تتمة شرح صحيح البخاري باب وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
شرح الأحاديث :
٨٧– قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (١١/ ٤٤٧)»يقول (تضامون) بضم أوله وتشديد الميم يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جهة ولا ينضم بعضكم إلى بعض؛ فإنه لا يرى في جهة، ومعناه بفتح أوله: «لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو بغير تشديد من الضيم معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض؛ فإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو متعال عن الجهة …».
وذلك في كلامه على حديث رقم ٦٥٧٣، كتاب الرقاق، باب ٥٢.
ــ التعليق ــ
قوله: «فإنه لا يرى في جهة …»: معنى ذلك أنه لا يرى في العلو؛ فلا يرى من فوق ولا من تحت ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا شمال، وهذا قول باطل في العقل والشرع؛ فالمرئي رؤية بصرية لا بد أن يكون في جهة من الرائي، وهذا القول في الرؤية هو حقيقة قول الأشاعرة، وهو مبني على باطل، وهو نفي علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، فكانوا في الرؤية متذبذبين بين النفاة والمثبتين، بل هم أقرب إلى نفاة الرؤية كالمعتزلة.
وقوله: «فإنكم ترونه في جهاتكم كلها»: يناقض القول بأنه تعالى لا يرى في جهة، فتبين أن قول الأشاعرة في الرؤية متناقض ومناقض للعقل والشرع، وهذا شأن الباطل، وفي هذا الحديث دلالة على أنه سبحانه يراه المؤمنون في جهة العلو؛ لقوله: (فإنكم ترونه كذلك)، أي كما ترون الشمس والقمر، وهما يريان في العلو؛ فرؤيتهما بصرية ومن غير إحاطة والله تعالى يرى كذلك، كما أخبر بذلك أعلم الخلق به ﷺ.
التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري ١١/٤٤٧
وقال الاتيوبي في البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٥/١٢١ — محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (ت ١٤٤٢):
وقال البيهقيّ: سمعت الشيخ أبا الطيب الصُّعْلُوكيّ يقول:»تُضَامُّون«- بضم أوله، وتشديد الميم – يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جِهَة، ولا ينضم بعضكم إلى بعض، فإنه لا يُرَى في جهة، ومعناه بفتح أوله: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو بغير تشديد من الضيم، معناه: لا تُظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم ترونه في جهاتكم كلِّها، وهو متعالٍ عن الجهة، قال: والتشبيه برؤية القمر لتعيين الرؤية دون تشبيه المرئي .
*قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نفي الجهة في رؤية الله تعالى – كما قال بعض المحقّقين – هو قول الأشاعرة والماتريديّة، ونُفاة العلوّ عن الله تعالى، والحقّ أن الله عزوجل يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون من فوقهم، وهو في علوّه الذي أثبته لنفسه، وأثبته له رسول الله ﷺ في نصوص كثيرة، والله تعالى أعلم.*
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (٨٥/١٦):
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لَا فِي جِهَةٍ وَقَوْلُهُ: «لَا تضامون» مَعْنَاهُ لَا تضمكم جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا فِي جِهَةٍ فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ؛ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ مُنْكَرٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلُغَةً. فَإِنَّ قَوْلَهُ «لَا تُضَامُونَ» يُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ. أَيْ: لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ فِي رُؤْيَتِهِ كَمَا يَلْحَقُ النَّاسَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الْحَسَنِ كَالْهِلَالِ فَإِنَّهُ قَدْ يَلْحَقُهُمْ ضَيْمٌ فِي طَلَبِ رُؤْيَتِهِ حِينَ يُرَى؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى تَجَلِّيًا ظَاهِرًا فَيَرَوْنَهُ كَمَا تُرَى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِلَا ضَيْمٍ يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ. وَقِيلَ «لَا تضامون» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ
كَمَا يتضام النَّاسُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الْخَفِيِّ كَالْهِلَالِ. وَكَذَلِكَ «تُضَارُّونَ» و «تُضَارُونَ». فَإِمَّا أَنْ يُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ وَيُقَالَ: «لَا تضامون» أَيْ لَا تَضُمُّكُمْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّضَامَّ انْضِمَامُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ. فَهُوَ «تَفَاعُلٌ» كَالتَّمَاسِّ وَالتَّرَادِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُرْوَى «لَا تضامون» بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ لَا يُضَامُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ «التَّضَامِّ» الَّذِي هُوَ مُضَامَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ هُوَ أَنَّ شَيْئًا آخَرَ لَا يَضُمُّكُمْ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَالُ فِيهِ «لَا تضامون» فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ «لَا يَضُمُّكُمْ شَيْءٌ» ثُمَّ يُقَالُ: الرَّاءُونَ كُلُّهُمْ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأَرْضِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: «لَا تَضُمُّكُمْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ» وَهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى الْأَرْضِ أَرْضِ الْقِيَامَةِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ جِهَةٌ وَوُجُودُهُمْ نَفْسُهُمْ لَا فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ مُمْتَنِعٌ حِسًّا وَعَقْلًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: “هُوَ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ فَكَذَلِكَ يَرَاهُ غَيْرُهُ فَهَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَرَى بَدَنَهُ وَلَا يُمْكِنَ أَنْ يَرَى غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَالِيًا أَوْ سَافِلًا.
وَقَدْ تُخْرَقُ لَهُ الْعَادَةُ فَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي﴾ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ ﴿إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي﴾ وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿إنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ﴾ . لَكِنْ هُمْ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُمْ خَلْفَهُ. فَكَيْفَ تُقَاسُ رُؤْيَةُ الرَّائِي لِغَيْرِهِ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِنَفْسِهِ؟ ثُمَّ تَشْبِيهُ رُؤْيَتِهِ هُوَ بِرُؤْيَتِنَا نَحْنُ تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ بَصَرَهُ يُحِيطُ بِمَا رَآهُ بِخِلَافِ أَبْصَارِنَا. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَثْبَتُوا مَا لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَأَحَبُّوا نَصْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَدِيثِ فَجَمَعُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ. فَإِنَّ مَا لَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا يُشَارُ إلَيْهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَى بِالْعَيْنِ لَوْ كَانَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ مُمْكِنًا فَكَيْفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؟ وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ الْبَاطِلِ. وَلِهَذَا فَسَّرُوا «الْإِدْرَاكَ» بِالرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ كَمَا فَسَّرَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ. لَكِنْ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ فَلَا يُرَى بِحَالِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ. وَالْآيَةُ تَنْفِي الْإِدْرَاكَ مُطْلَقًا دُونَ الرُّؤْيَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ كِلَابٍ
وَهَذَا أَصَحُّ. وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ فَيُرَى مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ وَلَا حَصْرٍ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَدْحُ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لِعَظَمَتِهِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْعِبَادِ وَإِنْ رَأَتْهُ وَهُوَ يُدْرِكُ أَبْصَارَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ بِحَضْرَتِهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: «أَلَسْت تَرَى السَّمَاءَ؟». قَالَ: «بَلَى» قَالَ: «أَفَكُلَّهَا تَرَى؟» وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: عِلْمُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَيْءٍ فَقَالُوا: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومِهِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ نَفْسُ الْعِلْمِ جِنْسٌ يُحِيطُونَ مِنْهُ بِمَا شَاءَ وَسَائِرُهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ. وَقَالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وَالرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وَإِذَا لَمْ يُحِيطُوا بِهَذَا عِلْمًا وَهُوَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِ الرَّبِّ فَأَنْ لَا يُحِيطُوا عِلْمًا بِالْخَالِقِ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ﴾ وَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ – الْآيَةَ فَإِذَا قِيلَ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ . أَيْ لَا تُحِيطُ بِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ
يُوصَفُ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ بِهِ مَعَ إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِزَعْمِهِمْ فِيمَا يَنْقَسِمُ فَيُرَى بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ. فَتَكُونُ هُنَاكَ رُؤْيَةٌ بِلَا إدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ وَعِنْدَهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَى إلَّا رُؤْيَةً وَاحِدَةً مُتَمَاثِلَةً كَمَا يَقُولُونَهُ فِي كَلَامِهِ: إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ. وَفِي الْإِيمَانِ بِهِ. إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ وَالْإِحَاطَةُ الزَّائِدُ عَلَى مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ انْتِفَاؤُهُ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ عِنْدَهُمْ بَلْ لِأَنَّ ذَاتَه لَا تَقْبَلُ ذَاكَ كَمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّهَا لَا تَقْبَلُ الرُّؤْيَةَ. وَأَيْضًا فَهُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا لِلْأَبْصَارِ إدْرَاكًا غَيْرَ الرُّؤْيَةِ. سَوَاءٌ أُثْبِتَتْ الرُّؤْيَةُ أَوْ نُفِيَتْ. فَإِنَّ هَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَيُبْطِلُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ بِإِثْبَاتِ رُؤْيَةٍ بِلَا مُعَايَنَةٍ وَمُوَاجَهَةٍ.
٧٢٩٣ – أبو موسى رفعه: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾: وعن نور عظيم يخرون له سجدًا». للموصلي
أبو يعلى ١٣/ ٢٦٩ (٧٢٨٣)، قال الهيثمي ٧/ ١٢٨: فيه روح بن جناح، وثقه دحيم، وقال فيه: ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الضعيفة (١٣٣٩): منكر.
(( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون )) وهذه الآية استدل بها من أثبت لله الساق ولكن إذا تأملت لم تجد فيها دليلا على ثبوت الساق لله لماذا؟ لأنه قال : (( يوم يكشف عن ساق )) ولم يضفه إلى نفسه وإذا لم يضفه الله إلى نفسه فإنه لا يحل لنا أن نضيفه إلى نفسه.
ساق ساق من؟ ها؟ لم يبين ولهذا فسرها ابن عباس بأنه الشدة كما يقال : كشفت الحرب عن ساق.
ولكن هناك قول آخر يقول المراد بالساق ساق الله عز وجل ولا يستدل بلفظ الآية بل يقول : إن سياق الآية يطابق تماما حديث أبي سعيد والسنة تفسر القرآن السنة تفسر القرآن فإذا تأملت الآية والحديث وجدت سياقهما يدل على معنى واحد. وحينئذ نثبت الساق لله بهذه الآية لكن بإضافتها إلى الحديث. نعم. ويتم الاستدلال حينئذ يتم الاستدلال نعم.
ابن عثيمين
شرح النونية
فالحديث: يكشف عن ساقه العلماء اختلفوا في الآية عن ساقه قال بعضهم: عن شدة، ولكن جاء الحديث الصحيح فسر الآية بما لا يجوز معه خلاف الحديث، والمعنى يكشف عن ساقه، والله جل وعلا يوصف بذلك على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى كما يوصف بالوجه واليد والقدم والأصابع والعين كذلك يوصف بالساق على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، لا يشابه الخلق في شيء من صفاته.
ابن باز
قال الجامع عفا الله عنه: كون الآية من الصفات هو الظاهر، ولذلك أورد الحديث الإمام البخاريّ في «التفسير» عند قوله: «باب يوم يُكْشَف عن ساق» مستدلًّا على أن ما دلّت عليه الآية هو الذي دلّ عليه الحديث، وإذا قلنا: إن الساق من الصفات، فهو كاليد، والأصابع، والوجه، والقدم، وغير ذلك مما أثبته النصّ الصحيح لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
شرح الاثيوبي على صحيح مسلم
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه ١/٣١٤ — محمد أمان الجامي (ت ١٤١٥): الصفة السابعة عشرة: صفة الساق لله تعالى على ما يليق به:
ورد ذكر صفة الساق في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١.
والملاحظ ورود هذه الصفة مُنكّرة دون أن تضاف إلى الله بخلاف الصفات الأخرى، التي جاءت مضافة إلى الله ومختصة به، ذلك الاختصاص الذي يزيل الإشكال، أو دعوى المشاركة بين الخالق والمخلوق في حقائق الصفات.
وهذا التنكير هو الذي جعل الصحابة والتابعين يختلفون في المراد (بالساق)، هل الساق صفة من صفات الله كالوجه واليد والقدم؟ أو للساق معنىً آخر. روي عن ابن عباس قوله: إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة. وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كلاهما حسن٢ اهـ.
وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسير الساق «عن نور عظيم». وقال ابن فورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من العفو والألطاف.
ويروى عن المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة ولغيرهم نقمة١.
وذكر ابن القيم اختلاف الصحابة في المراد بالساق، ويرى أنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على أنه صفة لله تعالى، لأنه سبحانه وتعالى لم يضف الساق إلى نفسه بل ذكره مجردًا ومُنكّرًا كما تقدم٢.
ويرى ابن القيم أن الذين يثبتونه صفة لله، إنما يثبتونه بدليل خارجي، وهو حديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو من أحاديث الشفاعة ويميل ابن القيم إلى أن الساق صفة من صفات الله مثل الوجه واليد وغيرهما، وتنكيره للتعظيم والتفخيم.
ويرى ابن القيم أن حمل الآية على الشدة لا يصح ويعلل ذلك لأن في لغة العرب إنما يقال كُشِفَتْ الشدة عن القوم، ولا يقال كشفت عن الشدة، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾، فالعذاب هو المكشوف في الآية وليس هو المكشوف عنه.
ويرى ابن القيم أن سياق الآية يوم يكشف عن ساق لا يدل على ما قيل إن معنى الساق الشدة. فلذلك يرى أن تُفسّر الآية بحديث أبي سعيد الخدري الذي أشرنا إليه، فيصبح معنى الآية – في ضوء الحديث المذكور: «يوم يكشف الله لعباده عن ساقه فيدعون إلى السجود فيسجد المؤمنون الذي يسجدون لله مخلصين له الدين، أما المنافقون المراءون الذين كانوا يسجدون رياء وسمعة فلا يستطيعون السجود، إذ تصبح ظهورهم طبقًا واحدًا فلا يستطيعون الهبوط للسجود». وفي حديث أبي سعيد الخدري جاء قوله عليه الصلاة والسلام: “فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا.
قال: فيأتيهم الجبار على غير الصورة١ التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا. فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: (الساق) فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهراني جهنم» الحديث.
فانطلاقًا من هذا الحديث الصحيح الذي يثبت لله ساقًا نرى أن الآية من آيات الصفات المفسرة بالسنة لأن الآية جاءت محتملة المعنى حيث جاء الساق مجردًا عن الإضافة المخصصة فجاءت السنة مبينة بأن المراد بالساق هو ساق الرحمن. فنسلك في إثبات الساق مسلك السلف الصالح الذي سلكناه من قبل، وهو إثبات بلا تمثيل ولا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل.
فالكلام في صفة الساق كالكلام في صفة اليد والوجه مثلًا. فكما أن اليد والوجه والقَدَمَ والبصر والعين صفات تليق به تعالى، وليست جوارح وأعضاء وأبعاضًا وأجزاء كصفاتنا بل هي صفات خبرية ثابتة ينتهي علمنا فيها عند المعنى العام دون تكلف لمعرفة كيفيتها، فكذلك الساق صفة لله ثابتة ثيوت تلك الصفات، وعلى غرارها إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ولأن الكلام في الصفات الخبرية كالكلام في الصفات الذاتية يحتذي حذوه.
وأما الخلاف والنزاع الذي جرى بين الصحابة والتابعين فينبغي أن نعتبره منتهيًا بعد ثبوت حديث أبي سعيد الخدري الذي نعده تفسيرًا للآية المجملة، ثم نعده فيصلًا في هذه القضية. هذه هي طريقة أهل العلم قديمًا وحديثًا، إذ لا يلتفتون إلى أقوال أهل العلم الاجتهادية وآرائهم بعد ثبوت السنة، ولا سيما إذا كانت السنة قد جاءت مفسرة أو مفصلة لما أجمل في القرآن وهذا ما نحن بصدده. وبالله التوفيق.
وقد يقال إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والسجود لايصلح إلا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٥/٤٧٣
جاء في مجموع الفتاوى:
ﻭﺇﺫا ﻋﺮﻑ ﻫﺬا فاطلاق اﻟﻘﻮﻝ ﺑﺗﻜﻠﻴﻒ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻄﺎﻕ ﻣﻦ اﻟﺒﺪﻉ اﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻓﻲ الاسلام.
كاطلاق اﻟﻘﻮﻝ: ﺑﺄﻥ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﺠﺒﻮﺭﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺃﻓﻌﺎﻟﻬﻢ ﻭﻗﺪ اﺗﻔﻖ ﺳﻠﻒ اﻷﻣﺔ ﻭﺃﺋﻤﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺫﻟﻚ ﻭﺫﻡ ﻣﻦ ﻳﻄﻠﻘﻪ؛ ﻭﺇﻥ ﻗﺼﺪ ﺑﻪ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ” اﻟﻘﺪﺭﻳﺔ ” اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻘﺮﻭﻥ ﺑﺄﻥ اﻟﻠﻪ ﺧﺎﻟﻖ ﺃﻓﻌﺎﻝ اﻟﻌﺒﺎﺩ ﻭﻻ ﺑﺄﻧﻪ ﺷﺎء اﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ. ﻭﻗﺎﻟﻮا ﻫﺬا ﺭﺩ ﺑﺪﻋﺔ ﺑﺒﺪﻋﺔ، ﻭﻗﺎﺑﻞ اﻟﻔﺎﺳﺪ ﺑﺎﻟﻔﺎﺳﺪ ﻭاﻟﺒﺎﻃﻞ ﺑﺎﻟﺒﺎﻃﻞ
قال الطحاوي في عقيدته:
ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون.
قال الراجحي :
اختلف الناس في هذا، في التكليف فيما لا يطاق على مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الأشعرية وبعض المعتزلة ببغداد، والبكرية أتباع بكر بن زياد الباهي، فقالوا: إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس كجعل الشجر فرسا، أو الفرس إنسانا، أو الحيوان نباتا، وإيجاد القديم وإعدامه، قالوا: تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، لكن هل ورد به الشرع، تردد أصحاب أبي الحسن الأشعري هل ورد به الشرع فوقع أم لا؟ على قولين.
استدل من قال: إنه وقع بقصة أبي لهب قالوا: فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان مع أن الله أخبر بأنه لا يؤمن وأنه سيصلى نارا ذات لهب، فأبو لهب مكلف بأن يؤمن بالقرآن، وفى ضمن القرآن أن يؤمن بأنه لا يؤمن، فكان أبو لهب مأمورا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال لا يطاق هذا جوابه.
والجواب عن هذا بالمنع، لا نسلم بأن أبا لهب مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، بل هو مأمور بالإيمان والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان التي هي بمعنى توفر الأسباب، والآلات كانت حاصلة له فهو غير عاجز على تحصيل الإيمان فما كلف إلا ما يطيقه، واستدلوا بقول الله تعالى عن الملائكة: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} وقول الله تعالى للمصورين في الحديث القدسي: (أحيوا ما خلقتم)
قالوا: هذا تكليف ما لا يطاق، أجيب بأن الأمر في الآية والحديث ليس بتكليف بطلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه بل هو خطاب تعجيز، واستدلوا بدعاء المؤمنين في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} وأجيب بأنه لا يلزم من ذلك أن يكلف الإنسان ما لا يستطيعه، والمعنى لا تصبنا بشيء يهلكنا أي تصبنا بما نعجز عن طاقته فنهلك.
المذهب الثاني قالوا: يجوز التكليف بالمستحيل العادي دون المستحيل العقلي أي يجوز تكليف الممتنع عادة، وهو ما يتصور العقل وجوده مع خارق للعادة على يد نبي أو ولي دون الممتنع لذاته أي عقلا، وهو ما لا يتصور العقل وجوده أصلا كالجمع بين الضدين؛ لأنه ممتنع لذاته لا يتصور وجوده فلا يعقل الأمر به بخلاف الممتنع عادة فيتصور العقل وجوده فيعقل الأمر به.
المذهب الثالث: قالوا ما لا يطاق للعجز عنه، وهو المستحيل العادي والعقلي لا يجوز التكليف به، وما لا يطاق للاشتغال بضده كاشتغاله بلعب القمار أو الكرة عن الصلاة، فإنه يجوز التكليف به.
هؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى لكن تسميتهم ما يتركه العبد ما لا يطاق؛ لكونه مشتغلا بضده بدعة في الشرع واللغة، فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه، وهم قد التزموا هذا لقولهم: إن الطاقة والاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فقالوا: كل من لم يفعل فعلا فإنه لا يطيقه.
وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف وخلاف ما عليه عامة العقلاء؛ لأن ما يقدر الإنسان على فعله وتركه هو مناط التكليف، بخلاف ما لا يكون إلا مقارنا للفعل فذلك ليس شرطا في التكليف، والتعبير السليم أن يقال ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وما عداه فيجوز التكليف به.
ومن أدلة هذا القول قول الله -تعالى-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (بعثت بالحنفية السمحة ليلها كنهارها) وقوله صلى الله عليه وسلم (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) نعم.
ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون.
هذا معتقد أهل السنة والجماعة أن الله -تعالى- ما كلف العباد إلا ما يطيقون، رحمة منه وإحسانا كما قال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} نعم.
ويقول الإمام ابن خزيمة – وقد أورد هذا الحديث تحت باب: «ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص»:
«هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرا قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي» انتهى.
«التوحيد» (٢/٧٣٢)
عن أبي موسى مرفوعا في قوله ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القَلَم: ٤٢] قال «عن نور عظيم فيخرون له سجدا».
قال الحافظ: أخرج أبو يعلى بسند فيه ضعف عن أبي موسى مرفوعا: فذكره«(٢)
ضعيف
أخرجه أبو يعلى (٧٢٨٣) والطبري في»التفسير«(٢٩/ ٤٢) والبيهقي في»الأسماء«(ص ٤٣٩) من طرق عن الوليد بن مسلم ثنا أبو سعيد رَوح بن جَناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بُردة بن أبي موسى عن أبيه به.
قال البيهقي: تفرد به روح بن جناح وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة»
وقال الهيثمي: وفيه روح بن جناح وثقه دحيم، وقال فيه: ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات«المجمع ٧/ ١٢٨
وقال البوصيري: رواته ثقات» مختصر الإتحاف ٨/ ٤٣٦
قلت: إسناده ضعيف لضعف روح بن جناح وللمولى الذي لم يسم.
(١) ومن طريقه
أنيس الساري
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير:
حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّة، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ رَوْحُ بْنِ جَنَاحٍ، عَنْ مَوْلًى لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قَالَ: «عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ، يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا».
وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، به (٤) *وفيه رجل مبهم (٥) والله أعلم.*
تفسير ابن كثير – ت السلامة ٨/١٩٩
بحث :
أحدهم يقول أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يفسر الآية بالظاهر أي آية { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}
واستدل أيضا بهذه الآية المعطلة على أن السلف كانوا لا يأخذون بظواهر النصوص في باب الصفات وإنما يتأولونها والجواب على هذا نجعله على هيئة نقاط توضح المسألة.
- إثبات وجود الخلاف بين السلف في تفسير الآية
قال ابن منده في الرد على الجهمية:
قول الله جل وعز يوم يكشف عن ساق وما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك واختلاف الصحابة والتابعين في معنى تأويله..-إلى أن ذكر بعض الروايات ثم قال-… وقد اختلف الصحابة في معنى قوله جل وعز يكشف عن ساق اهـ.
فالخلاف ثابت ابتداء في هذه الآية وسيأتي سببه.
- سبب الخلاف في هذه الآية
من تأمل مذهب أهل البدع ومذهب أهل السنة في باب الصفات سيجد أن الخلاف الذي ينشئ بين أهل السنة يكون سببه هل الآية أو الدليل في باب الصفات أم لا، وأما أهل البدع فهم يقرون أن الدليل يدل على الصفة ثم ينفون الصفة لشبه عقلية وبهذا يظهر الفرق بين السني والبدعي، فالسني إن رأى أن الدليل في باب الصفات أثبت الصفة ولم يتأول ولم يصرفه عن ظاهره.
وهذه الآية تدخل في هذا الباب أن من فسرها بالشدة رأى أنها ليست في باب الصفات لأن الساق في الآية نكرة غير مضافة فلا تدل بظاهرها على إثبات الصفة
يقول ابن تيمية رحمه الله:
وَلَا رَيْبَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مِنْ الصِّفَات فَإِنَّهُ قَالَ: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ لَمْ يُضِفْهَا إلَى اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ سَاقِهِ فَمَعَ عَدَمِ التَّعْرِيفِ بِالْإِضَافَةِ لَا يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ إلَّا بِدَلِيلِ آخَرَ وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِتَأْوِيلِ إنَّمَا التَّأْوِيلُ صَرْفُ الْآيَةِ عَنْ مَدْلُولِهَا وَمَفْهُومِهَا وَمَعْنَاهَا الْمَعْرُوفِ اهـ (مجموع الفتاوى:6/395)
وقال ابن القيم -ذكر قولنا هذا وذكر تضعيف تفسير الآية بالشدة كما سيأتي كلامه كاملا وهناك أوضح- :
ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن (الصواعق المرسلة)
قال الراجحي في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري:
وأما الآية الكريمة يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فلا تدل على إثبات الصفة وحدها اهـ.
وقال أيضا: أما ما جاء عن ابن عباس وغيره أن ذلك: الشدة والكرب يوم القيامة، فهذا بالنظر إلى لفظ الآية؛ لأنها كما قلنا لم تدل على الصفة بلفظها اهـ.
– وممن قال بهذا ابن عثيمين فقال:
قوله تعالى{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ }القلم: 42 فإن لعلماء السلف في قوله: { عَنْ سَاقٍ } : قولين:
القول الأول أن المراد به الشدة.
والقول الثاني :أن المراد به ساق الله عز وجل.
فمن نظر إلى سياق الآية مع حديث أبي سعيد، قال: إن المراد بالساق هنا ساق الله.
ومن نظر إلى الآية بمفردها، قال: المراد بالساق الشدة. اهـ.
مجموع الفتاوى الشيخ ابن عثيمين:8/255)
وقال في شرح السفارينية رحمه الله:
فإن سياق الحديث يجاري سياق الآية تماماً فتحمل الآية على ما جاء في الحديث، وتكون إضافتنا الساق لله في الآية بناء على الحديث، ومن المعلوم أن الحديث يفسر القرآن، وبهذا تكون القاعدة مضطردة ليس فيها نقص اهـ.
وقال أيضا في موضع آخر:
هذه الآية فيها قولان للسلف:
الأول: أن المراد بالساق الشدة. يعني: يكشف عن شدة، وتشتد الأمور، ويدعى هؤلاء المنافقون إلى السجود، ولكن لا يستطيعون؛ لأنهم لم يسجدوا لله عز وجل في الدنيا، فلم يتمكنوا من إجابة أمر الله تعالى في الآخرة.
والقول الثاني: أن المراد بالساق هنا ساق الرب عز وجل
أما الأول فيؤيده اللفظ
وأما الثاني: فيؤيده حديث أبي سعيد الطويل حيث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يكشف عن ساقه
فهل نأخذ بظاهر اللفظ، أو نقول: إن السنة تبين الظاهر وتحدد المعنى؟ هل نأخذ بظاهر اللفظ ونقول: المراد بالساق هنا الشدة، أو أن ساق الله ثبتت في الحديث والحديث تثبت به الصفات كما تثبت بالقرآن، أو نقول: إن الآية تفسر بما يطابق الحديث؟ نقول: لولا الحديث الذي فيه أن الله يكشف عن ساقه جل وعلا لحرم أن نفسر الساق بأنها ساق الله، لماذا؟ لأن الله لم يضفها إلى نفسه، وكل شيء لا يضيفه إلى نفسه لا يجوز أن تضيفه أنت إلى الله، لكن ما دامت السنة جاءت بالسياق المطابق للآية، وأن الساق هو ساق الرب عز وجل، فإننا نرجح أن المراد بالساق هنا ساق الله تبارك وتعالى، ولكن يجب أن نعلم أنه لا يماثل سوق المخلوقين؛ لأن عندنا آية في كتاب الله محكمة واضحة فيها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] هذا خبر: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل:74] هذا نهي. اهـ. (فتاوى ودروس حرم المدني:1/22) من الشبكة
قلت وبهذا يتبين خطأ د. أحمد بن سعد الغامدي في تعليقه على تفسير ابن عباس:
لا أدري لماذا أورده المؤلف-أي اللالكائي- هنا في مبحث الصفات مع أنه لم يفسر الآية على ظاهرها اهـ. راجع شرح أصول السنة تحقيق د. أحمد م:3 ص:474 أثر: 724
فالذي يظهر من كلام الدكتور أن ظاهر النص فيه إثبات الصفة وابن عباس لم يأخذ بالظاهر وهذا خطأ، بل ظاهر النص ليس فيه إثبات الصفة نصا -وإن كانت الآية تحتمله كما سيأتي- إلا أنه أثبتنا الصفة وفسرنا الآية بالصفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه كما سبق من كلام الأئمة ويقول ابن تيمية رحمه الله: وَلَا رَيْبَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مِنْ الصِّفَات اهـ.
- من فسر الآية بالصفة
عندما نتأمل كلام أهل العلم نجد أنهم يقولون أن الآية ليست نصا في الصفة وإن كانت تحتمله، وهذا يدل عليه كلام الراجحي الآنف ذكره، وهو كلام ابن تيمية إلا أنه ينتبه أن ابن تيمية صرح في نفس الموضع أن الآية ظاهرها لا تدل على الصفة ثم ذكر أنها تحتمل ذلك وبين وجه ذلك، مع تضعيفه لتفسير الآية بالشدة.
وهذا مهم لأن ابن تيمية له كلام في أن ظاهر الآية ليس فيها إثبات الصفة، وله كلام أن تفسير الآية بالشدة ضعيف وهذا جانب والأول جانب آخر، مع وضعه الاحتمال أن نستنبط من الآية إثبات الصفة، والبعض هنا ينقل بعض كلام ابن تيمية ولا يتضح به المراد لذلك ننقله كله:
قال ابن تيمية رحمه الله:
الوجه السادس أنه من أين في ظاهر القرآن لله ساقٌ وليس معه إلا قوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم 42] والصحابة قد تنازعوا في تفسير الآية هل المراد به الكشف عن الشدة أو المراد به أنه يكشف الرب عن ساقه ولم يتنازع الصحابة والتابعون في ما يذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية …. وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله تعالى لأنه قال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ولم يقل عن ساق الله ولا قال يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقاً منكَّرة غير معرَّفة ولا مضافة وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله
والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين الذي قال فيه فيكشف الرب عن ساقه
وقد يقال إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والسجود لا يصلح إلا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه
وأيضاً فحَمْلُ ذلك على الشدة لا يصحّ لأن المستعمل في الشدة أن يقال كشف الله الشدة أي أزالها كما قال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) [الزخرف 50] وقال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ [الأعراف 135] وقال وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) [المؤمنون 75]
وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال كشف الشدة أي أزالها فلفظ الآية يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وهذا يراد به الإظهار والإبانة كما قال كَشَفْنَا عَنْهُمُ وأيضاً فهناك تحدث الشدة ولا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهراً من مجرد لفظ {ساق} بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود اهـ (بيان تلبيس الجهمية:5/473)
ونقلته هنا كاملا حتى ينتبه لعدة أمور:
أولا: قرر ابن تيمية أن ظاهر الآية ليس فيها إثبات الصفة وهذا ما تقرر سابقا من كلامه وفيه إبطال زعم من زعم أن الصحابة يتأولون آيات الصفات.
ثانيا: ذكر احتمال (قال وقد يقال) أن يستدل بالآية في إثبات الصفة من جهة الاستنباط والنظر في سياق الآية.
ثالثا: ضعف تفسير الآية بالشدة هنا.
وتضعيف التفسير بالشدة جاء أيضا عنه في موضع آخر فقال:
ومن الثاني قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق} لم يقل يوم يكشف الساق وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة وأن الشدة تسمى ساقا وأنه لو أريد ذلك لقيل يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة وأيضا فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة الإسناد اهـ. (الرد على البكري )
لعله لم يستحضر صحته وإلا أثبت بعض أهل العلم رواية ابن عباس وصححوا سنده، وذكر بعضهم أن من أهل العلم من ضعف الرواية والذي عندي الأثر صحيح، وقد ذكره ابن تيمية في مواضع أنه اختلف الصحابة في ذلك مما يدل على إثباته وذكر في جواب الاعتراضات المصرية أنه بعيد عهد عنه فقال:
وقد بَعُدَ عَهْدِي بالإسناد عن ابن عباسٍ هل هو متصلٌ أو منقطعٌ اهـ.
وما سبق من كلام شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية قريب منه ما في جواب الاعتراضات المصرية فقال رحمه الله:
وسببُ النزاع أنه ليس في ظاهر الآية ما يدلُّ على أنها من الصفات، لأنه قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}، ولم يُضِفْ ذلك إلى الله بل نكَّرَه، ومعلومٌ أن هذا لا يدلُّ بنفسِه على أنه صفةٌ لله، بخلاف ما أضيفَ إليه، ولهذا تنازعَ فيه الصحابةُ، فمن أثبته احتجَّ بحديثِ أبي سعيد المتفق عليه في الصحيحين
وقال أيضًا: فرقٌ بين أن يُقال: كُشِفَ الشيءُ وأن يقال: كَشَفتُ عنه، فإن الشدَّة يقال فيها: كشَفَها الله أي أزالها، كما قال تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} إلى قوله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ} [الأعراف/ 134-135]، وقال تعالى في حق أيوب: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ}، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} [يونس/ 23]، وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ • بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام/ 40-41]، وقال تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون/ 75].
قالوا: فالشدَّة يقال فيها كشفَها، ولا يقال: كشفَ عنه. وأما الكشف عن الشيء فهو إظهاره وإبرازه، كما يُكشَف العذاب عن الناس، فالعذاب نفسه مكشوف، وأما الناس فهم مكشوفٌ عنهم لظهورهم وبروزهم بعد زوال العذاب عنهم. اهـ
ففيه كلامه كالسابق أن ظاهر الآية ليس فيها إثبات الصفة، وفيه أن من أثبت الصفة سببه الحديث، وأنهم ضعفوا تفسير الآية بالشدة.
وأيضا ابن القيم رحمه الله ذكر أن ظاهر القرآن ليس فيه إثبات الساق ثم بين وجه من استدل بالآية فقال:
الثامن: أن نقول من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم42] والصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع
وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا
والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه ” فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدا”
ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} [القلم42] مطابق لقوله فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الزخرف50] وقال {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ} [المؤمنون75] فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. اهـ (الصواعق المرسلة:1/253)
كما نرى هنا أنه يحكي قول من قال كذا وكذا لأنه عبر (قالوا وحمل الآية) وقال (ومن حمل الآية) لذلك نقلته كاملا.
- لا خلاف بعد ثبوت الحديث
ثم هنا تنبيه: ذهب العلامة محمد أمان الجامي على أنه لا خلاف الآن في تفسير الآية :
قال رحمه الله في شرح التدمرية:
أما نصوص الصفات لم يختلف السلف فيها إلا لفظة (ساق) ” يوم يكشف عن ساق ” اختلف الصحابة في تفسير الساق هنا لأن لفظة الساق جاءت منكَّرة غير مضافة ، لم تضف إلى الله لذلك اختلفوا في ذلك قبل أن يثبت عندهم حديث أبي موسى الأشعري ، وبعد ثبوت الحديث لم يبق هناك خلاف ، في أول الأمر هذا اللفظ يعتبر عندهم مجملا لذلك فسره بعضهم بالمعنى اللغوي ولكن لما ثبت أن معنى الساق هو ساق الله تعالى بالحديث الصحيح حديث أبي موسى الأشعري ” إن الله سبحانه وتعالى يأتي يوم القيامة ” في حديث الشفاعة ” فيكشف عن ساقه ” جاء مضافا ، هذه الإضافة إضافة تخصيص فإذا كشف عن ساقه عرف المؤمنون أنه ربهم فسجدوا له سجودا ، ويحاول المراءون والمنافقون أن يسجدوا فتصير ظهورهم طبقا واحدا فلا يستطيعون أن يميلوا إلى السجود ، هذا معنى الحديث ، روينا الحديث بالمعنى ، مثل هذا اللفظ هو الوحيد أو هذا اللفظ هو اللفظ الوحيد الذي وقع فيه الاختلاف بين الصحابة بالنسبة لنصوص الصفات وإلا جميع النصوص مفهومة عندهم ، وعندنا الآن لفظ الساق ليس بمجمل بل مفسر ، هذا من باب : لفظ مجمل قرآني فسرته السنة ، السنة تفسر وتفصل وبعد تفسير السنة لا يبقى هناك إشكال ، وإن مر على إنسان ما لم يفهم معناه من خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام عليه أن يؤمن أولا بالجملة ثم يبحث عن المعنى ويستحضر قول الإمام الشافعي رحمه الله ( آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله ، وآمنا برسول الله عليه الصلاة والسلام وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ) اهـ.
فائدة : اعلم أنَّ حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين:
*الأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف اللَّه عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا؟*
*الثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا؟*
اعلم أنَّ أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يُطاق.
قالوا: وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجَّه إلى الامتثال، ويتأسف على عدم القدرة، ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا للَّه بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي.
ومنهم من يقول: لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال اللَّه؛ لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس.
وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا. قالوا: لأنَّ اللَّه يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه، فهو محال عقلًا.
أمَّا بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشارُ إليه آنفًا، وهو أن المستحيل أقسام، فالمستحيل عقلًا قسمان:
قسم مستحيل لذاته، كوجود شريك للَّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدَّين في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحد من جهةٍ واحدة، ويسمى هذا القسم: المستحيل الذاتي.
وإيضاحه: أنَّ العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده، أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات اللَّه جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا، كوجود شريك للَّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنْ قبل العقل وجوده وعدمه فهو المعروف بالجائز عقلًا، وهو الجائز الذاتيُّ، كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه.
فالمستحيل الذاتيُّ أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصحُّ شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة / ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]، ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.
القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته، بل لتعلق علم اللَّه بأنه لا يوجد؛ لأنَّ ما سبق في علم اللَّه أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي.
وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أنَّ هذه العبارة لا تنبغي، لأنَّ وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة اللَّه، فالذي ينبغي أن يقال: إنَّه مستحيل لأجل ما سبق في علم اللَّه من أنه لا يوجد.
*ومثال هذا النوع: إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائزٌ عقلًا الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم اللَّه فيما سبق أنَّه لا يؤمن؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزليُّ.*
والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا بإجماع المسلمين لأنَّه جائز ذاتيٌّ، لا مستحيل ذاتي.
والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان: واجب ومستحيل فقط؛ لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب، أو بالعدم فهو مستحيل، ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي.
هذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآيةُ لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق؛ لأنَّ المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا؛ لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به.
مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم ١/٥٠ — محمد الأمين الشنقيطي
—–
قول الخطابي: «هذا يوهم المكان والله منزه عن ذلك»: يقال في لفظ المكان ما يقال في لفظ الجهة بأنه لفظ مجمل؛ فإن أريد به أن الله تعالى في مكان موجود من المخلوقات يحيط به فالله منزه عن ذلك،
وإن أريد به ما فوق جميع المخلوقات – وليس فوق المخلوقات شيء موجود إلا الله تعالى – فلا يلزم بإثبات المكان بهذا المعنى محذور.
وقوله في الحديث: «في داره»: لا ريب أن إضافة الدار إليه إضافة تشريف، ولا يلزم من ذلك أن يكون حالًا في هذه الدار؛ فإنه تعالى منزه عن الحلول في شيء من مخلوقاته. وأما المراد بهذه الدار فالله أعلم به، وإن كان المتبادر أنها الجنة.
وانظر التعليقات (١٣٢) و(١٣٣) و(١٣٦)
التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري ١٣/٤٢٩
تعليق الشبل على كلام الخطابي: توهم الخطابي لا مبرر له، لأن الحديث لا يفيد أن الدار مكانه، فهو سبحانه فوق كل شيء مسوي على العرش الذي هو أعلى المخلوقات، وليس حالاً في شيء من مخلوقاته البتة، والتنزيه الواجب في حقه سبحانه هو تنزيهه عن كل نقص، كما أن له سبحانه وتعالى الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهكذا جميع أسمائه وصفاته المثبتة والمنفية في الكتاب والسنة، والله أعلم (ش)
معنى قوله (فأستأذن على ربي في داره)
السؤال
جاء عند البخاري تحت باب قوله عزوجل : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] حديث أنس وفيه: (ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه) فما المقصود بقوله: في داره؟
الجواب
الذي يبدو أن المقصود به الجنة، وأن الإنسان في الجنة يكون في دار الله عزوجل ، وهي دار الكرامة، وليس معنى ذلك أن الله عزوجل يحويه شيء.
شرح سنن أبي داود للعباد ٥٧٥/٢٣ —
اختلف العلماء في هذه اللفظة بين مثبت وناف ومؤول
1 – فقد حكم شيخنا الألباني رحمه الله في مختصر العلو (88) على هذه اللفظة (فأستأذن على ربي في داره) بالشذوذ.
فقد تفرد بهذه اللفظة همام بن يحيى.
وعليه يدل كلام ابن حجر في الفتح (11 / 436)
فقد أخرج البخاري الحديث بدون هذه الزيادة – داره -من طريق
أ- هشام حدثنا قتادة عن أنس
ب-أبي عوانة عن قتادة عن أنس
ت-معبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة
ث- وأخرج أحمد الحديث في مسنده من طريق ابن أبي عروبة ثنا قتادة عن أنس بن مالك – بدون هذه اللفظة أيضا وقد روى الحديث غير أنس أبو هريرة وأبو سعيد وحذيفة
وابن عباس ولم يأت في حديثهم هذه اللفظة.
2 – وعلى فرض ثبوتها فقد أجاب العلماء عن ذلك
قال ابن حجر:
والإذن له إنما هو في دخول الدار وهي الجنة وأضيفت إلى الله تعالى إضافة تشريف , ومنه {والله يدعو إلى دار السلام} على القول بأن المراد بالسلام هنا الاسم العظيم وهو من أسماء الله تعالى.
الفتح (11 / 436)
وقال الخطابي: وإنما معناه في داره الذي اتخذها لأوليائه وهي الجنة وهي دار السلام وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل بيت الله وحرم الله.
الفتح (13 / 429)
وقال ابن القيم رحمه الله:
وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه.
قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين هكذا قال في داره في المواضع الثلاث يريد مواضع الشفاعات التي يسجد فيها ثم يرفع رأسه.
اجتماع الجيوش الإسلامية (53)
والله أعلم
وحكم محققو المسند كذلك عليها بالشذوذ
وقال الشيخ العلامة ابن عثيمين في شرحه على كتاب التوحيد من صحيح البخاري على هذا الحديث:
[هذا الحديث ليس فيه إشكال إلا قوله: ” أستأذن على ربي في داره “، فيقال: إن دار الله عزوجل التي جاءت في هذا الحديث لا تشبه دور البشر، تكنه من الحر ومن البرد ومن المطر، ومن الرياح، لكن هي دار الله أعلم بها، ولعلها – والله أعلم – حُجُب النور التي احتجب بها الله – عز وجل – كما جاء في الحديث الصحيح ” حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه “].
وقال معاصر في شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري:
[ … وسيأتي في باب الرؤية في هذا الحديث ” فأستأذن على ربي في داره ” وقد قيل: إن المراد بداره هنا الجنة. فالله أعلم].
قال الألباني في مختصر صحيح البخاري عن لفظة فأستأذِنُ على ربِّي [في دارِه] فيؤْذَنْ لي [عليه] (٤١)
(٤١) قلت: هذه الزيادة والتي قبلها صورتها عند المصنف صورة تعليق، فإنه قال: وقال حجاج بن منهال: حدثنا همام بن يحيى: حدثنا قتادة عن أنس. قال الحافظ (١١/ ٣٦٥): «كذا عند الجميع، إلا في رواية أبي زيد المروزي عن الفربري؛ فقال فيها: حدثنا حجاج. وقد وصله الإسماعيلي من طريق إسحاق بن إبراهيم، وأبو نعيم من طريق محمد بن أسلم الطوسي قالا: حدثنا حجاج ابن منهال فذكره بطوله». وتابعهم عفان: ثنا همام به. أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٤).
قلت: وأنا في شك كبير في ثبوت ذكر (الدار) في هذا الحديث، لأنه قد رواه جمع من الثقات عن قتادة به، بدون هذه الزيادة، منهم سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي عند المصنف (٥/ ١٤٦)، ومسلم (١/ ١٢٥)، وأحمد (٣/ ١١٦) عن سعيد وحده، وأبو عوانة عند المصنف أيضًا (٧/ ٢٠٣)، ومسلم (١/ ١٢٣)، فهؤلاء ثلاثة من الثقات خالفوا همام بن يحيى، فلم يذكروا هذه الزيادة، فهي شاذة، لا سيما وهو -أعني همامًا- قد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه؛ كما أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في «التقريب»: «ثقة ربما وهم».
ومما يؤكد وهمه في هذه الزيادة رواية معبد بن هلال العنزي هذه، فإنه لم يذكرها أيضًا. والله أعلم. نعم قال الحافظ الذهبي في «العلو» عقب رواية همام هذه: «وأخرجه أبو أحمد العسال في»كتاب المعرفة«بإسناد قوي عن ثابت عن أنس، وفيه (فآتي باب الجنة، فيفتح لي، فآتي ربي تبارك وتعالى وهو على كرسيه أو سريره فأَخِرّ له ساجدًا)، وذكر الحديث».
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري :
قوله : ( فأستأذن على ربي في داره ) : أي في مكانه ، وهو فوق العرش – سبحانه وتعالى – ، وهذا شديد على أهل البدع ، وهو إثبات المكان ، فأهل البدع لا يثبتون المكان ، ويتأولون هذا ، فيعتقدون أن إثبات المكان… وأن الله – تعالى – في العلو… أن هذا تجسيمًا وتحيزًا . أ هـ .
٢٧- أَخْبَرَنَا (مُحَمَّدٌ) أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَ (أَبُو الْقَاسِمِ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحُرْفِيُّ، (قَالَ) ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَّادُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثَنَا زَائِدَةُ بْنُ أَبِي الرَّقَّادِ، عَنْ زِيَادٍ الْنُمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَأَدْخُلُ عَلَى رَبِّي ﷿، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ ﵎» فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ (٥)
قال المحقق:
رواه الذهبي في العلو ص ٣٢، وقال: زائدة ضعيف، والمتن بنحوه في الصحيح للبخاري من حديث قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي». وأخرجه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة بإسناد قوي عن ثابت عن أنس، وفيه: «فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي ﵎ وهو على كرسيه، أو سريره، فأخر له ساجدا». وذكر الحديث. اهـ.
أقول: حديث قتادة عن أنس أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ح (٧٤٤٠)، فتح الباري، ١٣/٤٢٢، وباب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ح (٧٤١٠)، ١٣/٣٩٢.
وأخرج الدارمي في رده على بشر المريسي حديث أبي نضرة عن ابن عباس، نحو حديث ثابت عن أنس ص ١٤. وأحمد في المسند ١/٢٨١-٢٨٢، ٢٩٥-٢٩٦. وفي حديث عمرو بن جرير عن أبي هريرة عند البخاري «… فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع لربي ساجدا …»، كتاب التفسير، باب «ذرية من حملنا مع نوح»، ح (٤٧١٢)، ٨/٣٩٥-٣٩٦. وأخرجه مسلم أيضا في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ح (٣٢٧)، ١/١٨٤-١٨٥.
إثبات صفة العلو – ابن قدامة ١/١١١
اشكال نقل ابن حجر : قال ابن بطال معنى معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية …. .
قال أحد الباحثين :
– قال الحافظ ابن حجر (١٣/ ٤٣١): «قال ابن بطال:»معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية .. «
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ:»واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب«المراد بالحاجب والحجاب: نفي المانع من الرؤية، كما نفى عدم إجابة دعاء المظلوم، ثم استعار الحجاب للرد، فكان نفيه دليلا على ثبوت الإجابة.
والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول؛ لأن الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع، ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية، وهي: أن يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر، فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في إثبات المشترك، قال: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية؛ يحصل التخلص من مهاوي التجسم، قال: ويحتمل أن يراد بالحجاب استعارة محسوس لمعقول لأن الحجاب حسي والمنع عقلي، قال: وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة والله عزوجل منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم.
ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده:»وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه«فإن ظاهره ليس مرادا قطعا، فهي استعارة جزما، وقد يكون المراد بالحجاب في بعض الأحاديث: الحجاب الحسي، لكنه بالنسبة للمخلوقين. والعلم عند الله تعالى».
وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٣، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
ــ التعليق ــ
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ: «ولا حجاب يحجبه»: يدل على أن الله تعالى يكلم عباده يوم القيامة كفاحًا بلا واسطة فيجتمع لهم التكليم والرؤية، والحجاب المنفي في هذا الحديث هو المثبت في قوله تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب». والحجاب إذا ذكر في مقام نفي الرؤية لا بد أن يكون خارجًا عن ذات الرائي ليكون مانعًا من الرؤية مع سلامة الحاسة. والحجاب الذي يمنع رؤية العباد لربهم قد يكون مخلوقًا، وقد يكون صفة لله تعالى كما في الحديث الذي بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» فالله يحتجب من عباده بما شاء وكيف شاء. وما يكون حاجبًا لعباده عن رؤيته لا يحجبه عزوجل عن رؤيته لخلقه، ويشهد لهذا قوله ﷺ: «حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» والحديثان في صحيح مسلم.
ومما تقدم يتبين خطأ ابن بطال في قوله: «معنى رفع حجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنين … إلخ»؛ فإن معناه أنه ليس هناك حجاب يرفع بين المؤمنين وربهم فينظرون إليه، بل المانع لهم من الرؤية أولًا قصور أبصارهم عن رؤيته فمتى منحهم الله القدرة على ذلك رأوه. وهذا المعنى يرتبط بقول الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى تعالى لا في جهة، وبقولهم: إنه حال في كل مكان.
وما نقله الحافظ في شرح هذا الحديث عن العلائي من قوله: «ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية … إلى قوله: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسم»: هذا الكلام جارٍ على مذهب من ينفي كثيرًا من الصفات كالأشاعرة، ويحمل نصوصها على المجاز إما بالاستعارة أو بالمجاز المرسل، أو العقلي؛ فهذه النصوص عندهم محمولة على خلاف ظاهرها لأن ظاهرها عندهم تجسيم وتشبيه، فمن أثبت هذا فهو عندهم مشبه مجسم، وأهل السنة يثبتون ما دلّت عليه هذه النصوص مع نفي مماثلة المخلوقات، ويقولون: القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض.
وقول العلائي: «والله عزوجل منزه عما يحجبه؛ إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس»: إن أراد أنه تعالى منزه عما يحجبه عن خلقه فلا يراهم ولا يسمعهم، أو أراد أنه منزه عن حجاب مخلوق يحيط به فهذا حق، وإن أراد أنه تعالى منزه عن حجاب محسوس يحجب الخلق عن رؤيته مثل النور الذي ورد ذكره في الحديث فهذا ما دلت عليه النصوص الواردة في ذكر الحجاب، فنفيه باطل.
وقوله: «إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس»: كلام مخالف للواقع ومبني على باطل؛ فإنه لا يلزم أن يكون الحجاب محيطًا بالمحتجب عن غيره.
وقوله: «بمقدر محسوس»: يرجع عندهم إلى نفي العلو فوق المخلوقات والقول بالحلول، ونفي الرؤية الحقيقية، وكل ذلك باطل.
تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري ١٣/٤٣١ —
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل في «الفتح» كلام العلائيّ، وأقرّه، وهو عجيبٌ، فإن هذه التأويلات المتعسّفة الّتي أتعب نفسه بها، لا يتحمّلها نصوص الكتاب والسُّنَّة، فإن الواجب على المسلم أن يُثبت ما أثبت الله تعالى لنفسه، وينفي عنه ما نفاه في كتابه العزيز، أو فيما صحّ عن رسوله ﷺ، ويبتعد عن هذه التخيّلات الفاسدة الّتي لا تليق بالله عز وجل، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، كما قال عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فإذا أثبت النصّ الحجاب له بقوله عز وجل: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره»، وكذا قوله عز وجل: «رداء الكبرياء»، فنحن نثبت ذلك له على ما يليق بجلاله عز وجل، ولا نشبّه، ولا نمثّل، ولا نكيّف، ولا نعطل، بل نقول: يثبت له ما أثبته لنفسه، على حقيقته، كما يليق بجلاله، ولا نقول: إنّه مجاز، ولا استعارة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
شرح صحيح مسلم للأثيوبي
ونقل الطيبي في شرح حديث أبي موسى عند مسلم: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحَات وجهه ما أدركه بصره»: أن فيه إشارة إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله، وأشعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الّذي تُدْهَشُ دونه العقول، وتُبْهَتُ الأبصار، وتتحير البصائر، فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات، وعظمة الذات، لم يبق مخلوق إِلَّا احترق، ولا منظور إِلَّا اضْمَحَلّ، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي، والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية له بما ذُكِر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعَبَّر به عنه، وقد ظهر من نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الحالة المشار إليها في هذا الحديث هي في دار الدنيا المعدة للفناء، دون دار الآخرة المعدة للبقاء، والحجاب في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق؛ لأنهم هم المحجوبون عنه.
وقال النوويّ: أصل الحجاب المنع من الرؤية، والحجاب في حقيقة اللُّغة الستر، وإنّما يكون في الأجسام، والله سبحانه مُنَزَّه عن ذلك، فعُرِف أن المراد المنع من رؤيته، وذَكَر النور؛ لأنه يمنع من الإدراك في العادة لشعاعه، والمراد بالوجه الذات، وبما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات؛ لأنه سبحانه محيط بجميع الكائنات. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله النوويّ من جنس ما قاله العلائيّ فيما سبق من كلامه، والجواب عنه هو الجواب عنه، وإياك أن تغترّ بمثله، فإنّه خلاف منهج السلف، فإنهم لا يؤولون مثل هذا الحديث، بل يُثبتونه على ظاهره، كما يليق
بجلاله عز وجل، إثباتًا بلا تمثيل، ويُنَزّهون الله تعالى من مشابهة خلقه تَنْزيهًا بلا تعطيل، والله عز وجل الهادي إلى سواء السبيل.
(فَيَنْظُرُ مِنْ عَنْ) بمعنى جانب (أَيْمَنَ مِنْهُ) أي من جهة يمينه (فَلَا يَرَى إِلا شَيْئًا قَدَّمَهُ) أي إِلَّا عمله (ثُمَّ يَنْظُرُ مِنْ عَنْ أَيْسَرَ مِنْهُ) أي من جانب يساره (فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ) أي من الأعمال، قال ابن هُبيرة: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل؛ لأن الإنسان من شأنه إذا دَهَمَه أمرٌ أن يلتفت يمينًا وشمالًا، يطلُب الغَوْث. وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجّى أن يجد طريقًا يذهب فيها ليحصل له النجاة من النّار، فلا يرى إِلَّا ما يُفضي به إلى النّار، كما بيّنته رواية مُحلّ بن خليفة المذكورة. انتهى (١).
شرح صحيح مسلم للأثيوبي