القواعد الفقهية رقم القاعدة: 14
نص القاعدة: الشَّرِيعَةُ أَجْمَلَتِ المتَغَيِّراتِ وَفَصَّلَتِ الثَّوابِتَ [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
إجمال الأحكام وتفصيلها في الشرع على حسب ثباتها وتغيرها. [2]
قواعد ذات علاقة:
1 – ما من حادثة إلا ولله فيها حكم. [3] أعم
2 – سكوت الشارع عن أمر مع وجود مقتضيه يدل على قصده ألا يزاد فيه ولا ينقص. [4] متفرعة
3 – الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني. [5] مكمِّلة
4 – تتغير الأحكام بتغير موجباتها. [6] مكمِّلة
شرح القاعدة:
الأحكام التي بينتها آيات الكتاب الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , تنقسم من حيث طبيعتها إلى قسمين: أحكام إجمالية, وأحكام تفصيلية.
أما الأحكام الإجمالية فهي التي جاء بها التشريع الإسلامي على شكل مبادئ عامة وقواعد كلية, مجمِِلاً كيفيتها وجزئياتها وفروعها؛ كالأمر بالشورى في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [سورة آل عمران -159] حيث أمر الله تعالى بالشورى على وجه كلي عام دون أن يحدد كيفيتها ووسائلها وطرقها وأساليبها, وأبقى هذا كله مجمَلا دون تفصيل حتى يتيح اختيار الكيفية المناسبة التي يقتضيها الظرف والزمان على وفق ما تم تفصيله في القاعدة المكملة (تتغير الأحكام بتغير موجباتها)
وأما الأحكام التفصيلية فهي التي وردت في الكتاب الكريم أو في السنة المطهرة مفصَّلة ومبيَّنة, لا كليّة مجملة, إذ لم يكتف فيها بمجرد تقرير مبادئ وقواعد عامة, وإنما تناولتها النصوص بشكل تفصيلي يستوعب فروعها وجزئياتها وكيفية تحقيقها وتطبيقها؛ كما في نظام المواريث في الشريعة الإسلامية الذي فصلته آيات القرآن الكريم موضحة فيه أحكامه وجزئياته ومقاديره وحالاته وصوره, قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء- 11] إلى غيرها من الآيات الكريمة الأخرى التي فصَّلت أحكام هذا النظام.
والقاعدة محل البحث تظهر الغاية والمقصد من إجمال بعض الأحكام وتفصيل بعضها, فما أجمله الشارع وترك بيان تفاصيله وجزئياته, يرجع إلى أن تلك التفاصيل قابلة للتغير والتبدل تبعاً لتغير الزمان أو المكان أو البيئة أو الأحوال, وما فصّله الشارع وبيّن جزئياته يرجع إلى أن التفاصيل المبيَّنة في التشريع تتسم بالثبات والديمومة والبقاء على الصورة والكيفية التي بيَّنها الشارع, وأنها لا تقبل التغيُّر والتبدل بتغير الزمان والمكان.
فكيفية إقامة الشورى مثلاً تركته النصوص الشرعية ولم تفصِّل فيه؛ لأن لكل زمان أسلوبه ولكل واقعة ظروفها ولكل بيئة حكمها, فالبدو في ذلك غير الحضر, وبيئة المتعلمين غير بيئة الأميين, وظروف السلم غير ظروف الحرب, والتزام شكل واحد جامد للشورى أبد الدهر قد يكون سبباً لتفويت المصلحة التي شرعت الشورى من اجل تحقيقها, هذا فضلا عما قد ينشأ عنه من عنت وتعسير وتضييق, ولذا فإن الشارع لم يضع طريقا محددا ولا نمطا معينا للشورى, وإنما ترك ذلك لتقدير الناس واختيارهم, ولتوافقهم وتعاقدهم, ولطبيعة الواقعة محل النظر والتشاور. [1]
وفي مقابل ذلك فإن نظام المواريث المفصَّل بفروضه المقدرة وصوره المقررة نظام ثابت لا يختلف باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس وبيئاتهم وظروفهم, ولذا فقد تولى الشارع نفسه بيانه وتفصيله ولم يجعل الأمر فيه راجعا إلى مجرد قواعد ومبادئ عامة يتوافق الناس على كيفية تحديدها وتقديرها وتعيينها.
قال البسام:
الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات التعليل:
الأصل في العبادات: التعبُّدُ، دون الالتفاتِ إلى المعاني؛ والدليل على ذلك أمور:
منها: الاستقراء؛ فإنا وجدنا الطهارة لا تتعدَّى محل موجبها، وكذلك الصلواتُ خُصَّتْ بأفعالٍ مخصوصة إن خرجَتْ عنها لم تكن عبادة، وأنَّ الذكر المخصوصَ في هيئةٍ ما مطلوبٌ، وفي هيئة أخرى غيرُ مطلوب، وأنَّ الطهارة من الحدثِ مخصوصةٌ بالماء الطهور وإن أمكنتِ النظافةُ بغيره.
ومنها: أنَّ وجود التعبُّدات لم يهتد إليها العقلاءُ اهتداءهم لوجوه معاني العادات، فقد رأيتُ الغالبَ فيها الضلال، ومن ثمَّ حصل التغيير فيما بقي من الشرائع المتقدِّمة، وهذا ما يَدُلُّ على أنَّ العقل لا يستقلُّ بدرك معانيها ولا بوصفها، فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك.
ولما كان الأمر كذلك، عَذَرَ اللهُ أهلَ الفترات في عدم اهتدائهم؛ قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15].
وإذا ثبت هذا، لم يكن بُدٌّ من الرجوع في هذا الباب إلا مجرَّد ما حده الشارع، وهو معنى التعبد، ولذلك كان الواقف مع مجرَّد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجدى على طريقة السلف الصالح.
وأما العادات: فالأصلُ الالتفاتُ فيها إلى المعاني؛ وذلك لأمور:
الأوَّل: الاستقراء، فإننا وجدنا الشَّارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تَدُورُ حيثما دار، فترى الشيء الواحد يُمْنَعُ في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحةٌ، جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل: يمتنعُ في المبايعة، ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس: يمتنع حيث يكون مجرد ربا وغرر مِنْ غير مصلحة، ويجوز إذا كان مصلحة راجحة، ولم يوجد هذا في باب العبادات مفهومًا، كما فهمناه في العادات.
وقال تعالي: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وقال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]،،، إلى غير ذلك مما لا يحصى، وجميعه يشير إلى اعتبار المصالح للعباد.
الثاني: أنَّ الشَّارع توسَّع في بيان العلل في تشريعِ بابِ العادات؛ بخلاف باب العبادات: فإنَّ المعلومَ فيه خلاف ذلك.
الثالث: أنَّ الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرَتْ بذلك مصالحهم.
إذا تقرر أنَّ الغالب في العادات هي المعاني، فإنَّه إذا وجد فيها التعبُّد، فلابد من الوقوف مع المنصوص؛ كطلب الصداق في النكاح، والذَّبْحِ في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروضِ المقدرة في المواريث، وعَدَدِ الأشهر في العِدَدِ الطلاقية، وما أشبه ذلك.
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 1/ 98]