(3030 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
شارك: أحمد بن علي، ومحمد بنياد وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، (٥) – (بابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾).
٢٨ – (٣٠٣٠) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله،
في قوله عز وجل: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾ [١٧ /الإسراء /٥٧]. قال: كان نفر من الجن أسلموا. وكانوا يعبدون. فبقي الذين كانوا يعبدون على عبادتهم. وقد أسلم النفر من الجن.
٢٩ – (٣٠٣٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عن أبي معمر، عن عبد الله:
﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾. قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن. فأسلم النفر من الجن. واستمسك الإنس بعبادتهم. فنزلت: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.
٢٩ – م – (٣٠٣٠) وحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ شُعْبَةَ، عن سليمان، بهذا الإسناد.
٣٠ – (٣٠٣٠) وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنِي أبي. حدثنا حسين عن قتادة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود:
﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾. قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن. فأسلم الجنيون. والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون. فنزلت: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: (٥) – (بابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾).
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥١٥] (٣٠٣٠) -الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه (فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وقوله (﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾) صفته، وضمير الصلة محذوف؛ أي: يدعونهم، والمعنى: أن أولئك المدعوّين، وقوله: (﴿يَبْتَغُونَ﴾) خبرٌ، أو حال، والخبر قوله: «الذين يدعون»؛ أي: يدعون الناس إلى عبادته، وقرأ ابن مسعود: «تدعون» بالتاء علي الخطاب، والباقون بالياء على الخبر، ولا خلاف في «يبتغون» أنه بالياء، وقوله: (﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾) متعلّق بـ «يبتغون»؛ أي: يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة، قال القرطبيّ المفسّر: أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم، والهاء والميم في «ربهم» تعود على العابدين، أو على المعبودين، أو عليهم جميعًا، وأما «يدعون» فعلى العابدين، و«يبتغون» على المعبودين.
وقوله: (﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾) مبتدأ وخبره، ويجوز أن يكون «أيهم أقرب» بدلًا من الضمير في «يبتغون»، والمعنى: يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله.
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]؛ أي: مخوفًا لا أمان لأحد منه، فينبغي أن يحذر منه ويخاف.
وقال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر. انتهى. [»تفسير القرطبيّ«١٠/ ٢٧٩ – ٢٨٠]
وقال في «الفتح»: مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف، تقديره: أولئك الذين يدعونهم آلهة، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وقرأ ابن مسعود: «تدعون» بالمثناة الفوقانية، على أن الخطاب للكفار، وهو واضح.
وقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: معناه: يبتغون مَن هو أقرب منهم إلى ربهم، وقال أبو البقاء: ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أَقْرَبُ﴾، وهو استفهام في موضع نصب بـ ﴿يَدْعُونَ﴾ ويجوز أن يكون بمعنى الذين، وهو بدل من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾، كذا قال، وكأنه ذهب إلى أن فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾، و﴿يَبْتَغُونَ﴾ واحد، والله أعلم [»الفتح” ١٠/ ٢٩٨].
في رواية للبخاريّ: «فأسلم الجنّ، وتمسَّك هؤلاء بدينهم»؛ أي: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك؛ لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
وروى الطبريّ من وجه آخر عن ابن مسعود، فزاد فيه: «والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم»، قال الحافظ: وهذا هو المعتمَد في تفسير هذه الآية.
وأما ما أخرجه الطبريّ من وجه آخر عن ابن مسعود قال: «كان قبائل العرب يعبدون صنفًا من الملائكة، يقال لهم: الجنّ، ويقولون: هم بنات الله، فنزلت هذه الآية»، فإن ثبت فهو محمول على أنها نزلت في الفريقين، وإلا فالسياق يدلّ على أنهم قبل الإسلام كانوا راضين بعبادتهم، وليست هذه من صفات الملائكة.
وفي رواية سعيد بن منصور عن ابن مسعود في حديث الباب: «فعَيَّرهم الله بذلك».
وكذا ما أخرجه من طريق أخرى ضعيفة، عن ابن عباس: أن المراد من كان يعبد الملائكة، والمسيح، وعزيرًا [«الفتح» ١٠/ ٢٩٧، «كتاب التفسير» رقم (٤٧١٤)]، والله تعالى أعلم.
وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): في معنى قول الله جل وعز: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: ٥٧].
(المطلب الأول):
قال الله تعالى: { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (53) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)} [سورة الإسراء (53-57)].
(المطلب الثاني): غريب الكلمات:
{يَنْزَغُ}: أي: يُفسِدُ ويُهيِّجُ، وأصلُ (نزغ): يدلُّ على إفسادٍ بينَ اثنينِ [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/624)،
{الْوَسِيلَةَ}: أي: المَنزِلةَ والقُربةَ بالأعمالِ الصَّالحةِ، وأصلُ (وسل): يدُلُّ على التَّوصُّلِ إلى الشَّيءِ برَغبةٍ.
[يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 257)،
(المطلب الثالث ): تفسير الآيات:
– قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بأن يَنسُبوا الأعلميَّةَ بهم إليه سُبحانَه، أخبَرَ بما هو أعَمُّ مِن ذلك، فقال تعالى عاطِفًا على رَبُّكُمْ إعلامًا بأنَّ عِلمَه ليس مَقصورًا عليهم بل هو مُحيطٌ، قاصِرًا الخِطابَ على أعلَمِ الخَلقِ به سُبحانَه؛ إشارةً إلى أنَّه لا يعلَمُ هذا حَقَّ عِلمِه غَيرُه. [يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي
(11/443)]، فقال تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: وربُّك -يا مُحَمَّدُ- أعلَمُ بمَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرضِ مِن خَلْقِه، فيَعلَمُ نِيَّاتِهم، وأحوالَهم وأعمالَهم، وآجالَهم، وما يُصلِحُهم، ويَعلَمُ مَن يَستَحِقُّ الرَّحمةَ منهم فيَهديه، ومَن يَستَحِقُّ منهم العَذابَ فيُضِلُّه ويُشقِيه، وذلك بحسَبِ ما تَقتَضيه حِكمَتُه سُبحانَه. [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/625)، ((تفسير السمعاني)) (3/250)، ((تفسير ابن كثير)) (5/87)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/443)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460)].
قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117].
{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ}.
أي: ولقد فضَّلْنا بعضَ الأنبياءِ على بَعضٍ، كتَفضيلِهم بالعِلمِ والكُتُبِ، والشَّرائِعِ والمُعجِزاتِ والخَصائِصِ [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/625)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (5/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460).
قال الواحدي: (كلامُ المفسِّرين في هذا يدُلُّ على أنَّ المعنى فيه: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم خُصَّ بفضيلة؛ فقال قتادة: نعم، فضَّل الله بعض النبيين على بعضٍ، فاتخذ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، وجعل عيسى كلمتَه ورُوحَه، وآتى سليمانَ مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وآتى داود زبورًا، وغفر لمحمدٍ ما تقدمَ من ذنبِه وما تأخَّر). ((البسيط)) (13/367).
وقال ابن عطية: (تفضيلُ بعض الرسل هو إمَّا بهذا الإخبار المجمَلِ دون أن يسمَّى المفضول، وعلى هذا يتَّجِه لنا أن نقولَ: محمد أفضلُ البشر، وقد نهى عليه السلامُ عن تعيين أحدٍ منهم في قصَّةِ موسى ويونس، وإمَّا أن يكون التفضيلُ مقسَّمًا فيهم: أُعطيَ هذا التكليمَ، وأُعطي هذا الخُلَّة، ومحمَّدٌ الخُمُسَ، وعيسى الإحياءَ، فكلُّهم مفضولٌ على وجه فاضِلٌ على الإطلاق). ((تفسير ابن عطية)) (3/464-465).
وقال ابنُ تيميَّةَ: (معلومٌ أنَّ المُرسَلينَ يتفاضَلونَ، تارةً في الكتُبِ المُنَزَّلةِ عليهم، وتارةً في الآياتِ والمُعجِزاتِ الدَّالَّةِ على صِدقِهم، وتارةً في الشَّرائِعِ وما جاؤوا به مِن العِلمِ والعَمَلِ، وتارةً في أُمَمِهم). ((الجواب الصحيح)) (5/133).
وقال ابنُ كثير: (هذا لا ينافي ما ثَبَت في الصَّحيحَينِ عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «لا تُفَضِّلوا بينَ الأنبياءِ»؛ فإنَّ المرادَ مِن ذلك هو التَّفضيلُ بمُجَرَّدِ التشَهِّي والعَصَبيَّة، لا بمُقتَضى الدَّليلِ؛ فإنَّه إذا دَلَّ الدَّليلُ على شيءٍ وَجَب اتِّباعُه… ولا خِلافَ أنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضَلُهم، ثمَّ بَعدَه إبراهيمُ، ثمَّ موسى، على المَشهورِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/87-88). ويُنظر أيضًا: ((شرح النووي على مسلم)) (15/37)،
فقد ذكَر في الجوابِ عن هذا الحديثِ خمسةَ أوجهٍ أُخرَى].
كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253].
وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا.
أي: وأعطَيْنا نَبِيَّنا داوُدَ كِتابَ الزَّبورِ [قال القرطبي: (الزَّبورُ: كِتابٌ ليس فيه حَلالٌ ولا حَرامٌ، ولا فرائِضُ ولا حُدودٌ، وإنَّما هو دُعاءٌ وتحميدٌ وتَمجيدٌ). ((تفسير القرطبي)) (10/278).
وقال ابن عاشور: (الزبورُ:… وهو المعروفُ اليومَ بكتابِ المزاميرِ مِن كُتبِ العهدِ القديمِ [على ما دخَلها مِن تحريفٍ]). ((تفسير ابن عاشور)) (15/138)] وفضَّلْناه به؛ فليس للمُكَذِّبينَ بمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُنكِروا تَفضِيلَنا له بالنبُوَّةِ والقُرآنِ [يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/245)، ((تفسير القرطبي)) (10/278)، ((تفسير الشوكاني)) (3/280)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460).
قال القرطبيُّ: (أيْ: كما آتَيْنا داودَ الزَّبورَ فلا تُنْكِروا أنْ يُؤْتَى مُحَمَّدٌ القرآنَ. وهو في مُحاجَّةِ اليَهودِ). ((تفسير القرطبي)) (10/278)].
قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
فبعد أن أبطلَ أن يكونَ مع اللهِ آلهةٌ ببُرهانِ العَقلِ، عاد إلى إبطالِ إلهيَّتِهم المزعومةِ ببُرهانِ الحِسِّ، وهو مُشاهَدةُ أنَّها لا تُغني عنهم كَشفَ الضُّرِّ؛ فأصلُ ارتباطِ الكلامِ هكذا: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: 55] أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ… [الإسراء: 57] الآية. فبمُناسبةِ الثَّناءِ عليهم بابتهالِهم إلى ربِّهم ذكَرَ ضِدَّ ذلك مِن دُعاءِ المُشرِكين آلهتَهم، وقَدَّم ذلك على الكلامِ الذي أثارَ المُناسَبةَ؛ اهتمامًا بإبطالِ فِعلِهم؛ ليكونَ إبطالُه كالغَرَضِ المقصودِ، ويكونَ ذِكرُ مُقابِلِه كالاستدلالِ على ذلك الغَرَضِ. [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/136-137)].
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56)}.
أي: قُلْ – يا مُحَمَّدُ – للمُشرِكينَ: ادعُوا الذينَ زَعَمتُم أنَّهم آلهةٌ مِن دُونِ اللهِ عندَ حُلولِ الشَّدائِدِ بكم، فانظُروا هل يَقدِرونَ على أن يُزيلُوا الضُّرَّ عنكم بالكُلِّيَّةِ، أو يُحَوِّلوه مِن حالٍ إلى حالٍ، فيُغيِّروا صفتَه أو قدرَه، أو يُحَوِّلوه إلى غَيرِكم [وممَّن فسَّر قولَه تعالى: تَحْوِيلًا: بأنَّه تحويلُ الضرِّ مِن شخصٍ إلى آخرَ: ابنُ جرير، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/626)، ((تفسير ابن كثير)) (5/88).
وممَّن فسَّره بأنَّه تحويلُ حالِ الشخصِ إلى حالٍ أُخرَى، كتحويلِ المرضِ إلى الصحَّةِ، والفقرِ إلى الغنَى: القرطبي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/279).
وممن جمَع بينَ المعنيينِ السابقينِ: ابنُ تيميةَ، والشنقيطي.
قال ابنُ تيميَّةَ: (بَيَّنَ أنَّهم لا يَملِكونَ كَشْفَ الضُّرِّ عن الدَّاعِينَ ولا تَحويلَه؛ لا يَرفَعونَه بالكُلِّيَّةِ، ولا يُحَوِّلونَه مِن مَوضعٍ إلى موضعٍ، أو مِن حالٍ إلى حالٍ، كتَغييرِ صِفتِه أو قَدْرِه؛ ولهذا قال: وَلَا تَحْوِيلًا فذُكِرَ نَكِرةً تَعُمُّ أنواعَ التَّحويلِ). ((مجموع الفتاوى)) (15/226).
وقال الشنقيطي: (وَلَا تَحْوِيلًا، أي: تحويلَه من إنسانٍ إلى آخرَ، أو تحويلَ المرضِ إلى الصحَّةِ، والفَقرِ إلى الغنى، والقحطِ إلى الجدبِ، ونحو ذلك). انتهى
فإنَّهم لا يَقدِرونَ على ذلك، وإنَّما يَقدِرُ عليه اللهُ وَحدَه، فإذا كانوا بهذه الصِّفةِ فلأيِّ شَيءٍ تَدعونَهم مِن دُونِ اللهِ؟! [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/626)، ((تفسير ابن عطية)) (3/465)، ((تفسير ابن كثير)) (5/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/139)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/162)].
كما قال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} [الزمر: 38].
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ}.
أي: أولئك الذين يَزعُمُ المُشرِكونَ أنَّهم آلِهةٌ مِن دُونِ اللهِ، مِن المَلائِكةِ والأنبياءِ، والصَّالحينَ مِن الإنسِ والجِنِّ، هم أنفُسُهم يَطلُبُونَ التقَرُّبَ إلى اللهِ بطاعَتِه مِن الواجِباتِ والمُستَحَبَّاتِ، ويَدْعونَه ويَستَعيذونَ به وَحْدَه؛ فلماذا يَعبُدُهم المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ؟!
[يُنظر: ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 528، 529)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (2/312)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 203)، ((تفسير ابن كثير)) (5/88، 89)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461). قال ابنُ عطيةَ: (والضَّميرُ في رَبِّهِمُ للمتَّبَعينَ أو للجَميعِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/465-466)].
وسبق حديث ابن مسعود في اسلام الجن مع استمرار عبادة الإنس لهم
وقوله تعالى: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}.
أي: يَتنافَسونَ في عبادةِ اللهِ والاجتهادِ في طاعتِه مُنافَسةَ مَن يَطلُبُ أن يكونَ إليه أقرَبَ مِن الآخَرينَ.
وقوله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}.
أي: ويَرجُونَ بعِبادتِهم اللهَ رَحمَتَه، فيَبذُلونَ ما يَقدِرونَ عليه مِن الأعمالِ الصَّالحةِ المُقَرِّبةِ إلى اللهِ تعالى وإلى رَحمتِه، ويخافونَ عَذابَه، فيَجتَنِبونَ كُلَّ ما يُوصِلُ إلى عذابِه، فكيف يَعبُدُهم المُشرِكونَ، وتلك هي حالُهم؟! [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/627)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (35/369)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461).
قال ابنُ تيميَّةَ: (ورَحْمَتَهُ اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ خَيرٍ. وَعَذَابَهُ اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ شَرٍّ. ودارُ الرَّحمةِ الخالِصةِ هي الجنَّةُ، ودارُ العذابِ الخالِصِ هي النَّارُ، وأمَّا الدُّنيا فدارُ امتزاجٍ). ((مجموع الفتاوى)) (10/62)]
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 49 – 50].
وقال سُبحانَه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90] .
ثم علَّل خوفَهم بأمرٍ عامٍّ، فقال تعالى [يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/451)]:
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}.
أي: إنَّ عذابَ ربِّك -يا مُحمَّدُ- كان مُتَّقًى مَخُوفًا، لا أمانَ لأحدٍ منه؛ فمُلازَمةُ الحَذَرِ مِن الوُقوعِ في أسبابِه تنبغي لكُلِّ أحَدٍ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ونَبيٍّ مُرسَلٍ، فضلًا عن غَيرِهم. [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/627)، ((تفسير القرطبي)) (10/280)، ((تفسير ابن كثير)) (5/89)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/451)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461)].
كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج: 27-28].
(المطلب الخامس): الفوائد التربوية:
1- قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وعلامةُ المحبَّةِ ما ذكَرَه اللهُ: أن يجتَهِدَ العَبدُ في كُلِّ عَملٍ يقَرِّبُه إلى الله، ويُنافِسَ في قُربِه بإخلاصِ الأعمالِ كُلِّها لله، والنُّصحِ فيها وإيقاعِها على أكمَلِ الوجوهِ المقدورِ عليها، فمَن زعَمَ أنَّه يحِبُّ اللهَ بغيرِ ذلك فهو كاذِبٌ [يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/128)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461)].
2- الحُبُّ والخَوفُ والرَّجاءُ: هذه الثَّلاثةُ هي التي تَبعَثُ على عِمَارةِ الوَقتِ بما هو الأَوْلى لصاحِبِه والأنفَعُ له، وهي أساسُ السُّلوكِ والسَّيرِ إلى اللهِ، وقد جَمَعَ اللهُ سُبحانَه الثَّلاثةَ في قَولِه تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}، فابتغاءُ الوَسيلةِ هو مَحَبَّتُه الدَّاعيةُ إلى التقَرُّبِ إليه، ثمَّ ذكَرَ بَعدَها الرَّجاءَ والخَوفَ، وهذه الثَّلاثةُ هي قُطبُ رَحَى العُبوديَّةِ، وعليها دارَتْ رَحَى الأعمالِ، وهي الأصلُ والمادةُ في كلِّ خيرٍ، فمَن تمَّت له تمَّت له أمورُه، وإذا خلا القلبُ منها ترحَّلت عنه الخيراتُ، وأحاطَتْ به الشرورُ، قال بَعضُ السَّلَفِ: (مَن عَبَدَ اللهَ تعالى بالحُبِّ وَحْدَه فهو زِنديقٌ، ومَن عَبَدَه بالخَوفِ وَحْدَه فهو حَرُوريٌّ، ومَن عبَدَه بالرَّجاءِ وَحْدَه فهو مُرْجئٌ، ومَن عبَدَه بالحُبِّ والخَوفِ والرَّجاءِ فهو مُؤمِنٌ) [يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/128)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461)].
3- قَولُ اللهِ تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} لا تَتِمُّ العِبادةُ إلَّا بالخَوفِ والرَّجاءِ؛ فبالخَوفِ يَنكَفُّ عن المناهي، وبالرَّجاءِ يَنبَعِثُ على الطَّاعاتِ. [يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/89)].
4- قال الله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}، قال سَهلُ بنُ عبدِ اللهِ: (الرَّجاءُ والخَوفُ مِيزانانِ على الإنسانِ، فإذا استوَيَا استقامَت أحوالُه، وإن رجَحَ أحَدُهما بطَلَ الآخَرُ). [يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/280)].
(المطلب السادس): الفوائد العلمية واللطائف:
– قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} فذِكْرُ المقاماتِ الثَّلاثةِ: الحُبُّ -وهو ابتِغاءُ القُربِ إليه، والتوسُّلُ إليه بالأعمالِ الصَّالحةِ-، والرَّجاءُ والخَوفُ؛ يدُلُّ على أنَّ ابتغاءَ الوَسيلةِ أمرٌ زائِدٌ على رجاءِ الرَّحمةِ وخَوفِ العَذابِ، ومِن المعلومِ قَطعًا أنَّك لا تتنافَسُ إلَّا في قُربِ من تحِبُّ قُربَه، وحُبُّ قُربِه تَبَعٌ لمحبَّةِ ذاتِه، بل محبَّةُ ذاتِه أوجبت محبَّةَ القُربِ منه.
وعند الجهميَّةِ والمُعطِّلة: ما من ذلك كُلِّه شَيءٌ! فإنَّه عندهم لا تَقرُبُ ذاتُه مِن شَيءٍ، ولا يَقرُبُ مِن ذاتِه شيءٌ، ولا يُحَبُّ لِذاتِه، ولا يحِبُّ! فأنكروا حياةَ القلوبِ، ونعيمَ الأرواحِ، وبَهجةَ النُّفوسِ، وقُرَّةَ العيونِ، وأعلى نعيمِ الدُّنيا والآخرةِ؛ ولذلك ضُرِبَت قلوبُهم بالقَسوةِ، وضُرِبَت دونَهم ودونَ الله حُجُبٌ على معرفتِه ومحبَّتِه، فلا يَعرِفونَه ولا يحبُّونَه، ولا يذكرونَه إلَّا عند تعطيلِ أسمائِه وصفاتِه! [يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/23)].
(المطلب السابع): بلاغة الآيات:
– قولُه: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} ذُكِرَ خوفُ العذابِ بعدَ رجاءِ الرَّحمةِ؛ للإشارةِ إلى أنَّهم في موقفِ الأدبِ مع ربِّهم، فلا يَزيدُهم القُربُ من رِضاهُ إلَّا إجلالًا له، وخوفًا من غضَبِه. وهو تَعريضٌ بالمُشركين الَّذين رَكِبوا رُؤوسَهم، وتوغَّلوا في الغُرورِ، فزَعموا أنَّ شُركاءَهم شُفعاؤُهم عند اللهِ. [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/140)].
– وجُملةُ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} تَذييلٌ. [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/141)]. [موسوعة التفسير، بتصرف].
(المسألة الثانية): الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء
(المطلب الأول): الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء.
فالمأمور به شرعا أن يَجْمَعَ العبد ما بين خوفه من الله عز وجل وما بين رجائه في الله عز وجل، والخوف عبادة والرجاء عبادة.
– والخوف المحمود: هو الذي يَحْمِلُ على طاعة الله عز وجل بِفِعْلِ أمْرِهِ وتركِ المحرمات، هذا هو الخوف المحمود، وهو المذكور هنا في قوله (نَخَافُ عَلَيْهِمْ) .
– والخوف المذموم: هو الذي يَصِلُ إلى القنوط من رحمة الله عز وجل ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .
وتفصيل ذلك
أ- أولًا: الخوف:
الخوف من الله عز وجل عبادة مستقلة تحمل على:
١ – فعل الأمر واجتناب النهي.
٢ – عدم رؤية العمل الصالح -يعني رؤية أثره-، وكذلك على عدم رؤية العمل السيئ في أنه مُوْقِعٌ صاحبه وأنه مُهْلِكٌ له.
والله عز وجل مَدَحَ عباده الذين يخافونه في كتابه في مواضع كثيرة، كقول الله عز وجل في وصف الملائكة ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠]، وأمر الله عز وجل بالخوف في قوله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال عز وجل ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، وذَكَرَ خاصَّةَ عباده من المرسلين بالخوف فقال سبحانه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] .
فَأَصْلُ الخوف من الله عز وجل عبادة عظيمة لا تستقيم العبادة إلا بها ولا يستقيم الإيمان إلا بالخوف.
فمن لم يكن عنده خوف أصلًا من الله عز وجل فليس بمؤمن لأنَّهُ يكونُ آمنًا، والأمن ينقل عن ملة الإسلام، يعني الأمن التام بعدم وجود الخوف أصلًا من الله عز وجل.
ب – ثانيًا: الرجاء:
والرجاء: أمل يحدو الإنسان في أن يتحقق له ما يريد.
قال طائفة من العلماء : إنَّ الرجاء لا يكون إلا باجتماع أشياء:
– الأول: المحبة لما رجاه، وهو يرجو أن يدخل الجنة فلابد أن يُحِبْ أن يدخل الجنة.
– الثاني: الخوف وهو أن يخاف مما يقطع عليه أمله، يخاف من الذنوب، يخاف من الكفر، يخاف من النفاق أن يقطع عليه أمله في دخول الجنة.
– الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة التي تكون سببًا فيما رجا، فمن تَرَكَ تقديم الأسباب وفعل الأسباب فلا يكون راجيًا.
قالوا: والفرق ما بين الرجاء والأماني:
أنَّ الرجاء يكون معه خوف وعمل، والأماني إنما هي طمع ليس معها خوف ولا سعي في الأسباب.
والمطلوب شرعًا من العبد المؤمن فيما يراه في نفسه ولإخوانه المؤمنين أن يكون راجيًا، وليس بذي أماني، قال الله عز وجل ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] .
و الطحاوي يقرر على الأصل الشرعي وهو أنَّ العبد ينظر إلى نفسه في عبادته وفي أثر عبادته إلى أنه يجمع ما بين الخوف والرجاء، وكذلك في نظره إلى إخوانه المؤمنين.
(المطلب الثاني): اختلف العلماء في الخوف والرجاء هل يجب تساويهما أم يُرَجَّحُ أحدهما على الآخر على أقوال:
١- القول الأول: أن يُغلَّبَ جانب الخوف مطلقًا.
٢- والقول الثاني: أن يُغلَّبَ جانب الرجاء مطلقًا.
٣- والقول الثالث: أن يستوي عند العبد الخوف والرجاء.
٤- والقول الرابع: التفصيل، ومعنى التفصيل أنّ الخوف قد يُغَلَّبُ في حال، وقد يُغلَّبْ الرجاء في حال، وقد يُطْلَبُ تساويهما في حال.
فَيُغَلَّبْ الخوف على الرجاء في حال أكثر المؤمنين؛ لأنَّ أكثر أهل الإيمان عندهم ذنوب فيُغَلِّبُونَ حال الخوف في حال الصحة والسلامة؛ لأنهم لا يخلون من ذنب والخوف يحملهم على ملازمة الطاعة وعلى ترك الذنب.
والرجاء يُغَلَّبُ في حال المرض لقوله ﷺ «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» [المسند (١٤٥٢١)] عز وجل وللحديث أيضا الآخر الذي رواه البخاري وغيره «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» [البخاري (٧٤٠٥) / مسلم (٦٩٨١)]، فدل هذا على أنَّ رجاء العبد مطلوب وإذا كان في حال المرض المَخُوفْ أو في أي مرضٍ كان فيه فإنه يُغَلِّب جانب الرجاء على الخوف.
وفي حال يستوي فيه الرجاء والخوف، وهو في حال التَّعَبُّدْ، إذا أراد العبادة ودخل في العبادة، فإنه يخاف الله عز وجل ويرجو ربه عز وجل، يخاف العقاب ويرجو الثواب.
*وهذا القول الأخير هو الصحيح وهو الذي عليه أهل التحقيق.
ومن قال من أهل العلم أنَّهُ يُغَلِّبْ جانب الخوف مطلقا نَظَرَ إلى أنَّ حال أكثر المنتسبين حالهم على ذنب وعلى قصور فتغليب جانب الخوف في حقهم يَرُدُّهُمْ إلى الحق.
ومن قال يُغَلِّبْ جانب الرجاء دائما عمم قوله ﷺ «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» .
ومن قال بالاستواء دائما نظر إلى قول الله عز وجل ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وكذلك قوله عز وجل ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] .
والتفصيل هو الصحيح لأن الأحوال تختلف باختلاف المقامات والناس. [شرح العقيدة الطحاوية – صالح آل الشيخ، (370 – 371)].
قال ابن باز -رحمه الله- في مجموع الفتاوى:
يجب على المؤمن دائمًا، وهكذا المؤمنة أن يسير إلى الله في أعماله وأقواله، بين الخوف والرجاء، وحسن الظن بالله عزوجل لأن الله -جل وعلا- أمر عباده بأن يحسنوا به الظن، وبأن يخافوه، ويرجوه، فقال -جل وعلا-: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] وقال سبحانه: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110]، وقال: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40].
فالمؤمن مأمور برجاء ربه، وخوفه سبحانه، فيخافه، ويرجوه، قال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر:49] وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:50] قال سبحانه: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:3] والمعنى حث الناس على الخوف والرجاء، فلا يقنط، ولا يأمن، ولكن يرجو الله، ويخافه، ويجتهد في العمل الصالح، وترك ما حرم الله عليه، ويحسن ظنه بربه، وأنه سبحانه يوفي بما وعد، وهو الكامل، وهو الكريم الجواد، فمن أدى ما عليه؛ فالله -جل وعلا- سيوفي له بما وعده من الخير، أما إن قصر، ولم يقم بالواجب؛ فلا يلومن إلا نفسه، وقد صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني وقال -عليه الصلاة و السلام-: لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن ظنه بالله.
ولا يستقيم له هذا إلا إذا أحسن الفعل، إذا أحسن العمل، إذا اتقى ربه، وجاهد نفسه، وحذر محارمه؛ فإن هذا هو الذي يستطيع أن يحسن ظنه بربه، أما من ساءت أعماله، وساءت أقواله فكيف يستطيع أن يحسن ظنه بربه، وقد بارزه بالمحاربة، وتعدى حدوده، وترك أوامره، وارتكب نواهيه، هذا تحسين الظن بربه في هذه الحال، غرور، وخداع من الشيطان، فمن ساء فعله؛ ساء ظنه.
فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يراقب الله سبحانه، وأن يجتهد في طاعته، وترك معصيته، وأن يحسن الظن به سبحانه لكونهما قاما بما يجب، وتركا ما نهى الله عنه، نعم.