550 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة : أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين
٥٥٠ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٦ ص ٤٦٦): حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ يَوْمًا: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَصُومُوا» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَرَكْتُ قَوْمِي مِنْهُمْ صَائِمٌ وَمِنْهُمْ مُفْطِرٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبْ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ».
هذا حديث صحيحٌ. وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا أن يخرجاها.
وقد أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (ج ٥ ص ٢٣) فقال رحمه الله: قال يحيى بن صالح: حدثنا معاوية بن سلام، عن أبي كثير [وصوابه: عن يحيى بن أبي كثير]، عن بعجة بن عبد الله، أن أباه أخبره … فذكر الحديث.
وأخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (ج ١ ص ٤٩١) فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثنا يحيى بن صالح به.
ــــــــــــــــــــــــــ
*دراسة الحديث رواية*
– *قال الطبراني في المعجم الأوسط ٦/٢٤ —
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ إِلَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ، وَلَا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
– قال الهيثمي في *مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٣/١٨٥* :
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْبَزَّارُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
– قال محقق * جامع المسانيد لابن الجوزي ٤/١٩ :
وصحّح ابن حجر إسناده في الإصابة، وحسّنه الهيثمي في المجمع ٣/ ١٨٨، واختاره الضياء ٩/ ٣٦ (١٧).
وفي صيام يوم عاشوراء ينظر البخاري ٤/ ٢٤٤، ٢٤٥ (٢٠٠٠ – ٢٠٠٧)، ومسلم ٢/ ٧٩٢ – ٧٩٩ (١١٢٥ – ١١٣٦).
– قال الأعظمي في *الجامع الكامل في الحديث ٤/٧١٣* :
صحيح: رواه أحمد (٢٧٦٤٦) وغيره
وإسناده صحيح. ويحيى بن أبي كثير ثقة ثبت إلا أنه يدلس ويرسل، وقد صرَّح بالتحديث وحسّنه الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٨٥).
- عن هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي من أسلم. فقال: «مُرْ قومك فليصوموا هذا اليوم يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أوّل يومه، فليصم آخره».
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٩٦٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠٧)، والطحاوي في «مشكله» (٢٢٧٥) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند ابن أسماء، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق…
قلنا : قال محققو المسند : حديث صحيح ولعله سقط هنا عن أبيه ويكون أسماء هو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وتوافق هذه الرواية التالية وأن المبعوث هو أسماء
وقد أطال أهل العلم الكلام في تعيين المبعوث، وما ذكرته هو خلاصته، ومنهم من ادّعى الاضطراب في الإسناد من أجل هذا الخلاف. والصحيح أنه لا اضطراب فيه؛ لأنّ المبعوث صحابي ولا يضر الجهل باسمه كما هو معروف.
- عن محمد بن صيفي، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: «منكم أحد طعم اليوم؟» قلنا: منا من طعم، ومنا من لم يطعم. قال: «فأتموا بقية يومكم، من كان طعم، ومن لم يطعم، فأرسلوا إلى أهل العروض فليتموا بقية يومهم».
قال يعني أهل العروض: حول المدينة.
صحيح: رواه النسائي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (١٧٣٥)، والطحاوي في «مشكله» (٢٢٧٧)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٠٩١)، وابن حبان (٣٦١٧) كلّهم من حديث حصين، عن الشعبي، عن محمد ابن صيفي، فذكره.
وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم صائمًا يوم عاشوراء فقال لأصحابه: «من كان أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصاب من غداء أهله فليتم بقية يومه».
رواه الإمام أحمد (٨٧١٦) عن أبي جعفر، أخبرنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله الأزدي، عن شُييل، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قلنا قال محققو المسند في حديث أبي هريرة : صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف عبدالصمد بن حبيب ولجهالة أبيه
*دراسة الحديث دراية*
– جاء في *أسد الغابة في معرفة الصحابة ط العلمية ٣/١٨٣ — ابن الأثير، أبو الحسن (ت ٦٣٠)* :
٢٨٣٢- عبد الله بن بدر
ب د ع: عَبْد اللَّهِ بْن بدر بْن بعجة بْن زيد بن معاوية بْن خشان بْن سعد بْن وديعة بْن عدي بْن غنم بْن الربعة بْن رشدان بْن قيس بْن جهينة بْن زيد الجهني مدني، وكان اسمه عبد العزى فسماه رَسُول اللَّهِ ﷺ عَبْد اللَّهِ …
– بوب عليه الوادعي في *الجامع* باب صيام عاشوراء.
– قال الأعظمي في *الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه ٤/٧١٣* :
فقه الحديث:
أحاديث الباب تدل على أمور ومن أهمها ما يلي:
١ – إنّ صوم عاشوراء كان في أول الأمر فرضًا، ولذا ورد التأكيد بصومه لمن لم يأكل ولم يشرب، وإمساك بقية اليوم لمن أكل وشرب.
ولا يتصور هذا التأكيد في التطوع، ثم نسخ الفرض بعد فرض رمضان كما سيأتي. وبقي استحباب التطوع لما فيه من الأجر العظيم.
٢ – أن من وجب عليه الصوم ولم يعرف ذلك إلا في النهار فإنه يكفيه النية في النهار، وهو مستثني من قوله ﷺ: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له».
٣ – أن من أكل وشرب، وهو لا يدري أن عليه صوم هذا اليوم فيمسك بقية النهار، وليس عليه القضاء على الصحيح، لما بينا فيما سبق من نكارة لفظ القضاء.
مسائل وملحقات :
المسألة الأولى : – جاء في *شرح عمدة الفقه – ابن تيمية – ط عطاءات العلم ٣/٤٧٥* :
فصل
وأما صوم يوم عاشوراء، فقد تقدَّم قولُه ﷺ: «إنه يُكفِّر السنةَ الماضيةَ».
فإن قيل: إنما أمرَ بصيامه قبل رمضان، فأما بعد رمضان، فهو يومٌ من الأيام، بدليل ما روى علقمةُ: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يَطْعَم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: «قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرِك، فإن كنتَ مفطرًا فاطْعَم» أخرجاه .
ولمسلم : «كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نَزَل رمضانُ تركه».
وعن عبد الله قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهلية، فمن أحبَّ منكم أن يصومه فليَصُمْه، ومَنْ كَرِهَه فليَدَعْه» .
وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يُفْرَض رمضان، فلما فُرِض رمضان قال رسول الله ﷺ: «إن عاشوراء يومٌ من أيَّام الله، فمَنْ شاء صامَه»، وكان ابنُ عمر لا يصومُه إلا أن يوافق صيامَه. متفق عليه .
وعن جابر بن سَمُرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء ويحثُّنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فُرض رمضان لم يأمرنا ولم يَنْهَنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده» رواه أحمد ومسلم .
قلنا: استحبابُ صومه ثابتٌ بعد رمضان لحديث أبي قتادة المتقدِّم، ولِما روى معاويةُ بن أبي سفيان، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ هذا يوم عاشوراء ولم يُكْتَب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر » متفق عليه .
وفي رواية سفيان، عن الزهري، عن حُمَيد، [عن معاوية بن أبي سفيان قال] : «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بصيام هذا اليوم» .
وهذا خطابٌ يخاطب به النبيُّ ﷺ أصحابَه، ولم يؤكِّد عليهم صيامه، وهذا إنما يكون بعد فَرْض شهر رمضان، لأن ما قبل شهر رمضان كان مؤكَّدًا.
ومعاوية لم يَرَ النبيَّ ﷺ بعد الهجرة يوم عاشوراء إلا وهو مسلم؛ لأنه قبل ذلك كان بمكة، والنبيُّ ﷺ بالمدينة، وإنما أسلم بعد الفتح، وقد فُرِض رمضانُ قبل ذلك بستّ سنين.
وحديثُ ابن عباس الآتي ذِكْرُه صريحٌ بأن النبيَّ ﷺ صامه وأمر بصيامه قبل موته بعام.
قلنا: هذه الأحاديث معناها أن التوكيد الذي كان رسول الله ﷺ يؤكّد في صومه نُسِخَ بشهر رمضان، ولم يؤكِّد شأنَه بعد الهجرة إلا عامًا واحدًا، لأن النبي ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فأدركه عاشوراء من السنة الثانية وفُرِض رمضان تلك السنة، فلم يجئ عاشوراءُ آخرُ إلا ورمضان فُرِض.
وقد اخْتُلف هل كان هذا التوكيد إيجابًا؟
فقال القاضي: لا يُعرَف عن أصحابنا روايةٌ بأن صوم عاشوراء كان فرضًا في ذلك الوقت. قال: وقياس المذهب أنه لم يكن مفروضًا، لأن من شَرْط صيام الفرض النية من الليل، والنبي ﷺ أمرهم بالنية من النهار.
وذكر هو وأصحابُه وأبو حفص البرمكي وغيرهم أنه لم يكن مفروضًا؛ احتجاجًا بحديث معاوية المتقدِّم، وبأن النبي ﷺ أمر مَن أكل بإمساك بقيَّةِ اليوم ، ولم يأمرهم بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرهم بالقضاء، كما يجب القضاء على مَن أكَلَ يومَ الشكِّ ثم قامت البينةُ بأنه من رمضان.
والتزموا على هذا أن الإمساك بعد الأكل في يوم شريف فيه فضل [ق ٨٩] يكون قُرْبة كما يكون الإمساك في اليوم الواجب واجبًا.
واعتذروا عما ورد من النّسْخ بأن المنسوخَ تأكيدُ صيامه وكثرة ثوابه ، فإنه كان قبل رمضان أوكد وأكثر ثوابًا منه بعد رمضان.
وذكر بعضُ أصحابنا عن أحمد أنه كان مفروضًا.
وهو الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال في «ناسخ الحديث ومنسوخه» : «وقد روي من أكثر من عشرين وجهًا أن النبي ﷺ أمر بصوم عاشوراء، وذكر الأحاديث الأُخَر. قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي ﷺ وكَّد صومَه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم ، حتى أمرهم بأن يُتمُّوا بقيةَ يومهم وإن كانوا قد أكلوا، وإنما يُفْعَل ذلك في الفريضة، ثم جاءت الأحاديث لما بيَّن أن ذلك كلّه كان قبل شهر رمضان، فلما فُرِض شهر رمضان، كان ما سواه تطوُّعًا.
ومما يؤكِّد ذلك حديث معاوية، ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء، وفيه أيضًا بيان أن النَّسْخ لم يكن على تركه البتة، ولكن على أنه صار تطوُّعًا، وهو اختيار أبي محمد، وهو أشبه …
وأما حديث معاوية، فهو متأخِّر بعد فَرْض رمضان، وإذ ذاك لم يكن واجبًا بالاتفاق.
وأما كونه لم يأمر بالقضاء، فقد روى قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه: أن أسْلَم أتتِ النبيَّ ﷺ، فقال: «صُمتم يومَكم هذا؟» قالوا: لا. قال: «فأتِمُّوا بقيَّة يومِكُم واقضوه» رواه أبو داود والنسائي .
ثم إنما لم يأمرهم بالقضاء لأن الوجوب إنما ثبت بالنهار … .
فصل
وعاشوراء هو اليوم العاشر مِن المحرَّم، والسُّنةُ لمن صامه أن يصوم تاسوعاءَ معه.
قال في رواية الميموني وأبي الحارث: مَن أراد أن يصوم عاشوراء فليصم التاسعَ والعاشرَ، إلا أن يُشْكِل الشهر فيصوم ثلاثة أيام. ابن سيرين يقول ذلك .
وقال في رواية الأثرم: أنا أذهبُ في عاشوراء أن يُصام يوم التاسع والعاشر، حديث ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر».
وقال حرب: سألت أحمد عن صوم عاشوراء؟ فقال: يصوم التاسعَ والعاشر .
وذلك لما روى ابنُ عباس قال: لمَّا صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمُه اليهود والنصارى، فقال: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال: فلم يأتي العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم وأبو داود .
وفي لفظ: «لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسعَ (يعني: يوم عاشوراء)» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه .
وعن الحكم بن الأعرج قال: «انتهيتُ إلى ابن عباس وهو متوسِّد رداءَه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيتَ هلالَ المحرَّم، فاعْدُد، وأصْبِح يومَ التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان محمد يصومه؟ قال: نعم. رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
ومعنى هذا والله أعلم: صُمِ التاسعَ والعاشرَ كما ذكره الإمام أحمد عنه.
رواه سعيد ــ وغيره ــ قال: حدثنا سفيان عن عَمرو بن دينار، سمع عطاء، سمع ابن عباس يقول: «صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود» .
وعن شعبة مولى ابن عباس قال: «كان ابن عباس يصوم عاشوراء في السَّفَر، ويوالي بين اليومين فَرَقًا أن يفوته» رواه حرب .
عن إسماعيل بن عُلَيَّة قال: ذكروا عند ابن أبي نَجِيح: أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع. فقال ابن أبي نجيح : إنما قال ابن عباس: «أكره أن يصوم يومًا فارِدًا، ولكن صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» رواه داود بن عمرو عنه .
وعن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «أنه كان يصوم يومين لعاشوراء احتياطًا أن لا يفوته» رواه أبو زرعة الدمشقي، عن أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عنه .
يحقِّق ذلك ما روى [الحسن] ، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقد روى داود بن علي، عن أبيه، عن جدِّه ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهودَ، صوموا قبلَه يومًا أو بعده يومًا». رواه أحمد وسعيد ولفظه: «صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»
فإن صام عاشوراء مفردًا، فهل يكره؟
قال بعض أصحابنا: لا يكره …
والأشبه بكلامه أنه يُكْرَه؛ لأنه أمر بصوم اليومين لمن أراد صوم عاشوراء، وأخذ بأَثَر ابن عباس، وابنُ عباس كان يكره إفراده، ويأمر بصوم اليومين مخالفة لليهود.
ولأنه إفرادُ يوم يعظِّمه غيرُ أهل الإسلام، فَكُرِه كإفراد النيروز والمهرجان.
ولأن التشبّه بأهل الكتاب مكروه، وقَطْع التشبه بهم مشروع ما وُجِد إلى ذلك سبيل، فإذا صيم وحده كان فيه تشبُّه بأهل الكتاب …
قال أبو الخطاب : ويستحبّ صوم عشر المحرم، وآكدها تاسوعاء وعاشوراء
——
المسألة الثانيه :
اتفق الجمهور من الفقهاء على أن الأكل والشرب ناسيا في صيام التطوع مع إتمامه له، يعد صومه صحيحا ولا قضاء عليه ؛ قال ابن عبد البر -رحمه الله ـ: “والفقهاء كلهم من أهل الرأي والأثر يقولون: إن المتطوع إذا أفطر ناسيا أو غلبه شيء فلا قضاءَ عليه”
لكن اختلفوا فيمَنْ أَفطرَ في صيام الفرض ناسيًا هل يوجب الفساد أم لا؟ وهل يجب عليه القضاء والكفارة أم لا؟
فذهب الجمهور إلى إتمام صومه ولا قضاء عليه ، قال الخطابي (388هـ): “لا قضاء على المفطر ناسيا؛ وذلك أن النسيان من باب الضرورة ، والضرورات من فعل الله سبحانه ليست من فعل العباد، ولذلك أضاف الفعل في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى”
وقال ابن القيم الجوزية: ” وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إسقاط القضاء عمن أكل وشرب ناسيا، وأن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا الأكل والشرب يضاف إليه، فيفطر به، فإنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله في نومه؛ إذ لا تكليف بفعل النائم، ولا بفعل الناسي”
عكس مالك وربيعة بن عبد الرحمن وغيرهم من أصحاب مالك اللذين ذهبوا إلى فساد صومه مع وجوب القضاء ولا كفارة؛ بمعنى: يجب عليه الإمساك بقية يومه ،وصيامه باطل وعليه القضاء قال ابن العربي(ت543هـ): ” الفطر ضد الصوم؛ وإذا وُجِدَ ضد العبادة أبطلها؛ كان سهوا أو عمدا، كالحدث في الصلاة” .
وقال أيضا: “جميع فقهاء الأمصار قالوا: من أفطر ناسيا لا قضاء عليه تعلقا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: “الله أطعمك وسقاك”، وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليها، فرأى في مطلعها أن عليه القضاء؛ لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن الأكل فلا يوجد مع الأكل؛ لأنه ضده، وإذا لم يبق ركنه وحقيقته ولم يوجد لم يكن ممتثلا ولا قاضيا ما عليه، ألا ترى أن مناقض شرط الصلاة -وهو الوضوء- الحدثُ إذا وجد سهوا أو عمدا أبطل الطهارة؛ لأن الأضداد لا جماع لها مع أضدادها شرعا ولا حسا”.
وقال كذلك: “وحمله علماؤنا على أن المراد به نفي الإثم عنه، فأما القضاء فلا بد منه؛ لأن صورة الصوم قد عُدِمَت، وحقيقته بالأكل قد ذهبتْ، والشيء لا بقاء له مع ذهابِ حقيقته، كالحدث يبطل الطهارة؛ سهوا جاء أو عمدا؛ وهذا الأصل العظيم لا يرده ظاهر محتمل التأويل”.
وقال عياض (544هـ) : “هذا هو المشهور عنه، وهو قول شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك” .
وقال النووي (676هـ) في شرحه لمسلم ملخصا اختلاف العلماء في هذه المسألة: “هذا الحديث فيه دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم إذا أكل أو شرب، أو جامع ناسيا لا يفطر ؛ وممن قال بهذا: الشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وآخرون، وقال ربيعة ومالك: يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد : يجب في الجماع القضاء والكفارة ولا شيء في الأكل “.
فرع : استثنى بعض الشافعية، من أكل أو شرب كثيرا ، فقالوا إن صيامه لا يصح، وعللوا لذلك بأن النسيان مع الكثرة نادر . وينظر: “الموسوعة الفقهية الكويتية” (40/ 280) .
ولكن الراجح صحة صيامه؛ لأنه ما دام موصوفا بالنسيان حال الأكل أو الشرب فهو مشمول بهذه الرخصة والمنة من الله سواء كثر أكله أو قلّ؛ ولذلك صحح النووي رحمه الله أنه لا يفطر.
قال النووي رحمه الله: “وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا، وَإِنْ كَثُرَ، فَوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْكَلَامِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ هُنَا: أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.” انتهى من “روضة الطالبين” (2/363).
فما دام المسلم قد نوى الصيام، ثم أكل ناسيا فصيامه صحيح. وكرم الله واسع، وفضله عظيم، ولا يتعاظمه شيء أعطاه سبحانه وتعالى .
لكن العذر وصحة الصيام إنما يكون فيمن تحقق نسيانه بالفعل، لا المتلاعب بأمر العبادة، وهذا إنما يكون بينه وبين رب العباد، الذي لا تخفى عليه خافية.
والله أعلم .
تنبيه : الأفضل جعل نية صيام السنة المقيدة والمعينة كعاشوراء وعرفة من الليل حتى يحصل على الثواب كاملاً، فإن نوى من النهار صح صومه، ولأنه لا يستوي من نوى الصيام من الفجر كمن نوى في وسط النهار وآخره، وكمن يدرك صلاة الجماعة من أولها ومن يدركها في وسطها أو آخرها فلا يستويان وإن كان كل منهما مدركاً للصلاة، وقرره طائفة من أهل العلم كالنووي وابن رجب وشيخنا ابن عثيمين رحمهم الله.
—-
المسألة الثالثة: مراتب صيامه:
1- صيام التاسع والعاشر، وهو محل اتفاق، لما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
2- صيام العاشر والحادي عشر وبه قال بعض المالكية ومذهب الشافعية.
3- صيام يوم عاشوراء وحده فقط، بدون كراهة وهو مذهب بعض الحنفية ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة، واختاره ابن تيمية وابن حجر الهيتمي وغيرهم، وينال الفضل المترتب على صومه.وقيل: يكره الإفراد، وهو مذهب الحنفية، والراجح الأول.
4- صيام يوم قبله أو بعده؛ لرواية: (يوماً قبله أو يوماً بعده) رواه أحمد وابن خزيمة وضعفها بعض أهل العلم، والأفضل قبله؛ لقوله ﷺ: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) رواه مسلم، وهو قول بعض الحنفية وقول للشافعي واختاره ابن القيم، ولا إنكار في هذا، ويكون من عموم فضل صيام الشهر المحرم.
5- صيام التاسع والعاشر والحادي عشر، وهو الأفضل؛ لرواية (يوماً قبله ويوماً بعده) رواه البيهقي والشافعي وورد عن ابن عباس وصححه بعض أهل العلم، وإن لم تصح الرواية السابقة فيدخل في عموم فضل صيام الشهر المحرم.
المسألة الرابعة:
يصح أن يصوم عاشوراء وإن كان عليه قضاء، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لأن القضاء واجب موسع، والأفضل للإنسان ألا يتأخر في القضاء، فلا يدري ما يعرض له من الآفات.
وقد كان محمد بن شهاب الزهري في سفر فصام يوم عاشوراء، فقيل له: تصوم يوم عاشوراء في السفر وأنت تفطر في رمضان؟ فقال «إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن عاشوراء تفوت» شعب الإيمان للبيهقي (3518).
المسألة الخامسة:
هل يصح التشريك بين نية صوم القضاء مع عاشوراء محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: لا يصح ولو نواهما معاً، وهو مذهب الأئمة الأربعة، لأن كلاً منهما مقصود لذاته، ولأنهما عبادتان مستقلتان معينتان.
القول الثاني: يصح التشريك في النية بينهما، وهو قول في مذاهب الأئمة الأربعة، واختاره ابن باز وابن عثيمين، والأحوط: عدم التشريك خروجاً من الخلاف، ولأن كلاً منهما عبادة معينة مستقلة بذاتها، فلا يجمع بين السنن الرواتب بنية واحدة.
المسألة السادسة:
التداخل بين السنن في الصيام المقيد والمعين كعاشوراء والصيام غير المقيد والمعين كصيام ثلاثة من كل شهر جوزه جمع من أهل العلم، لأن صيام الثلاثة أيام غير صيام أيام البيض، ولأنها غير مقصودة بذاتها الثلاثة من كل شهر، واختاره ابن حجر وشيخنا ابن عثيمين رحمهم الله.
المسألة السابعة:
يستحب للمسافر والأفضل له الصيام، لأنه لا يقضى، ولأنه سنة مضيقة، واختاره ابن عباس رضي الله عنه والزهري والحسن.
تنبيه:
التعليل بصيام الأيام ٩ و١٠ و١١ حتى يقع الصيام لعاشوراء يقيناً محل نظر، لأن ذلك مدعاة لتشكيك الناس في صيامهم، والصوم يوم يصوم الناس واختاره النووي.وقد يقال بهذا احتياطاً إذا وقع الخلاف بين أهل الاختصاص في رؤية دخول شهر المحرم ، وقد ورد ذلك عن ابن عباس وابن سيرين وإسحاق كما في لطائف المعارف لابن رجب.
المسألة الثامنة:
يصح صيام عاشوراء إذا وافق يوم السبت إذا صام معه غيره، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وقيل: يصح صيام السبت مطلقاً، وهو مذهب المالكية، وأما حديث النهي عن صيام يوم السبت رواه أحمد وأبو داود فمختلف في صحته فقال الإمام مالك كذب وقال النسائي مضطرب وضعفه الزهري وابن العربي وابن الملقن والطحاوي وابن القيم وهو ظاهر كلام ابن حجر وغيرهم، وصححه الحاكم وابن خزيمة والألباني. وإن صح الحديث فيحمل على من خصص يوم السبت لكونه يوم السبت فيصومه نفلاً مطلقاً وليس لكونه عاشوراء أو عرفة أو قضاء أو كفارة وغير ذلك وقيل: منسوخ.
المسألة التاسعة: هل صوم عاشوراء يكفر الكبائر؟
الجواب: لا يكفر الكبائر، بل يكفر الصغائر فقط، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لأن الكبائر تحتاج توبة خاصة.
المسألة العاشرة: يتبع كل أهل بلد في تحديد يوم عاشوراء رؤية الهلال في بلدهم كصوم رمضان، وهو مذهب جمهور الفقهاء، فإن لم يكن لهم رؤية فيتبعون أقرب بلد إسلامي لهم له رؤية معتبرة شرعاً.