2309 فتح الودود في تحضير سنن أبي داود:
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري ومحمد سيفي وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ الْمَبْتُوتَةِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
2309 – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ – يَعْنِي ثَلَاثًا – فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهَا أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الْآخَرِ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا»
متفق عليه
جاء في مسائل الإمام أحمد:
2257 – المطلقة ثلاثًا متى تحل لزوجها الأول، وهل تحل بنكاح فاسد؟
قال إسحاق بن منصور: قال سفيان في رجل طلق امرأته ثلاثًا ثم تزوجها رجلٌ بغير ولي، ثم طلقها: لا يعجبني أن يتزوجها زوجها الأول حتى يكون نكاحًا بولي.
قال أحمد: ما أحسن ما قال!
قال إسحاق: كما قال، وإن تزوجها بغير ولي، ثم طلق لم يقع عليها الطلاق؛ لأنَّ العقدة منفسخة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ” (1).
“مسائل الكوسج” (1237)
قال صالح: قلت: الرجل يتزوج المرأة فيطلقها ثلاثًا، ويتزوجها آخر في عدتها، فيفرق بينهما، هل ترجع إلى زوجها الأول الذي يطلقها؟
قال: لا ترجع إلى زوجها الأول بهذا النكاح.
قلت: إن تزوجت عبدًا بغير إذن مولاه؟
قال: لا ترجع إلى زوجها الأول بهذا النكاح.
وقال في الرجل يتزوج على المتعة مثل ذلك أيضًا: لا ترجع إلى زوجها الأول.
وقال في الرجل يتزوج المرأة فيحلها: لا ترجع إلى زوجها الأول، وإنما ترجع إلى زوجها الأول بالنكاح الصحيح.
“مسائل صالح” (1197)
قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن محمد بن حنبل سُئِلَ عن الغلام إذا تزوج فأولج؛ أتحلُّ لزوجها الآخرِ؟
قال: نعم.
“مسائل أبي داود” (1230)
قال أبو داود: سمعتُ أحمد سُئِلَ عن الخصي يتزوج فيواقعها، هل يحلها؟
قال: لا، الخصي لا يولج.
“مسائل أبي داود” (1231)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يتزوج بالمرأة فيدخل بها، ثم يطلقها، فتزوج زوجًا غيره، فأدخلت على زوجها، فزعمت المرأة أنه دخل بها، وقال الزوج: لم أدخل بها، وأنكر أن يكون مسّها، أو دخل بها؟
قال أبو عبد اللَّه: لا تصدق المرأة على دعواها، فإذا أرادت أن ترجع إلى زوجها الأول (1).
قال: قلت: فهل لزوجها الأول أن ترجع إليه إذا طلقها الأخير بالدعوى التي بينهما؟
قال: لا ترجع إليه حتى تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها.
“مسائل ابن هانئ” (1092)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن امرأة بانت من زوجها بثلاث، فقال لها: اذهبي فاستحلي. فذهبت فتزوجت برجلٍ، فمكثت معه يومًا ثم طلقها، ألها أن ترجع إلى زوجها الأول؟
قال: لا ترجع إليه.
ثم قال: وله أن يقول لها: أذهبي فاستحلي؟ ! لا ترجع إليه، ولا كرامة.
“مسائل ابن هانئ” (1095)
قال حرب: سألت إسحاق قلت: رجلٌ طلَّقَ أمرأتَه ثلاثًا، فتزوجها رجل بغير ولي، هل تحل لزوجها؟
قال: هذا ليس بنكاح ولا تحل للزوج.
سألت إسحاق: قلتُ: رجل تَزَوَّجَ امرأةً على نكاح الشغار، هل يحللها لزوجها؟
قال: لا.
قال: وكل نكاح فاسد.
قلتُ: فإن تزوجها بغير ولي؟
قال: لا يحللها.
“مسائل حرب” ص 37
قال حرب: سألتُ إسْحاقَ بن إبراهيم عن رجل طلَّقَ أمرأتَه ثلاثًا، فتزوَّجها غلام لم يحتلم، فدخل بها؟
قال: لا تحلُّ لزوجها.
قلتُ: فتزوجها عبدٌ دون إذنِ سيده؟
قال: لا يكون هذا نكاحًا. ولم يرخص فيه.
قلتُ: فإن تزوجها رجل بغير وليٍّ، هل تحل لزوجها؟
قال: هذا ليس بنكاح، ولا تحل للزوج.
“مسائل حرب” ص 87
قال حرب: سألت أحمدَ، رجل تحته أمة، فطلقها، فوطئها سيدها، ثم أراد الزوج أن يتزوجها؟
قال لا يحل له نكاح السيد إياها؛ لأن السيد إنما وطئ ملك يمينه، وليس بزوج، وقال اللَّه: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وكذلك الأحكام في السيد والزوج مختلفة، فلا يجوز هذا.
وسمعتُ أحمد مرةً أخرى يقول: إن غشيها سيدها لم تحل له؛ لأن السيد يغشاها بملك اليمين.
“مسائل حرب” ص 96
قال عبد اللَّه: سألت أبي عن: المطلقة ثلاثًا؟
فقال: لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، يدخل بها ويطأها.
قال أبي: والمطلقة ثلاثًا تعتد حتى تنكح زوجًا غيره، يدخل بها ويطأها.
“مسائل عبد اللَّه” (1367)
نقل مهنا في خصي غير مجبوب تزوج امرأة ثم طلقها: فإنها تحل لزوجها الأول إذا كان ينزل، والخصي ينزل إذا كان غير مجبوب.
ونقل أبو طالب في المرأة تتزوج الخصي تستحل به؟
قال: لا حتى تذوق العسيلة.
“الروايتين والوجهين” 2/ 169، “المغني” 10/ 550
توجيه ابن قدامة وذكر الرواية الراجحة في المذهب
قال في المغني:
أن يطأها في الفرج فلو وطئها دونه أو في الدبر لم يحلها؛ لأن النبي ﷺ علق الحل على ذوق العسيلة منهما ولا يحصل إلا بالوطء في الفرج وأدناه تغييب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به ولو أولج الحشفة من غير انتشار لم تحل له؛ لأن الحكم يتعلق بذواق العسيلة ولا تحصل من غير انتشار
وإن كان الذكر مقطوعا، فإن بقي منه قدر الحشفة فأولجه أحلها وإلا فلا، فإن كان خصيا أو مسلولا أو موجوءا حلت بوطئه؛ لأنه يطأ كالفحل ولم يفقد إلا الإنزال وهو غير معتبر في الإحلال وهذا قول الشافعي قال أبو بكر: وقد روي عن أحمد في الخصي أنه لا يحلها؛ فإن أبا طالب سأله في المرأة تتزوج الخصي تستحل به؟ قال: لا خصي يذوق العسيلة قال أبو بكر: والعمل على ما رواه مهنا أنها تحل ووجه الأول أن الخصي لا يحصل منه الإنزال فلا ينال لذة الوطء فلا يذوق العسيلة
ويحتمل أن أحمد قال ذلك؛ لأن الخصي في الغالب لا يحصل منه الوطء أو ليس بمظنة الإنزال فلا يحصل الإحلال بوطئه كالوطء من غير انتشار.
[٣٥ – ٣٨٨] وجوب العدة على امرأة الخصي:
إذا طلق الخصي امرأته، وجبت عليها العدة، ونُفي الخلاف في ذلك.
من نفى الخلاف: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: «وكذلك لا يختلفون في أن امرأة الخصي الذي بقي له من الذكر ما يولج، فإن على امرأته العدة، وهو بلا شك لا يولد له ولد أبدًا»
الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره ابن حزم من عدم الخلاف في وجوب العدة على امرأة الخصي، وافق عليه الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .
- مستند نفي الخلاف:
١ – أنه يقع منه إصابة لزوجته، فيكون منه إحصان لنفسه ولامرأته .
٢ – أن الوطء منه يتأتى، وفراشه كفراش الصحيح .
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في وجوب العدة على امرأة الخصي.
وفي الكافي : والخصي إذا ما بقي من ذكره ما يولجه وجاوز الختان زانيا فعليه الحد.
الكافي في فقه أهل المدينة ٢/١٠٧٥ — ابن عبد البر (ت ٤٦٣)
ومن كتاب المعونة :
باب: [العيوب التي توجد بالزوج خاصة]
والعيوب التي توجد بالزوج خاصة تمنع الوطء وتوجب الخيار للزوجة أربعة وهي: الجب والخصاء والعنة والاعتراض، فالمجبوب هو المقطوع ذكره وأنثياه.
والخصي هو المقطوع منه أحدهما، فإن كان مقطوعهما كان مجبوبًا، وقد يسمى خصيًّا أيضًا إلا أن اسم الجب أغلب عليه، والعنين هو الذي له ذكر شديد الصغر لا يمكنه الجِماع ولا يأتي منه انتشار يولج به لصغره.
والمعترض هو الذي لا يقدر على وطء المرأة لعِلَّة تعترضه وهو بصفة من يمكنه الوطء، وربما كان قد وطيء قبل ذلك وربما اعترض عن امرأة ولم يعترض عن أخرى وأصحابنا يسمون هذا العنين تجوزًا (١)، وتشبيهًا بالعنين الذي وصفناه وكذلك من تقدم من الصحابة والتابعين وحقيقة اسمه المعترض كذلك زعم ابن حبيب.
المعونة على مذهب عالم المدينة ٢/٧٧٥ — القاضي عبد الوهاب (ت ٤٢٢)
القدرة على الإيلاج للخصي :
الإنتصاب ممكن: الانتصاب لا يعتمد مباشرة على وجود الخصيتين، بل على تدفق الدم إلى العضو الذكري والتحفيز العصبي. لذلك، يمكن للمخصي أن يحتفظ بقدرته على الانتصاب.
الإيلاج ممكن من الناحية الجسدية ما دام الانتصاب يحدث بشكل كافٍ.
ما الذي يتأثر بعد الإخصاء:
- الرغبة الجنسية تنخفض: لأن الخصيتين تفرزان هرمون التستوستيرون، وهو المسؤول الرئيسي عن الدافع الجنسي (Libido).
- القذف يتوقف أو ينخفض بشكل كبير: لأن الخصيتين تنتجان الحيوانات المنوية ومعظم سائل القذف.
- القدرة على الإنجاب تُفقد نهائيًا: لأن المني لم يعد يحتوي على حيوانات منوية.
الذكاء الاصطناعي
قال أحمد في رواية حنبل: إذا طلقها ثلاثًا، وأراد أن يُراجعها، فاشترى عبدًا وزوجها إياه، فهذا الذي نهى عُمر، يؤدبان جميعًا، وهذا فاسد، ليس بكفءٍ، وهو شبه المحلل.
“معونة أولي النهى” 9/ 129، “الشرح الكبير” 20/ 412
قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه يقول في الذي يطلق ثلاثًا: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا، نكاح رغبة ليس فيه دلسة فيتزوجها، فإن بدا له أن يطلقها فهو أعلم، فأما أن يتزوج يستحل فلا.
قال: قلت لأبي عبد اللَّه: أرأيت إن تزوجها رجل يريد التحليل فدخل بها ثم طلقها فرجعت إلى الأول أيفرق بينهما؟
فقال: ليس هذا بنكاح صحيح إذا أراد التحليل.
قال: قلت لأبي عبد اللَّه: فيفرق بينهما؟
فقال: ابن عمر كما ترى يقول: لا يزالان زانيين ما اجتمعا (1)، وغيره يقول نحوه.
“بيان الدليل” ص 41، 42
قال أحمد في رواية حنبل في الرجل يتزوج المرأة على أن يحلها لزوجها الأول: لا تحل له، ولا يجوز حتى يكون نكاحًا أبت النية فيه، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق.
وقال أيضًا في روايته: إذا نكحها على أن يطلقها في الحال لترجع إلى الأول يفرق بينهما، والمهر لا بد منه بما استحل من فرجها.
“بيان الدليل” ص 42
وفي مسائل حرب :
2258 – مسلم تزوج نصرانية فطلقها ثلاثًا ثم تزوجها نصراني ثم طلقها هل تحل للمسلم؟
قال حرب: قلتُ لإسحاق: مسلم تحته نصرانية، فطلقهما ثلاثًا، فتزوجها نصراني أو عبد، ثم طلقها، هل يراجعها الأول؟
قال: لا يتزوجها؛ لأن المشرك لا يحلل.
قلتُ: والعبد؟
قال: ولا العبد لا يحلل؛ لأنه عبد، ولم يرخص فيه.
“مسائل حرب” ص 88
قال الخلال: رأيت في كتاب لهارون المستملي أنه سأل أبا عبد اللَّه عن الرجل يتزوج النصرانية فيطلقها، فتتزوج نصرانيًّا فيطلقها، أترجع إلى المسلم؟
قال: نعم، ألا تراه قال: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] أفليس هذا زوجًا؟ !
وقال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا أبو الحارث أن أبا عبد اللَّه سُئل عن: نصرانية كانت تحت مسلم فطلقها ثلاثًا، فانقضت عدتها، ثم تزوجها نصراني ودخل بها وطلقها ثم مات عنها أو طلقها، تحل لزوجها المسلم بنكاح هذا النصراني؟
قال: نعم، هو زوج، النصراني يحل الذميّة للمسلم.
وقال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال سمعت أبا عبد اللَّه وسُئل عن الرجل تكون تحته النصرانية ثم يطلقها ثلاثًا ثم تتزوج من نصراني، أتحل للأول المسلم؟
قال: نعم، تحل للأول؛ لأنه زوج وبه تجب الملاعنة والقسم.
وقال: أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: في رجل تزوج نصرانية فطلقها ثلاثًا، فتزوجها نصراني فدخل بها ثم رجعت إلى الأول: فإن النصراني قد أحلَّها له، ذكره أبو عبد اللَّه عن عمرة.
ورأيته معجبًا به وقال لي: يحفظ عن يونس، عن ابن شهاب وأبي الزناد.
وقيل: من قبل يونس.
قال: ابن مبارك. قلت لأبي عبد اللَّه: وما يمنعه أن يحلّها وهو زوج؟ [. . .] (1)
قال: نعم.
وقال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل قال حدثني أبي قال: حدثنا زهير قال: سألت المغيرة عن: الرجل وامرأته نصرانيين، فيطلق امرأته ثلاثًا ثم يسلمان بعد؟ قال: لم أسمع من إبراهيم فيها شيئًا، وكان من قول أصحابنا: أنها لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره.
قال حنبل: قال أبو عبد اللَّه: الإِسلام هدم الطلاق.
“أحكام أهل الملل” 1/ 249 (448 – 493)
[الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه 11/ 148]
قال الخطابي: العسيلة تصغير العسل وقيل إن الهاء إنما ثبتت فيها على نية اللذة. وقيل إن العسل تؤنث وتذكر.
وقال ابن المنذر فيه دلالة على أنه إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها لا تحس باللذة فإنها لا تحل للزوج الأول لأنها لم تذق العسيلة، وإنما يكون ذواقها بأن تحس باللذة.
[معالم السنن 3/ 292]
قال ابن رسلان:
باب المبتوتة – أي: المطلقة ثلاثًا – لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره
(عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته) وهذا الرجل هو رفاعة بن سموأل القُرَظي، بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء، وهو خال صفية أم المؤمنين، وقيل: هو رفاعة بن رفاعة القرظي، أحد العشرة الذين نزلت فيهم: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} (2) (3). وامرأته هي تميمة بفتح المثناة فوق وكسر الميم الأولى بنت وهب، قال في “الاستيعاب”: لا أعلم لها غير قصتها مع رفاعة (1). ونص الطبراني في “الكبير” أنه لا حديث لها، وهذا أصح الأقوال الأربعة كما صرح ابن بشكوال (2) وغيره، وقيل: اسمها تميمة بضم التاء. وقيل: سهيمة. وقيل: عائشة.
وقال ابن طاهر: اسمها: أميمة بنت الحارث (3) (فتزوجت زوجًا غيره) وهو عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا، ويقال: باطيا. وكان عبد الرحمن صحابيًّا، والزُّبيرُ قتل يهوديًّا في غزوة بني قريظة، كذا ذكره ابن عبد البر (4) والمحققون، وقال ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في “معرفة الصحابة”: إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية (5) (فدخل بها) عبد الرحمن (ثم طلقها قبل أن يواقعها) وكان زوجها الأول طلقها ثلاثًا كما في “الموطأ” (6) (أتحل لزوجها الأول؟ ) بعد أن طلقها ثلاثًا.
(قال: قال رسول الله: لا تحل) كزوجة (للأول حتى تذوق عسيلة) بضم العين على التصغير، وهو كناية عن الجماع، شبه الشارع لذة الجماع بلذة العسل وحلاوته. وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا: “إن العسيلة هي الجماع” (7). وهذا هو الصحيح.
وفي المسألة ثلاثة أقوال أخر:
أحدها: أنه أنث في التصغير على إحدى المعنيين، فإن فيه لغتين: التذكير والتأنيث، فمن أنثه قال في تصغيره عسيلة.
والثاني: أنه تصغير عسلة وهي قطرة من العسل.
والثالث: أنه أنث على إرادة النطفة، وضعف بأن إنزال النطفة لا يشترط وإن قال به الحسن البصري.
وقيل: أُنِّثَ على إرادة اللذة لتضمنه ذلك، ولهذا فسر أبو عبيد العسيلة باللذة، حكاه الماوردي (1).
(الآخر) بكسر الخاء يعني: الزوج الآخر (ويذوق هو عسيلتها) وقد استدل به من اشترط انتشار الذكر في الوطء للتحليل، سواءٌ قويُّ الانتشارِ وضعيفُهُ، وكذا لو استعان بإصبعه لقول الشافعي: سواء أدخله بيده أو يدها (2). حكاه ابن عبد البر (3)، وجزم الجرجاني وغيره بأنه لو احتاج إلى إصبع لا يكفي، فإن لم يكن انتشار أصلًا لتعنين أو شلل أو غيرهما لم يصح على الأصح عند الشافعي لعدم ذوق العسيلة (4)، وليس لنا وطء يتوقف تأثيره على الانتشار سوى هذا، وأما غيره من أحكام الوطء فتترتب على مجرد الاستدخال من غير انتشار خلافًا لأبي حامد (5).
ويؤخذ من الحديث أنه يشترط في الوطء المحلِّل أن يكون ممن يمكن جماعه ويجد لذة الجماع احترازًا من الطفل؛ لأنه لا يتصور منه ذوق العسيلة على المذهب، ويؤخذ من قوله: “تذوق عسيلته” أنه يشترط في الزوجة أن تكون ممن يمكن جماعها وتجد لذة النكاح، ونص في “الأم” أن وطء الطفلة لا يحلها كما في الطفل (1).
وهذا الحديث نص على أن المطلقة البتة بالطلاق الثلاث لا تحل لزوجها الأول حتى تتزوج زوجًا غيره ويطؤها وطئًا يلتذان به، وقال الحازمي في “الاعتبار”: كان ابن المنذر يقول: فيه دلالة على أنه لو واقعها وهي نائمة أو مغمي عليها لا تحس باللذة فإنها لا تحل للزوج الأول؛ لأنها لم تذق عسيلته، وإنما يكون ذواقها أن تحس باللذة (2). وكذا قال مالك في أحد قوليه: لو وطئها نائمة أو مغمًى عليها لم تحل للمطلق (3). حكاه أبو حيان.
وفي هذا الحديث رد على ما نقل عن سعيد بن المسيب (4) وسعيد بن جبير ونفر من الخوارج أنها لا تحتاج إلى وطء الزوج الثاني، واستدلوا بقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (5)، وحملوا النكاح على العقد، وقالوا: إذا عقد الثاني عقد النكاح عليها حلت للأول وإن لم يدخل بها ولم يصبها؛ لأن النكاح يتعلق حكمه بأوله وهو العقد.
قال القرطبي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: أظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن (1).
قال ابن العربي: ما مرت بي مسألة في الفقه أعسر منها، وذلك أن في أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ فإن قلنا أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن جبير وابن المسيب، وإن قلنا أن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال؛ لأنه آخر ذوق العسيلة (2). على ما قاله الحسن بن أبي الحسن أنه لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون الإنزال.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 231]
تنبيه : حديث (العسيلة الجماع) فيه ابو عبدالملك اسماعيل بن عبدالملك بن الصفير صدوق كثير الوهم
الإجماع :
إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا، فلا تحل له إلا من بعد زوج:
نقل الإجماع جمع من أهل العلم على أن الرجل إذا طلق امرأته التي دخل بها ثلاث تطليقات أنها لا تحل له إلا من بعد زوج.
- من نقل الإجماع:
١ – ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: «وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا أنها لا تحل له إلا بعد زوج، على ما جاء به حديث النبي ﷺ» (٣).
٢ – الجوهري (٣٥٠ هـ) حيث قال: «وأجمع أهل العصر الأول أن المرأة المطلقة ثلاثًا لا تحل للزوج المطلق لها ذلك الطلاق إلا بعد خروجها من عدتها منه، وبعد زوج يجامعها، ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه» (٤).
٣ – القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: «لا يحل له العقد عليها حتى تنكح زوجًا غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] وللإجماع الثابت فيه» (٥).
٤ – ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: «واتفقوا أن من تزوج امرأة، ثم طلقها طلاقًا صحيحًا، فأكملت عدتها، ولم تتزوج، ثم نكحها ابتداء نكاحًا صحيحًا، أو لم تكمل عدتها؛ فراجعها مراجعة صحيحة، ثم طلقها ثانية طلاقًا صحيحًا، فأكملت عدتها،ولم تتزوج، ثم نكحها ثالثة نكاحًا صحيحًا، أو لم تكمل عدتها؛ فراجعها مراجعة صحيحة، ثم طلقها طلاقًا صحيحًا: فإنها لا تحل له إلا بعد زوج» (١).
٥ – ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: «وأجمعوا أن من طلق امرأته طلقة، أو طلقتين، فله مراجعتها، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره» (٢). ونقله عنه القرطبي (٣).
٦ – ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: «واتفقوا على أنه إذا طلق ثلاثًا، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره» (٤).
وقال أيضًا: «واتفقوا على أن النكاح هاهنا هو الإصابة، واتفقوا على أنه شرط في جواز عودها إلى الأول» (٥).
٧ – ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: «أما البائنة بالثلاث فإن العلماء كلهم متفقون على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا بعد الوطء» (٦).
٨ – ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: «ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثًا بعد الدخول، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، . . . وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه» (٧).
٩ – القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: «المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] الطلقة الثالثة ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه» (٨).
١٠ – ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: «إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة» (٩).
وقال أيضًا: «والمقصود هنا إذا وقع بها الثلاث، حرمت عليه المرأة بإجماع المسلمين، كما دل عليه الكتاب والسنة» (١٠).١١ – قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: «واتفقوا على أن من طلق زوجته ثلاثًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها في نكاح صحيح» (١).
١٢ – ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال:«. . . بالإجماع على أن من طلق امرأته ثلاثًا أنها تحرم عليه» (٢).
١٣ – العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال:«. . . وجب الوطء بحديث العسيلة، فإنه خبر مشهور يجوز به الزيادة على النص، وهذا لا خلاف فيه» (٣).
- الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا من بعد زوج، ولا بد فيه من الإصابة، هو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعائشة رضي الله عنهم، ومسروق، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وأبي عبيد (٤).
- مستند الإجماع:
١ – قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠]
- وجه الدلالة: دلت الآية على أنه لا بد أن تنكح المرأة المطلقة زوجًا غير الذي طلقها حتى تحل له، ولا بد أن يجتمع العقد، والوطء؛ لأنه لو عقد عليها دون وطء لا تحل للأول، وإن وطئها دون عقد لا تحل للأول أيضًا، قال الطبري: «لإجماع الأمة جميعًا»، فلا بد من العقد والوطء (٥).
٢ – أن امرأة رفاعة لما تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، أتت النبي ﷺ فقالت: إن زوجي أبتّ طلاقي، وقد تزوجتُ عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها النبي ﷺ: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٦).
- وجه الدلالة: دل الحديث على أن المرأة لا تحل لزوجها الذي طلقها إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره، فيطأها وطءًا صحيحًا.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي ٣/٥٣١
المطلقة المبتوتة آخر ثلاث تطليقات التحليل لا يحلها لزوجها الأول :
قال ابن تيمية:
[مَسْأَلَةٌ إمَام عَدْل طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ]
424 – 26 – مَسْأَلَةٌ:
فِي إمَامٍ عَدْلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى اُسْتُحِلَّتْ تَحْلِيلَ أَهْلِ مِصْرٍ، وَتَزَوَّجَهَا؟
الْجَوَابُ: إذَا زَوَّجَهَا الرَّجُلُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا طَلَّقَهَا لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ، أَوْ تَوَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ شَرَطَاهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا، فَهَذَا وَأَنْوَاعُهُ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ الَّذِي اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
[الفتاوى الكبرى لابن تيمية 3/ 96]
الحكمة من تشريع عدم حل المبتوتة آخر ثلاث تطليقات لزوجها الأول حتى تنكح زوجا غيره :
قال ابن القيم:
… والشَّارع حرَّمها عليه بعد الثَّالثة عقوبةً له؛ لأنَّ الطَّلاق أبغض الحلال إلى الله، وإنَّما أباح منه قدر الحاجة، وهو الثَّلاث، وحرَّم المرأة بعد الثَّالثة حتَّى تنكح زوجًا غيره.
وكان من تمام الحكمة أنَّها لا تنكح حتَّى تتربَّصَ ثلاثة قروءٍ، وهذا لا ضررَ عليها به، فإنَّها في كلِّ مرَّةٍ من الطَّلاق لا تنكح حتَّى تتربَّص ثلاثة قروءٍ، فكان التَّربُّص هناك نظرًا في مصلحته لمَّا لم يوقع الثَّلاث المحرِّمة، وهنا التَّربُّص بالثَّلاث من تمام عقوبته، فإنَّه عوقب بثلاثة أشياء: أن حُرِّمت عليه حبيبتُه، وجُعِل تربُّصها ثلاثةَ قروءٍ، ولم يجز أن تعود إليه حتَّى يحظى بها غيرُه حُظوةَ الزَّوج الرَّاغب بزوجته المرغوب فيها، وفي كلٍّ من ذلك عقوبةٌ مؤلمةٌ على إيقاع البغيض إلى الله المكروه له.
فإذا علم بعد الثَّالثة: لا تحلُّ له إلا بعد تربُّصٍ وتزوُّجٍ بزوجٍ آخر، وأنَّ الأمر بيد ذلك الزَّوج، ولا بدَّ أن تذوقَ عُسَيلتَه ويذوقَ عُسيلتَها= علمَ أنَّ المقصود أن ييأسَ منها، فلا تعودُ إليه لا باختياره ولا باختيارها، ومعلومٌ أنَّ الزَّوج الثَّاني إذا كان قد نكح نكاحَ رغبةٍ ــ وهو النِّكاح الذي شرعه الله لعباده، وجعله سببًا لمصالحهم في المعاش والمعاد، وسببًا لحصول الرَّحمة والوِداد ــ فإنَّه لا يُطلِّقها لأجل الأوَّل، بل يُمسِك امرأته، فلا يصير لأحدٍ من النَّاس اختيارٌ في عَودِها إليه، فإذا اتَّفق فراقُ الثَّاني لها بموتٍ أو طلاقٍ كما يفترق الزَّوجان اللَّذان هما زوجان، أُبيح للمطلِّق الأوَّل نكاحُها كما يُباح للرَّجل نكاحُ مطلَّقةِ الرَّجل ابتداءً.
وهذا أمرٌ لم يحرِّمه الله سبحانه في الشَّريعة الكاملة المهيمنة على جميع الشَّرائع، بخلاف الشَّريعتين قبلَنا، فإنَّه في شريعة التَّوراة قد قيل: إنَّها متى تزوَّجتْ بزوجٍ آخر لم تحلَّ للأوَّل أبدًا. وفي شريعة الإنجيل قد قيل: إنَّه ليس له أن يُطلِّقها البتَّة. فجاءت هذه الشَّريعة الكاملة الفاضلة على أكمل الوجوه وأحسنها وأصلحها للخلق. ولهذا لمَّا كان التَّحليل مباينًا للشَّرائع كلِّها وللعقل والفطرة، ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعنُ المحلِّلِ والمحلَّلِ له. ولعنُه صلى الله عليه وسلم لهما إمَّا خبرٌ عن الله بوقوع لعنته عليهما، أو دعاءٌ عليهما باللَّعنة، وهذا يدلُّ على تحريمه وأنَّه من الكبائر.
والمقصود أنَّ إيجاب القروء الثَّلاثة في هذا الطَّلاق من تمام تأكيد تحريمها على الأوَّل، على أنَّه ليس في المسألة إجماعٌ، فذهب ابن اللبَّان الفَرَضي صاحب «الإيجاز» وغيره إلى أنَّ المطلَّقة ثلاثًا ليس عليها غيرُ استبراءٍ بحيضةٍ، ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال: مسألةٌ: إذا طلَّق الرَّجل امرأته ثلاثًا بعد الدُّخول، فعدَّتها ثلاثة أقراءٍ إن كانت من ذوات الأقراء، وقال ابن اللبَّان: عليها الاستبراء بحيضةٍ. دليلنا قوله تعالى:
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول، وعلَّق تسويغه على ثبوت الخلاف فقال: إن كان فيه نزاعٌ كان القول بأنَّه ليس عليها ولا على المُعتَقة المخيَّرة إلا الاستبراء قولًا متوجِّهًا. ثمَّ قال: ولازم هذا القول أنَّ الآيسة لا تحتاج إلى عدَّةٍ بعد الطَّلقة الثَّالثة. قال: وهذا لا نعلم أحدًا قاله.
قد ذكر الخلاف أبو الحسين فقال: مسألةٌ: إذا طلَّق الرَّجل زوجته ثلاثًا وكانت ممَّن لا تحيض لصغرٍ أو هرمٍ، فعدَّتها ثلاثة أشهرٍ، خلافًا لابن اللبّان أن لا عدَّة عليها. دليلنا: قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].
قال شيخنا: وإذا مضت السُّنَّة بأنَّ على هذه ثلاثةَ أقراءٍ لم يجزْ مخالفتها ولو لم يُجمَع عليها، فكيف إذا كان مع السُّنَّة إجماعٌ؟
قال: وقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: «اعتدِّي» قد فهم منه العلماء أنَّها تعتدُّ ثلاثة قروءٍ، فإنَّ مع الاستبراء قد تُسمَّى عدَّةً.
قلت: كما في حديث أبي سعيد في سبايا أَوطاسٍ أنَّه فسَّر قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24] بالسَّبايا، ثمَّ قال: «أي فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضتْ عدَّتهنَّ»، فجعل الاستبراء عدَّةً.
قال: فأمَّا حديث عائشة: أُمِرَتْ بَريرةُ أن تعتدَّ ثلاث حيضٍ فحديثٌ منكرٌ؛ فإنَّ مذهب عائشة أنَّ الأقراء الأطهار.
قلت: ومن جعل عدَّة المختلعة حيضةً فبطريق الأولى تكون عدَّة الفسوخ كلِّها عنده حيضةً؛ لأنَّ الخلع الذي هو شقيقُ الطَّلاق وأشبهُ به لا يجب فيه الاعتداد عنده بثلاثة قروءٍ، فالفسخ أولى وأحرى من وجوهٍ:
أحدها: أنَّ كثيرًا من الفقهاء يجعل الخلع طلاقًا ينقص به عدده، بخلاف الفسخ لرضاعٍ ونحوه.
الثَّاني: أنَّ أبا ثورٍ ومن وافقه يقولون: إنَّ الزَّوج إذا ردَّ العوض ورضيت المرأة بردِّه ورَجْعها فلهما ذلك، بخلاف الفسخ.
الثَّالث: أنَّ الخلع يمكن فيه رجوع المرأة إلى زوجها في عدَّتها بعقدٍ جديدٍ، بخلاف الفسخ لرضاعٍ أو تجدُّدِ محرميَّةٍ حيث لا يمكن عودُها إليه، فهذه بطريق الأولى يكفيها استبراءٌ بحيضةٍ، ويكون المقصود مجرَّد العلم ببراءة رحمها، كالمَسْبِيَّة والمهاجرة والمختلعة والزَّانية على أصحِّ القولين فيهما دليلًا، وهما روايتان عن أحمد.
[زاد المعاد ط عطاءات العلم 6/ 316]
ذكر المسألة أيضا في إعلام الموقعين
بالنسبة للمطلقة طلاقا بائنا
خلاصة القول من كلامه:
وقيل: بل عدتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحسين بن اللبان (٢).
فإن كان مسبوقا بالإجماع، فالصواب اتباع الإجماع، وأن لا يلتفت إلى قوله. وإن لم يكن في المسألة إجماع، فقوله قوي ظاهر. والله أعلم.
انتهى
لكنه يميل إلى أن عدتها ثلاثة قروء
والله أعلم.
وذكر أن الآيات إنما هي في حق الرجعية، قال:
قوله تعالى: ﴿في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا [٢٨٩/ب] بلغت أجلها خير
زوجها بين إمساكها (١) بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعية قطعا.
*فلم يذكر الأقراء وبدلها في حق بائن البتة.*
قال العباد:
شرح حديث (لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
أورد أبو داود باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا ًغيره، أي: ويطلقها، ويكون ذلك النكاح نكاح رغبة لا نكاح تحليل، فعند ذلك يحل لزوجها الأول أن يرجع إليها بثلاث تطليقات يستأنفها؛ لأنه استنفذ ثلاث تطليقات فلا تحل له إلا بعد زوج، فإذا رجع إليها بعد أن يتوفى عنها الزوج الثاني أو يطلقها وتخرج من العدة ويكون الزواج زواج رغبة وليس زواج تحليل تحل له، أي: أنها لا تحل للأول إلا بعد أن يطلقها أو يموت عنها زوجها الثاني الذي ذاقت عسيلته وذاق عسيلتها، وذوق العسيلة قالوا: إنما يكون بالاستمتاع بها بالجماع في الفرج الذي يكون معه إيجاب الغسل، والذي يكون فيه الحد، هذا هو المقصود بذوق العسيلة، ومنهم من قال: إنه المني، يعني: حصول الإنزال، لكن الحد يمكن أن يكون من غير إنزال، فما دام أنه أولج وحصل منه الإيلاج والجماع فإنه يحصل الحد بذلك، والله تعالى يقول: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] يعني: إن طلقها الطلقة الثالثة فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ويطلقها ذلك الزوج الثاني.
[شرح سنن أبي داود للعباد 264/ 21 بترقيم الشاملة آليا]