(3033 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، ٨ – باب في قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾
٣٤ – (٣٠٣٣) (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا، إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ)
٣٤ – م – (٣٠٣٣) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وَكِيعٌ، ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، جميعا عن سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذر يقسم، لنزلت: هذان خصمان. بمثل حديث هشيم.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: “(٨) – (بَابٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾) [الحج: ١٩]”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥٢٣] (٣٠٣٣) – الحديث
شرح الحديث:
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ [الحج: ١٩]؛ أي: متنازعان، ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾؛ أي: في دين ربهم، واختلفوا، وتقاتلوا، كلّ على نَصْر دينه… انتهى من «شرح القسطلانيّ». [راجع: «الكوكب الوهّاج» ٢٦/ ٥٥٧ – ٥٥٨].
وقال القرطبيّ رحمه الله: «هذان» إشارة إلى الفريقين اللذين ذكرهما أبو ذرّ رضي الله عنه، التقيا يوم بدر في أول الحرب، فافتخر المشركون بدينهم، وانتسبوا إلى شركهم، وافتخر المسلمون بالإسلام، وانتسبوا إلى التوحيد، ولمّا خرج المشركون، ودعوا إلى البراز، خرج إليهم عوف ومعوِّذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة الأنصاريّ، فلما انتسبوا لهم قالوا: أكفاء كرام، ولكنا نريد قومنا، فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب، وعُبيدة بن الحارث، وعليّ رضي الله عنهم، فأمّا حمزة وعليّ فلم يُمهلا صاحبيهما، فقتلاهما، واختَلَفت بين عُبيدة وشيبة ضربتان، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة، وعليّ على شيبة، فقتلاه، واحتملا صاحبيهما، فمات من جرحه ذلك بالصفراء عند رجوعه.
وقال قتادة: هم: أهل الكتاب، افتخروا بسبق دينهم، وكتابهم، فقال المسلمون: كتابنا مهيمن على الكتب، ونبيّنا خاتم الأنبياء.
وقال مقاتل: أهل الملل في دعوى الحق.
وقوله: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]؛ أي: أُعدّت، كما يقطع من الثوب القميص، والسراويل، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٥٠]، فأُلبسوا والله ثيابًا ، العري خير منها، كما أُطعموا طعامًا، وسُقوا شرابًا، الجوع والظمأ خير منهما.
وقوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ٢٠] أي: يقطع به، ويُنضج، ويُذاب. انتهى [«المفهم» ٧/ ٣٦٣ – ٣٦٤].
وقوله: (إِنَّهَا) تأكيد، (نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا)؛ أي: ظهروا لملاقاة أعدائهم (يَوْمَ بَدْرٍ)؛ أي: يوم غزوة بدر، وهو بفتح، فسكون: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمِّيت بَدْرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بَدْرٌ، وقال الواقِديُّ: كان شيوخ غفار يقولون: بدر ماؤنا، ومنزلنا، وما مَلَكَه أحد قبلنا، وهو من ديار غفار. [«المصباح المنير» ١/ ٣٨].
(حَمْزَةُ) بن عبد المطّلب بن هاشم (وَعَلِيُّ) بن أبي طالب (وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عبد المطّلب، (وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، ابْنَا رَبِيعَةَ) بن عبد شمس، (وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) بن ربيعة المذكور قبله.
وفي رواية للبخاريّ: «نزلت في ستة من قريش»؛ يعني: ثلاثة من المسلمين، من بني عبد مناف، اثنين من بني هاشم، وواحد من بني المطلب، وثلاثة من المشركين، من بني عبد شمس بن عبد مناف.
[تنبيه]: لم يقع في هذه الرواية تفصيل المبارزين.
قال الحافظ رحمه الله: قال بعض من لقيناه: اتفقت الروايات على أن عليًّا للوليد، وإنما اختَلَفت في عتبة وشيبة أيهما لعُبيدة وحمزة، والأكثر على أن شيبة لعُبيدة.
قال الحافظ: وفي دعوى الاتفاق نظر، فقد أخرج أبو داود من طريق حارثة بن مُضرِّب عن عليّ قال: تقدم عتبة، وتبعه ابنه وأخوه، فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ: «قُم يا حمزة، قم يا عليّ، قم يا عبيدة»، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عُبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم مِلْنا على الوليد، فقتلناه، واحتملنا عُبيدة، قال: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السِّيَر من أن الذي بارزه عليّ هو الوليد هو المشهور، وهو اللائق بالمقام؛ لأن عُبيدة وشيبة كانا شيخين، كعتبة وحمزة، بخلاف عليّ والوليد، فكانا شابين، وقد روى الطبرانيّ بإسناد حسن عن عليّ قال: أعنت أنا وحمزة عُبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يَعِب النبيّ ﷺ ذلك علينا، وهذا موافق لرواية أبي داود، فالله تعالى أعلم [«الفتح» ٣٤، «كتاب المغازي» رقم (٣٩٦٥)].
وحديث أبي ذرّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ، فقال: أخرجه البخاريّ عن أبي مِجلز، عن قيس، عن عليّ رضي الله عنه: «أنا أول من يجثو للخصومة»، قال قيس: وفيهم نزلت الآية، ولم يجاوز به قيسًا، ثم قال البخاريّ: وقال عثمان، عن جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مِجلز قولَهُ، قال الدارقطنيّ: فاضطرب الحديث. انتهى.
قال النوويّ: لا يلزم من هذا ضَعف الحديث، واضطرابه؛ لأن قيسًا سمعه من أبي ذرّ، كما رواه مسلم هنا، فرواه عنه، وسمع من عليّ بعضه، وأضاف إليه قيس ما سمعه من أبي ذرّ، وأفتى به أبو مجلز تارةً، ولم يقل: إنه من كلام نفسه ورأيه، وقد عَمِلت الصحابة رضي الله عنهم، ومَن بعدَهم بمثل هذا، فيفتي الإنسان منهم بمعنى الحديث عند الحاجة إلى الفتوى دون الرواية، ولا يرفعه، فإذا كان وقت آخر، وقصد الرواية رفعه، وذكر لفظه، وليس في هذا اضطراب. انتهى كلام النوويّ رحمه الله، وهو جواب مقبول، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥٢٤] (. . .) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ، لَنَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ).
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ)؛ يعني: أن كلًّا من وكيع، وعبد الرحمن بن مهديّ رويا هذا الحديث عن سفيان الثوريّ.
[تنبيه]: أما رواية وكيع عن سفيان الثوريّ عن أبي هاشم، فقد ساقها ابن أبي شيبة رحمه الله في «مصنّفه»، فقال:
(٣٦٦٨٣) – حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي هاشم الواسطيّ، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ يُقسم، أُنزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الرهط الستة … انتهى. [«مصنف ابن أبي شيبة» ٧/ ٣٥٧].
وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن أبي هاشم، فقد ساقها النسائيّ رحمه الله في «الكبرى»، فقال:
(٨٢٠٣) – أخبرنا محمد بن بشار، قال: أنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ يُقسم قَسَمًا…. انتهى. [«السنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٥٨].
فقه وفوائد الحديث:
١ – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ – (ومنها): بيان جواز المبارزة خلافًا لمن أنكرها، كالحسن البصريّ، وشَرَط الأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق للجواز إذن الأمير على الجيش.
٣ – (ومنها): بيان جواز إعانة المبارِز رفيقه.
٤ – (ومنها): بيان فضيلة ظاهرة لحمزة، وعليّ، وعُبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط].
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): في معنى قول الله تعالى: {۞ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19)} [الحج].
(المطلب الأول): نص الآيات:
قال الله تعالى: {۞ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)}. [الحج].
(المطلب الثاني): غريب الكلمات:
“الْحَمِيمُ”: أي: الماءُ الشَّديدُ الحَرارةِ، وأصلُ (حمم): يَدُلُّ على الحَرارةِ.
“يُصْهَرُ”: أي: يُذابُ، والصَّهرُ: إذابةُ الشَّحمِ، وأصلُ (صهر): يدُلُّ على إذابةِ شَيءٍ.
“مَقَامِعُ”: أي: سياطٌ ومَطارِقُ ومَرازِبُ، مِن قَولِهم: قَمَعْتُ رأسَه: إذا ضَرَبْتَه ضَربًا عنيفًا، وأصلُ (قمع): يدُلُّ على إذلالٍ وقَهرٍ.
[انظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/27)، ((المفردات)) للراغب (ص: 684)، ((تفسير البغوي)) (5/375)، ((تفسير القرطبي)) (12/27)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 881)].
(المطلب الثالث): المعنى الإجمالي:
يقولُ تعالى: هذان فَريقانِ اختَلَفوا في شأنِ رَبِّهم وتوحيدِه: أهلُ الإيمانِ وأهلُ الكُفرِ؛ فالذين كَفَروا جُعِلَت لهم ثيابٌ مِن نارٍ يَلْبَسونَها، يُصَبُّ على رُؤوسِهم الماءُ المُتناهي في حَرِّه، يُذابُ بهذا الحَميمِ المصبوبِ فَوقَ رُؤوسِ الكُفَّارِ ما في بُطونِهم والجلودُ، وتَضرِبُهم الملائِكةُ على رُؤوسِهم بمَطارِقَ مِن حَديدٍ، كُلَّما حاولوا الخروجَ مِنَ النَّارِ؛ لشِدَّةِ غَمِّهم وكَرْبِهم، أُعيدُوا فيها، وقيلَ لهم: ذُوقُوا عذابَ النَّارِ المُحرِقةِ.
(المطلب الرابع): تفسير الآيات:
قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا ذكَر تعالى أهلَ السعادةِ وأهلَ الشقاوةِ؛ ذكَر ما دار بينَهم مِن الخصومةِ في دينِه. [انظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/495)].
وأيضًا لَمَّا كان قَولُه تعالى: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: ١٨] يُثيرُ سُؤالَ مَن يَسألُ عن بَعضِ تَفصيلِ صِفَةِ العَذابِ الذي حَقَّ على كثيرٍ مِنَ النَّاسِ الذين لم يَسجُدوا لله تعالى؛ جاءت هذه الجُملةُ لِتَفصيلِ ذلك. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/227، 228)].
قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}.
أي: هذان فَريقانِ اختَلَفوا في شأنِ رَبِّهم وتوحيدِه ودينِه، وتعادَوْا وتحارَبوا: المُؤمِنونَ والكافِرونَ؛ فالمُؤمِنونَ يُريدونَ نُصرةَ دينِ اللهِ، وإعلاءَ كَلِمتِه، والكافِرونَ يُريدونَ إطفاءَ نُورِ الإيمانِ، وقَمْعَ الحَقِّ، وإظهارَ الباطِلِ.
قال ابن عاشور: (المرادُ من هذه الآية ما يعُمُّ جميعَ المؤمنينَ وجميعَ مُخالِفيهم في الدِّينِ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/228).
وممَّن قال بالعُموم أيضًا: ابنُ جرير، وابن عطية، وابن جُزي، وابن كثير.
قال ابن جزي: (هَذَانِ خَصْمَانِ الإشارةُ إلى المؤمنينَ والكفَّارِ على العمومِ، ويدلُّ على ذلك ما ذُكِر قبلَها مِن اختلافِ الناسِ في أديانِهم، وهو قولُ ابنِ عباسٍ).
وقال أبو السعود: (أي: فريقُ المؤمنينَ، وفريقُ الكفرةِ المقسَّمُ إلى الفِرَقِ الخَمسِ).
واختار هذا المعنى أيضًا: الألوسي، والقاسمي.
وقيل: المرادُ بهم النَّفرُ الذين برَزوا للقتالِ أوَّلَ المعركةِ يومَ بدرٍ. وممن قال بذلك: مكي، والقرطبي.
ويُنظر أيضًا: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/291).
وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/228).
قال ابن جرير: (الآيةَ قد تنزِلُ بسَبَبٍ مِن الأسبابِ، ثُمَّ تكونُ عامَّةً في كلِّ ما كانَ نظيرَ ذلك السَّبَبِ. وهذه مِن تلك؛
وذلك أنَّ الَّذينَ تبارَزوا إنَّما كانَ أحدُ الفريقينِ أهلَ شِرْكٍ وكفرٍ باللَّهِ، والآخَرُ أهلَ إيمانٍ باللَّهِ وطاعةٍ له، فكلُّ كافرٍ في حُكْمِ فريقِ الشِّركِ منهما في أنَّه لأهلِ الإيمانِ خَصْمٌ، وكذلك كلُّ مُؤمنٍ في حُكمِ فريقِ الإيمانِ منهما في أنَّه لأهلِ الشِّركِ خَصْمٌ). ((تفسير ابن جرير)) (16/493).
وقال الرازي: (السببُ وإن كان خاصًّا، فالواجبُ حملُ الكلامِ على ظاهرِه). ((تفسير الرازي)) (23/215)].
قال ابنُ جُزَي: فالآيةُ على هذا مَدَنيَّةٌ إلى تمامِ سِتِّ آياتٍ). ((تفسير ابن جزي)) (2/36).
قال ابن عاشور: (الأظهرُ: أنَّ أبا ذَرٍّ عنَى بنزول الآية في هؤلاء أنَّ أولئك النفرَ الستَّة هم أبرزُ مِثالٍ وأشهرُ فَردٍ في هذا العمومِ؛ فعبَّر بالنزولِ وهو يُريد أنهم ممَّن يُقصَدُ مِن معنى الآيةِ، ومِثل هذا كثيرٌ في كلام المتقدِّمينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/229)].
قوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ}.
أي: فالذين كَفَروا بالله فُصِّلَت لهم ثِيابٌ مِن نارٍ، فيَعُمُّ العذابُ أجسادَهم.
قوله: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}.
أي: يُصَبُّ على رُؤوسِ الكُفَّارِ الماءُ المُغْلَى الشَّديدُ الحَرارةِ.
كما قال تعالى: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 47-48] .
وقوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لمَّا ذكَرَ ما يُعذَّبُ به الجَسدُ ظاهِرُه وما يُصَبُّ على الرَّأسِ؛ ذكَرَ ما يَصِلُ إلى باطنِ المُعذَّبِ. [انظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/496)].
وقوله: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)}.
أي: وللكُفَّارِ في جهَنَّمَ مَرازِبُ ومَطارِقُ مِن حَديدِ، تَضرِبُهم وتَدفَعُهم بها
خَزَنةُ النَّارِ مِن الملائِكةِ
وقوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)}.
أي: كُلَّما أراد هؤلاءِ الكُفَّارُ أن يَخرُجوا مِنَ النَّارِ بسَبَبِ ما نالهم فيها مِنْ غَمٍّ، أُعيدُوا في النَّارِ مرَّةً أُخرى.
[انظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/498)، ((تفسير القرطبي)) (12/28)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/230)].و ((تفسير السعدي)) (ص: 536)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/291)].
كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 36-37].
وقوله: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}.
أي: ويُقالُ لهؤلاء الكافرينَ: ذوقوا عَذابَ النَّارِ المُحرِقَ للقُلوبِ والأبدانِ.
كما قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون}َ [السجدة: 20].
[انظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/498)، ((تفسير البغوي)) (3/331)، ((تفسير ابن عطية)) (4/114)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/230)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/292)].
(المطلب الخامس): الفوائد التربوية:
حَذَّرَنا اللهُ تعالى في كتابِه مِن النَّارِ، وأخبَرَنا عن أنواعِ عَذابِها بما تتفَطَّرُ منه الأكبادُ، وتتفَجَّرُ منه القُلوبُ؛ حَذَّرَنا منها وأخبَرَنا عن أنواعِ عَذابِها؛ رحمةً بنا؛ لنزدادَ حَذَرًا وخَوفًا، ومن ذلك قولُه تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}.
[انظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/367)].
(المطلب السادس): الفوائد العلمية واللطائف:
قال تعالى: {اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}، والاختِصامُ يَشمَلُ ما وقع أحيانًا مِن التَّحاوُرِ الحقيقيِّ بين أهلِ الأديانِ المذكورةِ، والمعنويَّ؛ فإنَّ اعتِقادَ كُلٍّ مِن الفريقَينِ بحَقِّيَّةِ ما هو عليه وبُطلانِ ما عليه صاحِبُه، وبناءَ أقوالِه وأفعالِه عليه: خُصومةٌ للفَريقِ الآخَرِ، وإنْ لم يَجْرِ بينهما التَّحاوُرُ والِخصامُ. [انظر: ((تفسير القاسمي)) (7/238)].
(المطلب السابع): بلاغة الآيات:
1- قولُه: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} استئنافٌ بَيانيٌّ؛ لأنَّ قولَه: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} يُثِيرُ سُؤالَ مَن يسأَلُ عن بَعضِ تَفصيلِ صِفَةِ العذابِ الَّذي حَقَّ على كَثيرٍ مِن النَّاسِ الَّذينَ لم يَسْجُدوا للهِ تعالى؛ فجاءت هذه الجُملةُ لتَفصيلِ ذلك.
واسمُ الإشارةِ هَذَانِ مُشيرٌ إلى ما يُفِيدُه قولُه تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}، والإشارةُ إلى ما يُسْتَفادُ مِن الكلامِ بتَنزيلِه مَنزِلةَ ما يُشاهَدُ بالعينِ [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/228)].
– قولُه: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} في قولِه: هَذَانِ تَعيينٌ لطَرَفيِ الخِصامِ، وإزاحةٌ لِمَا عسى يَتبادَرُ إلى الوهْمِ مِن كَونِه بينَ كلِّ واحدةٍ من الفِرَقِ السِّتِّ وبين البواقي، وتَحريرٌ لِمَحلِّه، أي: فريقُ المُؤمِنينَ وفريقُ الكَفَرةِ المُقسَّمِ إلى الفِرَقِ الخَمْسِ.
وأُتِيَ باسمِ الإشارةِ الموضوعِ للمُثنَّى هَذَانِ؛ لمُراعاةِ تَثنيةِ اللَّفظِ، وأُتِيَ بضَميرِ الجماعةِ اخْتَصَمُوا؛ لِمُراعاةِ العدَدِ. [انظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/101)، ((تفسير أبي حيان)) (7/495)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/229)].
– قولُه: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} تَفصيلٌ لِمَا أُجْمِلَ في قولِه تعالى: {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. [انظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/101)].
– قولُه: {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} تَعبيرٌ بَليغٌ، كأنَّ الله تعالى يُقدِّرُ لهم نِيرانًا على مقاديرِ جُثَثِهم، تَشتمِلُ عليهم كما تُقطَّعُ الثِّيابُ الملبوسةُ. [انظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/68)، ((تفسير أبي حيان)) (7/495)].
– جاء قولُه: {قُطِّعَتْ} بلفْظِ الماضي؛ لأنَّ ما كان مِن أخبارِ الآخرةِ؛ فالموعودُ منه كالواقِعِ المُحقَّقِ. [انظر: ((تفسير القرطبي)) (12/26)].
– قولُه: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} فيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ حيث إنَّه لمَّا ذكَرَ ما يُصَبُّ على رُؤوسِهم؛ إذ يَظهَرُ في المعروفِ أنَّ الثَّوبَ إنَّما يُغطَّى به الجسَدُ دونَ الرَّأسِ؛ فذكَرَ ما يُصِيبُ الرَّأسَ منَ العذابِ. [انظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/496)].
– وفائدةُ زِيادةِ (مِنْ) في قولِه تعالى: مِنْ فَوْقِ: أنَّها لابتِداءِ الغايةِ في أوَّلِ أمكنةِ الفوقيَّةِ، حتَّى لَا يَنتقِصَ مِن حرارتِه شَيءٌ. [انظر: ((تفسير ابن عرفة)) (3/185)].
– وفي الكلامِ تَقسيمٌ وجَمْعٌ وتَفريقٌ؛ فالتَّقسيمُ: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا …} إلى قولِه: {وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، والجَمْعُ: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ إلى قولِه تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] ، والتَّفريقُ: قولُه: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الحج: 23] . [انظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/461، 462)].
2- قَولُه تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}
– قولُه: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} فيه إيجازٌ بالحذْفِ؛ لأنَّ الإعادةَ والرَّدَّ لا يكونُ إلَّا بعْدَ الخُروجِ؛ فالتَّقديرُ: كلَّما أرادوا أنْ يَخرُجوا منها مِن غَمٍّ، فخَرَجوا؛ أُعِيدوا فيها. وفائدةُ الحذْفِ: الإشعارُ بسُرعةِ تَعلُّقِ الإرادةِ بالإعادةِ، وأنَّه حين تَعلَّقَت إرادتُهم بالخُروجِ، حصَلَ وتَرتَّبَ عليه الإعادةُ، كأنَّ إرادةَ الخُروجِ نفْسُ الخُروجِ، فأُعِيدوا بلا مُكْثٍ. [انظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/463)].
– قولُه: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} هذا القولُ إهانةٌ لهم؛ فإنَّهم قد عَلِموا أنَّهم يَذوقونَه. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/230)].
[انظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 181)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/326)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 382)]. [موسوعة التفسير، بتصرف يسير].
(المسألة الثانية): إذن الإمام بالمبارزة:
- المراد بالمسألة:
المبارزة لغة: من البروز وهو الظهور
[لسان العرب (٥/ ٣٠٩) (برز)
والمبارزة اصطلاحًا: أن يخرج الرجل من المسلمين إلى الرجل من الكافرين بين الصفين؛ ليقاتل كل واحد منهما صاحبه. [الكافي في فقه ابن حنبل (٤/ ٢٨٢)].
وقد اتفقوا على وجوب إذن الإمام للمبارزة حال الحرب.
- من نقل الإجماع:
الخطابي (٢٨٨ هـ) قال: «إباحة المبارزة في جهاد الكفار، ولا أعلم اختلافًا في جوازها إذا أذن الإمام فيها». [معالم السنن (٢/ ٢٧٩)]
وابن المنذر (٣١٩ هـ) قال: “أجمعوا على أن للمرء أن يبارز، ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، وانفرد الحسن: فكان يكرهه، ولا يعرف البراز». [الإجماع لابن المنذر (ص ٦٢)] نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) [الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ٣٣٥)]
البغوي (٥١٠ هـ) قال: «إباحة المبارزة في جهاد الكفار، ولم يختلفوا في جوازها إذا أذن الإمام» [شرح السنة (١١/ ٦٧)]. نقله العظيم آبادي (بعد ١٣١٠ هـ) [عون المعبود (٧/ ٢٣٤)]، وملا علي القاري (١٠١٤ هـ) [مرقاة المفاتيح (٧/ ٤٦٠)].
القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: «وجواز المبارزة، ولا خلاف بين العلماء في جوازها بإذن الإمام، إلا الحسن فإنه شذ ومنعها». [إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٠٠)]،
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: «لم يزل أصحاب النبي ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ وبعده، ولم ينكره منكر، فكان ذلك إجماعا». [المغني في فقه الإمام أحمد (١٠/ ٣٨٦)]،
النووي (٦٧٦ هـ) قال: «اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها». [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٢/ ١٨٧)].
- مستند الإجماع:
ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة:
- أولًا: الكتاب:
الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [سورة النور، الآية: (٦٢)].
قال العيني: «قال المهلب: هذه الآية أصل أن لا يبرح أحد من السلطان إذا جمع الناس لأمر من أمور المسلمين يحتاج فيه إلى اجتماعهم إلا بإذنه، فإن رأى أن يأذن له أذن، وإلَّا لم يأذن له» [عمدة القاري (١٤/ ٢٢٨)].
الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [سورة الصف، الآية: (٤)].
- وجه الدلالة: قال ابن العربي: «وأما الخروج من الصف، فلا يكون إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها الإمام، ومنفعة تظهر في المقام، كفرصةٍ تنتهز ولا خلاف فيها، أو يتظاهر على التبرز للمبارزة» [أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٤٣)].
الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [سورة الحج، الآية: (١٩)].
- وجه الدلالة: قال أبو ذر رضي الله عنه: «نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ، يوم بَرَزُوا في يَوْمِ بَدْرٍ» [أخرجه البخاري واللفظ له، كتاب التفسير، باب: (٦/ ٩٨) رقم (٤٧٤٣)، ومسلم، كتاب التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٤/ ٢٣٢٣) رقم (٣٠٣٣)].
- ثانيًا: السنة: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الحَارِثِ»، فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْد والْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَة» [أخرجه أبو داود، باب في المبارزة (٣/ ٥٢) رقم (٢٦٦٥)، والحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر إسلام حمزة رضي الله عنه (٣/ ٢١٤) رقم (٤٨٨٢) وصححه].
- وجه الدلالة: إذن رسول اللَّه ﷺ بالمبارزة لحمزة، وعلي، وعبيدة رضي الله عنهم.
وذلك لأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم، ومواضعهم، وقربهم، وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو فيأخذوه، أو طليعة لهم، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك، وإذا كان بإذن الأمير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن، وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ويطلع لهم.
ولأن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه كان معرضًا نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام؛ ليختار للمبارزة من يرضاه لها، فيكون أقرب إلى الظفر، وجبر قلوب المسلمين، وكسر قلوب المشركين [المغني في فقه الإمام أحمد (١٠/ ٣٨٦)].
النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي — مجموعة من المؤلفين، [٥] مسائل الإجماع في الأحكام السلطانية، الباب الأول مسائل الإجماع في الإمامة، الفصل السابع مسائل الإجماع في واجبات الإمام، [٩٢/ ٩٢] إذن الإمام بالمبارزة، (5/ 331 – 334)].
نهاية الكتاب، ولله الحمد، والله الكريم كما يسر لنا هذا نسأله أن يعيننا على التزود من العلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إليه، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
——
قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس٧٧] .
ثم ذكر سبحانه مخاصمته لربه فيما ضربه من المثل قال ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس٧٨] وفي الصحيح قال كان المشركون يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر٤٩، ٤٨] فهؤلاء إنما كانت خصومتهم خصومة معارضة للوحي بعقولهم وآرائهم كخصومة من خاصم في المعاد وكذلك مجادلتهم في الله وآياته كذا كانت جدال معارضة للوحي بالرأي والعقل فهؤلاء خصماء الله حقيقة وفي الاثر ينادي مناد يوم القيامة ألا ليقم خصماء الله فيذهب بهم إلى النار فخصماء الله حقيقة هم المعارضون لكتابه وما بعث به رسله بعقولهم وآرائهم وإن لم يكن هؤلاء خصماء الله فمن هم خصماؤه غيرهم وقد حكم الله سبحانه بين خصمائه وبين من خاصمهم فيه أحسن الحكومة وأعدلها وهي حكومة يحمده عليها الفريقان كما يحمده عليها أهل السماوات والأرض فقال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج٢٢، ١٩] ثم حكم لخصومهم الذين خاصموا به وله فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج٢٤، ٢٣ ولا يستوي من خاصم بكتاب الله وحاكم إليه وعول فيما يثبته لله وينفيه عنه عليه كمن خاصم كتاب الله وحاكم إلى منطق يونان وكلام أرسطو وابن سينا والجهم بن صفوان وشيعتهم وعول فيما يثبته وينفيه على أقوالهم وآرائهم وكان النبي يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فالرسل إنما خاصموا قومهم بالوحي وإليه حاكموهم به كانت لهم عليهم الحجة البالغة وكيف يعارض من يقول قال لي ربي كذا وكذا بقول من يقول قال لي عقلي أو قلبي أو قال فلان فهذا هو المخصوم الداحضة حجته في الدنيا والآخرة الذي لا يمكنه تنفيذ ضلاله وباطله إلا بالعقوبة والتهديد والوعيد أو بالرغبة العاجلة في الدنيا وزخرفها كما فعل المنافقون بنو عبيد حين أظهروا دعوتهم فإنهم استولوا على النفوس الصغيرة الجاهلة المبطلةبالرغبة والرهبة العاجلة من نوع شبهة وإذا انضاف الهوى إلى الشبهة ترحل العقل والإيمان وتمكن الهوى والشيطان والنفس موكلة بحب العاجل بدون شبهة تدعوها إليه فكيف إذا قويت الشبهة وأظلم ليلها وغابت شمس الهدى والإيمان وحيل بين القلوب وبين حقائق القرآن بتلك الطواغيت التي عزلوه بها عن إفادة الإيقان يوضحه.
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة – ط العاصمة ٤/١٣٨٥-١٣٨٨
——
قال ابن تيمية:
وأما قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، ففي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أنها نزلت في المختصمين يوم بدر، وأول من برز من المؤمنين علي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، برزوا لعتبة وشيبة والوليد بن عتبة. وهذه فضيلة مشتركة بين علي وحمزة وعبيدة، بل سائر البدريين يشاركونهم في هذه الخصومة.
ولو قدر أنها نزلت في الستة المبارزين فلا يدل على أنهم أفضل من غيرهم، بدليل أن النبي ﷺ والحسن والحسين وأبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم ممن هو أفضل من عبيدة بن الحارث باتفاق أهل السنة منقبة لهم وفضيلة، وليست من الخصائص التي توجب كون صاحبها أفضل من غيره.
رسالة في فضل الخلفاء الراشدين ١/٥٢-٥٤