(3027 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد بنياد وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)،
(٢) – (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦])
[٧٥١١] (٣٠٢٧) – (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلَّا أَرْيَعُ سِنِينَ).
==========
الخشوع من علوم القلب؛ لأنه كمال معرفة وعلم بالله تعالى وعظمته، ينتج في القلب خشية وتعظيما لأمر الله تعالى، وتذللا له، خاصة عند القيام بين يديه في الصلاة.
قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
” والخشوع الذي أراد شداد في هذا الحديث، والله أعلم: هو الإخبات والتواضع والتذلل لله عز وجل ” انتهى. “شرح مشكل الآثار” (1 / 281).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
” أصل الخشوع: السكون، والطمأنينة، والانخفاض…
وهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح ” انتهى. “أضواء البيان” (5 / 825).
ولذلك عد الخشوع من أعظم علوم القلب.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى معلقا على أن الخشوع أول علم يرفع:
” لأنّ العلم، قسمان:
أحدهما: ما كان ثمرته في قلب الإنسان، وهو العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضية لخشيته، ومهابته، وإجلاله، والخضوع له، ولمحبّته، ورجائه، ودعائه، والتوكّل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع …
والقسم الثاني: العلم الذي على اللّسان، وهو حجّة الله كما في الحديث: ( الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ )، فأوّل ما يرفع من العلم: العلم النّافع، وهو العلم الباطن الّذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللّسان حجّة، فيتهاون الناس به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم … ” انتهى. “جامع العلوم والحكم” (2 / 299).
وقال ابن رجب أيضا:
” فالعلم النافع ما عرف بين العبد وربه ودل عليه، حتى عرف ربه ووحده، وأنس به، واستحيا من قربه، وعبده كأنه يراه.
ولهذا قالت طائفة من الصحابة: إن أول علم يرفع من الناس: الخشوع”. انتهى، من “رسائل ابن رجب” (3/28).
تنبيه : سيأتي في آخر المباحث تلخيص بحث في بيان اول ما يرفع هل الخشوع أم الأمانة .
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: (“[(٢)] – (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦])
علاقة الباب: خصص مسلم باباً لتفسير آية الحديد (16)، مما يدل على أن التفسير النبوي أصل في فهم القرآن.
علاقة الأحاديث: أحاديث كتاب التفسير في صحيح مسلم تشرح الآيات ببيان النبي ﷺ وأقوال الصحابة، وهذا الحديث نموذج لذلك.
وقال رحمه الله تعالى في رياض الصالحين: “١٥- باب المحافظة عَلَى الأعمال
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] .
وَأَمَّا الأَحاديث؛ فمنها حديث عائشة: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّين إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ. وَقَدْ سَبَقَ في البَاب قَبْلَهُ”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥١١] (٣٠٢٧) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عتبة بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ، (أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (قَالَ: مَا) نافية، (كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ) قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، تقول: عاتبته معاتبة، قال الشاعر [من الطويل]:
أُعَاتِبُ ذَا الْمَوَدَّةِ مِنْ صَدِيقٍ … إِذَا مَا رَابَنِي مِنْهُ اجْتِنَابُ
إِذَا ذَهَبَ الْعِتَابُ فَلَيْسَ وُدٌّ … ويَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ
(﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾) ألم يَحِنْ
وماضيه: أَنَى يَأْنِي، فأمَّا آنَ الممدود فمضارعه يَئِين
وقرأ الحسن: «ألما يأن» وأصلها «ألم» زيدت «ما»، فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا، و«لم» نفي لقوله: كان كذا [«تفسير القرطبي» ١٧/ ٢٤٨].
(﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾)؛ أي: تذلّ، وتلين (﴿قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾) وتعظيمه، وقيل: معناه تجزع من خشية الله، وقيل: الذكر هنا القرآن، وفيه بُعْد؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وهو القرآن، فيكون تكرارًا.
وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: رأوا الموت بعيدًا؛ يعني: أنهم لطول أملهم لا يرون الموت يقع بهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: جَفَت، وغلُظت، فلم يفهموا دلالةً، ولا صدّقوا رسالة. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ أي: خارجون عن مقتضى العقل من التوحيد، وعن مقتضى الرسالة من التصديق،
وفائدة هذه الآية أنه لمّا رسخ الإيمان في قلوبهم أرشدهم إلى الازدياد في أحوالهم، والمراقبة في أعمالهم، وحذّرهم عن جفوة أهل الكتاب بأبلغ خطاب، وألطف عتاب [«المفهم» ٧/ ٤٠٦ – ٤٠٧].
(إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ) قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله في «تفسيره»: رُوي أن المزاح والضحك كَثُر في أصحاب النبيّ صلى لَمّا ترفهوا بالمدينة، فنزلت الآية، ولمّا نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله يستبطئكم بالخشوع»، فقالوا عند ذلك: خشعنا.
وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن.
وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة.
وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة، فنزلت: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف: ١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية [يوسف: ٣]، فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكَفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان.
قال السديّ وغيره: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالظاهر، وأسرُّوا الكفر، ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقيل: نزلت في المؤمنين، قال سعد: قيل: يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، فقالوا بعد مدة: لو ذكّرتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. ونحوه عن ابن مسعود، قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض، ويقول: ما أحْدَثْنا؟ قال الحسن: استبطأهم، وهم أحب خلقه إليه.
وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه قال عقيب هذا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى عليه السلام إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيّهم، فقست قلوبهم [«تفسير القرطبيّ» ١٧/ ٢٤٩].
وحديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].
ثانيًا: فقه وفوائد الحديث:
1 – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
2 – (ومنها): بيان ذمّ قسوة القلب؛ لأن القلب القاسي أبعد من الله سبحانه وتعالى
3 – (ومنها): بيان أَن رقّة القلب، وخشوعه من صفات المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج].
4 – (ومنها): “أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تربوا على هدي القرآن، وهذه الآية من آيات التربية القرآنية لهم.
5 – (ومنها): دليل على أن هذه المدة كافية في تربيتهم واعتزازهم بدينهم وبُعدهم عن غيرهم من المسلمين.
6 – (ومنها): تحريضهم على الخشوع، ونهيهم عن التشبه بالكافرين في قسوة القلوب والفسق”. [توفيق الرب المنعم، (8/ 505)].
ثالثًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): تفسير قول الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}. [الحديد: ١٦]
(المطلب الأول): نص الآية:
قال الله تعالى: {۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}. [الحديد ( (16)].
(المطلب الثاني): غريب الكلمات:
الْأَمَدُ: أي: الزَّمانُ والغايةُ.
[نظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 453)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/137)، ((المفردات)) للراغب (ص: 88)
(المطلب الثالث):
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر حالَ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ والمُنافِقينَ والمُنافِقاتِ في الدَّارِ الآخِرةِ، كان ذلك مِمَّا يدعو القُلوبَ إلى الخُشوعِ لِرَبِّها، والاستِكانةِ لعَظَمتِه؛ فعاتَبَ اللهُ المُؤمِنينَ على عَدَمِ ذلك [نظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 840)]، فقال تعالى:
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}.
المطلب الرابع :
سَبَبُ النُّزولِ :
عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أُنزِلَ القُرآنُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتلا عليهم زَمانًا، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، لو قصَصْتَ علينا! فأنزَلَ اللهُ: {الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 1 – 3] ، فتلاها عليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زمانًا، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ لو حدَّثْتَنا! فأنزَلَ اللهُ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] الآيةَ، كُلُّ ذلك يُؤمَرونَ بالقُرآنِ. قال خَلَّادٌ: وزاد فيه حِينَ قالوا: يا رَسولَ اللهِ ذَكِّرْنا، فأنزَلَ اللهُ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ})) [أخرجه الطَّحاويُّ في ((شرح مشكل الآثار)) (1157)، وابنُ حِبَّانَ (6209) واللَّفظُ له، والحاكمُ (3319). صحَّحه ابنُ حِبَّان، والألبانيُّ في ((صحيح الموارد)) (1462)، وصَحَّح إسنادَه الحاكمُ، وحسَّن إسنادَه ابنُ تيميَّةَ في ((مجموع الفتاوى)) (17/40)، وحَسَّنَ الحديثَ ابنُ حجر في ((المطالب العالية)) (4/126)، وقوَّى إسنادَه شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((صحيح ابن حبان)) (6209)].
وهو في الصحيح المسند برقم 370
370 – قال البزار كما في «كشف الأستار» (ج ٤ ص ٦٩): حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، ثنا أبي ح وحدثنا الحسين بن الأسود وإسماعيل بن حفص، قالا: ثنا عمرو بن محمد العنقزي، ثنا خلاد بن مسلم، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، في قوله تعالى: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين • إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون﴾ قال: فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ص: ٣١٩] قال: فتلا عليهم زمانًا …..الحديث خلاد بن مسلم، وخلاد وثَّقه ابن معين كما في «تهذيب [ص: ٣٢٠] التهذيب»، ومرة قال: لا بأس به. وهي عنده بمنزلة الثقة، كما في كتب المصطلح.
أما سبب نزول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ فمشكوك فيه، كما في مصادر التخريج. انتهى من الصحيح المسند
عن ابنِ مَسعودٍ رَضِي اللهُ عنه، قال: (ما كان بيْنَ إسلامِنا وبيْنَ أنْ عاتَبَنا اللهُ بهذه الآيةِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه}ِ إلَّا أربَعُ سِنِينَ) [رواه مسلم (3027)].
قال الشنقيطي: (قَولُه: لِذِكْرِ اللَّهِ ) الأظهَرُ منه: أنَّ المرادَ خُشوعُ قُلوبِهم لأجْلِ ذِكرِ اللهِ، وهذا المعنى دَلَّ عليه قَولُه تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] ، أي: خافت عِندَ ذِكرِ اللهِ، فالوَجَلُ المذكورُ في آيةِ الأنفالِ هذه والخَشيةُ المذكورةُ هنا: مَعناهما واحِدٌ. وقال بَعضُ العُلَماءِ: المرادُ بذِكرِ اللهِ: القُرآنُ، وعليه فقَولُه: وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ مِن عَطفِ الشَّيءِ على نَفْسِه مع اختِلافِ اللَّفظَينِ). ((أضواء البيان)) (7/547).
وقيل: لِذِكْرِ اللَّهِ حقوقُ الله، وقيل: ما يُذِّكرُهم به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو الصَّلاةُ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (5/478)، ((تفسير ابن عاشور)) (27/391)].
وقوله: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ}.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان للمُسابَقةِ والمُنافَسةِ أثرٌ عَظيمٌ في تحريكِ الهِمَمِ لأهلِ الأَنَفةِ وأُولي المَعالي قال:
: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ}.
وقوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ}.
أي: فطالَ على أهلِ الكِتابِ الزَّمانُ.
وقوله: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}.
أي: فقَسَت بسَبَبِ طُولِ الزَّمانِ قُلوبُهم، فصارت غَليظةً لا تَلِينُ لِذِكرٍ، ولا تَرِقُّ لِمَوعِظةٍ.
[انظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/411)، ((تفسير ابن كثير)) (8/20)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/280)، ((تفسير ابن عاشور)) (27/392)].
ويحسن في نهاية هذا المطلب إيراد نص تفسير الشيخ ابن عثيمين رحمه الله لهذه الآية
قال – رحمه الله تعالى أي الحافظ النووي – في سياق الآيات في باب ذكر الموت وقصر الأمل:
[وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16]، والآيات في الباب كثيرة معلومة].
قال سَماحة العلَّامةِ الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله-:
قال المؤلِّف النوويُّ رحمه الله في كتابه رياض الصالحين، : باب ذكر الموت وقصر الأمل، وذكر المؤلِّف فيه آيات متعددة، سبق الكلام عليها، وآخرها قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ… ﴾ [الحديد: 16]؛ يعني ألم يأتِ الوقتُ الذي تخشع فيه قلوبُ المؤمنين لذِكر الله عزَّ وجلَّ؟
والخشوع معناه الخضوع والذل، ﴿ لِذِكْرِ اللهِ ﴾ يعني عند ذِكرِه، فإن المؤمنين ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].
وقوله: ﴿ لِذِكْرِ اللهِ ﴾؛ أي: لتذكُّر الله وعظَمَتِه، ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾؛ أي: ويخشعون لما نزل من الحق، وهو ما كان في كتاب الله سبحانه وتعالى… ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ﴾ [الحديد: 16]؛ أي: الوقت ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الحديد: 16]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث بعد عيسى بستمائة سنة، وهي فترة طويلة انحرَفَ فيها مَن انحرَف من أهل الكتاب، ولم يبق على الأرض من أهل الحق إلا بقايا يسيرة من أهل الكتاب؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16]
فحذَّر الله عز وجل ونهى أن نكون كهؤلاء الذين أوتوا الكتاب ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الحديد: 16].
نهانا ربنا أن نكون كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ فقسَتْ قلوبُهم، ولكن صار الكثير منا في الوقت الحاضر متشبهًا بهؤلاء الذين قسَتْ قلوبهم، وكثيرٌ من هؤلاء أيضًا فسَقوا عن أمر الله وخرجوا عن طاعة الله.
ثم قال المؤلف: والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ معلومة. [«شرح رياض الصالحين» (3/ 454- 457)].
(المطلب الخامس): الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:
1- مِن آياتِ القرآنِ تأثيرُه على القَلبِ؛ فإنَّ الإنسانَ إذا قَرَأَه بتدبُّرٍ فإنَّه يُلَيِّنُ القَلبَ، ويُوَجِّهُ الإنسانَ إلى ربِّه، ؛ قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}، وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. [الزمر: 23] [انظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) لابن عثيمين (1/542)].
2- في قَولِه تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} توبيخٌ وعِتابٌ لِمَن سَمِعَ هذا السَّماعَ ولم يُحْدِثْ له في قَلبِه صَلاحًا ورِقَّةً وخُشوعًا. [انظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/469)].
3- أنَّ قَسْوةَ القَلبِ، وطُولَ الأَمَدِ، والتَّسويفَ: هي العوامِلُ الأساسيَّةُ للغَفلةِ وإيثارِ الدُّنيا، وأنَّ الخَشْيةَ والذِّكْرَ: هي العوامِلُ الأساسيَّةُ لإيثارِ الآخِرةِ.
[انظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (8/506)].
4- في قَولِه تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} الحَثُّ على الاجتِهادِ على خُشوعِ القَلبِ لله تعالى ولِما أنزَلَه مِنَ الكِتابِ والحِكْمةِ، وأنْ يتذَكَّرَ المُؤمِنونَ المواعِظَ الإلهيَّةَ والأحكامَ الشَّرعيَّةَ كُلَّ وَقتٍ، ويُحاسِبوا أنفُسَهم على ذلك. [انظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 840)].
5- في قَولِه تعالى: {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الإرشادُ إلى وَسيلةِ الإنابةِ إلى اللهِ تعالى، وأنَّ في اللَّجَأِ إلى كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نجاةً، وفي المَفزَعِ إليهما عِصْمةً، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَثَلُ ما بَعَثَني اللهُ به مِنَ الهُدى والعِلمِ كمَثَلِ الغَيثِ الكَثيرِ أصاب أرضًا، فكان منها نَقِيَّةٌ قَبِلَت الماءَ، فأنبَتَت الكَلَأَ والعُشْبَ، وكانت منها أجادِبُ أمسَكَت الماءَ، فنَفَع اللهُ بها النَّاسَ، فشَرِبوا وسَقَوا وزَرَعوا، وأصاب منها طائِفةً أُخرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كَلَأً؛ فذلك مَثَلُ مَن فَقُه في دِينِ اللهِ، ونَفَعَه ما بعَثَني اللهُ به، فعَلِمَ وعلَّم، ومَثَلُ مَن لم يَرفَعْ بذلك رأسًا، ولم يقبَلْ هُدى اللهِ الَّذي أُرسِلْتُ به)) [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (27/394). والحديثُ الأخير رواه البخاريُّ (79)، ومسلمٌ (2282) واللَّفظُ له].
6- في قَولِه تعالى: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} دليلٌ على أنَّ المرءَ مَمنوعٌ مِن التَّشَبُّهِ والاقتِداءِ بمَن لا يَكونُ مَرضِيَّ الفِعَالِ، وأنَّه إنِ اقتدى به في فِعلٍ بعَينِه لم يَصِرْ بجَميعِ الصِّفاتِ مِثلَه؛ فليَعتبِرِ المُنْكِرُ على مَن شَبَّهَ المُشْمَئِزِّينَ مِن دَعوةِ الدَّاعي في الأحكامِ إلى القُرآنِ، بالمُنافِقينَ والكافِرينَ، وإنْ لم يكُنْ مُنافِقًا ولا كافِرًا بهذا؛ لِيَردَعَه عنِ استِعظامِ ما ليس بعَظيمٍ مِن المُشَبِّهِ، بل فِعْلُ المُشْمَئِزِّ بالتَّشبيهِ بالقَومِ عظيمٌ لو عَقَله. [انظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/223، 224)].
7 – في قَولِه تعالى: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أنَّه يَتَوَلَّدُ مِن طُولِ الأمَلِ الكَسَلُ عنِ الطَّاعةِ، والتَّسويفُ بالتَّوبةِ، والرَّغبةُ في الدُّنيا، والنِّسيانُ للآخِرةِ، والقَسوةُ في القَلبِ؛ لأنَّ رِقَّتَه وصَفاءَه إنَّما يَقَعُ بتَذكيرِ الموتِ والقَبرِ، والثَّوابِ والعِقابِ، وأهوالِ القيامةِ. [انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (11/237)].
8- أنَّ القُلوبَ تَحتاجُ في كُلِّ وَقتٍ إلى أن تُذَكَّرَ بما أنزَلَه اللهُ، وتُناطَقَ بالحِكْمةِ، ولا يَنبغي الغَفلةُ عن ذلك؛ فإنَّ ذلك سَبَبٌ لِقَسوةِ القَلبِ، وجُمودِ العَينِ. [انظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 840)].
9- أسبابُ القَسوةِ كَثيرةٌ؛ منها: كثرةُ الكلامِ بغيرِ ذِكرِ اللهِ، ونَقضُ العَهدِ مع اللهِ تعالى، وكثرةُ الضَّحِكِ، وكَثرةُ الأكلِ ولا سيَّما إن كان مِنَ الشُّبُهاتِ أو الحرامِ، وكثرةُ الذُّنوبِ.
وأمَّا مُزيلاتُ القَسوةِ فمُتعَدِّدةٌ أيضًا؛ فمنها: كثرةُ ذِكرِ اللهِ الَّذي يَتَواطأُ عليه القَلبُ واللِّسانُ، والأصلُ في إزالةِ قَسوةِ القُلوبِ بالذِّكرِ قَولُه تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقَولُه تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] ، وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}.
ومنها: الإحسانُ إلى اليَتامى والمساكينِ. ومنها: كثرةُ ذِكرِ الموتِ. ومنها: زيارةُ القُبورِ بالتَّفَكُّرِ في حالِ أهلِها ومَصيرِهم. ومنها: النَّظَرُ في ديارِ الهالِكينَ، والاعتِبارُ بمَنازلِ الغابِرينَ. ومنها: أكلُ الحلالِ. [انظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/261) فما بعدها].
10- قولُه: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، أي: في الأعمالِ؛ فقُلوبُهم فاسِدةٌ، وأعمالُهم باطِلةٌ، كما قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] ، أي: فَسَدتْ قُلوبُهم فقَسَتْ، وصار مِن سَجِيَّتِهم تحريفُ الكَلِمِ عن مَواضِعِه، وتَرَكوا الأعمالَ الَّتي أُمِروا بها، وارتَكَبوا ما نُهُوا عنه؛ ولهذا نَهى اللهُ تعالى المُؤمنينَ أن يَتشَبَّهوا بهم في شَيءٍ مِنَ الأُمورِ الأصليَّةِ والفَرعيَّةِ. [انظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/20)].
11- في قَولِه تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} العدالةُ التَّامَّةُ في حُكْمِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ حيثُ لم يُعَمِّمْ، [انظر: ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات – الحديد)) (ص: 390)].
12- مِن وُجوهِ الاعتِبارِ في النَّظَرِ إلى الأرضِ الَّتي أحياها اللهُ بَعْدَ مَوتِها في فَصلِ الرَّبيعِ بما ساق إليها مِن قَطْرِ السَّماءِ: أنَّه يُرجَى مِن كَرَمِه أنْ يُحْييَ القُلوبَ المَيِّتةَ بالذُّنوبِ وطُولِ الغَفلةِ، بسَماعِ الذِّكرِ النَّازِلِ مِنَ السَّماءِ، وإلى ذلك الإشارةُ بقَولِه تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} إلى قَولِه تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}؛ ففيه إشارةٌ إلى أنَّ مَن قَدَر على إحياءِ الأرضِ بعْدَ مَوتِها بوابِلِ القَطْرِ فهو قادِرٌ على إحياءِ القُلوبِ المَيِّتةِ القاسيةِ، بالذِّكرِ؛ عسى لمحةٌ مِن لَمَحاتِ عَطْفِه ونَفحةٌ مِن نَفَحاتِ لُطفِه، وقد صَلَحَ مِنَ القُلوبِ كُلُّ ما فَسَد! [انظر: ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 317)].
فمَن أحسَّ بقسوةٍ في قلبِه فليُهْرَعْ إلى ذكرِ الله تعالى وتلاوةِ كتابِه يَرجِعْ إليه حالُه، كما أشار إليه قولُه عزَّ وجلَّ: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [انظر: ((تفسير الألوسي)) (14/181)].
[نظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/6)].
(المطلب السادس): الفوائد العلمية واللطائف:
1- في قَولِه تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} رَدٌّ على المُرْجِئةِ؛ إذِ المُخاطَبون المُوَبَّخونَ بهذا قد كان لهم -لا مَحالةَ- حَظٌّ في الخُشوعِ قبْلَ استِبطائِهم وتَقريعِهم؛ إذْ لو لم يَكُنْ لهم حَظٌّ فيه -وإنْ قَلَّ- ما كانوا مُؤمِنينَ، فهُم ما التُمِس مِنهم إلَّا زيادةٌ في خُشوعِهم الَّذي بقَليلِه استَحقُّوا اسمَ الإيمانِ قبْلَ أنْ يُطالَبوا بكَثيرِه [انظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/223)].
2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} في قَولِه تعالى: {مِنَ الْحَقِّ} إشارةٌ إلى أنَّ غَيرَ هذا الذِّكرِ دَخَله الدَّخيلُ، وأمَّا هذا فثابِتٌ ثباتًا لا يَقدِرُ أحَدٌ على إزالتِه. [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/279)].
3- والمقصودُ التَّحذيرُ، لا أنَّهم تلَبَّسوا بذلك ولم يأْنِ لهم الإقلاعُ عنه.
والتَّحذيرُ مُنصَبٌّ إلى ما حدث لأهلِ الكتابِ مِن قَسوةِ القُلوبِ بَعْدَ طُولِ الأمَدِ عليهم في مُزاوَلةِ دِينِهم، أي: فلْيَحذَرِ الَّذين آمَنوا مِن أن يكونوا مِثْلَهم على حِدْثانِ عَهْدِهم بالدِّينِ.
وليس المقصودُ عُذْرَ الَّذين أُوتوا الكِتابَ بطُولِ الأمَدِ عليهم؛ لأنَّ طُولَ الأمَدِ لا يكونُ سَبَبًا في التَّفريطِ فيما طال فيه الأمَدُ، بل الأمرُ بالعَكسِ، ولا قُصِد تَهوينُ حُصولِه للَّذين آمَنوا بعدَ أن يَطُولَ الأمَدُ؛ لأنَّ ذلك لا يتعَلَّقُ به الغَرَضُ قبْلَ طُولِ الأمَدِ،
وإنَّما المقصودُ النَّهيُ عن التَّشبُّهِ بالَّذين أُوتوا الكتابَ في عدَمِ خُشوعِ قُلوبِهم، ولكنَّه يُفيدُ تَحذيرَ المؤمِنينَ بعْدَ أنْ يَطولَ الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعوا فيما وقَعَ فيه أهلُ الكِتابِ، ويَستتبِعُ ذلك الإنباءَ بأنَّ مُدَّةَ المسلِمينَ تَطولُ قريبًا أو أكثَرَ مِن مدَّةِ أهلِ الكتابِ الَّذين كانوا قبْلَ البَعثةِ؛ فإنَّ القُرآنَ مَوعِظةٌ للعُصورِ والأجيالِ. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (27/391، 392)].
4- وفيه التَّنديدُ التَّامُّ باليَهودِ والنَّصارى؛ لأنَّها قَسَتْ قُلوبُهم لَمَّا طال عليهم الأمَدُ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات – الحديد)) (ص: 390)].
5- وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أَوَّلَ الأُمَّةِ خَيرٌ مِن آخِرِها، وأخشَعُ قُلوبًا؛ وذلك لقُرْبِهم مِن عَهْدِ الرِّسالةِ، وقد صَحَّ بذلك الحديثُ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الَّذين يَلُونَهم، ثُمَّ الَّذين يَلُونَهم)).
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات – الحديد)) (ص: 390). والحديث أخرجه البخاريُّ (2652)، ومسلمٌ (2533) من حديثِ عبدِالله بنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه].
6- وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عَدَمَ الخُشوعِ في أوَّلِ الأمرِ يُفضي إلى الفِسقِ في آخِرِ الأمرِ! [انظر: ((تفسير الرازي)) (29/461)].
7 – لماذا قدم الخشوع من ذكر الله على ما نزل من الحق وهو القرآن :
قال ابن رجب:
سُورَةُ الحَدِيدِ
قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) … فإنَّ القلوبَ إذا أيقنتْ بعظمةِ ما سمعتْ، واستشْعَرتْ شَرَفَ نسبةِ هذا القولِ إلى قائلِهِ، أذعنتْ وخضعتْ.
فإذا تدبَّرَتْ ما احتَوى عليه من المرادِ ووعتْ، اندكَّتْ من مهابةِ اللَّهِ وإجلالِهِ، وخشعت.
فإذا هطلَ عليها وَابلُ الإيمانِ من سُحُب القرآنِ، أخذتْ ما وسعتْ، فإذَا
بذَر فيها القرآنُ مِنْ حقائقِ العرفانِ، وسقاهُ ماءُ الإيمانِ، أنبتتْ ما زرعتْ
[تفسير ابن رجب الحنبلي 2/ 378]
(المطلب السابع): بلاغة الآيات:
1- فيه استِئنافٌ ناعٍ عليهم تَثاقُلَهم في أُمورِ الدِّينِ، ورَخاوةَ عَقدِهم فيها، واستِبطاءٌ لانتِدابِهم لِما نُدِبوا إليهِ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ [انظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/208)].
2- قولُه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ}ِ الاستِفهامُ مُستعمَلٌ في الإنكارِ، أي: إنكارِ نفْيِ اقترابِ وقْتِ فِعْلِ الفعلِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ الاستفهامُ للتَّقريرِ على النفْيِ. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (27/390)].
– والمقصودُ مِن قولِه: {لِلَّذِينَ آَمَنُوا} إمَّا بعضٌ منهم رُبَّما كانوا مُقصِّرينَ عن جُمهورِ المؤمنينَ يومَئذٍ بمكَّةَ، فأراد اللهُ إيقاظَ قُلوبِهم بهذا الكلامِ المُجمَلِ، على عادةِ القرآنِ وأقوالِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في التَّعريضِ، وإمَّا أنْ يكونَ تَحريضًا للمؤمنينَ على مُراقَبةِ ذلك، والحذَرِ مِن التَّقصيرِ. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (27/390)].
3 – وقَدَّم الخُشوعَ بالذِّكْرِ على الخُشوعِ بما نَزَل مِنَ القُرآنِ؛ لأنَّ الخُشوعَ والخَوفَ والخَشْيةَ لا تَحصُلُ إلَّا عِندَ ذِكرِ اللهِ تعالى، فأمَّا حُصولُها عِندَ سَماعِ القُرآنِ فذلك مِن أجْلِ اشتِمالِ القُرآنِ على ذِكرِ اللهِ تعالى. [انظر: ((تفسير الرازي)) (29/461)].
4 – ويَجوزُ أنْ يكونَ الوَصْفانِ في قولِه: {لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ للقرآنِ}؛ تَشريفًا له بأنَّه ذِكرُ اللهِ، وتَعريفًا لنفْعِه بأنَّه نزَلَ مِن عندِ اللهِ، وأنَّه الحقُّ [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (27/391)].
5 – ويَجوزُ أنْ تُجعَلَ (لا) في قولِه: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} حرْفَ نَهْيٍ، ويُعلَّقَ النَّهيُ بالغائبِ التِفاتًا، أو المرادُ: أبْلِغْهم ألَّا يَكونوا [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (27/392)].
ينظر معاني الالتفات [((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/314)].
[موسوعة التفسير، بتصرف].
(المسألة الثانية): هذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله تعالى
1) عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:
ذكر أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان القلانسي، قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق ، قال حدثنا علي بن يعقوب الزيات ، قال حدثنا إبراهيم بن هشام ، قال حدثنا زكريا بن أبي أبان ، قال حدثنا الليث بن الحارث قال حدثنا الحسن بن داهر ، قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال : كنت يوما مع إخواني في بستان لنا ، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه ، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا ، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور ، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين السحر ، وأراد سنان يغني ، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة ، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد ، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان – يعني العود الذي بيده – ويقول : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق قلت : بلى والله ! وكسرت العود ، وصرفت من كان عندي ، فكان هذا أول زهدي وتشميري . وبلغنا عن الشعر الذي أراد ابن المبارك أن يضرب به العود :
ألم يأن لي منك أن ترحما وتعص العواذل واللوما
وترثي لصب بكم مغرم أقام على هجركم مأتما
يبيت إذا جنه ليله يراعي الكواكب والأنجما
وماذا على الصب لو أنه أحل من الوصل ما حرما. [تفسير الطبري رحمه الله].
وفي منشور الأحاديث الضعيفة والباطلة
صحح معلوماتك الحديثية
قصة ابن المبارك مكذوبة!!
قال ابن يونس – إمام أهل مصر-: “علي بن يعقوب الزّيّات: مصري. هو كذّاب يضع الحديث”.
وذكره ابن الجوزي في “الضعفاء والمتروكين”، وقال: “عَليّ بن يَعْقُوب بن سُوَيْد الربَاب الْوراق الْمصْرِيّ: روى عَنهُ الْحسن بن رَشِيق. قَالَ أَبُو الْوَلِيد القَاضِي: كَانَ عَليّ يضع الحَدِيث”.
وبقية الإسناد مجاهيل، لا يُعرفون
وسيرة الإمام الحافظ المجاهد ابن المبارك ترد على هذه القصة المكذوبة!!!
وكان – رحمه الله- طلب العلم وهو صغير،
وقال البيهقي في الشعب :
[٦٩٣٦] وحدثنا أبو سعد الزاهد، حدثنا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران بمكة، حدثنا أبو يعقوب البزاز، حدثنا محمد بن حاتم السمرقندي، حدثنا أحمد بن زيد، حدثنا حسين بن الحسن قال: سئل بن المبارك وأنا حاضر عن أول زهده فقال؟
قال محقق الشعب :
[٦٩٣٦] أبو سعد الزاهد هو عبد الملك بن أبي عثمان محمد بن إبراهيم الزاهد.
- أبو يعقوب البزاز.
- ومحمد بن حاتم السمرقندي وشيخه أحمد بن زيد، لم أعرفهم.
- أبو الحسين بن الحسن هو المروزي.
والأثر رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ٣١٠) بطريق المؤلف.
وذكره القاضي عياض في «ترتيب المدارك» (١/ ٣٠٣ – ٣٠٤) برواية أخرى عن ابن المبارك بنحوه.
شعب الإيمان – ط الرشد ٩/٤٣١ — أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨)
2) الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى:
قال أبو عبد الرحمن السُّلميّ [١]: أنا أبو بكر محمد بن جعفر: نا الحسين بن عبد العزيز العسكريّ، كذا قال وصوابه ابن عبد الله العسكريّ، قال: ثنا ابن أخي أبي زُرْعة: ثنا محمد بن إسحاق بن راهَوَيْه، نا أبو عمّار [٢]، عن الفضل بن موسى قال: كان الفُضَيّل بن عِياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرْخَس. وكان سبب توبته أنّه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الْجُدران إليها سمع رجلا يتلو أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ من الْحَقِّ ٥٧: ١٦. فقال: يا ربّ قد آن. فرجع.
فآواه الليل إلى خَربةٍ، فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل؟ وقال قوم: حتى نُصْبح، فإنّ فُضَيْلا على الطريق يقطع علينا. فتاب الْفُضَيْلُ وأمّنهم. وجاور بالحَرَم حتّى مات. [تاريخ الإسلام – ت تدمري ١٢/٣٣٤ — شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨)].
وقصة ضعفها بعض الباحثين
بأبي عبد الرحمن السُّلميّ
قال الخطيب في تاريخه:
قال لي محمد بن يوسف النيسابوري القطان: كان السُلمي غير ثقة ، وكان يضع
للصوفية.
وقدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلدته جليل وكان مع ذلك مجودا صاحب حديث وله
دويرة للصوفية.
وقال الذهبي في الميزان:
تكلموا فيه وليس بعمدة . روى عن الأصم وطبقته وعنى بالحديث ورجاله وسأل
الدارقطني .
..وفي القلب مما يتفرد به .انتهى
وأورد الباحث اسانيد أخرى وبين ضعفها
المسألة الثالثة : صاحب القرن من بني إسرائيل :
قال الطبري:
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) }
يقول تعالى ذكره (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) : ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نزل من الحقّ، وهو هذا القرآن الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) قال: تطيع قلوبهم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (1)) .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ … ) الآية. ذُكر لنا أن شدّاد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “إن أوَّل مَا يُرْفعُ مِنَ النَّاس الخُشُوعُ”.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان شدّاد بن أوس يقول: أوّل ما يرفع من الناس الخشوع.
(كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ) يعني من بني إسرائيل، ويعني بالكتاب: الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجي ..
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، أبى معشر، عن إبراهيم، قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفا، ولم ينكر قلبه منكرا، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه؛ فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويوميء إلى القرن الذي بين ثندوتيه، ومالي لا أومن بهذا الكتاب، فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن.
ويعني بقوله: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ) : ما بينهم وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وذلك الأمد الزمان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
قوله: (الأمَدُ) قال: الدهر.
وقوله: (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) عن الخيرات، واشتدّت على السكون إلى معاصي الله. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ، يقول جلّ ثناؤه: وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاسقون.
القول في تأويل قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) }
يقول تعالى ذكره (اعْلَمُوا) أيها الناس (أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ) الميتة التي لا تنبت شيئا، (بَعْدَ مَوْتِهَا) يعني: بعد دثورها ودروسها، يقول: وكما نحيي هذه الأرض الميتة بعد دروسها، كذلك نهدي الإنسان الضَّالَّ عن الحقّ إلى الحق، فنوفِّقه ونسدِّده للإيمان حتى يصير مؤمنا من بعد كفره، ومهتديا من بعد ضلاله.
وقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يقول: قد بيَّنا لكم الأدلة والحجج لتعقلوا.
[تفسير الطبري 23/ 187 ط التربية والتراث]
المسألة الرابعة : الحذر من النفاق :
وخشوع الجسد تَبَعُ لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه، كما روي: «تَعَوَّذُوا بالله من خشوع النفاق»، وهو أن يرى الجسد خاشعًا والقلب خاليًا لاهيًا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم،
وهؤلاء هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا.
الإيمان لابن تيمية ١/٢٧
كلام جميل لابن القيم وفيه ذكر خطر النفاق :
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخشوع؛ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ نَزَّلَ وَلَا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦]. قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتَبَنا اللهُ بهذه الآية إلا أربع سنين . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنةً من نزول القرآن .
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
والخشوع في أصل اللُّغة: الانخفاض والذلُّ والسُّكون. قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، أي: سكنت وذلَّت وخضعت. ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يُبْسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالريِّ والنَّبات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩].
والخشوع: قيام القلب بين يدي الرّبِّ تعالى بالخضوع والذلَّة والجمعيَّة عليه.
وقيل: الخشوع الانقياد للحقِّ، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علاماته أنَّ العبد إذا خولف أو رُدَّ عليه بالحقِّ استقبل ذلك بالقبول والانقياد.
وقيل: الخشوع خمود نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصَّدر، وإشراق نور التعظيم في القلب .
وقال الجنيد رحمه الله: الخشوع تذلُّل القلوب لعلَّام الغيوب .
وأجمع العارفون على أنّ الخشوع محلُّه القلب، وثمرته على الجوارح فهي تظهره. ورأى النبيُّ ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» .
ورأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه .
وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يقول: أعوذ بالله من خشوع النِّفاق ، فقيل له: وما خشوع النِّفاق؟ فقال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلبُ غير خاشعٍ .
وقال الفضيل بن عياضٍ رحمه الله: كان يُكره أن يُري الرجلُ من الخشوع أكثر ممَّا في قلبه .
وقال حذيفة رضي الله عنه: أوَّل ما تفقدون من دينكم الخشوع ، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا .
وقال سهلٌ : من خشع قلبه لم يقرب منه الشّيطان.
فصل
قال صاحب «المنازل» رحمه الله : (الخشوع: خمود النفس وهمود الطِّباع لمتعاظَم أو مفزع).
يعني: انقباضَ النفس والطبع، وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمةٌ ومهابةٌ، أو لما يفزع منه القلب.
والحقُّ أنَّ الخشوع معنًى يلتئم من التعظيم والمحبَّة والذُّلِّ والانكسار.
قال : (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: التذلُّل للأمر، والاستسلام للحكم، والاتِّضاع لنظر الحقِّ).
التذلُّل للأمر: تلقِّيه بذلَّة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضَّعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانةِ عليه حال الفعل، وقبولِه بعد الفعل.
وأمَّا (الاستسلام للحكم)، فيجوز أن يريد به الحكم الدِّيني الشَّرعي، فيكون معناه عدم معارضته برأي أو شهوةٍ؛ وأن يريد به الاستسلام للحكم القدريِّ، وهو عدم تلقِّيه بالتسخُّط والكراهة والاعتراض.
والحقُّ أنَّ الخشوع: الاستسلامُ للحكمين، وهو الانقياد بالمسكنة والذُّلِّ لأمره وقضائه.
وأمَّا (الاتِّضاع لنظر الحقِّ)، فهو اتِّضاع القلب والجوارح وانكسارُها لنظر الربِّ إليها واطِّلاعِه على تفاصيل ما في القلب والجوارح. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿(٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقولِه: ﴿(٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾ [النازعات: ٤٠]، وهو مقام الربِّ على عبده بالاطِّلاع والقدرة والرُّبوبية.
فخوفه من هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلَّما كان أشدَّ استحضارًا له كان أشدَّ خشوعًا، وإنَّما يفارق القلبَ الخشوعُ إذا غفل عن اطِّلاع الله عليه ونظره إليه.
والتأويل الثاني: أنّه مقام العبد بين يدي ربِّه عند لقائه .
فعلى الأوَّل يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، وعلى الثاني ــ وهو أليق بالآية ــ يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف.
مدارج السالكين – ط عطاءات العلم ٢/١٩٣-١٩٧
المسألة الخامسة : أول ما يرفع : في بحث طول الباحث في تخريج الأحاديث والآثار ثم قال :
الخلاصة:
المرويات الواردة في أول ما يرفع: هل الخشوع أو الأمانة؟
ما ورد منها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: لا يخلو من ضعف.
والثابت في الخشوع، أنه موقوف على شداد بن أوس رضي الله عنه.
وقد يقال: إنه في حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن أمر غيبي لا يعلم إلا بالوحي. وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الأمانة: فأقوى ما ورد فيها قول ابن مسعود رضي الله عنه، ولا تخلو أسانيده من كلام.
وعلى القول بثبوت الأثرين: فالجمع بينهما أن الخشوع أول علم قلبي يرفع، ويتبع ذلك عدم الخشية من الله تعالى، واتباع الإنسان لنفسه في حرصها وشحها وأثرتها، وهذا يؤدي بالإنسان إلى المظالم وعدم حفظ الأمانات.
فيكون الخشوع أول علم يرفع، وأول عمل يلحقه هو الأمانة، فتكون هي أول عمل وخلق يرفع.
والله أعلم.