(مقدمة ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
صحيح الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ رحمه اللهُ تعالى
تمهيد:
بين يدي الشرح التعريف بالإمام مسلم رحمه الله تعالى، وبيان درجة كتابه، وفضله، وشرطه، مستعينا بالله تعالى، ويكون البحث فيه مقسّما إلى بابين: الباب الأول في ترجمته، والباب الثاني في الكلام على كتابه.
(الباب الأوّل): في ترجمة الإمام مسلم رحَمه الله تعالى، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): في التعريف به، نسبًا، وولادة، ووفاةً، وسببها، ونشأةً، ومِهنةً، ورحلةً، وعقيدةً، ومذهبا:
1) نسبه:
أما نسبه: فهو الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين مسلم ابن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القُشَيري النسب من أنفسهم، وقيل: هو من موالي قشير بن كعب
[الأول قول الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى، والثاني نقله التُّجِيبيّ عن شيخه أبي محمد التَّوْنيّ قال: القشيريّ مولى قشير بن كعب، ورجح التجيبيّ هذا. وذكر الذهبيّ هذا احتمالًا، فقال: فلعله من موالي قشير. وكثير من العلماء يقولون فيه: «القشيريّ» بالإطلاق]، النيسابوري الدار والوطن.
2) ولادته:
وأما ولادته: فقد اختُلف فيها على أربعة أقوال: الأول: أنه وُلد سنة (٢٠١) وهو الذي أشار إليه الذهبي في «العبر» إذ ذكر أن مسلمًا توفّي، وله ستّون سنة، ووافقه ابن العماد الحنبليّ، إذ نقل كلامه، ولم يتعقّبه. والثاني: أنه وُلد سنة (٢٠٢). والثالث: أنه ولد سنة (٢٠٤) وهو الذي ذكره الذهبيّ في «السير» بقيل. والرابع: أنه وُلد سنة (٢٠٦) وهذا هو الذي قال به الحاكم، فيما سمعه من ابن الأخرم قال: توفي مسلم بن الحجاج رَحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة (٢٦١) وهو ابن (٥٥) سنة.
وصحّح هذا القول جماعة، منهم الإمام ابن الصلاح، والحافظ، وطاش كبرى زاده، وآخرون
3) وفاته، وسببها:
وأما وفاته، وسببها: فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمهُ الله تعالى: مات مسلم رحمه الله سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وهذا مشهور، لكن تاريخ مولده ومقدار عمره كثيرا ما تطلب الطلاب علمه، فلا يجدونه، وقد وجدناه -وللَّه الحمد- فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ، في «كتاب المزكين لرواة الأخبار» أنه سمع أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج رحمه الله عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة. وهذا يتضمن أن مولده كان في سنة ست ومائتين. والله تعالى أعلم.
وكان لموته سبب غريب، نشأ عن غمْرة فكرية علمية، فقرأت بنيسابور -حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله- فيما انتخبته من «تاريخها» على الشيخ الزكي أبي الفتح، منصور بن عبد المنعم، حفيد الْفرَاوي، وعلى الشيخة أم المؤيد، زينب ابنة أبي القاسم، عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني -رحمها الله وإيانا- عن الإمام أبي عبد الله الفراوي، وأبي القاسم، زاهر بن طاهر المستملي، عن أبوي عثمان: إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وسعيد بن محمد الْبَحِيري، والإمام أبي بكر البيهقي، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب، سمعت أحمد ابن سلمة يقول: عُقِد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة ، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلنّ أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سَلَّة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدّموها، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فَنِيَ التمر، ووجد الحديث، قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مَرِض، ومات.
قال ابن الصلاح: قد زرت قبره بنيسابور، وسمعنا عنده خاتمة كتابه «الصحيح» وغير ذلك رضي الله عنه وعنا، ونفعنا بكتابه، وبسائر العلم، آمين، آمين. انتهى [«صيانة صحيح مسلم» ٦٤ – ٦٦].
[قال الإتيوبي رحمه الله معلقا في حاشية قرة عين المحتاج: “هذا محلّ نظر؛ لأن قراءة الكتب عند القبر ليس من هدي السلف، وإنما تزار القبور للسلام على أصحابها، والدعاء لهم، والإعتبار بهم، كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة، فليُتنبّه”. انتهى.]
4) نشأته:
وأما نشأته: فقد نشأ رحمهُ الله تعالى في بيت علم وجاه، فقد كان والده ممن تصدّى لتعليم الناس، قال تلميذ مسلم محمد بن عبد الوهّاب الفرّاء المتوفّى سنة (٢٧٢): وكان أبوه الحجاج بن مسلم من مشيخة أبي. وأقبل مسلم على سماع الحديث منذ صغره، فأول سماعه -كما قال الذهبيّ- سنة (٢١٨)، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، فسمع من خلق كثير مثل يحيى بن يحيى التميميّ المتوفّى سنة (٢٢٦)، وهو أول من سمع منه في سنة ثماني عشرة، وحجّ في سنة عشرين، وهو أمرد، فسمع بمكة من القعنبي، فهو أكبر شيخ له. وممن سمع منه بنيسابور إسحاق بن راهويه المتوفّى سنة (٢٣٨)، وقتيبة بن سعيد المتوفّى سنة (٢٤٠). وسمع في طريق رجوعه من الحجّ بالكوفة من أحمد بن يونس، وجماعة، وأسرع إلى وطنه.
5) مهنته:
وأما مهنته: فكان رحمهُ الله تعالى تاجرًا، فكان له مَتجر بخان محمش، يبيع فيه الْبَزّ، وكان له أملاك، وضَيَاع، وثروة بأسْتُواء، وكان يعيش منها [انظر «العبر» ٢/ ٢٣ و«شذرات الذهب» ١/ ١٤٥]. وكان كثير الإحسان إلى الناس، حتى نُعت بـ «محسن نيسابور».
6) رحلاته:
وأما رحلاته العلميّة، فكان رحمهُ الله تعالى ذا رحلة واسعة، عالي الهمة، كثير النشاط، ذا صبر في الطلب والتحصيل، فهو أحد الرحّالين في طلب العلم، فرحل إلى أئمة الأقطار والبلدان، فدخل الحجاز، وعمره أربعة عشر عاما في سنة عشرين ومائتين، وكان أمرد، لأداء فريضة الحج، فسمع بمكة من سعيد بن منصور، والقعنبيّ، وغيرهما، وبالمدينة من أبي مصعب الزهريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهما. ودخل العراق، فسمع بالبصرة من علي بن نصر الجهضميّ، وبالكوفة من أحمد بن يونس، وعمر بن حفص بن غياث، وسعيد بن محمد بن سعيد الجرميّ. وسمع ببغداد من أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، وخالد ابن خِدَاش، وعبيد الله بن عمر القواريريّ، وخلف ابن هشام البزار المقرىء، وسُريج بن يونس، وغيرهم. وسمع ببلخ من قُتيبة بن سعيد.
ودخل الريّ أكثر من مرة، وسمع بها من محمد بن مِهْران الجمّال، وأبي غسان محمد بن عمرو زُنَيْج [بزاي ونون وجيم مصغّرًا. قاله في «التقريب»].
ودخل مصر، فسمع من أحمد بن عبد الرحمن الوهبيّ، وعمرو بن سوّاد، وعيسى ابن حماد زُغْبَة، ومحمد بن رُمح بن المهاجر.
ودخل الشام، على ما قاله ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، قال: وسمع من محمد ابن خالد السكسكيّ، لكن الذهبيّ، ينكر ذلك، ويقول: والظاهر أنه لقيه في الموسم، فلم يكن ليدخل الشام، فلا يسمع إلا من شيخ واحد. وقال أيضًا في ترجمة هشام بن عمار: ولم يلقه مسلم، ولا ارتحل إلى الشام، ووهمَ من زعم أنه دخل دمشق [«سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٢٢. و١٢/ ٥٦٢].
والحاصل أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى كثير الرحلة، فقد طوّف كثيرًا من البلدان: مثل الريّ، والعراق، ومصر، والحجاز (مكة، والمدينة)، ودمشق على ما قاله ابن عساكر. والله تعالى أعلم.
7) عقيدته:
وأما عقيدته: فكان رحمهُ الله تعالى على عقيدة أهل الحديث، مثل الأئمة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والبخاريّ، وأبي زرعة، وغيرهم، وقد ذكر أبو عثمان الصابونيّ النيسابوريّ المتوفّى سنة (٤٤٩) عقيدة السلف أصحاب الحديث، وذكر فيها علامات أهل السنّة، وإحدى علاماتهم حبهم لأئمة السنّة، وعلمائها، وأنصارها، وأوليائها، ونقل عن قتيبة بن سعيد أسماء جماعة من هؤلاء العلماء، وأن حبهم علامة لأهل السنّة، ثم قال: وأنا أُلحق بهؤلاء الذين ذكرهم قتيبة رحمهُ الله تعالى أن من أحبهم، فهو صاحب سنة من أئمة الحديث الذين بهم يقتدون، وبهديهم يهتدون، ومن جملتهم وشيعتهم أنفسَهُم يَعُدُّون، وذكر من بينهم الإمام مسلم بن الحجاج [راجع «عقيدة السلف أصحاب الحديث» ٦٧ – ٦٩]. والله تعالى أعلم.
8) مذهبه في الفروع:
اعلم: أنه قد اضطربت أقوال المتأخّرين في شأن مذهبه، وتناقضوا فيه، فمن قائل: إنه شافعيّ، ومن قائل: إنه حنبليّ، ومن قائل غير ذلك، كما اختلفوا في مذهب البخاريّ، وسائر أصحاب الكتب الستة، وغيرهم.
وهذا بناء منهم على ما تخيّلوه من أن أيّ أحد لا بدّ أن ينتسب إلى مذهب أحد الأئمة الأربعة، وإن كان من أكابر المحدّثين، وهذا مما ابتُلي به المسلمون في الأعصار المتأخّرة من الإعتقادات الفاسدة، والإتجاهات الكاسدة، فلقد عاش الناس في عافية من هذا البلاء دهرًا طويلًا من الزمن حينما كانوا يُطبِّقون قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، فلا يُعرف أحد منهم أنه يقال له: بكري، ولا عمريّ، ولا عثمانيّ، ولا علوي، ولا غير ذلك، نسبة إلى مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين، حتى جاء أهل العصر المتأخّر ممن بعد الأئمة الأربعة، فانتسبوا إليهم، مع أنهم حذّروهم من تقليدهم، وأمروهم باتباع الأدلة، ثم آل الأمر إلى أن لا يروا جواز تقليد غيرهم إلا في حال الضرورة، فقد قال أحدهم، وبئسما قال:
وَجَائِزٌ تَقْلِيدُ غَيْرِ الأَرْبَعَهْ … لِذِي ضَرُورَةٍ وَفِي هَذَا سَعَهْ
بل قال صاحب «مراقي السعود»، وبئسما قال:
وَالْمُجْمَعُ الْيَوْمَ عَلَيْهِ ألأَرْبَعَهْ … وَقَفْوُ غَيْرِهَا الْجَمِيعُ مَنَعَهْ
فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان على من خالف مذهب خيار الأمة، وللبحث مجالٌ آخر.
ولنرجع إلى المقصود:
اعلم: أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى إمام مجتهد، يدور مع النصوص، فما تخيّله المقلدون من أنه على مذهب فلان، فلما رأوه يوافق رأي ذلك الإمام في بعض المسائل لاتفاق الأدلة، أو لكونه أخذ عنه، أو عمن أخذ عنه، فإن كان هذا مسوّغًا للتقليد، فلنقل: إن الشافعيّ مالكيّ حيث أخذ عنه، وأحمد شافعيّ؛ لأنه أخذ عنه، وهلمّ جرّا، وهؤلاء المدّعون لا يقولون بهذا، بل يتبرؤن منه.
وهذا كلّه يفنّده مخالفته لذلك الإمام في مسائل أخرى، ومعلوم أن المقلّد لا يخالف إمامه أبدًا.
والحقّ أنه على مذهب أهل الحديث، ليس مقلّدًا لأحد، بل هو كالشافعي، وأحمد، وغيره من فقهاء المحدّثين، ولقد أجاد أبو عبد الله الحاكم رحمهُ الله تعالى حيث ذكره ضمن فقهاء المحدّثين، وأفرده بترجمة كباقي الأئمة، كالزهريّ، والأوزاعيّ، وابن عيينة، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وابن المدينيّ، وغيرهم. وذكر قبل تراجمهم المقصود بفقه الحديث، فقال في (النوع الموفّي العشرين): «معرفة فقه الحديث» إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، فأما فقهاء الإسلام، أصحاب القياس والرأي، والإستنباط، والجدل، والنظر، فمعروفون في كلّ عصر، وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله؛ ليُستدلّ بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحّر فيها، لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوع من أنواع هذا العلم. انتهى [«معرفة علوم الحديث» ٦٣ – ٧٨].
وقال العلامة المباركفوريّ رحمهُ الله تعالى: كما أن البخاريّ رحمهُ الله تعالى كان متّبعًا للسنة عاملا بها، مجتهدًا، غير مقلّد لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم، كذلك مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، كلهم كانوا متّبعين للسنة، عاملين بها، مجتهدين، غير مقلدين لأحد. انتهى [«مقدّمة تحفة الأحوذيّ» ١/ ٣٥٣].
وخلاصة القول أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى، وغيره من أصحاب الكتب الستة، وغيرهم أنهم من فقهاء المحدّثين العاملين به، والداعين إليه، لا يرون لتقليد أحد كائنا من كان قيمة، ولا وزنًا، وليس لهم إمام إلا رسول الله ﷺ الذي ضمِنَ الله تعالى للخلق الهداية، والفلاح في طاعته، واتباع أثره، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وإن وافق قولهم قول بعض الأئمة في بعض المسائل، فإن ذلك لدليل ساقهم إلى ذلك، فظن المقصّرون ذلك تقليدًا، فوسموهم بسمة لا تليق بمن هو دونهم بمرّات. والله المستعان على من خالف الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في ذكر بعض شيوخه على ترتيب حروف المعجم.
انظر: قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج، (1/ 14 وما بعدها)
(المسألة الثالثة): في ثناء العلماء عليه:
لقد أثنى على الإمام مسلم رحمهُ الله تعالى العلماء ثناء عاطرًا، قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: أملى علينا إسحاق الكوسج سنة إحدى وخمسين، ومسلم ينتخب عليه، وأنا أستملي، فنظر إليه إسحاق، وقال: لن نَعْدَم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. وقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلما في معرفة الصحيح على مشايِخ عصرهما، وسمعت الحسين بن منصور يقول: سمعت إسحاق بن راهويه ذكر مسلمًا، فقال بالفارسية كلامًا معناه: أيَّ رجل يكون هذا؟ . ثم قال أحمد بن سلمة: وعُقد لمسلم مجلس المذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد منكم، فقيل له: أُهديت لنا سَلَّةُ تمر، فقال: قدّموها، فقدّموها إليه، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح، وقد فني التمر، ووجد الحديث. رواها أبو عبد الله الحاكم، ثم قال: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان مسلم ثقة من الحفاظ، كتبت عنه بالري، وسئل أبي عنه؟ فقال: صدوق. قال أبو قريش الحافظ: سمعت محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالريّ، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. قال أبو عمرو بن حمدان: سألت الحافظ ابن عقدة عن البخاري ومسلم، أيهما أعلم؟ فقال: كان محمد عالما، ومسلم عالم، فكررت عليه مرارا، فقال: يا أبا عمرو قد يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، يَتَوَهّم أنهما اثنان، وأما مسلم فقلما يقع له من الغلط في العلل؛ لأنه كتب المسانيد، ولم يكتب المقاطيع، ولا المراسيل.
قال الذهبيّ: عَنَى بالمقاطيع أقوال الصحابة والتابعين، في الفقه والتفسير.
وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة رجال: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال الحسين بن محمد الماسَرْجِسِيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلما يقول: صنّفت هذا
«المسند الصحيح» من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. قال ابن منده: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم يقول: ما معناه: قَلّما يفوت البخاري ومسلما مما ثبت من الحديث. قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ يقول: رأيت شيخا حسن الوجه والثياب، عليه رداء حسن، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه، فقيل: هذا مسلم، فتقدم أصحاب السلطان، فقالوا: قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين، فقدموه في الجامع، فكبر، وصلى بالناس.
وقال ابن أبي حاتم: كان ثقة من الحفاظ. وقال الخطيب البغداديّ: أحد الأئمة من حفاظ الحديث. وقال أبو حامد بن الشرقيّ. إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة: محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومسلم بن الحجاِج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال الذهبيّ: الإمام الحافظ حجة الإسلام«. وقال أيضًا: الإمام الكبير الحافظ المجوّد الحجة الصادق». وقال: أحد أركان الحديث. وقال: حافظ خراسان. وقال: حافظ نيسابور. وذكره ضمن الحفّاظ، وأعلام النبلاء، ومن يُعتمد قوله في الجرح والتعديل. وقال القاضي عياض في مقدمة شرحه: هو أحد أئمة المسلمين، وحفّاظ المحدثين، ومتقني المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدّمين والمتأخّرين، وأجمعوا على إمامته وتقدّمه وصحة حديثه، وتمييزه، وثقته، وقبول كتابه. وقال ابن عساكر: الحافظ، صاحب الصحيح، الإمام المبرّز، والمصنّف المميّز، رحل، وجمع، وصنّف. وقال ابن عبد الهادي: الإمام الحافظ، حجة الإسلام. وقال الخليليّ: هو أشهر من أن تُذكر فضائله. وقال النوويّ: أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرّزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف بالتقدّم فيه بلا خلاف عند أهل الْحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه، والمعتمد عليه في كلّ الأزمان [«شرح صحيح مسلم» ١/ ١٠].
وهو أحد أمراء المؤمنين في الحديث، كما ارتضى ذلك ابن الملقّن، حيث قال: ومسلم بن الحجاج جدير بأن يُلقّب بذلك، وإن لم أرهم نصّوا عليه [«إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين» (لوحة ٣/ أ- ب)].
وأما قول صاحب «هديّة المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث»:
وَكَادَ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّقَبِ … يُدْعَى كَمَا لِبَعْضِهِمْ وَمَا اجْتُبِي
فليس بِمُجْتَبَى، فمَنْ أحقّ بهذا اللقب، إذا لم يكن مسلم أحقّ به؟، إن هذا لشيء عُجَاب! ! ! .
وبالجملة فقد حاز قصب السبق في الفضائل والفواضل، واستغنى عن ثناء الأماثل، فكان كما قال قائلهم [من البسيط]:
عَلَا عَنِ الْمَدْحِ حَتَّى مَا يُزَانُ بِهِ … كَأَنَّمَا الْمَدْحُ مِنْ مِقْدَارِهِ يَضَعُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج، (1/ 8 – 192)، بتصرف يسير].