القَولُ الأخيرُ هو الأقرَبُ للصَّوابِ إن شاء اللهُ، وهو ما يَشهَدُ له واقِعُ تلك الحركةِ التي أحدَثت آثارًا كبيرةً في تاريخِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ ولعِدَّةِ قُرونٍ ظهرت فيها بآراءٍ ومُعتَقَداتٍ وأنظِمةٍ لفَتت إليها أنظارَ عُلَماءِ التَّاريخِ والفِرَقِ الإسلاميَّةِ، بخلافِ ما سبقها من حركاتٍ؛ فإنَّها لم يكُنْ لها أثَرٌ فِكريٌّ أو عقائِديٌّ يُذكَرُ.
(المطلب الثالث): أسماءُ الخَوارِجِ وفِرَقُ الخَوارِجِ.
مضى ذكر ذلك قبل أحاديث، (545).
(المطلب الرابع): الحُكمُ على الخَوارِجِ:
اختلف أهلُ العِلمِ في الحُكمِ على الخَوارِجِ بَينَ مُكَفِّرٍ لهم وغيرِ مُكَفِّرٍ، وهذا لعظيمِ جُرمِهم في الإسلامِ وأهلِه، ولبعضِ النُّصوصِ التي وردت في شأنِهم خاصَّةً.
[نظر: ((الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية)) (ص: 527، 539، 544)، ((فرق معاصرة)) (1/295) كلاهما لعواجي. بتصرُّفٍ يسيرٍ. وللاستزادة يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/ 217- 218)، ((فتح الباري)) لابن حجر (12/ 299 – 301)، ((آراء الخوارج الكلامية)) للطالبي (ص: 21- 32)].
القَولُ الأوَّلُ: تكفيرُ الخَوارِجِ:
نَظَر الذين كَفَّروا الخَوارِجَ أو كَفَّروا بعضَهم إلى ما أحدَثوه من عقائِدَ وأحكامٍ مُخالِفةٍ لِما هو معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، فكَفَّروهم، ومن هؤلاء المُكَفِّرينَ من رَدَّ سَلَفَهم القديمَ إلى ذي الخُوَيصِرةِ، ونظَر إلى ما ورد في حَقِّهم من الأحاديثِ التي تَصِفُهم بالمُروقِ من الدِّينِ؛ فكَفَّرهم.
فعن أبي سعيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((بينا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقسِمُ جاء عبدُ اللهِ بنُ ذي الخُوَيصِرةِ التَّميميُّ فقال: اعدِلْ يا رسولَ اللهِ. فقال: وَيلَك! مَن يَعدِلُ إذا لم أعدِلْ؟! قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: دَعْني أضرِبْ عُنُقَه. قال: دَعْه؛ فإنَّ له أصحابًا يحقِرُ أحَدُكم صلاتَه مع صلاتِه، وصيامَه مع صيامِه، يَمرُقون من الدِّينِ كما يمرُقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ، …)) [أخرجه البخاري (6933) واللَّفظُ له، ومُسلِم (1064)].
وعن عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((سيَخرُجُ قومٌ في آخِرِ الزَّمانِ حِداثُ الأسنانِ، سُفَهاءُ الأحلامِ، يقولون مِن خَيرِ قَولِ البريَّةِ، لا يجاوِزُ إيمانُهم حناجِرَهم، يَمرُقون من الدِّينِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ، فأينما لَقِيتُموهم فاقْتُلوهم؛ فإنَّ في قَتْلِهم أجرًا لِمن قتَلَهم يومَ القيامةِ )) [أخرجه البخاري (6930) واللَّفظُ له، ومُسلِم (1066)].
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضيَ اللهُ عنه قال: سمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يخرُجُ في هذه الأمَّةِ -ولم يَقُلْ: منها- قومٌ تَحقِرون صلاتَكم مع صلاتِهم، يَقرَؤون القرآنَ لا يجاوِزُ حُلوقَهم -أو: حناجِرَهم- يَمرُقون من الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ من الرَّمِيَّةِ)) [أخرجه البخاري (6931) واللَّفظُ له، ومُسلِم (1064)].
وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وذَكَر الحَروريَّةَ، فقال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يَمرُقون من الإسلامِ مُروقَ السَّهمِ من الرَّميَّةِ )) [رواه البخاري (6932)].
وعن يُسَيرِ بنِ عَمرٍو قال: قُلتُ لسَهلِ بنِ حُنَيفٍ: هل سَمِعتَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ في الخَوارِجِ شيئًا؟ قال: سمِعتُه يقولُ، وأهوى بيَدِه قِبَلِ العِراقِ: ((يخرُجُ منه قومٌ يَقرَؤون القُرآنَ لا يجاوِزُ تَراقِيَهم، يَمرُقون من الإسلامِ مُروقَ السَّهمِ من الرَّميَّةِ )) [أخرجه البخاري (6934)].
وقد أورد ابنُ حَجَرٍ عِدَّةَ رواياتٍ عن الصَّحابةِ تَصِفُ الخَوارِجَ بأنَّهم شِرارُ الخَلقِ والخليقةِ، وأنَّهم أبغَضُ خَلقِ اللهِ، وأنَّه يَقتُلُهم خَيرُ الخَلقِ والخليقةِ، وهي رواياتٌ كثيرةٌ ، ثُمَّ أورد أسماءَ طائفةٍ من العُلَماءِ الذين كفَّروهم، كالبُخاريِّ؛ حيثُ قرَنَهم بالمُلحِدين، وأفرد عنهم المتأوِّلين بترجمةٍ، وكالقاضي أبي بكرِ بنِ العربيِّ الذي قال: إنَّ هذا هو الصَّحيحُ، مُستَنِدًا إلى قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يَمرُقون من الإسلامِ)) ، وقولِه: ((ولأقتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ)) وفي لفظٍ: ((ثمودَ)) ، ولحُكمِهم على من خالف مُعتَقَدَهم بالكُفرِ والتَّخليدِ في النَّارِ، فكانوا هم أحَقَّ بالاسمِ منهم، وقولِه: ((هم شَرُّ الخَلقِ والخليقةِ )) ، ولا يُوصَفُ بذلك إلَّا الكُفَّارُ [نظر: ((فتح الباري)) (12/299)].
ومِثلُه ما نقَلَه ابنُ حَجَرٍ عن السُّبكيِّ؛ حيثُ يرى أنَّ الصَّحيحَ هو القولُ بكُفرِهم، وذلك بسَبَبِ تكفيرِهم أعلامَ الصَّحابةِ؛ لتَضمُّنِه تكذيبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شهادتِه لهم بالجنَّةِ [نظر: ((فتح الباري)) (12/299)].
وقال القاضي عِياضٌ: (نَقطَعُ بتكفيرِ كُلِّ قائِلٍ قال قولًا يُتوصَّلُ به إلى تضليلِ الأمَّةِ وتكفيرِ جميعِ الصَّحابةِ) [((الشفا)) (2/ 286)].
وقال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (القولُ بتكفيرِهم أظهَرُ في الحديثِ) [انظر: ((المفهم)) (3/ 110)].
وقال أيضًا: (فعلى القولِ بتكفيرِهم يُقاتَلون ويُقتَلون، وتُسْبى أموالُهم، وهو قوُل طائفةٍ من أهلِ الحديثِ في أموالِ الخَوارِجِ. وعلى قولِ من لا يُكَفِّرُهم: لا يُجهَزُ على جريحِهم، ولا يُتْبَعُ مُنهَزِمُهم، ولا يُقتَلُ أَسْراهم، ولا تُستباحُ أموالُهم. وكُلُّ هذا إذا خالفوا المُسلِمين، وشَقُّوا عَصاهم، ونَصَبوا رايةَ الحَربِ) [((المفهم)) (3/ 110- 111)].
وهذا يدُلُّ على أنَّه غيرُ جازمٍ بالحُكمِ فيهم، وإن كان يرى تَرْكَ تكفيرِهم أسلَمَ؛ لقَولِه: (بابٌ: التَّكفيرُ بابٌ خطيرٌ أقدَمَ عليه كثيرٌ من النَّاسِ فسَقَطوا، وتوقَّف فيه الفُحولُ فسَلِموا، ولا نَعدِلُ بالسَّلامةِ شَيئًا). [((المفهم)) (3/ 111)].
ثمَّ إنَّ ما فيها من أوصافِ الخَوارِجِ من كَثرةِ قِراءتِهم للقُرآنِ وتعَمُّقِهم في العبادةِ لا يَنطَبِقُ على هؤلاءِ المُرتَدِّين!
وقد ذكَر الشَّاطبيُّ عِدَّةَ آياتٍ في ذَمِّ البِدَعِ وسُوءِ مُنقَلَبِ أصحابِها، (وذكَر عن بعضِ السَّلَفِ أنَّه أوَّلَها على الخَوارِجِ) [((الاعتصام)) (1/53 -68)].
ومن ذلك ما يُنسَبُ إلى عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه فسَّر قولَ اللهِ تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103-104] بأنَّهم الحَروريَّةُ [((الاعتصام)) للشاطبي (ص: 65)].
إنَّ من تشَكَّك من العُلَماءِ في كُفْرِ الخَوارِجِ عمومًا لا يَشُكُّ في كُفرِ بَعضِ الفِرَقِ منهم.
فالبدعيَّةُ من الخَوارِجِ قَصَروا الصَّلاةَ على ركعةٍ في الصَّباحِ، وركعةٍ في المساءِ!
والميمونيَّةُ أجازت نكاحَ بعضِ المحارِمِ التي عُلِم تحريمُها من الدِّينِ بالضَّرورةِ، ثُمَّ زادت فأنكَرَت سورةَ يُوسُفَ أنَّها من القُرآنِ!
وفي هؤلاء قال ابنُ حَزمٍ: (قد تَسَمَّى باسمِ الإسلامِ مَن أجمَعَ جَميعُ فِرَقِ الإسلامِ على أنَّه ليس مُسلِمًا، مِثلُ طوائِفَ من الخَوارِجِ غَلَوا فقالوا: إنَّ الصَّلاةَ ركعةٌ بالغَداةِ ورَكعةٌ بالعَشيِّ فقط، وآخَرون استحَلُّوا نكاحَ بناتِ البَنينِ، وبناتِ بني الإِخوةِ، وبناتِ بني الأخَواتِ، وقالوا: إنَّ سورةَ يُوسُفَ ليست من القُرآنِ، وآخَرون منهم قالوا: يُحَدُّ الزَّاني والسَّارِقُ ثُمَّ يُستَتابون من الكُفرِ، فإن تابوا وإلَّا قُتِلوا) [((الفصل)) (2/114). ويُنظر: ((الفَرْق بين الفِرَق)) للبغدادي (ص: 280، 281)، ((رسالة الدبسي)) (ص: 29)].
ولا شَكَّ أنَّ هذا كفرٌ صريحٌ لا يحتَمِلُ أيَّ تأويلٍ، ولا يَقِلُّ عنهم في الكُفرِ فِرقةُ اليزيديَّةِ؛ فإنَّ إمامَهم يزيدُ بنُ أنيسةَ (زعَم أنَّ اللهَ سيَبعَثُ رسولًا من العجَمِ، ويُنزِلُ عليه كتابًا من السَّماءِ يُكتَبُ في السَّماءِ، ويَنزِلُ عليه جملةً واحدةً، فتَرَك شريعةَ محمَّدٍ، ودانَ بشريعةٍ غَيرِها، وزَعَم أنَّ مِلَّةَ ذلك النَّبيِّ الصَّابِئةُ، وليس هذه الصَّابئةُ التي عليها النَّاسُ اليومَ، وليس هم الصَّابِئين الذين ذكَرَهم اللهُ في القُرآنِ، ولم يأتوا بَعْدُ) [انظر: ((المقالات)) للأشعري (1/184). ويُنظر: ((الفصل)) لابن حزم (4/189)، ((المِلَل والنِّحَل)) للشهرستاني (1/136)].
وذكر البَغداديُّ أنَّ يزيدَ (كان -مع هذه الضَّلالةِ- يتولَّى من شَهِدَ لمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالنُّبُوَّةِ من أهلِ الكتابِ، وإنْ لم يدخُلْ في دينِه، وسمَّاهم بذلك مُؤمِنين، وعلى هذا القولِ يجِبُ أن يكونَ العِيسَويَّةُ والمُوشْكانيَّةُ من اليهودِ مُؤمِنين؛ لأنَّهم أقرُّوا بنبُوَّةِ محمَّدٍ عليه السَّلامُ ولم يدخُلوا في دينِه. وليس بجائِزٍ أن يُعَدَّ في فِرَقِ الإسلامِ مَن يَعُدُّ اليهودَ من المُسلِمين، وكيف يُعَدُّ مِن فِرَقِ الإسلامِ مَن يقولُ بنَسخِ شريعةِ الإسلامِ؟!) [((الفَرْق بين الفِرَق)) (ص: 280)].
وقد كَفَّر البَغداديُّ فِرقةَ الأزارِقةِ؛ حيثُ جعَلَها مع الفِرَقِ الخارِجةِ عن الإسلامِ كاليَزيديَّةِ والميمونيَّةِ، فبَعدَ أن ذَكَر أحداثَهم قال: (وأكفَرَتْهم الأمَّةُ في هذه البِدَعِ التي أحدَثوها بَعدَ كُفْرِهم الذي شارَكوا فيه المُحَكِّمةَ الأولى، فباؤوا بكُفرٍ على كُفرٍ، كمَن باء بغَضَبٍ على غَضَبٍ، وللكافِرين عذابٌ مُهِينٌ) [((الفَرْق بين الفِرَق)) (ص: 84)].
ومِن أشهَرِ بِدَعِهم إنكارُهم حَدَّ الرَّجمِ على المحصَنَينِ (إذ ليس في القرآنِ ذِكْرُها ) [انظر: ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (1/173)، ((المِلَل والنِّحَل)) للشهرستاني (1/121).]، بينما هو ثابتٌ بالسُّنَّةِ من أقوالِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأفعالِه، وعليه مضى الصَّحابةُ.
و حكَمَتْ به فِرقةُ الإباضيَّةِ على غَيرِها من الفِرَقِ؛ فلقد كانت لهذه الفِرقةِ مَواقِفُ عَدائيَّةٌ من كثيرٍ من فِرَقِ الخَوارِجِ غيرَ المُحَكِّمةِ؛ فإنَّها تتولَّاها وتترضَّى عنها وتَعتَبِرُها سلَفَهم الصَّالحَ، أمَّا ما عداها كالأزارِقةِ والنَّجَداتِ والصُّفْريَّةِ وغَيرِهم، فإنَّها هي الفِرَقُ الخارِجيَّةُ حقيقةً في نَظَرِهم؛ ولهذا فقد كَفَّروهم ودارت بَينَهم وبَينَ هذه الفِرَقِ المعارِكُ الدَّاميةُ في بعضِ مراحِلِهم التَّاريخيَّةِ.
القَولُ الثَّاني: عَدَمُ تكفيرِ الخَوارِجِ:
أهلُ هذا الرَّأيِ يقولون: إنَّ الاجتراءَ على إخراجِ أحَدٍ من الإسلامِ أمرٌ غَيرُ هَيِّنٍ؛ نظرًا لكثرةِ النُّصوصِ التي تحَذِّرُ من ذلك، إلَّا مَن ظَهَر الكُفرُ من قولِه أو فِعلِه، فلا مانِعَ حينَئذٍ من تكفيرِه بَعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليه.
ولهذا أحجَم كثيرٌ من العُلَماءِ أيضًا عن إطلاقِ هذا الحُكمِ عليهم، وهؤلاء اكتَفَوا بتفسيقِهم، وأنَّ حُكمَ الإسلامِ يجري عليهم لقيامِهم بأمرِ الدِّينِ، وأنَّ لهم أخطاءً وحَسَناتٍ كغيرِهم من النَّاسِ، ثُمَّ إنَّ كثيرًا من السَّلَفِ لم يعامِلوهم مُعامَلةَ الكُفَّارِ، كما جرى لهم مع عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ فلم تُسْبَ ذُرِّيَّتُهم وتُغنَمْ أموالُهم.
وذكَر القاضي عياضٌ أنَّ مسألةَ تكفيرِ الخَوارِجِ كادت أن تكونَ أشَدَّ إشكالًا عِندَ المتَكَلِّمين من غيرِها، حتَّى سأل الفقيهُ عبدُ الحقِّ أبا المعالي عنها فاعتَذَر بأنَّ إدخالَ كافِرٍ في المِلَّةِ وإخراجَ مُسلِمٍ عنها عظيمٌ في الدِّينِ. قال: وقد توقَّف قَبلَه القاضي أبو بكرٍ الباقِلَّانُّي، وقال: ولم يُصَرِّحِ القومُ بالكُفرِ، وإنَّما قالوا أقوالًا تؤدِّي إلى الكُفرِ [((الشفا)) (2/ 277)].
وقال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (بابٌ: التَّكفيرُ بابٌ خَطيرٌ، أقدَمَ عليه كثيرٌ من النَّاسِ فسَقَطوا، وتوقَّف فيه الفُحولُ فسَلِموا، ولا نَعدِلُ بالسَّلامةِ شَيئًا). [((المفهم)) (3/ 111)].
وأهلُ هذا الرَّأيِ، وإن كانوا قد تورَّعوا عن تكفيرِهم على العمومِ، إلَّا أنَّهم مُختَلِفون في حقيقةِ أمرِهم؛ فمنهم من يرى أنَّهم وإن كانوا غيرَ خارِجين عن الإسلامِ لكِنَّهم فَسَقةٌ؛ لأنَّهم قد شَهِدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، ثُمَّ طبَّقوا بالفِعلِ أركانَ الإسلامِ، وهذا يمنَعُ من تكفيرِهم أو إلحاقِهم بمَن لا يُقِرُّ بذلك، وتفسيقُهم إنَّما كان لِما عُرِف عنهم من تكفيرِهم المُسلِمين، واستباحةِ دِمائِهم وأموالِهم.
وهذا الرَّأيُ هو لأكثَرِ أهلِ الأصولِ من أهلِ السُّنَّةِ فيما يرويه ابنُ حَجَرٍ بقَولِه: (وذهب أكثَرُ أهلِ الأصولِ من أهلِ السُّنَّةِ إلى أنَّ الخَوارِجَ فُسَّاقٌ، وأنَّ حُكمَ الإسلامِ يجري عليهم لِتَلفُّظِهم بالشَّهادَتينِ، ومُواظبتِهم على أركانِ الإسلامِ، وإنَّما فَسَقوا بتكفيرِهم المُسلِمين مُستَنِدين إلى تأويلٍ فاسِدٍ، وجَرَّهم ذلك إلى استباحةِ دِماءِ مُخالِفيهم وأموالِهم، والشَّهادةِ عليهم بالكُفرِ والشِّرْكِ) [((فتح الباري)) (12/300)].
وذهب البعضُ الآخَرُ من القائِلين بعَدَمِ تكفيرِهم إلى أنَّ الخَوارِجَ فِرقةٌ كبقيَّةِ فِرَقِ المُسلِمين، وأنَّهم وإن كانوا على ضلالٍ فإنَّ ذلك لا يُخرِجُهم عن جملةِ فِرَقِ المُسلِمين التي وُجِد لها حسَناتٌ وأخطاءٌ، وهذا ما يقولُه الخَطَّابيُّ فيما يَذكُرُه عنه ابنُ حَجَرٍ، جازِمًا بأنَّ هذا الحُكمَ (أي: عَدَمَ إخراجِهم عن الإسلامِ) أمرٌ مُجمَعٌ عليه لدى عُلَماءِ المُسلِمين وذلك في قولِه: (أجمَع عُلَماءُ المُسلِمين على أنَّ الخَوارِجَ مع ضلالتِهم فِرقةٌ من فِرَقِ المُسلِمين، وأجازوا مُناكَحَتَهم، وأكْلَ ذبائِحِهم، وأنَّهم لا يُكَفَّرون ما داموا مُتمَسِّكين بأصلِ الإسلامِ) [((فتح الباري)) (12/300)].
ومِثلُ الخَطَّابيِّ ابنُ بَطَّالٍ؛ فقد قال أيضًا: (ذهب جمهورُ العُلَماءِ إلى أنَّ الخَوارِجَ غيرُ خارِجين عن جملةِ المُسلِمين) [((فتح الباري)) (12/301)].
ومن الذين اعتَبَروا الخَوارِجَ فِرقةً إسلاميَّةً كغَيرِها من الفِرَقِ الأُخرى الشَّافعيُّ فيما ينقُلُه عنه الطَّالبيُّ بقَولِه: (وأمَّا الإمامُ الشَّافعيُّ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بَينَ مَذهَبِ الخَوارِجِ وبَينَ غيرِه من مذاهِبِ الفِرَقِ الأُخرى في عَدَمِ التَّكفيرِ بها) [((آراء الخوارج)) (ص: 21)].
والقولُ بعَدَمِ تكفيرِهم هو رأيُ ابنِ تيميَّةَ؛ فقد أورد حولَ الحُكمِ على الخَوارِجِ نقاشًا طويلًا، خَلَص منه إلى أنَّهم ليسوا كفَّارًا ولا مُرتَدِّين، وإنَّما هم فِئةٌ باغيةٌ، وأوردَ حُجَجًا على صِحَّةِ ما يراه في هذا الحُكمِ بما جرى لهم مع عَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وغيرِهما من الصَّحابةِ الذين لم يَحكُموا برِدَّتِهم، بل عامَلوهم مُعاملةَ المُسلِمين، خصوصًا حين انتهت تلك الحروبُ التي اشتعلت بينه وبَينَهم في النَّهْرَوانِ، فهو كما يقولُ: (لم يَسْبِ لهم ذُرِّيَّةً، ولا غَنِمَ لهم مالًا، ولا سار فيهم سيرةَ الصَّحابةِ في المُرتَدِّين، كمُسَيلِمةَ الكَذَّابِ وأمثالِه، بل كانت سيرةُ عَليٍّ والصَّحابةِ في الخَوارِجِ مُخالِفةً لسِيرةِ الصَّحابةِ في أهلِ الرِّدَّةِ، ولم يُنكِرْ أحدٌ على عليٍّ ذلك، فعُلِم اتِّفاقُ الصَّحابةِ على أنَّهم لم يكونوا مُرتَدِّين عن دينِ الإسلامِ) [((منهاج السنة)) (3/60 -62)].
وذكر أنَّ عَليًّا لم يحارِبْهم لأنَّهم كُفَّارٌ، وإنَّما حاربهم لدَفعِ ظُلمِهم وبَغْيِهم [انظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/282) و(3/352، 357)].
ولكِنَّ ابنَ تيميَّةَ وإنْ لم يَقُلْ بكُفرِهم لكِنَّه يَعتَبِرُهم من شِرارِ الخَلقِ وممَّن يجِبُ قتالُهم، وهذا رأيُ كثيرٍ من عُلَماءِ المُسلِمين.
ومن أقوالِه فيهم قولُه: (اتَّفق الصَّحابةُ والعُلَماءُ بَعدَهم على قتالِ هؤلاء أي: الخَوارِجِ؛ فإنَّهم بُغاةٌ على جميعِ المُسلِمين سِوى مَن وافَقَهم على مَذهَبِهم، وهم يَبدَؤون المُسلِمين بالقتالِ، ولا يَندَفِعُ شَرُّهم إلَّا بالقتالِ، فكانوا أضَرَّ على المُسلِمين من قُطَّاعِ الطَّريقِ؛ فإنَّ أولئك مقصودُهم المالُ، فلو أُعطوه لم يُقاتِلوا، وإنَّما يَتعَرَّضون لبعضِ النَّاسِ، وهؤلاء يقاتِلون النَّاسَ على الدِّينِ حتَّى يرجِعوا عمَّا ثبَت بالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الصَّحابةِ إلى ما ابتدَعَه هؤلاء بتأويلِهم الباطِلِ وفَهْمِهم الفاسِدِ للقُرآنِ… وهم شَرٌّ على المُسلِمين من غيرِهم؛ فإنَّهم لم يكُنْ أحَدٌ شَرًّا على المُسلِمين منهم ولا اليهودُ ولا النَّصارى؛ فإنَّهم كانوا مجتَهِدين في قَتلِ كُلِّ مُسلِمٍ لم يُوافِقْهم، مُستَحِلِّين لدِماءِ المُسلِمين وأموالِهم وقَتلِ أولادِهم، مُكَفِّرين لهم، وكانوا مُتدَيِّنين بذلك لعِظَمِ جَهْلِهم، وبِدعتِهم المُضِلَّةِ) [((منهاج السنة النبوية)) (5/243 – 248) باختصارٍ وتصَرُّفٍ يسيرٍ].
ومن الذين تورَّعوا عن تكفيرِهم، ورأى أنَّ حُكمَهم هو حُكمُ غَيرِهم من الفِرَقِ الإسلاميَّةِ: الشَّاطِبيُّ؛ فهو يرى أنَّ الخَوارِجَ غيرُ كافِرين، مُستَنِدًا في حكمِه هذا إلى ما ورد من رواياتٍ عن السَّلَفِ، وخُصوصًا ما كان من مَوقِفِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وكذا عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ حيثُ عامَلوهم مُعاملةَ أهلِ الإسلامِ.
قال الشَّاطبيُّ: (قد اختَلَفَت الأُمَّةُ في تكفيرِ هؤلاء الفِرَقِ أصحابِ البِدَعِ العُظمى، ولكِنَّ الذي يَقْوى في النَّظَرِ، وبحَسَبِ الأثَرِ: عَدَمُ القَطعِ بتكفيرِهم، والدَّليلُ عليه عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالحِ فيهم)، ثُمَّ استشهد بما جرى لهم مع عليٍّ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقال: (لمَّا اجتَمَعت الحَروريَّةُ وفارَقت الجماعةَ لم يُهَيِّجْهم عليٌّ ولا قاتَلَهم، ولو كانوا بخُروجِهم مُرتَدِّين لم يَترُكْهم؛ لقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَن بَدَّل دينَه فاقتُلوه )) ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ أيضًا لَمَّا خرج في زمانِه الحَروريَّةُ بالمَوصِلِ أمرَ بالكَفِّ عنهم، على ما أمر به عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه، ولم يُعامِلْهم معامَلةَ المُرتَدِّين) [((الاعتصام)) (2/186)].
ولعلَّ الشَّاطبيَّ يُشيرُ بما ذَكَره من أنَّ عَليًّا لم يُهَيِّجْهم ولم يُقاتِلْهم أنَّه لم يتسَرَّعْ إلى قَتْلِهم أوَّلَ الأمرِ، بل قال بأنَّه سوف يعامِلُهم مُعاملةً حَسَنةً، فلا يمنَعُهم المساجِدَ، ولا يَحرِمُهم الفَيءَ، ما دامت أيديهم معه وما داموا لم يَرتَكِبوا محرَّمًا، ولكِنَّهم حينَ خَرَجوا وقَتَلوا ابنَ خَبَّابٍ وغيرَه، حارَبَهم في معركةِ النَّهْرَوانِ الشَّهيرةِ حتَّى أفناهم.
تعقيبٌ على إطلاقِ الحُكمِ بالتَّكفيرِ
قال ابنُ حزمٍ: (أقرَبُ فِرَقِ الخَوارِجِ إلى أهلِ السُّنَّةِ أصحابُ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الإباضيِّ الفَزاريِّ الكوفيِّ، وأبعَدُهم الأزارِقةُ) [((الفصل)) (2/112)].
أو يقالُ: إنَّ مَن انطبقت عليه تلك الصِّفاتُ التي وردت في الأحاديثِ بذَمِّهم كان حُكمُه أنَّه مارِقٌ عن الدِّينِ، وفي حُكمِ الكُفَّارِ، وأمَّا مَن لم تنطَبِقْ عليه تلك الصِّفاتُ، وذلك باحتِمالِ أن يكونَ الشَّخصُ دَخَل في مَذهَبِهم بقَصدٍ حَسَنٍ من إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ في الأرضِ، أو يكونَ الشَّخصُ مخدوعًا بهم، أو له أيُّ تأويلٍ كان؛ فإنَّ هذا لا ينبغي التَّسَرُّعِ في تكفيرِه، خصوصًا وهو يَدَّعي الالتِزامَ بجميعِ شرائِعِ الإسلامِ. [موسوعة الفرق].
وانظر: فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة، لمحمد بن حسين ابن سفران القحطاني.
(المسألة الثانية): الشبهات
الشبهة الأولى:
أنه لا يصحُّ قتلُ الذين يباشرون الخروجَ على الحاكم من أهل عصرِنا، لأنهم ليسوا خوارج فهم لا يعتقدون عقيدة الخوارج في التكفير بكلِّ كبيرة.
وهذه شبهة يردِّدها بعضُ المعاصرين؛ وهي مبنيَّة على حصول خلْطٍ عند بعضِهم في مفهوم الخارجي.
وكشفُ هذه الشبهة: يكون بمعرفة ضابطِ الخارجيِّ، وأنه لا يُشترط فيه أن يكفِّر بكلِّ كبيرة، بل لو كفَّر بغير مكفِّرٍ واحدٍ فهو خارجي.
وهذا يتوافقُ مع حال الخوارج الذي خرجوا على علي رضي الله عنه، فلم يكفِّروا بكلِّ كبيرة، وإنما كفَّروا في أمرٍ واحد غيرِ مكفِّر؛ وهو زعمُهم أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه تركَ تحكيمَ كتاب الله، وزعمُهم هذا كذبٌ؛ ثمَّ حكمُهم باطل لأنه مبني على كذبٍ؛ فصاروا خوارج لتكفيرهم بغير حق.
وإن كان بعد ذلك تفرَّق الخوارج فِرَقًا وتبنَّوا عقائد أخرى بحسب فرقهم؛ فمنهم مَنْ أنكرَ السُّنة، ومنهم من أنكر الحوض والصراط وهكذا … لكن بدعتُهم في الأصل التكفير بما ليس مكفرًا.
قال ابن قدامة: «الثالث: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب» [المغني (٨/ ٥٢٤)].
وقال أيضًا: «وإذا أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة» [المغني (٨/ ٥٣٠)].
وقال الزركشي: «الخوارج الذين يكفرون بالذنب» [شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٦/ ٢١٨)].
وقال النووي: «الخوارج صنفٌ من المبتدعة يعتقدون أنَّ من فعل كبيرةً كفرَ وخلد في النار» [روضة الطالبين (١٠/ ٥١)].
وقول ابن قدامة والزركشي بالذنب يدخلُ فيه ولو ذنبًا واحدًا، ومثله كلام النووي لما قال كبيرة.
ومثله ما سيأتي نقله عن ابن تيمية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا عُرِفَ أصلُ البدع فأصلُ قول الخوارج أنهم يكفرونَ بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتِّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب – وإن كانت متواترة – ويكفِّرون من خالفهم ويستحلُّون منه لارتدادهِ عندهم ما لا يستحلُّونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ فيهم: «يَقتلونَ أهلَ الإسلام ويدَعون أهل الأوثان» [أخرجه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]، ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما؛ وكفَّروا أهلَ صفين – الطائفتين – في نحو ذلك من المقالات الخبيثة» [مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٥)].
وقال أيضًا: «ولهم خاصَّتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمَّتهم: أحدُهما: خروجُهم عن السنة وجعلُهم ما ليس بسيئةٍ سيئةً أو ما ليسَ بحسنةٍ حسنةً، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي ﷺ حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعِدِلْ فإنك لم تعدل؛ حتى قال له النبي ﷺ: «ويلكَ؛ ومَن يعدل إذا لم أَعدل؟ لقد خِبْتُ وخسرتُ إن لم أعدل»[أخرجه البخاري (٦١٦٣) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.].
فقوله: فإنك لم تعدل جعلَ منه لفعل النبي ﷺ سفهًا وتركَ عدلٍ، وقوله:
«اعدل» أمرٌ له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح.
ثم قال: الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفِّرون بالذنوب والسيئات؛ ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام دارُ حرب، ودارهم هي دار الإيمان» [مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٢)].
وقال: «فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأوِّلين جعلَ فيهم هذين القولين. والصوابُ أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين؛ فإنَّ هؤلاء ليس لهم تأويلٌ سائغٌ أصلًا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين، ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممَّن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام» [مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٤٨)].
وقال: «ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أنَّ قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين فهو غالطٌ جاهلٌ بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها. فإنَّ هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكًا كسائر الملوك؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله ﷺ وسنَّتهِ شرًّا من خروجِ الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ؛ فإنَّ التأويل السائغ هو الجائزُ الذي يُقَرُّ صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويلٌ من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى» [مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨٦)].
تنبيه:
لا تلازم بين مباشرة الخروج عمليًّا، وأن يكون الرجلُ خارجيًّا، فقد يكون الرجلُ خارجيًّا، وإنْ لم يخرج عمليًّا، وهؤلاء الذين سمَّاهم السلف بالقعدية؛ وهم الذين يرونَ رأيَ الخوارج ولا يباشرون الخروج.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد الضعيف: قُعَّدُ الخوارج هم أخبثُ الخوارج [مسائل الإمام أحمد (ص: ٣٦٢)، رواية أبي داود].
وقال ابن حجر: «والقعدية قومٌ من الخوارج كانوا يقولون بقولهم ولا يرون الخروج، بل يُزيِّنونهُ، وكان عمران داعيةً إلى مذهبه، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه بتلك الأبيات السائرة» [هدي الساري (٤٣٢)].
الشبهة الثانية:
أنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكون خارجيًّا؛ لأن منهم من لا يُكفِّر هذا الحاكمَ، ومن ليس خارجيًّا فلا يصح قتاله؟!.
وكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكفِّره لكن ليس القتالُ محصورًا على الخوارج؛ بل إنَّ القتال أيضًا لكلِّ خارجٍ على الحاكم ولو لم يكفِّره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض.
والمباشرون لفعل الخروج على السلطان أقسام؛ منهم من يكفِّره بكبيرة فيكون خارجيًّا، ومنهم من يخرجُ عليه تديُّنًا لفسقه بلا تكفير، فيبدَّع ويضلَّل ويحذَّر منه وليس خارجيًّا، كما فعل ذلك أئمة السنة كسفيان الثوري والإمام أحمد مع الحسن ابن صالح، بل ونقل الإمام أحمد إجماعَ السلف على هذا.
قال الإمام أحمد: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالفَ الآثار عن رسول الله ﷺ، فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنة والطريق» [أصول السنة (ص: ٤٥)].
ومنهم من يخرج لحظٍّ دنيوي، فهؤلاء يقاتَلون؛ لأنهم مفسدون في الأرض، وليس لأنهم خوارج.
قال عرفجة بن شريح الأشجعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عصاكُم، أو يفرِّق جماعتكُم، فاقتلوه».
ودونكَ ما بُيِّن من كلام أهل العلم أنَّ القتال ليس خاصًّا بالخوارج:
قال ابن قدامة: «والخارجون عن قبضة الإمام، أصنافٌ أربعة، ثم قال: الصنفُ الرابع: قومٌ من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعةٌ يحتاج في كفِّهم إلى جمعِ الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكر في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس مَعونةُ إمامهم في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تَركوا معونته، لقهرَهُ أهلُ البغي، وظهرَ الفساد في الأرض» [المغني (٨/ ٥٢٣)].
وقال أيضًا: «وإن سَبُّوا الإمامَ أو غيره من أهل العدل، عُزِّروا؛ لأنهم ارتكبوا محرَّمًا لا حدَّ فيه. وإن عرضوا بالسَّب، فهل يُعزَّرون؟ على وجهين.
وقال مالك في الإباضية، وسائر أهل البدع: يُستتابون، فإن تابوا، وإلَّا ضُربت أعناقهم.
قال إسماعيل بن إسحاق: رأى مالك قتلَ الخوارج وأهلِ القدر، من أجل الفساد الداخل في الدين، كقُطَّاع الطريق، فإنْ تابوا، وإلَّا قُتلوا على إفسادهم، لا على كُفرهم …» [المغني (٨/ ٥٣٠)].
وقال النووي: ««فإذا لقيتُموهُم فاقتلُوهم فإنَّ في قتلهِم أجرًا» [أخرجه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) من حديث علي رضي الله عنه]، هذا تصريحٌ بوجوب قتال الخوارج والبغاة وهو إجماعُ العلماء، قال القاضي أجمعَ العلماء على أنَّ الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأيَ الجماعة وشقُّوا العصا وجبَ قتالُهم بعدَ إنذارِهم والاعتذارِ إليهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، لكن لا يُجهَز على جريحهم ولا يُتبع منهزمُهم ولا يُقتل أسيرُهم ولا تُباح أموالُهم؛ وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يُقاتَلون بل يُوعَظون ويُستتابون من بدعتهم وباطلهم؛ وهذا كلُّه ما لم يكفروا ببدعتهم» [شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٦٩)]، ونقل أبوزرعة العراقي كلام النووي وأقرَّه.
وأفاد شيخُ الإسلام ابن تيمية أنَّ الذين يجب أن يُقاتَلوا وإن كانوا مسلمين – سابقًا أو لا زالوا – ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: المرتدون فقد كانوا مسلمين فكفروا.
الصنف الثاني: أهل البدع كالخوارج.
الصنف الثالث: المفسدون في الأرض؛ ومنهم الخارجون على السلطان يريدون منازعته في الولاية.
قال رحمه الله: «قد يُستدلُّ على أنَّ المفسدَ متى لم ينقطع شرُّه إلَّا بقتلهِ فإنه يُقتل: بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد يريدُ أن يشقَّ عصاكُم أو يفرِّقَ جماعتكُم فاقتلوه»، وفي رواية: «سَتكون هناتٌ وهنات، فمَن أرادَ أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان»[أخرجه مسلم (١٨٥٢)] [مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٤٦)].
وقال: «ولهذا كان أعدل الطوائف» أهل السنة: أصحاب الحديث، وتجدُ هؤلاء إذا أمروا بقتال مَنْ مرقَ من الإسلام أو ارتدَّ عن بعض شرائعه يأمرونَ أن يُسار فيه بسيرة علي في قتال طلحة والزبير؛ لا يُسبى لهم ذرية ولا يُغنم لهم مال ولا يُجهز لهم على جريحٍ ولا يُقتل لهم أسير، ويتركون ما أمرَ به النبي ﷺ وسار به علي في قتال الخوارج، وما أمر الله به رسوله وسار به الصديق في قتال مانعي الزكاة، فلا يجمعون بين ما فرق الله بينه من المرتدين والمارقين وبين المسلمين المسيئين؛ ويفرقون بين ما جمع الله بينه من الملوك والأئمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل. والله سبحانه وتعالى أعلم» [مجموع الفتاوى (٤/ ٤٥٢)].
وقال أيضًا: «وهذه النصوص المتواترة عن النبي ﷺ في الخوارج قد أدخلَ فيها العلماء لفظًا أو معنًى مَنْ كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله ﷺ وجماعة المسلمين» [مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٦)].
وقال أيضًا: «ثمَّ إن أهل المدينة يرون قتال مَنْ خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم، ويفرَّقون بين هذا وبين القتال في الفتنة؛ وهو مذهب فقهاء الحديث، وهذا هو الموافقُ لسنَّة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فإنه قد ثبت عنه الحديثُ في الخوارج من عشرة أوجهٍ خرَّجها مسلم في صحيحه وخرَّج البخاري بعضَها.
وقال فيه: «يحقرُ أحدُكم صلاته مع صَلاتهم، وصيامهُ مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوز حَناجرهم، يمرقونَ من الإسلام كما يمرقُ السَّهم من الرمية؛ أينما لقيتُموهم فاقتلُوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلَهُم يومَ القيامة».
وقد ثبت اتفاقُ الصحابة على قتالهم، وقاتَلَهم أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكر فيهم سنة رسول الله ﷺ المتضمِّنة لقتالهم، وفرحَ بقتلهم وسجدَ لله شكرًا لما رأى أباهم مقتولًا، وهو ذو الثدية؛ بخلافِ ما جرى يوم الجمل وصفين؛ فإنَّ عليًّا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يُذكر عن النبي ﷺ في ذلك سنة؛ بل ذُكر أنه قاتل باجتهاده، فأهلُ المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة، وعلى ذلك أئمة أهل الحديث؛ بخلاف مَنْ سوَّى بين قتال هؤلاء وهؤلاء؛ بل سوَّى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة، فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي؛ فإن هذا جمع بين ما فرَّق الله بينهما، وأهلُ المدينة والسنة فرَّقوا بين ما فرَّقَ الله بينه واتَّبعوا النصَّ الصحيح والقياس المستقيم العادل» [مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٩٤)].
وقال: «وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام؛ بمنزلةِ مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلَهُم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهروان؛ فكانت سيرتُه مع أهل البصرة والشاميين سيرةَ الأخِ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك.
وثبتت النصوصُ عن النبي ﷺ بما استقرَّ عليه إجماعُ الصحابة من قتال الصديقِ وقتال الخوارج؛ بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة؛ فإنَّ النصوص دلَّت فيها بما دلت والصحابة والتابعون اختلفوا فيها. على أن من الفقهاء الأئمة مَنْ يرى أنَّ أهل البغي الذين يجبُ قتالهم هم الخارجونَ على الإمام بتأويلٍ سائغ؛ لا الخارجون عن طاعته.
وآخرون يجعلونَ القسمَين بغاة؛ وبين البغاة والتتار فرق بين» [مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٠٣)].
وقال: «وأصحاب الرسول ﷺ علي بن أبي طالب وغيره لم يكفِّروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنَّ لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا حقَّكم من الفيء» [أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٦٢)]، ثم أرسل إليهم ابنَ عباس فناظَرَهُم فرجعَ نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسْبِ لهم ذرية، ولا غنمَ لهم مالًا، ولا سارَ فيهم سيرةَ الصحابة في المرتدين؛ كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكرْ أحدٌ على على ذلك، فعُلم اتفاقُ الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام …» [منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٤١)].
فائدة:
تنازعَ العلماء على قولين في قتلِ الواحد من الخوارج؛ فذهب ابنُ تيمية أنه بمجرَّد اعتقادِه يُقتل ولو لم يباشر الخروج؛ وهو أحد قولي العلماء وبه قال أحمد في رواية، وهو الصواب؛ لأن عمر أراد قتل صبيغ بن عسل لو كان محلوقًا أي خارجيًّا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوزُ قتلُ الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإن النبي ﷺ قال: «أينَما لَقيتمُوهم فاقتلُوهم»، وقال: «لئنْ أدركتهُم لأقتلنَّهم قتلَ عاد» [أخرجه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]، وقال عمر لصبيغ بن عسل: «لو وجدتكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك» [الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٣٧١): «أخرجه ابن الأنباري من وجه آخر عن يزيد بن خصيفة، عن السّائب بن يزيد، عن عمر بسند صحيح، وفيه: فلم يزل صبيغ وضيعًا في قومه بعد أن كان سيّدا فيهم» اهـ].
ولأن علي بن أبي طالب طلبَ أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادُهم إلَّا بالقتلِ قُتلوا، ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدةٌ راجحة.
ولهذا تركَ النبي ﷺ قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه [أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه]، ولم يكن إذْ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك علي قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلينَ في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم» [مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٩٩)]. [الإمامة العظمى، (28/ 185 – 499)].
وفي الشفا للقاضي نقاش حول أدلة من كفرهم :
وَقَوْلُهُ فِي الْخَوَارِجِ: «هُمْ مِنْ شَرِّ الْبَرِيَّةِ..» وَهَذِهِ صِفَةُ الْكُفَّارِ وَقَالَ: «شَرُّ قَبِيلٍ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ..»
وَقَالَ : «فَإِذَا وَجَدْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ قَتْلَ عَادٍ.» وَظَاهِرُ هَذَا الْكُفْرُ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَشْبِيهِهِمْ بِعَادٍ فَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَكْفِيرَهُمْ.
فَيَقُولُ لَهُ الْآخَرُ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَغْيِهِمْ عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِهِ مِنَ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ «يَقْتُلُونَ أهل الإسلام» .
فقتلهم ههنا حَدٌّ لَا كُفْرٌ.. وَذِكْرُ عَادٍ تَشْبِيهٌ لِلْقَتْلِ وَحِلِّهِ لَا لِلْمَقْتُولِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حُكِمَ بقتله يحكم بكفره، ويعارضه بقول خالد
فِي الْحَدِيثِ : «دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» فَقَالَ:
«لَعَلَّهُ يُصَلِّي» ..
فَإِنِ احْتَجُّوا
بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ .»
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ
وَبِقَوْلِهِ : «سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ..» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ.
أَجَابَهُ الْآخَرُونَ: إِنَّ مَعْنَى «لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» لَا يَفْهَمُونَ مَعَانِيَهُ بِقُلُوبِهِمْ، وَلَا تَنْشَرِحُ لَهُ صُدُورُهُمْ وَلَا تعمل به جوارحهم.
وَعَارَضُوهُمْ بِقَوْلِهِ «وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ وَهَذَا يَقْتَضِي التشكك في حاله.
وإن احتجوا بِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ..» وَلَمْ يَقُلْ «مِنْ هَذِهِ» وَتَحْرِيرُ أَبِي سَعِيدٍ الرِّوَايَةَ وَإِتْقَانُهُ اللَّفْظَ.
أَجَابَهُمُ الْآخَرُونَ: بِأَنَّ الْعِبَارَةَ «بِفِي» لَا تَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِكَوْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْأُمَّةِ، بِخِلَافِ لَفْظَةِ «مِنَ» الَّتِي هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَكَوْنِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ.. مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ « وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي أُمَامَةَ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الحديث: «يخرج من أمتي» و«سيكون من أمتي» وحروف المعاني مشتركة فلا تقويل عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ بِ «فِي» وَلَا عَلَى إِدْخَالِهِمْ فِيهَا بِ «مِنْ» . ( الشفا للقاضي عياض)
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): فضل عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه في الجهاد والهجرة.
2 – (منها): تأكيد انقطاع الهجرة بعد فتح مكة.
3 – (منها): خطر الخوارج على الأمة الإسلامية.
4 – (منها): الثناء النبي صل الله عليه وسلم على من قاتل الخوارج.
5 – (منها): جواز قتال الخوارج وقتلهم، وبيان فضل من قاتلهم.
6 – (منها): التحذير من الخوارج وأنهم يطعنون في الصحابة رضي الله عنهم بالهوى.
7 – (منها): الخوارج يلبّسون بالعبارات الدينية الباطلة مثل وصفهم للصحابة بنقص الدين.
8 – (منها): الرد على أهل البدع وفضح مقولاتهم من الدين.
9 – (منها): جواز وصف المبتدع بعدو الله عند استحقاقه.
10 – (منها): من أظهر بدعة يجب التحذير منه والرد عليه بما يفضح باطله.
11 – (منها): أقوال الصحابة في أهل البدع حجة في الرد عليهم.
12 – (منها): الفتنة لا تبرر السكوت عن قتال الخوارج إذا ظهر ضررهم.
13 – (منها): الهجرة الشرعية تعرف بأنها الانتقال من دار كفر إلى دار إسلام لإقامة شعائر الدين، وقد انقطعت الهجرة إلى المدينة بعد الفتح.
14 – (منها): كل من غيّر مدلول مصطلح شرعي لتبرير باطل فقد بدّل دين الله.
[تنبيه]:
انظر: مسائل الحسبة وأحوال الرعية في إنكار المنكر في كِتَابُ (٥٦): الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ من صحيح مسلم، بابُ (9) عُقُوبَةِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ولا يَفْعَلُهُ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ويَفْعَلُهُ. وفي فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند (1ج/ رقم (397))، وقد ذكر فيه بيان المعروف والمنكر ودرجات ذلك،ـ ومتى يجب ومتى لا يجب. فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند [1ج/ رقم (483)]، وفتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند، (80).