1466 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي و محمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة،
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ
٥٣ – (١٤٦٦) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ».
٥٤ – (٧١٥) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ: فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ».
——
قال الأتيوبي رحمه الله في شرحه لصحيح الإمام مسلم في المرأة ذات الدين:
أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في عواقب الأمور، ومستقبلها، لا في عاجلها، فإن الزوجة الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وتقوم بتربية أولاده، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة، بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل كثيرًا ما يكون ذلك لها غرورًا، يرديها، ويُردي من تعلّق بها.
البحر المحيط الثجاج في شرح الإمام مسلم ٢٥ /٧٩٤-٨٠٤
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنه (قَالَ:»تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) وفي «النسائيّ»: «النساء»، وهو فعلٌ ونائب فاعله. قال النوويّ رحمه الله: الصحيح في معنى الحديث أنه ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدِّين، لا أنه أمر بذلك. انتهى (١).
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع، هي المرغّبة في نكاح المرأة، وهي التي يَقْصِدها الرجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال، أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهمّ، ولذلك قال: «فاظفر بذات الدين، تربت يمينك».
قال: ولا يُظنّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع، والمساواة فيها هي الكفاءة، فإن ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمتُ، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما هي؟. انتهى (٢).
(لِـ) أجل (أَرْبَعٍ) وفي رواية: «لأربعة»، ولكلٍّ وجهٌ، وذلك أن تقدير الأول: لأربع خصال، وتقدير الثاني: لأربعة أمور، وقوله: (لِمَالِهَا) إلخ بدل من «لأربع» (وَلحَسَبِهَا) بفتح المهملتين، ثم موحّدة: أي شَرَفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيُحكم لمن زاد عدده على غيره، وقيل: المراد بالحسب هنا الفَعَال الحسنة، وقيل: المال، وهو مردود لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه، وقد وقع في مُرْسَل يحيى بن جَعْدةَ، عند سعيد بن منصور: «على دينها، ومالها، وعلى حسبها، ونسبها»، وذِكْرُ النسب على هذا تأكيدٌ، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يُستحبّ له أن يتزوّج نسيبةً، إلا إذا تعارض نسيبةٌ غيرُ ديّنة، وغيرُ نسيبة ديّنة، فتُقدّم ذات الدين، وهكذا في كلّ الصفات.
قال الحافظ: وأما قول بعض الشافعيّة: يُستحبّ أن لا تكون المرأة ذات قرابة قريبة، فإن كان مستندًا إلى الخبر فلا أصل له، أو إلى التجربة، وهو أن الغالب أن الولد بين القريبين يكون أحمق، فهو متّجه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التجربة غير صحيحة، فقد وُلد الحسن، والحسين رضي الله عنهما من فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وهي بنت عم عليّ رضي الله عنهما، فأين الْحُمْقُ؟ وَقِسْ غيرهما عليهما، والغريب نقل الحافظ له، وتقريره عليه، والله المستعان.
قال: وأما ما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث بريدةَ رضي الله عنه رفعه: «أن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال»، فيَحْتَمِل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رضي الله عنه رفعه: «الحسب المال، والكرم التقوى»، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه هو، والحاكم.
وبهذا الحديث تمسك من اعتبر الكفاءة بالمال (١)، قال: أو أن من شأن أهل الدنيا رفع من كان كثير المال، ولو كان وضيعًا، ووضع من كان مُقِلًّا ولو كان رفيع النسب، كما هو موجود مشاهد، فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة بالمال (٢)، لا على الثاني؛ لكونه سيق في الإنكار على مَن يفعل ذلك.
وقد أخرج مسلم الحديث (٣) من طريق عطاء، عن جابر رضي الله عنه، وليس فيه ذكر الحسب، اقتَصَر على الدين، والمال، والجمال. انتهى (٤).
(وَلجَمَالِهَا) قال في «الفتح»: يؤخذ منه استحباب تزويج الجميلة، إلا إن تعارض الجميلة غير الديّنة، وغير الجميلة الديّنة، نعم لو تساوتا في الدين، فالجميلة أولى، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخذ استحباب تزويج الجميلة من هذا الحديث محلّ نظر؛ إذ الصحيح أن الحدث خبر عن واقع الناس الجاري بينهم فيما يتعلّق بشأن النكاح، لا أنه أمر بذلك، حتى يُستفاد منه ما ذُكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَلدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) وفي بعض النسخ: «فاطلب ذات الدين»، أي اطلبها حتى تفوز بها، وتكون محصّلًا بها غاية المطلوب، وفي حديث جابر رضي الله عنه: «فعليك بذات الدين».
قال في «الفتح»: والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كلّ شيء، لا سيّما فيما تطول صحبته، فأمره النبيّ ﷺ بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية.
وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند ابن ماجه، رفعه: «لا تَزَوَّجوا النساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يُرديهنّ – أي يهلكهن – ولا تَزَوّجوهنّ لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تُطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدين، ولأمة خَرماء سوداء ذات دين أفضل» (٢). انتهى (٣).
(تَرِبَتْ يَدَاكَ«) من باب تَعِبَ: أي افتقرتا، كأنهما لصقتا بالتراب، وقال في»الفتح«: أي لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به حقيقته، وبهذا جزم صاحب»العمدة«، زاد غيره أنّ صدور ذلك من النبيّ ﷺ في حقّ مسلم لا يُستجاب؛ لشرطه ذلك على ربّه.
وحكى ابن العربيّ أن معناه: استغنت، ورُدّ بأن المعروف أترب إذا استغنى، وتَرِب إذا افتقر، ووجّه بأن الغنى الناشئ عن المال تراب؛ لأن جميع ما في الدنيا تُراب، ولا يخفى بُعْده.
وقيل: معناه ضَعُف عقلك، وقيل: افتقرت من العلم، وقيل: فيه تقدير شرط: أي وقع لك ذلك إن لم تفعل، ورجّحه ابن العربيّ، وقيل: معنى افتقرت خابت.
وصحّفه بعضهم، فقال: بالثاء المثلّثة، ووجّهه بأن معنى ثَرَبَتْ: تفرّقت، وهو مثل حديث: «نُهي عن الصلاة إذا صارت الشمس كالأثارب». وهو جمع ثُرُوب، وأَثْرُب، مثل فُلُوس، وأفلُس، وهي جمع ثَرْب – بفتح أوّله، وسكون الراء – وهو الشحم الرقيق المتفرّق الذي يَغشَى الكرش. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ – (منها): بيان استحباب نكاح ذوات الدين.
٢ – (ومنها): الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كل شيء؛ لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركات أنفاسهم، وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم، قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨].
وفي «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه: أن النبيّ ﷺ قال: «إنما مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يَحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيّبة، ونافخ الكير إما أن يَحرِق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة».
٣ – (ومنها): أن النسائيّ رحمه الله استنبط منه كراهية تزويج الزُّناة، ووجه الاستدلال به أن فيه الأمر بنكاح ذات الدين، والأمر بالشيء نَهْيٌ عن ضدّه، والزانية من أشرّ الأضداد لذات الدين، فيكون نكاحها منهيًّا عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٤ – (ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يستدلّ بالكثرة على كون الشيء صوابًا، فيتأسّى بأكثر الناس، ففي هذا الحديث أشار النبيّ ﷺ إلى أن ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجيّة، وأن صنفًا واحدًا هو المصيب.
وقد نبّه الله عز وجل على ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦].
٥ – (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في عواقب الأمور، ومستقبلها، لا في عاجلها، فإن الزوجة الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وتقوم بتربية أولاده، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة، بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل كثيرًا ما يكون ذلك لها غرورًا، يرديها، ويُردي من تعلّق بها.
٦ – (ومنها): أنه لا يَحْرُم على الشخص أن يرغب في نكاح ذات الحسب، والجمال، والمال، وإنما يعاب عليه إهمال أهمّ الصفات، وهو الدين.
٧ – (ومنها): أن الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذمّ، والتقبيح مما جاء على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، لا يوقع في الإثم، إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما استعملها على ما جرت به العادة، مثل: «تربت يداك»، و«ثكلتك أمك»، و«ويل أمه»، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.
٨ – (ومنها): أنّ المهلّب قال: في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له، وإلا فله من ذلك ما بذل لها من الصداق.
وتُعُقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر مقصود نكاح المرأة لأجل ما لها في استمتاع الزوج، بل قد يُقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولدٌ، فيعود إليه ذلك المال بطريق الإرث، إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء، ونحو ذلك.
قال الحافظ: وأعجب منه استدلال بعض المالكيّة به على أن للرجل أن يحجُر على امرأته في مالها، قال: لأنه إنما تزوّج لأجل المال، فليس لها تفويته عليه، ولا يخفى وجه الرّدّ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢٥/٧٩٤-٨٠٤
ملحقات :
١ – يخبر النبي ﷺ أنَّ الذي يدعو الرِّجال إلى اختيار المرأة زوجةً هو أحد أربعة أمور:
(أ) فبعض الرجال يريد في المرأة الحَسَب، والشرف الباقي لها، ولآبائها، فالحسب هو الأفعال الجميلة للرجل ولآبائه.
(ب) وبعض الرجال يرغب في المال والشراء، فنظرته مادِّيةٌ بحتة.
(ج) وبعض الرجال يطلب الجمال، ويهيم في الحسن الظاهري، ولا ينظر إلى ما سواه.
(د) وبعض الرجال يبحث عن الدين والتقى، فهو مقصده ومراده، وهذه الصفة الأخيرة هي التي حثَّ عليها النبي ﷺ بقوله: «فاظفر بذات الدِّين تربت بداك» كلمة يؤتى بها للحث على الشيء، والأخذ به، وعدم التفريط فيه، واللائق بذوي المروءة، وأرباب الصلاح، أن يكون الدِّين هو مطمح
نظرهم فيما يأتون ويذرون، لاسيَّما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذلك اختاره النبي ﷺ بآكد وجهٍ وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار
٢ – وفي الحديث ما يدل على استحباب صحبة الأخيار، ومجالستهم، للاقتباس من فضلهم، وحسن القدوة بهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، والابتعاد عن الشر وأهله.
٣ – قال النووي: معناه أنَّ الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنتَ على ذات الدِّين، واظفر بها، واحرص على صحبتها.
٤ – قال الرافعي في الأماني: *يرغب في النكاح لفوائد دينية ودنيوية، ومن الدواعي القوية إليه الجمال، وقد نهى عن تزوج المرأة الحسناء، وليس المراد النَّهي عن رعاية الجمال على الإطلاق، ألا ترى أنه قد أمر بنظر المخطوبة، ولكن النَّهي محمولٌ على ما إذا كان القصد مجرَّد الحسن، واكتفى به عن سائر الخصال*.
٥ – ومن الدواعي الغالبة المال، وهو غادٍ ورائحٌ، فلا يوثق بدوام الألفة، لاسيَّما إذا قلَّ، وقد قيل: عظَّمك عند استغلالك، واستقلَّك عند إقلالك.
٦ – وأما إذا كان الداعي الدين، فهو الحبْل المتين، الذي لا ينفصم، فكان عقْده أدوم، وعاقبته أحمد.
٧ – جاء في معنى الحديث ما أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تنكحوا النساء لحسنهنَّ، فلعله يرديهن، ولا لمالهنَّ فلعلَّه يطغيهن، وانكحوهن للدِّين، ولأمةٌ سوداء خرقاء ذات دين أفضل».
قال ابن كثير: فيه الإفريقي ضعيف، ولكن قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، والإفريقي الذي في إسناده ثقة، وقد أخطأ من ضعَّفه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
فهذه المقارنة يقصد بها فضل صاحب الدين والخلق.
٨ – في الحديث أنَّ الإنسان لا ينبغي له أن يكون الناس هم قدوته، ولا أن تكون أعمالهم هي المرغوبة عنده، فالنبي ﷺ ذكَر في هذا الحديث أنَّ ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجة، وأنَّ صنفًا واحدًا هو المصيب.
٩ – *وفيه أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في أموره لمستَقْبلها، وألاَّ تكون النظرة الحاضرة العاجلة هي هدفه، فإنَّ الزوجة الصالحة في دينها هي التي تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح الأمين.*
١٠ – *فيه أنَّ الرجل لا يحرم عليه إذا كان من رغبته في الزوجة الحسب والجمال والمال مع الدين، وإنما يعاب عليه إن أهمل أهم صفات الزوجة، وهي الدين.*
١١ – النبي ﷺ أخبر بما يفعله النَّاس في العادة، فإنَّهم يقصدون هذه الخصال الأربع، ويؤخرون «ذات الدين» فأمر ﷺ أن يقدَّم ما يؤخرون فقال: فاظفر أنت أيُّها المسترشد بذات الدين، وفُزْ بها.
روي أنَّ رجلًا جاء إلا الحسن البصري، وقال له: إنَّ لي بنتًا أحبها، وقد خطبها الكثير، فمن تشير عليَّ أن أزوجها له؟ قال: زوِّجها رجلًا يخاف الله، فإنه إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
١٢ – في الحديث أنَّ الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذم والتقبيح، مما هو جارٍ على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، أنه لا إثم على قائلها إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما ساقها كما يسوقها الناس مثل: «تربت يداك»، و«ثكلتك أمك»، ومثل: «ويل أمه مِسعر حرب» ونحو ذلك.
توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥/٢٣٤ — عبد الله البسام
——
قال عبد العظيم آبادي – رحمه الله -: والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمحَ نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحصيل صاحبة الدِّين الذي هو غاية البغية .
(تربت يداك) يقال: ترب الرجل، أي: افتقر، كأنه قال: “تلصق بالتراب”، ولا يُراد به ها هنا الدعاء، بل الحث على الجد، والتشمير في طلب المأمور به . ” عون المعبود “(6 / 31)
——
من هي ذات الدين؟
* حسن الاعتقاد، وهذه الصفة على رأس قائمة الصفات، فمن كانت من أهل السنَّة والجماعة فإنها تكون حققت أعلى وأغلى صفة في ذوات الدين، ومن كانت من أهل البدع والضلال فإنها ليست من ذوات الدِّين اللاتي رُغِّب المسلم بالتزوج منهنَّ؛ لما لهنَّ من أثرٍ سيئ على الزوج أو على أولاده، أو على كليهما .
. طاعة الزوج، وعدم مخالفته إذا أمر بالحق .عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ . رواه النسائي (3131 )، وصححه الألباني في “صحيح النسائي”. فجمع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث صفات عظيمة في الزوجة الصالحة الخيِّرة، وهي: أولها: إذا نظر إليها سرَّته بدِينها، وبأخلاقها، وبمعاملتها، وبمظهرها . وثانيها: إذا غاب عنها حفظته في عرضها، وحفظته في ماله . وثالثها: إذا أمرها أطاعته، ما لم يأمرها بمعصية.
* إعانة الزوج على إيمانه ودينه، تأمره بالطاعات، وتمنعه من المحرَّمات. عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ. رواه الترمذي (3094 ) وحسَّنه، وفي آخره: وَتُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ، وابن ماجه(1856 ) – واللفظ له -، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
قال المباركفوري – رحمه الله -: وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه أي: على دينه، بأن تذكره الصلاة، والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات .” تحفة الأحوذي “(8 / 390 ) .
* أن تكون امرأةً صالحة، ومن صفات الصالحات: أن تكون مطيعة لربها، وقائمة بحق زوجها في ماله، وفي نفسها، ولو في حال غيبة الزوج . قال تعالى: فَالصَّالِحَاتُ: قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ النساء/34 .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ أي: مطيعات لله تعالى . حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ أي: مطيعات لأزواجهن، حتى في الغيب تحفظ بعلها بنفسها، وماله، وذلك بحفظ الله لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه .” تفسير السعدي “(ص 177 ).
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:أَرْبَعٌ مِنَ اَلسعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ ألوَاسِعُ، وَاَلجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ اَلهَنِيءُ، وَأَرْبَع مِنَ اَلشًقَاوَةِ: اَلْجَارُ السُّوءُ، والمرأة اَلسُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ اَلضيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ. رواه ابن حبان في ” صحيحه “(1232 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة “(282 )، و” صحيح الترغيب “(1914 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة، وهي متاعه الذي قال فيها رسول الله: الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة المؤمنة، إن نظرت إليها أعجبتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك . وهي التي أمر بها النبي في قوله لما سأله المهاجرون أي المال نتخذ فقال: لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، أو امرأة صالحةً تعين أحدكم على إيمانه رواه الترمذي، من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان . ويكون منها من المودة والرحمة ما امتنَّ الله تعالى بها في كتابه، فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانا وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق الأوطان، خصوصا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه، أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم .” مجموع الفتاوى “(35 / 299 ) .
* حسن الأدب والعلم .عَنْ أبي موسَى الأَشْعرِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ . رواه البخاري(97 ) ومسلم(154 ) .
قال المباركفوري – رحمه الله -: (فأدَّبها ): أي: علَّمها الخصال الحميدة: مما يتعلق بأدب الخدمة ; إذ الأدب هو: حسن الأحوال من القيام والتعود , وحسن الأخلاق . (فأحسن أدبها ) وفي رواية الشيخين: ” فأحسن تأديبها ” و ” إحسان تأديبها ” هو: الاستعمال علمها الرفق واللطف، وزاد في رواية الشيخين: ” وعلمها فأحسن تعليمها ” . ” تحفة الأحوذي “(4 / 218 ) .
* القيام بالطاعات، والعفة عن المحرَّمات .وهذا من معاني(ذات الدِّين ) الواردة في الحديث الصحيح الذي سقناه في أول الجواب . قال الخطيب الشربيني الشافعي – رحمه الله -: والمراد بالدِّين: الطاعات، والأعمال الصالحات، والعفَّة عن المحرمات . ” مغني المحتاج “(3 / 127 ) .
بل إن المرأة التي تجمع بين طاعة ربها بفعل ما أمر به من الواجبات، وترك ما نهى عنه من المحرمات، وطاعة زوجها: بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بكرامة عالية عند دخول الجنة. ففي الحديث: إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ رواه أحمد(1664) وغيره، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب، وكذا الأرناؤوط في تخريج المسند .
* العابدة والصائمة .قال تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً التحريم/5 .
قال البغوي – رحمه الله -: أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ خاضعات لله بالطاعة. مُؤْمِنَاتٍ مصدقات بتوحيد الله . قَانِتَاتٍ طائعات، وقيل: داعيات، وقيل: مصليات . سَائِحَاتٍ صائمات، وقال زيد بن أسلم: مهاجرات، وقيل: يسحن معه حيث ما ساح .” تفسير البغوي “(8 / 168 ).
——
فتاوى :
ينبغي أولا أن نوضح أن الشريعة الإسلامية إنما حثت على طلب الزوجة الصالحة ذات الدين، وكذلك الزوج الصالح صاحب الدين المستقيم ، فالدين هو المقصد الأول والرئيس ، وغيره من الصفات كالجمال والمال والحسب والنسب إنما هي تابعة ، ليست مذمومة في نفسها ، ولا هي مقصودة بالأساس ، ولكنها صفات تكميلية إذا وجدت فهي الغنيمة الكاملة ، وإذا لم توجد فالدين معيار كل خير .
يدل على ذلك ما جاء في السنة من الثناء على بعض هذه الصفات في الزوجة ، ومنه ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُّ النِّسَاءِ خَيرٌ ؟ قال : التِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِليهَا ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَر ، وَلا تُخَالِفُهُ فِي نَفسِهَا وَلا فِي مَالِهِ بِمَا يَكرَهُ )
رواه أحمد (2/251) وحسنه الألباني في “السلسلة الصحيحة” (1838)
وكذلك الشأن بالنسبة للزوج ، فالأصل طلب الزواج من الصالح التقي الذي جاء وصفه في الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ترضون دينه وخلقه )، فإن صاحَبَ ذلك جمال ومال وحسب فذلك مِن نعم الله تعالى ، فقد عد النبي صلى الله عليه وسلم إضاعة الرجل ماله وعدم قدرته على الإنفاق على زوجته سببا في العدول عن الزواج به ، وذلك في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أنها قالت : ( لَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ – تعني للنبي صلى الله عليه وسلم – أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ) رواه مسلم (1480)
يقول العلامة السعدي رحمه الله :
” فإن حصل مع الدين غيرُه فذاك ، وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة ” انتهى.
” بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار ” (ص/120)
إذا تبين ما سبق عرفنا الجواب عما ذُكِر ، وعرفنا أن المال والحسب والجمال من الأمور المرغوبة في الزوجين عند عامة الناس ، مؤمنهم وكافرهم ، والرغبة بها مركوزة في طبائع البشر وعادات الناس ، والشريعة لا تعارض ذلك ، وإنما لم يأت التنبيه عليها لأن الناس ـ بطبيعتهم ـ منتبهون إلى ذلك ويطلبون ، حتى إنهم ليبالغون فيه ، ويهملون غيره من المهمات ؛ فجاءت الشريعة بالتأكيد على ما يغفل الناس عنه ، أو يهملونه ، مع أن هذا هو المقصود الأعظم من الصفات في ميزان الشرع ، وهذا ـ أيضا ـ هو الذي يميز مسلك المؤمن الصالح من مسلك غيره من الناس .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور :
( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )
رواه البخاري (5090) ومسلم (1466)
وقال النووي رحمه الله :
” ومعنى ذلك : أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع ، فاحرص أنت على ذات الدين واظفر بها ، واحرص على صحبتها ” انتهى.
” رياض الصالحين ” (ص/454)
ويقول الشيخ سليمان بن منصور العجيلي الجمل – من فقهاء الشافعية – :
” وبعضهم استدل بهذا الحديث على استحباب كونها جميلة ، واعترضه الزركشي بأن الاستدلال بذلك على كونها جميلة عجيب ؛ لأن هذا بيان لما هو عادة الناس ، ولا أمر فيه بنكاح الجميلة ، وهو اعتراض واضح ، كما لا أمر فيه بنكاح ذات المال والجمال والحسب ” انتهى.
” فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل ” (4/118)
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الصفات مرغب بها شرعا ، وأنه يستحب للخاطب تطلبها في مخطوبته ، لكن بشرط أن يكون الدين هو الأساس ـ أيضا ـ وألا تعارضه غيره من الصفات المذكورة ؛ فإن حصل تعارض قدم الدين حتما.
قال ابن حجر رحمه الله :
” ويؤخذ منه – أي من هذا الحديث – أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة ، إلا إن تعارض : نسيبة غير دينة ، وغير نسيبة دينة ، فتقدم ذات الدين ، وهكذا في كل الصفات .
قوله : ( وجمالها ) يؤخذ منه استحباب تزوج الجميلة ، إلا إن تعارض : الجميلة الغير دينة ، والغير جميلة الديِّنَة ، نعم لو تساوتا في الدين فالجميلة أولى ، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات ، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق .
قوله : ( فاظفر بذات الدين ) في حديث جابر : ( فعليك بذات الدين ) والمعنى : أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء ، لا سيما فيما تطول صحبته ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية ، وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو عند ابن ماجة رفعه [ وفيه ضعف ] : ( لا تزوجوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهن أن يرديهن – أي يهلكهن – ، ولا تزوجوهن لأموالهن : فعسى أموالهن أن تطغيهن ، ولكن تزوجوهن على الدين ، ولأمة سوداء ذات دين أفضل ) ” انتهى باختصار.
” فتح الباري ” (9/135-136) .
وقد استدلت كثير من كتب الشافعية بهذا الحديث على استحباب التزوج من الجميلة .
وجاء في ” شرح منتهى الإرادات ” (2/623) – من كتب الحنابلة – : ” ويسن أيضا تخير الجميلة للخبر – يعني الحديث السابق – ” انتهى.
والأمر في ذلك واسع إن شاء الله ، ما دام المقصود الرئيس في الزوجين متفقا عليه وهو الدين ، وما دامت الصفات الدنيوية الأخرى غير مذمومة بل ممدوحة .
أما عدم ذكر الصفات المقصودة من الرجال في الزواج كما ذكرت صفات النساء ، فليس ذلك بسبب التفريق بينهما ، بل لأن الرجل في العادة هو الذي يبحث عن الزوجة ويطلب فيها ما يختاره من الصفات ، والمرأة إنما تفكر في صفات من يتقدم لها ، فكان الأنسب أن يوجه الخطاب في حديث ( تنكح المرأة لأربع ) على ما يجري به الغالب من عوائد الناس ، وليس على القليل النادر .
ثم إن الغالب في خطاب الشريعة أنه موجه للرجال ، وقد قرر الأصوليون أن خطاب الرجال يشمل النساء إلا بقرينة صارفة ، وإلا فليس من اللازم ورود نص في كل حكم شرعي للرجال ، وآخر للنساء . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) .
رواه الترمذي (113) وغيره ، وصححه الألباني في صحيح الجامع .
——
هل يأثم الشاب إن وجد ذات الدين فرغب عنها
جاء في فتح الباري: قوله: فاظفر بذات الدين ـ في حديث جابر: فعليك بذات الدين ـ والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء لا سيما فيما تطول صحبته, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية. اهـ.
ولكن الزواج منها لا يلزم شرعا, فإن لم يرغب الشاب في الزواج منها لم يلحقه إثم في ذلك، ولو أنه تزوجها بنية إعفافها وإعفاف نفسه فإنه يؤجر على ذلك ـ بإذن الله تعالى ـ ولا حرج على الإنسان أن يطلب في المرأة أمرا من أمور الدنيا كالجمال، أو المال، أو النسب ونحوها, وقد جاء في السنة ما يدل على مشروعية ذلك، فقد حثت السنة على نكاح البكر ونكاح الولود, وفي صحيح مسلم ـ أيضا: أن فاطمة بنت قيس طلقت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا حللت فآذنيني, قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه, وأما معاوية فصعلوك لا مال له, أنكحي أسامة بن زيد.
فعلل صلى الله عليه وسلم رفضه لمعاوية بأنه لا مال له, وعلل رفضه لأبي جهم بأنه شديد الطباع كثير الضرب للنساء, فكل هذه أمور زائدة على الدين, ولا مانع من اعتبارها والنظر إليها بشرط أن لا تكون هي الأساس، بل متممة ومكملة، والزواج من الخير, فمهما أمكن المسلم المبادرة إليه فليفعل، وإذا أحسن النية فيه فسيعينه الله عليه، ومجرد كونه طالبا لا ينبغي أن يكون مانعا له عن الإقدام على الزواج, فقد يجد من النساء والأولياء من يرضى بالقليل, ويسر مؤنة الزواج من أسباب بركته
—-
وليحذر الإِنْسَان من خضراء الدَّمنْ ففي الْحَدِيث الَّذِي رواه الدارقطني في الأفراد والعسكري في الأمثال: «إياكم وخضراء الدَّمنْ» . قَالُوا: وما خضراء الدَّمنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «المرأة الجميلة من المنبت السُّوء» . قال ابن الجوزي: ينبغي للعاقل أن ينظر في الأصول فيمن يخالطه ويعاشره ويشاركه ويصادقه ويزوجه أو يتزوج إليه ثُمَّ ينظر بعد ذَلِكَ في الصور.
قال: أما الأصول فإن الشَيْء يرجع إلى أصله وبعيد ممن لا أصل له أن
يكون فيه معني حسن فإن المرأة الحسناء إذا كانَتْ من بيت رديء فَقَلَّ أن تَكُون أمينة وَكَذَا أيضًا المخالط والصديق والمباضع والمعاشر وَإِيَّاكَ أن تخالط إِلا من له أصل يخاف عَلَيْهِ الدنس فالغالب السلامة وإن وقع خلاف ذَلِكَ كَانَ نادرًا. أ. هـ.
وَقَالَ ابن القيم:
… يَا مُطْلِقَ الطَّرْفِ الْمُعَذَّبِ بالأَولَى
جُرِّدْنَ عَنْ حُسْنٍ وَعَنْ إِحْسَانِ
لا تَسْبِيَنَّكَ صُورَةُ مَنْ تَحْتَهَا الدَّ
اءُ الدَّفِينُ تَبُوءُ بِالْخُسْرَانِ
قَبُحَتْ خَلائِقُهَا وَقُبِّحَ فِعْلُهَا
شَيْطَانَةٌ فِي صُورَةِ الإنْسَانِ
تَنْقَادُ لِلأَنْذَالِ وَالأَذَالِ هُمْ
أَكْفَاؤُهَا مِنْ دُونِ ذِي الإِحْسَانِ
مَا ثَمَّ مِنْ دِينٍ وَلا عَقْلٍ وَلا
خُلُقٍ وَلا خَوْفٍ مِنْ الرَّحْمَنِ
وَجَمَالُهَا زُورٌ وَمَصْنُوعٌ فَإِنْ
تَرَكَتْهُ لَمْ تَطْمَحْ لَهَا قَطُّ يَدَانِ
إِنْ قَصَّرَ السَّاعِي عَلَيْهَا سَاعَةً
قَالَتْ وَهَلْ أَوْلَيْتَ مِنْ إِحْسَانِ
أَوْ رَامَ تَقْوِيمًا لَهَا اسْتَعْصَتْ وَلَمْ
تَقْبَلْ سِوَى التَّعْوِيجِ وَالنُّقْصَانِ … >؟
.. أَفْكَارُهَا فِي الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ الَّذِي
قَدْ حَارَ فِيهِ فِكْرَةُ الإِنْسَانِ
فَجَمَالُهَا قِشْرٌ رَقِيقٌ تَحْتَهُ
مَا شِئْتَ مِنْ عَيْبٍ وَمِنْ نُقْصَانِ
نَقْدٌ رَدِيءٌ فَوْقَهُ مِنْ فِضَّةٍ
شَيْءٌ يَظُنُّ بِهِ مِنَ الأَثْمَانِ
فَالنَّاقِدُونَ يَرَوْنَ مَاذَا تَحْتَهُ
وَالنَّاسُ أَكْثَرُهُمْ مِنْ الْعُمْيَانِ
أَمَّا جَمِيلاتُ الْوُجُوهِ فَخَائِنَا
تٌ بُعُولَهُنَّ وَهُنَّ لِلأَخْدَانِ
وَالْحَافِظَاتُ الْغَيْبِ مِنْهُنَّ الَّتِي
قَدْ أَصْبَحَتْ فَرْدًا مِنْ النِّسْوَانِ … >؟
موارد الظمآن لدروس الزمان
تنبيه 1 : حديث إياكم وخضراء الدَّمنْ لا يصح
تنبيه 2 : سنن ابن ماجه ط الأرناؤوط ١٨٥٩ – حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِي وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ الْإِفْرِيقِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ ، وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ، فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» .
……….
إسناده ضعيف لضعف الإفريقي، وهو عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، أبو كُريب: هو محمَّد بن العلاء الهمْداني، وعبد الرحمن المُحاربي: هو ابن محمَّد، وعبد الله بن يزيد، هو أبو عبد الرحمن الحُبُلي.
وأخرجه سعيد بن منصور (٥٠٥)، وابن أبي عمر العدني في «مسنده» كما في «مصباح الزجاجة» ورقة ١٢٠، وعبد بن حميد (٣٢٨)، والبزار في «مسنده» (٢٤٣٨)، والبيهقي ٧/ ٨٠ من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، به.
قوله: خرماء، من الخَرم، وأصله الثقب والشقّ، والأخرم المثقوب الأذن والذي قُطِعت وَتَرة أنفه أو طرَفُه شيئًا لا يبلغ الجدع، والأنثى خرماء، قاله في «النهاية».