[1ج/ رقم (566)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك : طارق أبو تيسير، ومحمد البلوشي وأحمد بن علي وعبدالله المشجري ومحمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (566)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٤ ص ١٩٠): حَدَّثَنَا هَارُونُ -قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١): وَسَمِعْتُ أَنَا مِنْ هَارُونَ-، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّفَّةِ، فَوُضِعَ لَنَا طَعَامٌ فَأَكَلْنَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّيْنَا وَلَمْ نَتَوَضَّأْ».
هذا حديث صحيحٌ.
—-
حاشية “الصحيح المسند -تراث”:
(١) هو عبد الله بن الإمام أحمد.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، (١٧٧٠٥).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٣ – كتاب الطهارة، ٢٨ – أكل الطعام ليس ناقضا للوضوء، (٧٤٢).
وقال محققو السنن – ط: الرسالة – :
“إسناده صحيح. هارون: هو ابن معروف. وانظر ما سلف برقم (١٧٧٠٢)”. انتهى.
وفي المسند (١٧٧٠٢): “حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: «أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَدْخَلْنَا أَيْدِيَنَا فِي الْحَصَى، ثُمَّ قُمْنَا نُصَلِّي، وَلَمْ نَتَوَضَّأْ»”.
قال محققو المسند عنه: “إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير صحابيه.
وأخرجه عبد بن حميد (٤٨٧)، والطحاوي ٤/٢٣٢، وابن قانع ٢/٨٦ من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله”.
وراجع لالفاظه تحقيق سنن أبي داود 188 للالباني .
والثاني: شرح وبيان الحديث
( عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ)، قال السندي: عبد الله بن الحارث بن جزء، بجيم مفتوحة ثم زاي معجمة ساكنة ثم همزة، له صحبة، سكن مصر، ماتَ سنة ست وثمانين بعد أن عمي، وقيل غير ذلك، وهو آخر من مات بمصر من الصحابة.
(قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّفَّةِ، فَوُضِعَ لَنَا طَعَامٌ فَأَكَلْنَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّيْنَا وَلَمْ نَتَوَضَّأْ». فيه: حجة لمذهب الشافِعي، وأحمد، ومالك، وأهل الكُوفة، والأوزاعي في أهل الشام: أنه لا يتوضأ مما مسَّت النار. [«الاستذكار» ٢/ ١٥٠].
وبه قال أبُو بكر، وعمر، وعلي، وابن مَسْعود، وابن عَباس، وقالوا: هذا كان آخِر الأمرين مِن رسُول الله ﷺ”. قاله ابن رسلان رحمه الله. [شرح سنن أبي داود لابن رسلان، (2/ 232)].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
(المطلب الأول):
1) ما يجب له الوضوء:
يجب الوضوء لأمور ثلاثة:
1- الصلاة مطلقًا.
2- الطواف بالبيت.
3- مسُّ المصحف. [وفيه خلاف].
2) عدد الفقهاء نواقض الوضوء:
وهي في الجملة: خروج شيء من أحد السبيلين، وخروج نجس من غير السبيلين، وزوال العقل (السكر – الجنون – الإغماء)، والنوم، واللمس، ومس فرج الآدمي، والقهقهة في الصلاة، وأكل لحم الجزور، وغسل الميت، والردة، والشك في الحدث.
وقد اتفق الفقهاء على نقض الوضوء ببعضها واختلفوا في بعضها الآخر. [الموسوعة الكويتية].
وتعريف (نواقض الوضوء) لُغةً واصطلاحًا:
النواقِضُ لغة: جمعُ ناقضٍ، وهو اسمُ فاعلٍ مِن نَقَضَ الشيءَ، إذا أفسَدَه[((المطلع على ألفاظ المقنع)) لشمس الدين البعلي (ص: 38)، ((شرح حدود ابن عرفة)) (ص: 36)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/31)].
نواقِضُ الوضوءِ اصطلاحًا: مفسِداتُ الوُضوءِ، التي إذا طرَأَت عليه أفسَدَتْه. [((حاشية الدسوقي)) (1/114)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/54)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (1/268)].
ثالثًا: الأمور التي يستحب لها الوضوء:
وهي في الجملة: عند ذكر الله تعالى ودعائه، عند النوم، عند كل حدث، عند كل صلاة، من حمل الميت، من القيء، مما مست النار، للجنب إذا أراد الأكل، لمعاودة الجماع، للجنب إذا نام دون اغتسال. ( وبعضها لا يصح الحديث الوارد فيه )
(المسألة الثانية): الأكل مما مسته النار لا ينقض الوضوء:
(المطلب الأول): من المسائل المجمع عليها:
أكْل المتوضئ من شيء مسته النار لا ينقض الوضوء، وعليه الإجماع. [وليس من مسألتنا الوضوء من لحم الإبل، ففيها الخلاف المعروف، وله أدلة خاصة].
(المطلب الثاني): من نقل الإجماع:
– الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: «والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين ومن بعدهم، مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ رأوا ترك الوضوء مما مست النار» [سنن الترمذي (١/ ٩٤)، مع “العارضة”].
– عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ) حيث يقول عن اختلاف الأحاديث في المسألة: «اختلف الأول والآخر من هذه الأحاديث، فلم يقف على الناسخ منها ببيان يحكم به، فأخذنا بإجماع الخلفاء الراشدين، والأعلام من الصحابة رضي الله عنهم في الرخصة في ترك الوضوء، مع أحاديث الرخصة». [لم أجد له كتابًا هو مظنةً لهذا الكلام]. نقله عنه النووي [المجموع، (٢/ ٦٨)].
– ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول بعد ذكر الخلاف في المسألة: «ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصة» [الأوسط، (١/ ٢٢٤)].
– ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: «وأجمعوا على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار» [الإفصاح، (١/ ٤٢)].
– الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: «وأما تغميض الميت، وغسله، وحمل الجنازة، وأكل ما مسته النار، والكلام الفاحش، فليس شيء من ذلك حدثًا عند عامة العلماء» [بدائع الصنائع، (١/ ٣٢)].
– ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: «اختلف الصدر الأول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار؛ لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول اللَّه ﷺ، واتفق جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول على سقوطه؛ إذ صحح عندهم أنه عمل الخلفاء الأربعة. .». [«بداية المجتهد» (١/ ٧٠)].
– ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: «وما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه، سواء مسته النار، أو لم تمسه، هذا قول أكثر أهل العلم، رُوي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعامة الفقهاء، ولا نعلم اليوم فيه خلافًا» [«المغني» (١/ ٢٥٤)].
– النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول بعد أن ذكر خلافًا في المسألة: «ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول؛ ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار» [«شرح مسلم» (٤/ ٤٣)].
ونقله عنه ابن حجر [«فتح الباري» (١/ ٣١١)]، والشوكاني [«نيل الأوطار» (١/ ٢٦٢)].
– الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: «أما لحوم الغنم، فلا نقض بأكلها بالاتفاق، كذا قيل، ولكن حكى في “شرح السنة”، وجوب الوضوء مما مست النار» [«سبل السلام» (١/ ٩٩)].
– ونص قول الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اختَلَفَ أصحاب رسول الله ﷺ، ومَن بَعْدَهم في الوضوء مما مست النار:
فمِمَّن رُوِي عنه أنه توضأ أو أمر بالوضوء منه: عبد الله بن عمر، وأبو طلحة، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة [قال ابن حزام في حاشية فتح العلام: “هذه الآثار عن الصحابة أسندها -عدا أثر أبي هريرة- ابنُ المنذر في «الأوسط» (١/ ٢١٤) بأسانيد صحيحة، وأثر أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلم (٣٥١)”. انتهى]، وأبو عَزّة رجل يقال: إن له صحبة.
قال: وقد رُوي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز، وأبي مِجْلَز، وأبي قِلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن البصريّ، وأبي مَيْسَرة، والزهريّ.
قال: ومن حجة بعض من قال هذا القول الأخبار الثابتة عن نبيّ الله ﷺ أنه أمر بالوضوء منه.
قال: وممن رَوَى عن النبيّ ﷺ أنه أمره بالوضوء مما مست النار: زيد بن ثابت، وأبو طلحة، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو موسى الأشعريّ، وسهل بن الحنظلية، وسَلَمة بن وَقْش، وأم سلمة، وابن عمر، وعائشة، وأم حبيبة.
قال: وأسقطت طائفة الوضوء مما مست النار، فمِمَّن كان لا يرى الوضوء مما مست النار: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة الباهليّ، وأُبَيّ بن كعب. [قال ابن حزام في حاشية فتح العلام: “أسندها كلها ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٢١ – ٢٢٣)، وكلها ثابتة؛ إلا أثر علي، وأبي الدرداء رضي الله عنهما؛ ففي إسنادهما ضعف”. انتهى].
ثم أخرج بسنده عن أيوب السختيانيّ، أنه قال: إذا بلغك اختلاف عن أصحاب النبيّ ﷺ، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر، فشُدّ يدك به، فهو الحقّ، وهو السنة.
ثم أخرج عن يحيى بن آدم، كان يقول: ليس يُحتاج مع قول رسول الله ﷺ أيُّ قول آخر، وإنما كان يقال: عَمِلَ النبيُّ ﷺ، وأبو بكر، وعمر؛ لِيُعْلَم أن النبيّ ﷺ مات عليه.
قال: وهذا قول مالك بن أنس فيمن تَبِعَه من أهل المدينة، وسفيان الثوريّ، فيمن وافقه من أهل العراق، وبه قال الأوزاعيّ وأصحابه، وكذلك قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء، مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصّةً، وسيأتي ذكرُ اختلافهم فيه – إن شاء الله تعالى -.
قال: وقد احتَجَّ بعض من لا يرى الوضوء مما مست النار بأخبار ثابتة، عن رسول الله ﷺ على ذلك، ثم أخرج بأسانيده حديث: «أكل النبيّ ﷺ كتف شاة، ثم صلّى، ولم يتوضّأ».
ثم أخرج حديث جابر رضي الله عنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسّت النار»، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والنسائيّ.
قال: وقال بعضهم: والدليل على أن الرخصة هي الناسخة اتفاقُ الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في ترك الوضوء، وقد ثبت أن نبي الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، ولا يجوز أن يَسْقُط عنهم جميعًا علمُ ما يحتاجون إليه في الليل والنهار؛ إذ مما لا بد للناس منه الأكل والشرب، ولو كان الأكل حَدَثًا، ينقض الطهارة، ويوجب الوضوء، لم يَخْفَ ذلك عليهم، ولم يذهب معرفة ذلك عليهم، وغيرُ جائز أن يَجْهَلوا ذلك.
فإذا تطهر المرء، فهو على طهارته، إلا أن يَدُلَّ كتابٌ، أو سنةٌ لا معارضَ لها، أو إجماعٌ على أن طهارته قد انتقضت. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر رحمه الله [«الأوسط» ١/ ٢١٣ – ٢٢٥]، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
– وقال النوويّ رحمه الله: ذكر مسلم رحمه الله في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عقّبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار، فكأنه يشير إلى أن الأمر بالوضوء منسوخ، وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة، ثم يُعَقِّبونها بالناسخ، ثم ذكر اختلاف العلماء نحو ما تقدّم، وأدلّتهم، ثم قال: وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين:
[أحدهما]: أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار»، وهو حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة.
[والجواب الثاني]: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار. انتهى كلام النوويّ رحمه الله، وهو أيضًا نفيسٌ.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح كون الأمر بالوضوء مما مسّت النار منسوخًا بما سبق من الأدلّة؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج، (8/ 323)].
(المطلب الثالث): الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وأنس، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وعائشة [«شرح مسلم» (٤/ ٤٣)] رضي الله عنهم، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبو عبيد، وداود، وابن جرير [«الاستذكار» (١/ ١٧٧)]، والحنفية [«المبسوط» (١/ ٧٩)]، والشافعية [«المجموع» (٢/ ٦٦)]، والحنابلة [«الفروع» و«حاشيته» (١/ ١٨٦)، و«الإنصاف» (١/ ١٤٦)]، وابن حزم [«المحلى» (١/ ٢٢٥)]..
(المطلب الرابع ): الخلاف في المسألة:
روي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس رضي الله عنهم وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وأبي قلابة، وأبي مجلز، وغيرهم، أنهم قالوا: بإيجاب الوضوء مما غيرت النار.
[«المغني» (١/ ٢٥٥)، و«شرح مسلم» (٤/ ٤٣)، وانظر: «المصنف» (١/ ٦٨)].
ولم يجعل ابنُ حزم المسألةَ متفقًا عليها في المراتب، حيث استثناها من المسائل المتفق عليها، وإن كان لا يخالف المسألة، كما سبق الإشارة لذلك. [«مراتب الإجماع» (٤١)].
غير أني لم أجد من تابعهم من أهل المذاهب، ولا ممن بعدهم من أهل العلم.
واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعا: «توضؤوا مما مسته النار». [مسلم كتاب الطهارة، باب الوضوء مما مست النار، (ح ٣٥٢)، (١/ ٢٧٢)].
وهو إما منسوخ، أو أنه في غسل اليدين بعد الأكل. [«شرح مسلم» (٤/ ٤٣)].
(المطلب السادس): النتيجة:
أن الإجماع متحقق بعد عصر المخالفين الذين ذكرتهم؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعدهم، واللَّه تعالى أعلم، وهذا مبني على مسألة الإجماع على أحد القولين؛ هل يعتبر إجماع أو لا؟
وهي مسألة أصولية خلافية، وإن كان الأقرب أنه إجماع، ولكن ليس في حق من يرى أنه ليس بإجماع. [المسألة خلافية مشهورة، وناقشتها في التمهيد، وانظر: «المهذب في أصول الفقه» (٢/ ٩٢١)]،
وهذا يضعف حكم مسألتنا، ويجعلها في مرتبةٍ دون الإجماع الظني، واللَّه تعالى أعلم. [موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي – مجموعة من المؤلفين، رقم [٢٥ – ٢١٥]، (1/ – 379)، بتصرف وإضافة].
(المسألة الثالثة):
قال ابن المنذر رحمه الله في «الأوسط» (١/ ٢٢٥): وقال بعضهم: والدليل على أنَّ الرخصة هي الناسخة:
اتفاق الخلفاء الراشدين المهديين، أبو بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم، في ترك الوضوء، وقد ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» اهـ. [انظر: «شرح المهذب» (٢/ ٥٧ – ٥٨)، «الأوسط» (١/ ٢١٣ – ٢٢٥)، «المغني» (١/ ٢٥٥)].
(المسألة الرابعة): الحكمة في ذلك
فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب، وهذا مستحب لما في «السنن» عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»، وكذلك الشهوة الغالبة هي من الشيطان والنار، والوضوء يطفئها، فهو يطفئ حرارة الغضب، والوضوء من هذا مستحب.
وكذلك أمره بالوضوء مما مسته النار أمر استحباب؛ لأن ما مسته النار يخالط البدن، فليتوضأ فإن النار تطفأ بالماء،
وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ، بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء منه أعدل الأقوال، من قول من يوجبه، وقول من يراه منسوخا، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. [التعليق على رسالة حقيقة الصيام وكتاب الصيام من الفروع ومسائل مختارة منه – ابن عثيمين (ت ١٤٢١)، ص (30)].
(المسألة الخامسة): النصوص الورادة في باب ترك الوضوء مما مسته النار
– في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين ١/٥٧٤ — مقبل بن هادي الوادعي (ت ١٤٢٢)
بوب الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله باب – أكل الطعام ليس ناقضا للوضوء
٧٣٦ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٦ ص ١٦١): حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد العزيز بن رفيع عن عكرمة وابن أبي مليكة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمر بالقدر فيأخذ
العَرْقَ (١) فيصيب منه ثم يصلي ولم يتوضأ ولم يمس ماء.
هذا حديث صحيحٌ. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (ج ١ ص ٥٠) فقال رحمه الله: حدثنا حسين، عن زائدة … به.
٧٣٧، ٧٣٨ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٤ ص ٣٠): حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا عبد الله يعنى ابن المبارك، حدثنا موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد بن عقبة، عن أنس بن مالك، قال: كنت أنا وأُبي بن كعب وأبو طلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقال (٢): أتتوضأ من الطيبات؟ ! لم يتوضأ من هو خير منك.
هذا حديث حسنٌ.
(١) العرق، بفتح العين وسكون الراء: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم. اهـ «نهاية».
(٢) كذا في «المسند» (ج ٤ ص ٣٠)، وفي «المسند» (ج ٥ ص ١٢٩): فقالا، وهو المناسب للسياق.
وعبد الرحمن بن زيد بن عقبة ترجمته في «تعجيل المنفعة»، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.
٧٣٩ – قال الإمام النسائي رحمه الله (ج ١ ص ١٠٧): أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكل كتفًا فجاءه بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماءً.
هذا حديث صحيحٌ على شرط مسلم.
الحديث أخرجه ابن ماجه (ج ١ ص ١٦٥).
وأحمد (ج ٦ ص ٢٩٢) قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد … به.
٧٤٠ – قال أبو داود رحمه الله (ج ١ ص ٣٢٧): حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبزًا ولحمًا فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ.
هذا حديث صحيحٌ.
* وقد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله (ج ٣ ص ٣٢٢) فقال رحمه الله: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج ومحمد بن بكر (١) أخبرني ابن جريج أخبرني محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول:
(١) محمد بن بكر معطوف على عبد الرزاق، لأنه شيخ الإمام أحمد.
قرب لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبز ولحم … وذكر الحديث.
ولا يُعلُّ هذا الحديث بما جاء في «مسند أحمد» (ج ٣ ص ٣٠٧) أن سفيان بن عيينة قال: سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعت مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا، وظننته سمعه من ابن عَقِيلٍ. وابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. اهـ المراد من «المسند».
فإن محمد بن المنكدر قد صرح بالتحديث عن جابر، فيحمل على أنه سمعه من ابن عقيل ثم سمعه من جابر، أو سمعه من جابر ثم ثبته فيه ابن عقيل، والله أعلم.
٧٤١ – قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه (ج ١ ص ١٦٥): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكل كتف شاة فمضمض وغسل يديه وصلى.
هذا حديث حسنٌ على شرط مسلم.
٧٤٢ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٤ ص ١٩٠): حَدَّثَنَا هَارُونُ -قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١): وَسَمِعْتُ أَنَا مِنْ هَارُونَ-، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّفَّةِ، فَوُضِعَ لَنَا طَعَامٌ فَأَكَلْنَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّيْنَا وَلَمْ نَتَوَضَّأْ».
هذا حديث صحيحٌ.))))
- عن سُوَيد بن النعمان، أنه أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتَّى إذا كانوا بالصهباء – وهي من أدنى خيبر – نزل رسول الله ﷺ فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤتَ إلَّا بالسويق، فأمر به فثُرِّي، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلَّى ولم يتوضأ.
صحيح: رواه مالك في الطهارة (٢٠) عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار مولى بني حارثة، عن سُوَيد بن النعمان، فذكر الحديث.
ومن طريقه البخاري في الوضوء (٢٠٩).
قوله (ثُرِّي) بضم المثلثة وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها، أي: بُلَّ بالماء لما لحقه من اليبس.
- عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، وصلَّى ولم يتوضأ. متفق عليه
وفي مسند أحمد (٣٤٦٤) عن سليمان بن يسار، أخبر أنه سمع ابن عباس – ورآى أبا هريرة يتوضأ – فقال: أتدري مِمَّ أتوضأ؟ قال: لا، قال: أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، قال ابن عباس: ما أبالي مما توضأت، أشهد لرأيتُ رسول الله ﷺ أكل كَتِف شاة، ثم قام إلى الصلاة وما توضأ.
وكان سليمان حاضرًا ذلك منهما جميعًا. وإسناده صحيح أيضًا.
وفي مسلم:
[عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ] أنَّهُ وجَدَ أبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ علَى المَسْجِدِ، فَقالَ: إنَّما أتَوَضَّأُ مِن أثْوَارِ أقِطٍ أكَلْتُهَا لأَنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: تَوَضَّؤُوا ممَّا مَسَّتِ النَّارُ .
مسلم (٣٥٢)
لفظ البخاري:
عن عمرو بن أمية أنَّهُ رَأَى رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحْتَزُّ مِن كَتِفِ شَاةٍ في يَدِهِ، فَدُعِيَ إلى الصَّلَاةِ، فألْقَاهَا والسِّكِّينَ الَّتي كانَ يَحْتَزُّ بهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأْ.
البخاري (5462) وأخرجه مسلم (355)، والترمذي (1836)، وأحمد (17249) بنحوه.
- عن عمرو بن أمية الضمري أنَّه رأى رسول الله ﷺ يحتزّ من كَتِف شاةٍ، فدُعي إلى الصلاة، فألقي السكين، فصلى ولم يتوضأ.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٠٨) ومسلم في الحيض (٣٥٦)
- عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ أكل عندها كَتِفًا، ثم صلَّى ولم يتوضّأ.
متفق عليه: أخرجه البخاري (٢١٠) ومسلم في الحيض (٣٥٦)
- عن أبي رافع قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن شاة، ثم صلَّى ولم يتوضّأ.
صحيح: أخرجه مسلم في الحيض (٣٥٧) من طريق عمرو، حدَّثني سعيد بن أبي هِلال، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي غطفان، عن أبي رافع .. فذكره.
- عن جابر بن عبد الله يقول: قرّبتُ للنبي ﷺ خبزًا ولحما فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ.
حسن: رواه أبو داود (١٩١) .
- قال الترمذي (٨٠): حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان بن عيينة، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابرًا. قال سفيان: وحدَّثنا محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاةً فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف، فأتتْه بعلالةٍ من علالة الشاة فأكل، ثم صلَّى العصر ولم يتوضأ.
وفي مسند أحمد (١٤٢٩٩) يقول سفيان: سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته (مرة) يقول: أخبرني من سمع جابرًا، فظننتُه سمعه من ابن عقيل، ابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: أن النبي ﷺ أكل لحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وأن أبا بكر أكل لِبَأً، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وأن عمر أكل لحمًا، ثم صلَّى ولم يتوضأ.
وأخرجه ابن ماجه (٤٨٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر وعمرو بن دينار وعبد الله بن محمد بن عقيل، كلهم عن جابر، قال: أكل النبي ﷺ وأبو بكر وعمر خبزًا ولحمًا ولم يتوضأوا.
ففي هذا الإسناد أن سفيان سمعه من ثلاثة منهم ابن المنكدر، ثم شكّ في أن ابن المنكدر سمعه من جابر، والشك مردود بمقابل اليقين.
ورواه غير سفيان بن عيينة ولم يشكوا في سماع ابن المنكدر من جابر، كما مضى من رواية أبي داود من طريق ابن جريج، وفيه تصريح بالسماع منه.
قوله (العُلالة) بضم العين المهملة: البقية، أو ما يتعلل به شيئًا بعد شيء، والمراد هنا: بقية لحم الشاة.
وقوله (لِبَأ) بكسر اللام وفتح الباء – على وزن عِنَب: أول اللبن عند الولادة. وقال أبو زيد: وأكثر ما يكون ثلاث حلبات، وأقله حلبة. المصباح المنير”.
وقوله (القِناع): الطبق.
- عن جابر بن عبد الله قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غَيَّرتِ النار.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٢) والنسائي (١٨٥) من حديث علي بن عياش، ثنا شُعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وفي رواية النسائي: قال محمد بن المنكدر سمعت جابرًا.
قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأوَّل.
- عن المغيرة بن شعبة قال: ضِفتُ النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بِجَنْبٍ فشُوِي، وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقي الشفرة وقال: «ما له! تربت يداه!». وقام يُصلي.
زاد الأنباري: وكان شاربي وفَى فقصَّه لي على سواك. أو قال: «أقصُّه لك على سواك».
رواه أبو داود (١٨٨)
إسناده حسن رجاله ثقات عدا المغيرة بن عبد الله اليشكري وهو صدوق حسن الحديث، صدوق حسن الحديث، فقد روى عنه جمع، وروى له مسلم حديثا واحدا.
قال الدارقطني: يرويه مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة وحدث به شيخ لأهل خراسان عن الحسن بن قتيبة وهو ضعيف عن مسعر عن أبي إسحاق عن المغيرة بن عبد الله ووهم في قوله عن أبي إسحاق والصواب عن أبي صخرة
العلل الواردة في الأحاديث النبوية: (7/ 129)
والحديث على شرط المتمم على الذيل على الصحيح المسند. حيث المغيرة لم يوثقه إلا العجلي وابن حبان وابن خراش.
والذهبي تعقب ابن خراش في تضعيفه لبعض الثقات. وأنه رافضي ضال.
المهم هنا وافق العجلي وابن حبان في التوثيق. انتهى من تخريج سيف بن دورة واصحابه لسنن أبي داود
[الجامع الكامل في الحديث للأعظمي رحمه الله تعالى، (2/ 284 – 288)]. بحذف الأسانيد
– قال الألباني في الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب ٢/٨٣٤: (٢٣ – الكلام المباح أحيانا بحيث أن لا يجعل ذلك ديدنه لقول جابر ابن سمرة رضي الله عنه:
شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة [في المسجد] وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم)
الحديث أخرجه الترمذي والطيالسي وأحمد من طريق شريك عن سماك عنه. والسياق مع الزيادة لأحمد وقد قرن الطيالسي مع شريك قيس بن الربيع
فالإسناد حسن بل صحيح فقد قال الترمذي:
(هذا حديث حسن صحيح وقد رواه زهير عن سماك أيضا)
قلت: رواية زهير هذه عند مسلم وأحمد بمعناه
وتابعه عند مسلم أبو خيثمة ولفظه:
كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح والغداة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس قام وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم
وفي (الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه:
(مسألة في النوم في المسجد والكلام والمشي بالنعال في أماكن الصلاة هل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب: أما النوم أحيانا للمحتاج مثل الغريب والفقير الذي لا مسكن له فجائز وأما اتخاذه مبيتا ومقيلا فينهون عنه وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريما وكذلك المكروه ويكره فيه فضول المباح. وأما المشي بالنعال فجائز كما كان الصحابة يمشون بنعالهم في مسجد النبي ﷺ لكن ينبغي للرجل إذا أتى المسجد أن يفعل ما أمره به رسول الله ﷺ فينظر في نعله فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور. والله أعلم)
قلت: وأما الحديث المشهور على ألسنة الناس والمعلق على جدران كثير من المساجد: (الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو كما تأكل البهائم الحشيش) فقال الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء):
(لم أقف له على أصل). وقال الصغاني في (موضوعاته):
(ومن الأحاديث الموضوعة قولهم: (من تكلم بكلام الدنيا في المساجد أو في المسجد أحبط الله أعماله أربعين سنة) ومنها الأحاديث الموضوعة في فضيلة السراج والقناديل والحصير في المسجد لم يثبت منها شيء بل كانت الصحابة يتكلمون في بعض الأحايين في المسجد وينامون فيه أيضا لكن
بالأدب التام والحشمة والاحترام وكذا في المقابر وخلف الجنازة)
(٣٤ – الأكل والشرب أحيانا لحديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه قال:
كنا يوما عند رسول الله ﷺ في الصفة فوضع لنا طعام فأكلنا فأقيمت الصلاة فصلينا ولم نتوضأ. وفي رواية عنه قال:
كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم)
الحديث أخرجه أحمد وكذا ابنه عبد الله فقال: ثني أبي: ثنا هارون – قال أبو عبد الرحمن: وسمعت أنا من هارون – قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح قال: أخبرني عقبة بن مسلم عنه بالرواية الأولى
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير عقبة وهو ثقة
وأما الرواية الأخرى فأخرجها ابن ماجه فقال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب وحرملة بن يحيى قالا: ثنا عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث: ثني سليمان بن زياد الحضرمي: أنه سمع عبد الله بن الحارث به. قال في (الزوائد):
(إسناده حسن رجاله ثقات ويعقوب مختلف فيه)
قلت: وإنما تكلم فيه من قبل حفظه وروايته هذه متابع عليهامن قبل حرملة بن يحيى وهو ثقة فقد صح الحديث عن ابن وهب وبقية الرجال
فوقه كلهم ثقات (١) فالحديث صحيح الإسناد والاقتصار على تحسينه قصور
وقد تابعه ابن لهيعة عن سليمان بن زياد وقال مرة: عن خالد بن أبي عمران وسليمان بن زياد الحضرمي به نحوه
أخرجه أحمد
وابن لهيعة سيئ الحفظ فإن كان قد حفظ فللحديث ثلاثة طرق عن عبد الله بن الحارث
وفي الباب عن ابن عمر:
أن النبي ﷺ أتى بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه فلذلك سمي
أخرجه أحمد: ثنا وكيع ثني عبد الله بن نافع عن أبيه عنه
ورجاله ثقات رجال الستة غير عبد الله بن نافع وهو ضعيف كما في (التقريب)
ومن طريقه أخرجه أبو يعلى ولفظه:
أن النبي ﷺ أتى بجر فضيخ بسر وهو في مسجد الفضيخ فشربه فلذلك سمي مسجد الفضيخ. ذكره في (المجمع)
(١) وقول الشوكاني في (النيل) (٢/ ١٣٧): (وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح إلا يعقوب ابن حميد وقد رواه معه حرملة بن يحيى) ليس بصحيح بل كان يجب أن يستثني مع يعقوب سليمان بن زياد الحضرمي فإنه ليس من رجال الصحيح أيضا
قال الشوكاني ما مختصره:
(والحديث يدل على المطلوب منه وهو جواز الأكل في المسجد وفيه أحاديث كثيرة: منها سكنى أهل الصفة فإن كونهم لا مسكن لهم سواه فيستلزم أكلهم للطعام فيه ومنها ربط الرجل الاسير بسارية من سواري المسجد وفي بعض طرقه أنه استمر مربوطا ثلاثة أيام ومنها ضرب الخيام في المسجد لسعد بن معاذ كما تقدم وللسوداء التي كانت تقم المسجد ومنها إنزال وفد ثقيف المسجد وغيرهم والأحاديث الدالة على جواز أكل الطعام في المسجد متكاثرة)
قلت: وكل هذه الأحاديث المشار إليها قد سبق ذكرها في مواطنها اللائق بها في هذا الفصل فلتراجع
قال ابن رجب -رحمه الله-:
فدلت هذه الأحاديث كلها على جواز أن يدعى من في المسجد إلى الطعام، ويجيب إلى الدعوة إذا دعي فيه.
وقد ورد الرخصة في الأكل في المسجد. [فتح الباري ٣ / ١٦٢]
وقال أيضا:
وقد اختلف في جواز الأكل في المسجد وكراهته، فأجازه طائفة من أصحابنا وغيرهم؛ لهذا الحديث؛ ولان الظاهر من حال النَّبِيّ ﷺ فِي اعتكافه أنه كَانَ يفطر فِي المسجد؛ فإن عائشة قالت: كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، إلا أن يقال: أن ذلك داخل في حاجة الإنسان.
والظاهر من أهل الصفة: أنهم كانوا يأكلون في المسجد، وقد سبق حديث البراء بن عازب أنهم كانوا إذا جاعوا ضربوا القنو المعلق في المسجد للصدقة فأكلوا منه.
وذهب طائفة إلى كراهته؛ لأنه دناءة، وحكي عن الشافعي، وهو وجه لأصحابنا.
ومن قال بهذا أجاز للمعتكف أن يدخل بيته للأكل، كما يدخل لقضاء حاجته.
ويعضد هذا: قول النبي ﷺ في المساجد: «إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» . خرجه مسلم. [فتح الباري٣ / ١٦٣]
من الأدلة على جواز الأكل في المسجد أحيانا :
– جاء في مسند أحمد ١٧٧٠٢ – حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ:»أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَدْخَلْنَا أَيْدِيَنَا فِي الْحَصَى، ثُمَّ قُمْنَا نُصَلِّي، وَلَمْ نَتَوَضَّأْ:
قال محققو المسند:
صحيح، ابن لهيعة- وإن كان ضعيفًا- قد روى عنه هذا الحديث قتيبة ابن سعيد، وروايته عنه صالحة، ثم هو قد توبع، وباقي رجال الإسناد ثقات.
حسن: هو ابن موسى الأشيب.
وأخرجه ابن عبد الحكم في»فتوح مصر«ص٢٩٩-٣٠٠، والترمذي في»الشمائل«(١٦٦)، وابن ماجه (٣٣١١)، وأبو يعلى (١٥٤١)، والطحاوي في»شرح المعاني” ١/٦٦، والبغوي (٢٨٤٧) من طرق عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد. ورواية قتيبة عند الترمذي- ومن طريقه البغوي- مختصرة بلفظ: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد.
وأخرجه ابن ماجه (٣٣٠٠)، وابن حبان (١٦٥٧) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سليمان بن زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم. وإسناده جيد.
وسيأتي برقم (١٧٧٠٩) من طريق سليمان بن زياد، وقرن به خالد بن أبي عمران، وبنحوه برقم (١٧٧٠٥) من طريق عقبة بن مسلم، ثلاثتهم عن عبد الله ابن الحارث…. انتهى
وإليك هذا البحث :
إتحاف الراكع والساجد بحكم بناء المراحيض فوق المساجد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛ فإنه قد جرى بيني وبين بعض الأحبة مذاكرة علمية حول مسألة: “بناء المراحيض فوق المسجد”، فقمت بهذا البحث المتواضع الذي جمعت فيه أقوال المذاهب الأربعة في هذه المسألة من كتبهم المعتمدة، وسميته: “إتحاف الراكع والساجد بحكم بناء المراحيض فوق المساجد”، سائلا المولى جل وعلا أن ينفع به إخواني المسلمين، فأقول وبالله التوفيق:
من المعلوم أن بناء المراحيض في سطح المسجد يلزم منه قضاء الحاجة فيها؛ لأنها إنما بنيت لهذا الغرض، وعليه فإنه لمعرفة حكم بناء المراحيض في سطح المسجد يلزمنا الإجابة عن السؤال الآتي:
هل سطح المسجد وهواؤه من المسجد فيكون لهما حكمه أم لا؟
فإن كانا من المسجد كان لهما حكم المسجد، ولم يجز قضاء الحاجة فيهما قطعا لوقوع الإجماع على تحريم قضاء الحاجة في المسجد، وإن لم يكن لهما حكم المسجد فالأصل هو الجواز.
فما حكم سطح المسجد وهوائه في المذاهب الأربعة؟
إليك أخي الحبيب الجواب عن هذا السؤال، بدءًا بالمذهب المالكي لكونه المذهب الرسمي في بلدنا:
المذهب المالكي:
– قال ابن رشد: ” لا اختلاف في أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد” (1).
– وقال القرافي في الفرق الثاني عشر بعد المائتين: “اعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف، وهواء الطلق طلق، وهواء الموات موات، وهواء الملك ملك، وهواء المسجد له حكم المسجد لا يقربه الجنب…” (2).
إذا كان للهواء والسطح حكم المسجد عند المالكية، فإنهم رحمهم الله قد منعوا من إدخال النجاسة إلى المسجد، بل إنهم منعوا من مجرد تعمد إخراج الريح في المسجد فما بالك بالبول والغائط.
– قال الشيخ خليل وهو يسرد ما يمنع فعله في المسجد:
“كإخراج ريح ومكث بنجس” (3) .
– قال الخَرَشِي شارحا كلام الشيخ خليل: “التشبيه في المنع، والمعنى أنه لا يجوز إخراج الريح في المسجد تعمدا … وأما خروج الريح فيه غلبة فإنه لا يحرم فالإخراج تعمد الخروج… وكذلك يحرم على الإنسان أن يمكث في المسجد بشيء نجس العين غير المعفو عنه لتنزيه المسجد عن ذلك”(4) .
المذهب الحنفي:
– قال الكاساني: “ولو وقف على سطح المسجد واقتدى بالإمام : فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه أجزأه ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام وهو في جوفه ؛ ولأن سطح المسجد تبع للمسجد ، وحكم التبع حكم الأصل فكأنه في جوف المسجد…” (5).
– وقال : “…ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فصعد فوقه حنث ؛ لأن سطح المسجد من المسجد ألا ترى لو انتقل المعتكف إليه لا يبطل اعتكافه ؟” (6).
– وقال السمرقندي فيمن حلف لا يدخل مسجدا: ” قالوا: إذا صعد سطح المسجد يحنث، لأنه مسجد” (7) .
وبناء على أن هواء المسجد وسطحه من المسجد منع الحنفية من قضاء الحاجة فيهما.
– قال الزيلعي فيما يحرم في المسجد : ” (والوطء فوقه) أي: فوق المسجد، والبول، والتخلي؛ لأن سطح المسجد مسجد إلى عنان السماء؛ ولهذا يصح اقتداء من بسطح المسجد بمن فيه إذا لم يتقدم على الإمام، ولا يبطل الاعتكاف بالصعود إليه، ولا يحل للجنب والحائض والنفساء الوقوف عليه، ولو حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها يحنث، فإذا ثبت أن سطح المسجد من المسجد يحرم مباشرة النساء فيه لقوله تعالى: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة187)، ولأن تطهيره من النجاسة واجب لقوله تعالى (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (البقرة125)” (8).
المذهب الشافعي:
– قال النووي: ” قال أصحابنا: ويصح الاعتكاف في سطح المسجد ورحبته بلا خلاف؛ لأنهما منه” (9)
– وقال الماوردي: “… فلو صلى المأموم في رحاب المسجد، أو مصطفا به، أو على سطحه، وكان عالما بصلاة إمامه فصلاته جائزة : لما روي أن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في المسجد، ولأن سطح المسجد ورحابه كالمسجد ، بدليل أن الجنب ممنوع من اللبث في شيء منه” (10) .
وإذا كان سطح المسجد من المسجد عند الشافعية فإنه لا يجوز عندهم البول في المسجد، وكذلك الصحيح عندهم تحريم البول في إناء داخل المسجد.
– قال النووي: ” يحرم البول، والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء، ويكره الفصد والحجامة فيه في إناء ولا يحرم، وفى تحريم البول في إناء في المسجد وجهان، أصحهما يحرم” (11) .
المذهب الحنبلي:
– قال ابن قدامة: ” …ويجوز للمعتكف صعود سطح المسجد؛ لأنه من جملته، ولهذا يمنع الجنب من البث فيه، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا” (12).
– ولهذا قال صاحب المطالب عن المسجد: “…(وَ) حَرُمَ (جماعٌ عليه)، أي : فوقه (خلافا لابن تميم)، حيث قال بكراهة الوطء فوق المسجد، (وَ) حَرُمَ (بَوْلٌ عليه)” (13) .
الخلاصة:
يتبين مما سبق أن المذاهب الأربعة مجمعة على أن لهواء المسجد وسطحه حكم المسجد، وأنه يحرم فيه ما يحرم في المسجد من البول والغائط، ومعلوم أن المراحيض إنما تبنى لهذا الغرض، فيستنتج من مجموع هذه الأمور عدم جواز بناء المراحيض في سطح المساجد في المذاهب الأربعة.
هذا؛ وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإخوتي بهذا البحث المتواضع، وأن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه. إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين
فتوى : حكم مد الأرجل إلى القبلة
السؤال:
من إحدى الأخوات المستمعات من جدة حي النزهة سؤال وهي الأخت (ع. ع. س) تقول: اعتدنا ألا نمد أرجلنا جهة القبلة منذ الصغر، والآن لما كبرنا أصبحنا نسأل عن الحكم الشرعي عن هذا الموضوع، فما هو توجيه سماحتكم؟ جزاكم الله خيرًا.
الجواب:
لا حرج في ذلك، لا بأس أن يمد الإنسان رجله إلى جهة القبلة، حتى ولو كان في المسجد الحرام إلى جهة الكعبة، لا حرج، قد جلس النبي ﷺ وأسند ظهره إلى الكعبة، عليه الصلاة والسلام.
فالمقصود: أنه لا حرج كون الإنسان يمد رجله إلى جهة الكعبة، إلى جهة القبلة، لا حرج في ذلك، نعم.
ابن باز رحمه الله
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): “بيان أن أكل ما مسّته النار لا ينقض الوضوء، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الراجح.
2 – (ومنها): جواز الصلاة بعد أكل اللحم والخبز بدون المضمضة، لقوله: «ثم صلّى، ولم يمسّ ماء»، بل في رواية أحمد: «ثم نَهَضَ رسول الله ﷺ بمن معه إلى الصلاة، وما مَسَّ، ولا أحد ممن كان معه ماءً، ثم صلى بهم»”. [البحر المحيط الثجاج، (8/ 323)].
وانظر: سنن الترمذي، ٨ – (بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ) مع تحفة الأحوذي.
3 – قال ابن تيمية:” أَهْلِ الصُّفَّةِ» بَلْ عَامَّةُ أَهْلِ الصُّفَّةِ إنَّمَا كَانُوا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ”
أَهْلُ الصُّفَّةِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا يَأْوُونَ إِلَى مَوْضِعٍ مُظَلَّلٍ فِي الْمَسْجِدِ( عون المعبود)
يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضا لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة. (فتح الباري)
جاء عند الترمذي وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه :
أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى بالناسِ يَخِرُّ رِجالٌ مِن قامَتِهم في الصلاة منَ الخَصاصَةِ، وهُمْ أصْحابُ الصَّفَّة، حتى يقولَ الأَعْرابُ: هؤلاءِ مَجانينَ أو مَجانُون، فإذا صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرف إلَيْهِم، فقال:
«لو تَعْلَمونَ ما لَكُمْ عندَ الله لأحْبَبْتُم أنْ تَزْدادوا فاقَةً وحاجةً” ) قال في «النهاية»: «جمع تكسير لـ (مجنون)، وأما (مجانون) فشاذ كما شذ (شياطون) في (شياطين)».الخَصاصَةُ) بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين: هي الفاقة والجوع.
وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي والسلمي والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفي بعض ما ذكروه اعتراض ومناقشة، لكن لا يسع هذا المختصر تفصيل ذلك. (فتح الباري)