642 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي ومحمد سيفي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ العَجْمَاءَ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
642 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، وَجَابِرٍ.: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
[حكم الألباني] : صحيح
قال البخاري:
باب الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا لا يُضَمِّنُونَ مِنَ النَّفْحَةِ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلا أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ، وَقَالَ شُرَيْحٌ لا تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا. وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: إِذَا سَاقَ الْمُكَارِى حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَتَخِرُّ لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ: إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْبَعَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلا لَمْ يَضْمَنْ.
—–
قال ابن بطال:
وإنما جعلت هدرًا إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا راكب. قال ابن المنذر: وأجمع العلماء أنه ليس على صاحب الدابة المنفلتة ضمان فيما أصابت.
وما ذكره البخارى عن حماد وشريح والشعبى أنهم كانوا لا يضمنون النفحة إلا أن ينخس الدابة فعليه أكثر العلماء….
واختلفوا من هذا الباب فيما تفسده البهائم إذا انفلتت فى الليل والنهار، فقال مالك والشافعى: ما أفسدته المواشى إذا انفلتت بالنهار فليس على أهلها منه شىء إلا أن يكون صاحبها معها ويقدر على منعها، وما أفسدته بالليل فضمانه على أرباب المواشى. وقال الكوفيون: لا ضمان على أرباب البهائم فيما تفسده لا فى ليل ولا فى النهار إذا كانت منفلتة، إلا أن يكون راكبًا أو قائدًا أو سائقًا. وقال الليث: يضمن بالليل والنهار. واحتج الكوفيون بقوله صلى الله عليه وسلم : (جرح العجماء جبار) ، وقالوا: لم يفرق بين جنايتها بالليل والنهار. وحجة القول الأول: حديث مالك، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعيد: (أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت زرعًا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أرباب الثمار حفظها بالنهار، وعلى أرباب المواشى حفظها بالليل وعليهم ضمان ما أفسدت بالليل) وهذا نص فى أن ما أفسدت بالنهار لا ضمان عليهم فيه.
قال ابن القصار: … وهذا القول أولى بالصواب لوجوب الجمع بين حديث العجماء جبار وحديث ناقة البراء، وليس أحدهما أولى بالاستعمال من الآخر.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 8/ 560]
قال القاضي عياض:…
ولا خلاف بين العلماء فى جنايات البهائم نهاراً أنها هدر؛ إذا لم يكن لها سائق ولا راكب. واختلفوا إذا كان معها أحدهما …
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/ 552]
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي (ومنها): أن من حفر بئرًا في ملكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتلفط إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه (ومنها): أن من استخرج معدنًا من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه (ومنها): أن من وجد ركازًا وجب عليه أداء خمسه، ثم الباقي له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): …
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور حديث الباب في الدلالة عليه.
وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان الفعل منسوبًا إليه، بأن حملها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو ذلك، فأما إذا أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَارًا بنصّ الشارع.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع، وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلًا أو نهارًا، وهو قول الحنفيّة، والظاهريّة.
وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا، وأما بالليل، فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت….
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملاً بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنه مرسل، إلا أنه اعتضد بتلقّي الناس له بالقبول -كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- فتقوّى بذلك، ألا ترى أن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب “العجماء جرحها جبار”.
والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يضمنون، وإذا أفسدت بالنهار لا يضمنون، لحديث البراء رضي الله عنه المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 22/ 240]
——
ومن أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام
الحديث الرابع
164- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله قال: “العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس”.
الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، و العجماء: الدابة البهيم.
- قوله: (وفي الركاز الخمس)، الركاز المال المدفون.
- قال البخاري: باب في الركاب الخمس.
وقال مالك، وابن إدريس الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيرة الخمس وليس المعدن بركاز.
وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: في المعدن جبار وفي الركاز الخمس.
وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة.
وقال الحسن ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس وما كان من أرض السلم ففيه الزكاة وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها- قال المبارك- لعله عرفها لان كانت من العدو ففيها الخمس.
وقال بعض الناس: المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية لأنه يقال أركز المعدن إذا خرج منه شيء قيل له قد يقال لمن وهب له شيء، أو ربح ربحا كثيرا، أو كثر ثمره أركزت ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس[9]وذكر الحديث.
- قال الحافظ: (روى البيهقي في المعرفة من طريق الربيع قال: قال الشافعي: والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد)[10].
- قال الحافظ: (والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أن المعدن يحتاج إلي عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز، وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤنته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت زيد فيه، وقيل إنما جعل في الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم.
- وقال أيضاً: ذهب الجمهور إلا أن الركاز هو المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة وإذا وجده في أرض مملوكة فإن كان المالك الذي وجده فهو له وإن كان غيره فإن ادعاه المالك فهو له وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيي تلك الأرض، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقا أو في أكثر الصور فهو أقرب إلي الحديث وخصه الشافعي أيضا بالذهب والفضة وقال الجمهور لا يختص واختاره ابن المنذر، واختلفوا في مصرفه فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور مصرفه مصرف خمس الفيء وهو اختيار المزني وقال الشافعي في أصح قوليه مصرفه مصرف الزكاة وعن أحمد روايتان، وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي فعند الجمهور يخرج منه الخمس وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول بل يجب إخراج الخمس في الحال)[11] انتهى.
وروي أبو عبيد بإسناده: (عن الشعبي، أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجا من المدينة، فأتي بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين، إلى أن أفضل منها فضلة فقال عمر: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال له عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك. وروي الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن بشر الخثعمي، عن رجل من قومه يقال له: ابن حممة، قال: سقطت علي جرة من دير قديم بالكوفة، عند جبانة بشر، فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي – رضي الله عنه- فقال: اقسمها خمسة أخماس.
فقسمتها، فأخذ علي منها خمسًا، وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم.
قال: فخذها فاقسمها بينهم)[12].
زكاة المعادن والركاز
المعادن: هي المواضع التي تُستَخرج فيها جواهرُ الأرض؛ كالذهب، والفِضة، والنُّحاس، وغير ذلك، واحدها معدن[1].
- والحنابلة يرون أنه لا فرقَ بين ما ينطبعُ وما لا ينطبع من المعادِن، فكلُّ ما يخرُجُ وله قيمةٌ الواجبُ فيه الزَّكاة.
ورأي الحنابلة هو الراجح؛ لأن المعادِن الجارية – كالنفط والقار والكِبريت – أصبحت الآن لها قيمةٌ واستعمالاتٌ دخَلت في كلِّ الصناعات، فالواجب إخراج الزكاة فيها.
وقد استدل الحنابلة على ذلك:
أ- بقوله – تعالى -: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 267].
ب- ولأنه معدِن؛ فتعلَّقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان.
ج- أنه مالٌ لو غنِمه وجَب عليه خُمُسه، فإذا أخرجه من معدِن، وجَبت فيه الزَّكاة كالذهب[6].
مقدار الواجب في المعدِن:
أمَّا قدر الواجب في المعدِن، فاختلفوا فيه.
- يرى الحنفية أن الواجب فيه الخُمُس، وأربعةُ أخماسِه للواجد، وعلَّة ذلك أنه أخذه بقوَّة نفسه، كما أنه بمنزلة الغَنيمة، وفي الغَنيمة يجب الخمس[7].
- وعند المالكية: المعدِن على ضربين:
ضرب يتكلَّف فيه مؤنة عمل، فهذا لا يجب فيه الزكاة.
وضرب لا يتكلَّف فيه مؤنة عمل، فهذا اختلف قول مالكٍ فيه، فقال مرة: فيه الزكاة؛ أي: ربع العشر[8]، وقال مرة: فيه الخُمُس[9].
- وقال الشافعي: يجب فيه رُبُع العشر، وفي قول: نصف العشر[10]، والمشهور والمُفتَى به في المذهب الشافعي رُبُع العشر.
- قال أحمد: الواجب فيه رُبُع العشر؛ قياسًا على قدر الزَّكاة في النقدين[11].
وهناك رأي آخر مشهور في مذهب مالك: أن ما يخرج من باطنِ الأرض، سواء أكان فلزَّات أم سوائل، يكون كلُّه ملكًا لبيت مال المسلمين.
فالمناجم والبترول السائل في باطن الأرض ملك الدولة، وقد علَّل ذلك بأن مصلحة المسلمين أن تكون هذه الأموال لمجموعِهم لا لآحادهم؛ لأن هذه المعادن قد يجدُها شرار الناس، فإن تُرِكت لهم أفسدوها، وقد يُؤدِّي التزاحُمُ عليها إلى التقاتل وسفك الدماء، فجُعِلت تحت سلطان ولي الأمر النائب على المسلمين، يُنفِق غلاتها في مصالحهم[12].
والبعض يرى أن يكون هناك نظرٌ إلى الجهد المبذول والنفقات والمؤنة في استخراج المعادِن بالنسبة لقدر الخارج منه، فإن كان الخارج كثيرًا بالنسبة إلى العمل والتكاليف، فالواجب هو الخُمُس، وإن كان قليلاً بالنسبة إليهما، فالواجب ربع العشر.
والذي دعاهم إلى ذلك هو التوفيق بين الأحاديث التي تُفِيد أن في الذهب والفضة رُبُعَ العشر وهما معدِنانِ، والأحاديث التي تُفِيد أن في المعدِن الخُمُس[13]، وهو ما إليه أميل؛ لأن الواجب يزدادُ بقلَّة المؤنة، وينقُصُ بكثرتها [14]، كما يأتي معنا في زكاة الزُّروع والثِّمار.
——
الخلاصة
إذا كان عليه علامات الإسلام يكون لقطة، نص العلماء أنه إذا وجد كنزًا عليه علامات الإسلام فهذا ليس بركاز، لأن الركاز ما وجد من دفن الجاهلية، فالذي بعد الإسلام حكمه حكم اللقطة، يعرف سنة، وتضبط صفاته، وبعد السنة إذا عرفه التعريف الشرعي يملكه، وإذا جاء طالبه يومًا من الدهر وعرف الصفات دفعه إليه، وإلا فهو له، لقول النبي ﷺ في اللقطة: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ثم استنفقها، وإذا جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه)، أو كما جاء في الحديث، فإذا كان فيه علامات أهل الإسلام فهو ليس بركاز، وإذا كان فيه علامات تدل على أن أهله كانوا مسلمين فهذا لقطة، وإن كان ليس عليه علامة من علامات الإسلام فهو ركاز من دفن الجاهلية، والركاز: هو ما وجد من دفن الجاهلية، ويخرج منه الخمس والباقي له.
——
الحِكمة من تقدير الخُمُس
قال النووي: (رتَّب الشَّرعُ مقدارَ الواجِبِ بحسَب المؤنة والتَّعَبِ في المال؛ فأعلاها وأقلُّها تعبًا الرِّكازُ، وفيه الخُمُس لعدم التَّعَب فيه، ويليه الزَّرع والتمر فإنْ سُقِي بماءِ السَّماء ونحوه ففيه العُشر، وإلَّا فنِصفُه، ويليه الذَّهَب والفضَّة والتِّجارة، وفيها رُبُع العُشر؛ لأنه يحتاج إلى العَمَلِ فيه جميعَ السَّنة، ويليه الماشِيَة فإنَّه يدخُلُها الأوقاصُ بخِلاف الأنواعِ السابقة). ((شرح النووي على مسلم)) (7/49)، وينظر: ((المجموع)) للنووي (6/91). وقال ابنُ تيميَّة: (وجعَل [أي الشَّرعُ] المالَ المأخوذَ على حسابِ التَّعَب فما وُجِدَ مِن أموالِ الجاهليَّة هو أقلُّه تعبًا؛ ففيه الخُمُس). ((مجموع الفتاوى)) (25/8). وقال ابنُ القيم رحمه الله: (لَمَّا كان الرِّكاز مالًا مجموعًا مُحصَّلًا، وكُلفةُ تحصيلِه أقَلُّ مِن غيره، ولم يحتجْ إلى أكثَرَ مِن استخراجِه، كان الواجبُ فيه ضِعْفَ ذلك، وهو الخُمُس) ((إعلام الموقعين)) (2/121). وقال أيضًا: (ثم إنَّه فاوَتَ بين مقاديرِ الواجِبِ بحسَبِ سَعيِ أربابِ الأموالِ في تحصيلِها، وسُهولة ذلك، ومشقَّته، فأوجب الخُمُسَ فيما صادفه الإنسانُ مجموعًا محصَّلًا من الأموال، وهو الرِّكاز. ولم يَعتبرْ له حولًا، بل أوجَبَ فيه الخُمُسَ متى ظفِر بهـ). ((زاد المعاد)) (2/6).
——
البترول والمعادن التي تتعلق بها مصالح الأمة ( من بعض البحوث ):
المبحث الثالث:
ملكية المعادن والركاز والبترول
(وما يترتب على ذلك من أحكام زكوية)
اختلفت كلمة الفقهاء ، فيما يتعلق بملك المعادن والركاز والبترول ، قديماً وحديثا ، مع الفارق الكبير بين حجم المعادن والركاز والبترول في القديم والحديث من حيث صلاحيتها للملكية الخاصة أو العامة . ولضبط هذا الاختلاف وتنزيله على موازين المقاصد الشرعية في الملك ، لا بد من مراعاة الاعتبارات التالية :
(1) أن المال مال اللّٰه ، والإنسان مستخلف فيه ، ليدبره وفق تعالم اللّٰه وأحكامه .
(2) إذا تعلقت بملك الأفراد والأشخاص، مصالح عامة راجحة، أو ضرورات معتبرة ، لولي الأمر مصادرة تلك الأملاك بعوض مناسب، كما هو الحال في المرافق العامة، والأملاك والحقوق العامة – على ما سيأتي بيانه.
(3) الأصل إعمال مبدأ الملكية الخاصة، ما لم تتعارض مع مصلحة عامة ، أو تعارضت مع مقصد أو غاية شرعية ، أو خالفت نصا شرعياً أو أفضى ستعمال الحق إلى “التعسّف “.
(4) إذا انطوت الملكية الخاصة على مخاطر ومضار تهدد الامن العام ، أو السلامة العامة أو نحو ذلك ، فيجب مصادرتها للصالح العام .
ويتضح مما تقدم أنّ المتعارف عليه عند الفقهاء بالحق العام ، أو الملك العام :
هو ذاته ما يعرف عندهم ب(حق اللّٰه) ولعل نسبة هذا النوع من الحقوق إلى اللّٰه ، لبيان عظمتها ، ومكانتها ، وحرمتها ، وأولويتها المطلقة بالقياس إلى الملكية الخاصة ؛ على أهميتها في الشريعة الإسلامية .
* وبناء على ذلك فإن ملكية المعادن ، والركاز ، والبترول ، الأصل فيها أن تكون خاصة إلا إذا قامت موجبات تقتضي جعلها في سياق الملكية العامة للدولة ؛ إما لخطرها ، وإما للضرورة او الحاجة العامة
فعند عدم وجود ذلك الموجب ، فإن كل من استخرج المعادن ، والركاز ، والنفط في صورته القديمة ، عليه أداء الواجب من الخمس ، أو ربع العشر ، ثم يمتلك الباقي ، ليتصرف فيه تصرف المالك .
أما إن كان المستخرّج من المعادن والركاز والبترول ، يشكل سلعة استراتيجية ، أو منتجا ينطوي على خطر عام ، فالأولى أن تؤول ملكيته إلى الدولة . وقد حُكى رأي مشهور في مذهب الإمام مالك في هذا الباب مؤدّاه : أن ما يخرج من باطن الأرض، سواء أكان فلزات أم سوائل يكون كله ملكا لبيت مال المسلمين ، فالمناجم ، والبترول السائل في باطن الأرض ملك للدولة . وقد غلل ذلك بأن مصلحة المسلمين أن تكون هذه الاموال لمجموعهم لا لاحادهم ، لان هذه المعادن والركاز ، قد يجدها شرار الناس ، فإن تركت لهم أفسدوا بها، وقد يؤدي التزاحم عليها إلى الاقتتال وسفك الدماء ، والتحاسد ، فالأولى جعلها تحت سلطان ولي الأمر ، ينفق غلاتها في مصالحهم (31) على أن يتولى إخراج ما عليها من تكاليف عند استخراجها عن طريق شركات استثمار مملوكة للدولة ، أو ضمن شراكات أو عقود ستخراج مع جهات مختصة أجنبية ؛ على نحو ما ذكرنا عند الكلام فيما يجب على المعادن والركاز والبترول .
ولا شك أن هذا القول للمالكية يمثل نظرة متقدمة في وضع الموارد الاقتصادية الحيوية، والتقنية الإستراتيجية ، في يد الدولة تحسبا لدواعي الانضباط ومقتضيات الأمن الاقتصادي والأمن القومي ، وهو الاتجاه الذي اختارته الدولة الحديثة بعد سلسلة من التجربة والخطأ .
ولاسيما بعد أن أصبح (البترول) في هذا العصر المادة الاولى المولدة للطاقة في العالم، وكذلك العديد من المعادن ، والصناعات الثقيلة ، والتقانة الخطيرة ، وطرق ستخدام الثروة المعدنية ، واستخراج ما في باطن الأرض لعمارتها وتنميتها وتحقيق منافع للإنسان ولا يتأتى ذلك إلى بتوسيع دائرة الأموال التي تجب فيها الزكاة ، وتوسيع تلك الدائرة يشمل بالضرورة المعادن ، والبترول وغيره من كنوز الأرض
ومعلوم أنه قد اكتشفت أنواع من المعادن لم تكن معروفة في السابق وهي ذات أثر في التقانة والصناعة والتمكين: كالفوسفات ، واليورانيوم ، ولا تزال الأرض حبلى لإخراج كنوزها وما خلق اللّٰه فيها من خير وفير .
ولعل مما يؤيد هذا ما رواه “أبو عبيد” عن ” أبيض بن حمّال المازني ” أنه ستقطع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم ، الملح الذي بمأرب ، فقطعه له ، قال : فلما ولى ، قيل : يا رسول اللّٰه ؛ أتدري ما قطعت له ؟ إنما أقطعته الماء – العِدّ . قال فرجعه منه والعِدّ : الماء الدائم الذي لا ينقطع ، وشبّه “الملح” بالماء والعِدّ ، لعدم انقطاعه ، وحصوله بغير كدّ وعناء ، ومثله ما العيون والآبار ، ارتجعه منه ، لان سنه رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم في الكلا ، والماء ، أن الناس جميعاً فيه شركاء ، فكره أن يجعله لرجل يحوزه دون الناس.