571 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك : أحمد بن علي وعبدالله المشجري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
مسند عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما
571 – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 4 ص 5): حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه عبد بن حُمَيد (ج 1 ص 465).
قال محققو المسند 16117:
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه أبو يعلى (6814) من طريق هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد.
وأخرجه عبد بن حميد في “المنتخب” (519)، والبخاري (2359)، ومسلم (2357)، وأبو داود (3637)، والترمذي (1363)، و (3027)، والنسائي في “المجتبى” 8/ 245، وفي “الكبرى” (5977) و (11110)، وابن ماجه (15) و (2480)، والطحاوي في “شرح مشكل الآثار” (633)، وابن حبان (24)، والطبراني في “الكبير” (260) (قطعة من الجزء 13)، والبيهقي في “السنن” 6/ 153 و 10/ 106 من طرق عن الليث بن سعد، به.
وأخرجه ابن الجارود في “المنتقى” (1021)، والنسائي في “المجتبى” 8/ 238 – 239، وفي “الكبرى” (5963)، والطبري في “التفسير” (9912)، والطحاوي في “شرح مشكل الآثار” (632) من طريق ابن وهب، عن الليث ويونس، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه الزبير.
قال أبو حاتم في “العلل” 1/ 395: أخطأ ابن وهب في هذا الحديث، الليث لا يقول عن الزبير.
وقال الحافظ في “الفتح” 5/ 35: كان ابن وهب حمل رواية الليث على رواية يونس، وإلَّا فرواية الليث ليس فيها ذكر الزبير، والله أعلم.
وقد سلف من حديث الزبير برقم (1419)، وتم شرحه هناك.
قال ابن عبدالبر:
(5 باب ما جاء في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم 432 ذكر فيه مالك حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)
ورواه عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله سلمان الأغر عن أبي هريرة
وهو حديث رواه عن أبي هريرة جماعة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة قد ذكرت كثيرا منها في التمهيد
وأجمعوا على صحته واختلفوا في تأويله فكان عبد الله بن نافع الزبيري صاحب مالك في ما روى يحيى بن يحيى عنه أنه سأله عن معنى هذا الحديث فقال معناه أن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة
وهذا التأويل على بعده ومخالفة أكثر أهل العلم له فيه لا حظ له في اللسان العربي لأنه لا يقوم في اللسان إلا بقرينة وبيان ولا بيان ولا دليل لمن تأول تأويل بن نافع يشهد له
وأهل العربية يقولون إذا قلت اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق جاز أن يكون العراق مساويا لليمن وفاضلا ومفضولا فإذا كان مساويا فقد علم مقدار فضله وإذا كان فاضلا أو مفضولا فمطلق في الفضل لا يعلم كم مقدار المفاضلة بينهما إلا بقرينة ودليل على عدة درجات فإن أيده على تلك أو ناقضه عنه فيحتاج إلى الإتيان بها
قال أبو عمر قد علمنا أنه لم يحمل بن نافع على ما تأوله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا إلا ما كان يذهب إليه هو وشيخه مالك من تفضيل المدينة على مكة وتفضيل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على المسجد الحرام
وتفضيل المدينة على مكة أو مكة على المدينة مسألة قد اختلف فيها أهل العلم
وذكر أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي قال اختلف الناس في تفضيل مكة على المدينة
فقال مالك وكثير من المدنيين المدينة أفضل من مكة
وقال الشافعي مكة خير البقاع
وهو قول عطاء بن أبي رباح والمكيين وأهل الكوفة أجمعين
قال واختلف أهل البصرة في ذلك فطائفة قالوا مكة وطائفة قالوا المدينة
وقال عامة أهل الأثر الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة ومن الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجد الرسول أفضل من سائر المساجد بألف صلاة
قد أوضحنا المعنى في تأويل عبد الله بن نافع وذكرنا ما نزعت إليه الفرق من الآثار في هذه المسألة إذ لا مدخل فيها للنظر إنما تعرف الفضائل في مثل ذلك بالتوقيف لا بالاستنباط والاجتهاد وأتينا بما روينا في ذلك مبسوطا في التمهيد والحمد لله
وأحسن حديث روي في ذلك ما رواه حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة
وقد ذكرنا إسناده من طرق في التمهيد
وقال بن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول حبيب المعلم ثقة
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول حبيب المعلم ثقة
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل ما أصح حديثه
وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم فقال بصري ثقة
قال أبو عمر سائر الإسناد لا يحتاج إلى القول فيه
وقد روي من حديث بن عمر وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث بن الزبير هذا سواء
وقد ذكرت الطرق بذلك في التمهيد
وذكر البزار قال حدثنا إبراهيم بن جميل قال حدثنا محمد بن يزيد بن شداد قال حدثنا سعيد بن سالم القداح قال حدثنا سعيد بن بشر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدي ألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس خمس مائة صلاة
قال أبو بكر البزار هذا حديث حسن
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى وأحمد بن سلمة بن الضحاك قالا حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام
قال سفيان فيرون أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومن مائة ألف صلاة في غيره قال بن وضاح حدثنا أحمد بن عمر بن السرح قال سمعت بن وهب يقول ما رأيت أعلم بتفسير هذا الحديث من سفيان بن عيينة
قال أبو عمر من جعل قول بن عيينة حجة في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم أوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة
أنه مالك بن أنس وقوله أيضا كانوا يرونه مالك بن أنس
وقوله يلزمه أن يجعل قوله فيرون أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تفضله بمائة صلاة حجة أيضا في هذا وهذا شيء لا ينفك منه منصف
وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله أنهم كانوا يفضلون مكة ومسجدها وإذا لم يكن بد من التقليد فهم أولى أن يقلدوا من غيرهم الذين جاؤوا بعدهم
وقد ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك في التمهيد
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في مسجد المدينة
قال معمر وقد سمعت أيوب يحدث عن أبي العالية عن عبد الله بن الزبير مثل قول قتادة
وقال عبد الله بن حبيب عن مطرف وعن أصبغ عن بن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم
فهؤلاء أصحاب مالك قد اختلفوا في ذلك وبالله التوفيق
[الاستذكار 2/ 459]
قال القاضي عياض:
قال القاضى: اجتمعوا على أن موضع قبره عليه السلام أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ثم اختلفوا فى أيّهما أفضل ما عدا موضع قبره عليه السلام فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وجعلوا الاستثناء على تفضيل الصلاة بألف على سائر المساجد إلا المسجد الحرام فبأقل من ألف، على ما تقدم عنهم، واحتجوا بما قال عمر: ” صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه “. فيأتى فضل مسجد الرسول عليه السلام بتسعمائة، وعلى غيره بألف. وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة، وهو قول ابن وهب وابن حبيب من أصحابنا، وحكاه الساجى عن الشافعى، وحملوا الاستثناء على ظاهره، إلا المسجد الحرام فالصلاة فيه أفضل، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير عن النبى صلى الله عليه وسلم، وفيه: ” وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجدى بمائة صلاة “، فيأتى فضل الصلاة فى المسجد الحرام على غير مسجد النبى عليه السلام بمائة ألف صلاة.
قال الباجى: الذى يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.
ثم اختلفوا هل هذا مخصوص بصلاة الفرض أو غير ذلك من العبادات؟ فذهب الطحاوى إلى تخصيص هذا التفضيل بصلاة الفرض، وذهب مطرف من أصحابنا إلى عموم ذلك فى النافلة وغيرها، قال: وجمعة بها خير من جمعة، ورمضان بها خير من رمضان، وقد روى عبد الرزاق فى تفضيل صوم رمضان بالمدينة ما فيه حجة لهم.
قال القاضى: وقوله: ” أفضل من ألف. صلاة ” [أو ” خير من ألف صلاة] (1) “: يقتضى الزيادة على هذا العدد والتضعيف بما أعلم الله به. وأما على قوله: ” كألف صلاة “: فحد بين فى التضعيف.
وقوله عليه السلام فى آخر الحديث من رواية ابن قارظ عن أبى هريرة: ” فإنى آخر الأنبياء، وإن مسجدى آخر المساجد “: ظاهر جلى فى تفضيل مسجده لهذه العلة.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/ 511]
قال النووي:
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيلُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ بَلْ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ جَمِيعًا وَبِهِ قَالَ مُطَرَّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ وَهَذَا مُخَالِفٌ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ تَزِيدُ عَلَى فَضِيلَةِ الْأَلْفِ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِأَنَّهَا تُعَادِلُ الْأَلْفَ بَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَلْفِ كَمَا صُرِّحَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَخَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَنَحْوُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهَذَا فِيمَا يَرْجِعُ إلى الثواب
فَثَوَابُ صَلَاةٍ فِيهِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ أَلْفٍ فِيمَا سِوَاهُ وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْإِجْزَاءِ عَنِ الْفَوَائِتِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْهُمَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِنَفْسِ مَسْجِدِهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُصَلِّي عَلَى ذَلِكَ وَيَتَفَطَّنَ لِمَا ذَكَرْتُهُ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[شرح النووي على مسلم 9/ 164]
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان فضل الصلاة في المسجد الحرام، وهل هو خاص بالمسجد أم يعمّ الحرم كله؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يعمّ الحرم كلّه، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
2 – (ومنها): بيان فضل الصلاة في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حيث إنه يُضاعَف على غيره بأكثر من ألف صلاة، إلا المسجد الحرام، وهل هو خاص بما كان مسجدًا في عهده، أم يعمّ الزائد بعده؟ فيه خلاف سيأتي تحقيقه قريبًا أيضًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
3 – (ومنها): كون مكة أفضل من المدينة؛ حيث إن الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في المدينة، وهو رأي الجمهور، وخالف في ذلك مالك، وسيأتي تحقيق القول في ذلك أيضًا في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
4 – (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من نذر أن يصلي في أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به، إلا إذا كان مكانه أفضل من مكان النذر، وإليه ذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه، وله أن يصلي في أي محل شاء، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا نذر حجًّا أو عمرة.
والقول الأول هو الأرجح؛ لهذا الحديث، ولما رواه أحمد، وأبو داود من حديث جابر رضي الله عنه، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول اللَّه، إني نذرت إن فتح اللَّه عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: “صل ههنا”، فسأله؟ فقال: “شأنك إذن”، ورواه أيضًا البيهقيّ، والحاكم، وصححه، وصححه أيضًا ابن دقيق العيد في “الاقتراح”.
ولأحمد، وأبي داود أيضًا: عن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر، وزاد: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “والذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق لو صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس”.
قال الشوكانيّ رحمه الله: سكت عنه أبو داود، والمنذريّ، وله طرق، رجال بعضها ثقات.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيؤخذ منه أنه لو كان غير مكة، ومثله المدينة لم يقض عنه نذره، بل يجب الوفاء به.
وأما ما عدا المساجد الثلاثة فلا يتعين مكانًا للنذر، ولا يجب الوفاء به عند الجمهور، أفاده في “النَّيل”، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استثنى القاضي عياض رحمه الله من القول بتفضيل مكة البقعة التي دُفن فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وضمّت أعضاءه الشريفة، وحكى اتفاق العلماء على أنها أفضل بقاع الأرض.
وقال النوويّ في “شرح المهذب”: ولم أر لأصحابنا تعرُّضًا لما نقله، قال ابن عبد البرّ رحمه الله: وتُعُقِّب على القاضي بأن هذا لا يتعلق بالبحث المذكور؛ لأن محله ما يترتب عليه الفضل للعباد.
وأجاب القرافيّ: بأن سبب التفضيل لا ينحصر في كثرة الثواب على العمل، بل قد يكون لغيرها، كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: جواب القرافيّ هذا غير مفيد، بل التعقب المذكور على وجهه، فافهم.
قال ابن عبد البر: وكان مالك يقول: مِنْ فَضْلِ المدينة على مكة أني لا أعلم بقعة فيها قبر نبيّ معروف غيرها، قال ابن عبد البر: يريد ما يُشَكّ فيه، فإن كثيرًا من الناس يزعم أن قبر إبراهيم عليه السلام بيت المقدس، وأن قبر موسى عليه السلام هناك، ثم ذكر حديث أبي هريرة المرفوع في سؤال موسى عليه السلام ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، ثم قال: إنما يُحتج بقبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على من أنكر فضلها، أما من أقر به، وأنه ليس على وجه الأرض أفضل بعد مكة منها، فقد أنزلها منزلتها، واستعمل القول بما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في مكة، وفيها.
ثم روى ابن عبد البر عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: إني لأعلمد أي بقعة أحب إلى اللَّه في الأرض؟ هي البيت الحرام، وما حوله.
وقال بعضهم: سبب تفضيل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة أنه روي “أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يُخْلَق”، رواه ابن عبد البر في أواخر “التمهيد” من طريق عطاء الخراسانيّ موقوفًا، وعلى هذا، فقد رَوَى الزبير بن بكار أن جبريل عليه السلام أخذ التراب الذي خُلِق منه النبيّ صلى الله عليه وسلم من تراب الكعبة، فعلى هذا؛ فالبقعة التي ضمت أعضاءه من تراب الكعبة، فيرجع الفضل المذكور إلى مكة، إن صح ذلك، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذه الأمور تحتاج إلى دليل صحيح، وهذه الأخبار التي أوردها هنا لم يثبت لدينا صحّتها، فلا يُعتمد عليها فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمه الله نقلًا عن والده في “شرح الترمذيّ” ما نصه: في حديث عبد اللَّه بن الزبير، وجابر، وابن عمر، وأبي الدرداء، وأنس رضي الله عنهم مرفوعًا: “إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة”، وفي حديث عمر رضي الله عنه موقوفًا عليه: “إن الصلاة فيه خير من مائة صلاة”، وهكذا رواه الطبراني في “الأوسط” من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، وفي بعض طرق أثر عمر: “إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة بمسجد المدينة”، وفي حديث الأرقم: “إن الصلاة بمكة أفضل من ألف صلاة ببيت المقدس” رواه أحمد وغيره.
قال: والجمع بين هذا وبين ما تقدم؛ أن يُحْمَل أثر عمر باللفظ الأول، وحديث عائشة على تقدير صحتهما على أن المراد خير من مائة صلاة في مسجد المدينة، فيكون موافقًا لحديث ابن الزبير، ومن معه، وحديث الأرقم، وأثر عمر باللفظ الثاني يقتضي أن تكون الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف صلاة، وإذا تعذّر الجمع، فيرجع إلى الترجيح، وأصح هذه الأحاديث حديث ابن الزبير، وجابر، وابن عمر، وأبي الدرداء، فإن أسانيدها صحيحة.
قال: وأما الاختلاف في مسجد المدينة، فأكثر الأحاديث الصحيحة: “إن الصلاة فيه خير من ألف صلاة”، وفي حديث أبي الدرداء: “إنها بألف صلاة” من غير تفضيل على الألف، وفي حديث أنس عند ابن ماجه: “إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة”، وفي حديث أبي ذر عند الطبراني في “الأوسط”: “إن الصلاة فيه أفضل من أربع صلوات ببيت المقدس”.
قال: وقد اختَلَفت الأحاديث في المقدار الذي تضاعف به الصلاة في مسجد بيت المقدس، فعند ابن ماجه من حديث ميمونة مولاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره”، وعند الطبراني في حديث أبي الدرداء: “إن الصلاة بخمسمائة صلاة”، وفي حديث أنس عند ابن ماجه: “إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة”.
فعلى هذا تكون الصلاة بمسجد المدينة إما بأربعة آلاف على مقتضى حديث ميمونة، وإما بألفين على مقتضى حديث أبي الدرداء، وإما بمائتي ألف صلاة على مقتضى حديث أنس، لكنه في هذا الحديث سوّى بين مسجد المدينة وبين مسجد بيت المقدس.
وأصح طرق أحاديث الصلاة ببيت المقدس: “إنها بألف صلاة”، فعلى هذا أيضًا يستوي المسجد الأقصى مع مسجد المدينة، وعند أحمد من حديث أبي هريرة، أو عائشة، مرفوعًا: “صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الأقصى”، وعلى هذا فتُحْمَل هذه الرواية على تقدير ثبوتها: إلا المسجد الأقصى، فإنهما مستويان في الفضل، ولا مانع من المصير إلى هذا؛ أي: فإنه ليس بأفضل من ألف صلاة فيه، بل هو مساوٍ له.
وأصح طرق أحاديث التضعيف في المدينة: “إنها أفضل من ألف”، والأصح في بيت المقدس “إنها بألف”، فيمكن أيضًا أن يكون التفاوت بينهما بالزيادة على الألف، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام العراقيّ رحمه الله في “شرح الترمذيّ”.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأَولى في مثل هذا الاختلاف أن يُسْلَك مسلك الترجيح، فيؤخذ بالأصح، كما أشار إليه العراقيّ آنفًا، فلا حاجة لسائر الروايات المخالفة للأصح، فليتنبه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): استُدِلّ بهذا الحديث على أن تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختص بمسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمنه، دون ما أُحدث بعده فيه من الزيادة في زمن الخلفاء الراشدين وغيرهم؛ لأن التضعيف إنما ورد في مسجده، وذاك هو مسجده، وأيضًا أكد ذلك بقوله في رواية “الصحيحين”: “مسجدي هذا”، وبذلك صرح النوويّ، وقال: ينبغي أن يحرص المصلي على ذلك، ويتفطن لما ذكرته.
قال ولي الدين رحمه الله: وهذا بخلاف المسجد الحرام، فإنه لا يختص التضعيف بالمسجد الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل يشمل جميع ما زيد فيه؛ لأن اسم المسجد الحرام يعم الكل، بل المشهور عند الشافعية أن التضعيف يعمّ مكة، بل صحح النووي أنه يعمّ الحرم الذي يحرم صيده. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي فيما قاله النوويّ رحمه الله في المسجد النبوي نظر؛ إذ الظاهر أن قوله: “مسجدي هذا” إنما هو للاحتراز من غيره من مساجد المدينة” فلا يمنع دخول الزيادة بعده صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أثر عمر رضي الله عنه، قال: “لو مدّ مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه”، وفي لفظ: “لو زدنا فيه حتى بلغ الجبّانة كان مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وجاءه اللَّه بعامر”، رواه عمر بن شبة من طريقين مرسلين عنه موقوفًا، ورفعه ضعيفٌ جدًّا كما بيّنه الشيخ الألبانيّ رحمه الله، واللَّه تعالى أعلم.
قلت: وقد حقّق الموضوع شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تحقيقًا حسنًا حيث قال: وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده صلى الله عليه وسلم حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد، لا خارجًا منه.
ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلّون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمون كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في مسجد غيره، ويأمرون بذلك.
ثم قال: وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين، وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإِمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان رضي الله عنهما، فإن كلًّا منهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء الراشدون، والصفوف الأول كانوا يصلّون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفًا من العلماء. انتهى كلام شيخ الإِسلام رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله شيخ الإِسلام حسن جدًّا، ولعله أشار بما ذكره عن بعض المتأخرين ما تقدم عن النوويّ رحمه الله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قال النوويّ رحمه الله: قال العلماء ما حاصله: إن المضاعفة المذكورة في هذا الحديث إنما هي فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف صلاة في غيره، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزه عنهما، وهذا لا خلاف فيه، ذكره وليّ الدين رحمه الله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 24/ 684]
ثبت تضعيف أجر الصلاة في المسجد الحرام فيما رواه أحمد وابن ماجه (1406) عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ).
والحديث صححه المنذري والبوصيري ، وقال الألباني : ” سند صحيح على شرط الشيخين ” انتهى من “إرواء الغليل” (4/146).
وقد اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام هنا على أقوال ، أشهرها قولان : الأول : اختصاص ذلك بمسجد الكعبة . وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء منهم النووي والمحب الطبري ، وابن مفلح ، وابن حجر الهيتمي واختاره ابن عثيمين رحمهم الله .
والثاني : أنه يشمل الحرم كله ، وقد نسب هذا القول إلى الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية ، واختاره ابن القيم رحمه الله ، وبه أفتت اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز رحمه الله .
جاء في “الموسوعة الفقهية (27/239) : ” ذهب الحنفية في المشهور والمالكية والشافعية إلى أن المضاعفة تعم جميع حرم مكة ، فقد ورد من حديث عطاء بن أبي رباح قال : بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة ، قال عطاء : فكأنه مائة ألف ، قال : قلت : يا أبا محمد ، هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم ؟ قال : بل في الحرم ، فإن الحرم كله مسجد ) ….
وقال الزركشي : يتحصل في المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة سبعة أقوال :
الأول : أنه المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه .
الثاني : أنه مكة .
الثالث : أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم ، قاله عطاء وقد سبق مثله عن الماوردي وغيره ، وقال الروياني : فضل الحرم على سائر البقاع فرخص في الصلاة فيه في جميع الأوقات لفضيلة البقعة وحيازة الثواب المضاعف ، وقال الزركشي : وهذا فيه تصريح بهذا القول .
الرابع : أنه الكعبة ، قال الزركشي وهو أبعدها .
الخامس : أنه الكعبة والمسجد حولها ، وهو الذي قاله النووي في استقبال القبلة .
السادس : أنه جميع الحرم وعرفة ، قاله ابن حزم .
السابع : أنه الكعبة وما في الحجر من البيت ، وهو قول صاحب البيان من أصحاب الشافعية. وحكى المحب الطبري خلاف الفقهاء في مكان المضاعفة بالنسبة إلى الصلاة ، ورجح أن المضاعفة تختص بمسجد الجماعة ” انتهى باختصار . وقال ابن القيم في “زاد المعاد” (3/303) في الكلام على قصة الحديبية : ” وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصلِّي في الحرم، وهو مضطرب [أي : مقيم] في الحِل، وفى هذا كالدّلالة على أن مضاعفةَ الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخصُّ بها المسجد الذي هو مكانُ الطواف ، وأن قوله: (صَلاَةٌ في المَسْجِدِ الحَرَام أَفْضَلُ مِنْ مِائة صَلاةٍ في مسجدي)، كقوله تعالى: ( فَلا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ) التوبة/128 ، وقوله تعالى: ( سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )الإسراء/1، وكان الإسراء مِن بيت أُم هانئ ” انتهى .
ولكن أجيب عن هذا الاستدلال بجوابين : الأول : أن الحديث ضعيف ، والثاني : إن صح الحديث فإنه يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل ، ولكن لا يدل على أنها خير من مائة ألف صلاة .
قال ابن مفلح رحمه الله : ” وظاهر كلامهم في المسجد الحرام أنه نفس المسجد , ومع هذا فالحرم أفضل من الحل , فالصلاة فيه أفضل , ولهذا ذكر في المنتقى قصة الحديبية من رواية أحمد والبخاري , ثم ذكر رواية انفرد بها أحمد , قال : وفيه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم , وهو مضطرب في الحل) وهذه الرواية من رواية ابن إسحاق عن الزهري وابن إسحاق مدلس ” انتهى من “الفروع” (1/600).
وقال في “الآداب الشرعية” (3/429) : ” وهذه المضاعفة تختص بالمسجد على ظاهر الخبر، وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم ” انتهى .
وينظر : المجموع (3/197)، تحفة المحتاج (3/466)، فتاوى اللجنة الدائمة (6/223) ، فتاوى الشيخ ابن باز (4/130).
والراجح هو القول الأول ، وهو اختصاص المضاعفة بالمسجد الذي فيه الكعبة ؛ لما روى مسلم (1396) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ : إِنْ شَفَانِي اللَّهُ لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَبَرَأَتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ ).
وروى مسلم (1397) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ ).
وهذا نص في أن المراد بالمسجد الحرام في هذين الحديثين : المسجد الذي فيه الكعبة ، لا عموم مكة أو الحرم .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام؟
فأجاب : ” قول السائل : هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام جوابه : لا ليست مساجد مكة كالمسجد الحرام في الأجر ، بل المضاعفة إنما تكون في المسجد الحرام نفسه ، القديم والزيادة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة ) . أخرجه مسلم . فخص الحكم بمسجد الكعبة ، ومسجد الكعبة واحد ، وكما أن التفضيل خاص بمسجد الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاص بالمسجد الحرام أيضاً ، ويدل لهذا أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ) . ومعلوم أننا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد مكة غير المسجد الحرام لم يكن هذا مشروعاً بل كان منهياً عنه ، فما يشد الرحل إليه هو الذي فيه المضاعفة ، لكن الصلاة في مساجد مكة بل في الحرم كله أفضل من الصلاة في الحل ، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية ، والحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم كان يصلي في الحرم مع أنه نازل في الحل ، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل ، لكن لا يدل على حصول التضعيف الخاص في مسجد الكعبة .
فإن قيل : كيف تجيب عن قول الله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) وقد أسرى به من مكة من بيت أم هاني ؟
فالجواب : “أنه ثبت في صحيح البخاري أنه أسرى به صلى الله عليه وسلم من الحِجْر ، قال : ( بينا أنا نائم في الحِجْر أتاني آت . . . ) إلخ الحديث ، والحِجْر في المسجد الحرام ، وعلى هذا فيكون الحديث الذي فيه أنه أسري به صلى الله عليه وسلم من بيت أم هاني – إن صحت الرواية – يراد ابتداء الإسراء ، ونهايته من الحِجر ، كأنه نُبِّه وهو في بيت أم هاني ، ثم قام فنام في الحجر فأسرى به من الحجر ” انتهى من “فتاوى الشيخ ابن عثيمين” (12/395).
والله أعلم .
تنبيه : كون النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية في الحل ويدخل من الحديبية مما هو في الحرم ليصلي
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ.
في مسند أحمد ١٨٩١٠
في حديث طويل وقال محققو المسند: إسناده حسن، محمد بن إسحاق، وإن كان مدلسًا وقد عنعن إلا أنه قد صرح بالتحديث في بعض فقرات هذا الحديث، فانتفت شبهة تدليسه، ثم إنه قد توبع كما سيأتي برقم (١٨٩٢٨) (١٨٩٢٩) . وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.
وهو في 87 عون الصمد شرح الذيل على الصحيح المسند
قلت سيف: هو على شرط الذيل على الصحيح المسند قسم الزيادات على الصحيحين.
وذكرته في الذيل وإن كانت الزيادات قليله لأن أحمد ساقه مساق واحد بطوله
فالحديث في البخاري في أماكن متفرقة وأرشدنا صاحبنا أبوصالح أن الألباني جمعها في مختصره للبخاري 2/ 229 كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد وقارنت بينها وبين رواية أحمد فوجدت زيادات البخاري أكثر خاصة إذا ضممنا لها البلاغات التي ذكرها الألباني بعد الحديث. وهنا نكتفي بما بينه ابن حجر من ذكر رواية ابن اسحاق اثناء شرحه لحديث البخاري
وقد زاد أحمد زيادات وسأذكر منها ما رأيت فيه زيادة معنى فقط، وسوف أذكر جزء من فقرتها وأضعها بين قوسين: بغدير الأشطاط (قريب من عسفان) أتاه عينه الخزاعي، فقال: إني قد (تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي) قد جمعوا لك الأحابيش … فقال أبوبكر: الله ورسوله أعلم، يا نبي الله إنما (جئنا معتمرين) … (قال الزهري: وكان أبوهريرة يقول: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. … بركت به راحلته (فقال النبي صلى الله عليه وسلم حل حل)
وفي البخاري: فقال الناس حل حل
(وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم) وفي البخاري: وإذا تكلم خفضوا أصواتهم.
تطوف بغرزه (حتى تموت) …. فقدم عليه أبو بصير (ابن اسيد الثقفي) مسلما مهاجرا (فاستأجر الأخنس بن شريق رجلا كافرا من بني عامر بن لؤي ومولى معه.
وأما رقم 18929 فأغلب ما اورده أحمد زيادات وأشار لبقيته أنه نحوا من حديث عبدالرزاق
ورواية ابن إسحاق ذكرها أحمد وهي على شرط المتمم الذيل على الصحيح المسند. وقال محققو المسند: صرح محمد بن اسحاق بالتحديث في بعض فقرات الحديث.
ومما انكر عليه قوله ان عدد المسلمين سبعمائة. وبقي أن نقارن زيادات ابن اسحاق فنضمها للزيادات كذلك وهنا نكتفي بما ذكره ابن حجر من رواية ابن اسحاق فهي بمثابة الزيادات اثناء شرحه للحديث .
ثالثا :
حرم المدينة لا تضعيف فيه ، بل التضعيف مختص بالمسجد الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم ، واختلف الفقهاء في حصول ذلك في الزيادة التي طرأت على المسجد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، والجمهور على أن الصلاة تضاعف فيها كما تضاعف في أصل المسجد .
واستدلوا على ذلك ببعض الآثار .
قال ابن رجب رحمه الله : ” وحكم الزيادة حكم المزيد فيه في الفضل أيضا ، فما زيد في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم كله سواء في المضاعفة والفضل . وقد قيل : إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف ، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا ، منهم ابن عقيل وابن الجوزي ، وبعض الشافعية . ولكن قد روي عن الإمام أحمد التوقف في ذلك : قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : الصف الأول في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أي صف هو ، فإني رأيتهم يتوخون دون المنبر ، ويدعون الصف الأول ؟ قال : ما أدري . قلت لأبي عبد الله : فما زيد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فهو عندك منه ؟ فقال : وما عندي ، إنما هم أعلم بهذا – يعني : أهل المدينة . وقد روى عمر بن شبة في كتاب أخبار المدينة بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لو بني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي) فكان أبو هريرة يقول : لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه . وبإسناد فيه ضعف عن أبي عمرة قال : زاد عمر في المسجد في شاميه ، ثم قال : لو زدنا فيه حتى نبلغ الجبانة كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . وبإسناده عن ابن أبي ذئب قال : قال عمر : لو مد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة كان منه ” انتهى من “فتح الباري” لابن رجب (2/479).
وفي “الموسوعة الفقهية” (37/251) : ” طرأت على بناء المسجد النبوي توسعة وزيادات في بنائه عما كان عليه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد بحث العلماء حكم هذه الزيادة من جهة نيل الثواب ، فمنهم من قال إن الفضل الثابت لمسجده صلى الله عليه وسلم ثابت لما زيد فيه . وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة وهو اختيار ابن تيمية ، قال ابن عابدين : ” ومعلوم أنه قد زيد في المسجد النبوي ، فقد زاد فيه عمر ثم عثمان ثم الوليد ثم المهدي ، والإشارة بهذا [يعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم (ومسجدي هذا)] إلى المسجد المضاف إليه صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن جميع المسجد الموجود الآن يسمى مسجده صلى الله عليه وسلم ، فقد اتفقت الإشارة والتسمية على شيء واحد فلم تلغ التسمية فتحصل المضاعفة المذكورة في الحديث ، فيما زيد فيه ” . ونقل الجراعي عن ابن رجب مثل ذلك ، وأنه قد قيل إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف . وروي عن الإمام أحمد التوقف . ورجح السمهودي – من المالكية – أن ما زيد في المسجد النبوي داخل في الأفضلية الواردة بالحديث ، ونقل عن الإمام مالك أنه سئل عن حد المسجد الذي جاء فيه الخبر هل هو على ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو هو على ما عليه الآن ؟ فقال بل هو على ما هو الآن ، وقال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما يكون بعده وزويت له الأرض فأري مشارق الأرض ومغاربها ، وتحدث بما يكون بعده فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت ونسي ذلك من نسيه ، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر عليهم ذلك منكر . وذهب الشافعية إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده . وإلى هذا ذهب ابن عقيل وابن الجوزي وجمع من الحنابلة ” انتهى باختصار .
والله أعلم .
——
كذلك قوله: ﴿إن الذَّين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله …﴾ [الحج: ٢٥]. نقول: إنهم يصدون الناس عن العمرة والحج وهذا لا يصح إلا بالوصول إلى المسجد الحرام، فتبين بهذا أن المراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة؛ لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ، وهذا يقطع كل نزاع، لكن الإجابة عما احتجوا به لإزالة الشبهة.
بقى أن يقال: لو فرض أن المسجد الحرام زاد هل يدخل في الفضيلة أو لا؟ نقول: نعم يدخل أولًا؛ لأنه ليس كالمسجد النبوي فيه التعيين بالإشارة، بل قال: «المسجد الحرام»، فكل ما كان مسجدًا حول الكعبة فهو داخل في الحديث.
لو قال قائل: لو صلى حول المسجد في السوق هل ينال هذا الأجر؟
نقول: فيه تفصيل إن كان المسجد ممتلئًا والصفوف متصلة فهو القوم لا يشقى بهم جليس فينال أجر هؤلاء، أما إذا كان المكان واسعًا في المسجد وصلى هذا في سوقه فلا ينال هذا الأجر.
ثم نرجع الآن إلى هذا التفضيل: هل يشمل الفرائض والنوافل، أو هو خاص بالفرائض؟ قال بعض أهل العلم: إنه خاص بالفرائض، وأن صلاة الفريضة في المساجد الثلاثة مفضلة على غيرها بل في المسجدين؛ لأن الثالث ما ذكر في الحديث، وأما النافلة فلا، والصحيح: أنه شامل الفريضة والنافلة، وأن صلاة الفريضة في المساجد المفضلة وصلاة النافلة سواء المفاضلة، ولو صلى الإنسان تراويح في المسجد الحرام لكان خيرًا من مائة ألف صلاة تراويح فيما عداه من المساجد، وتحية المسجد في المسجد الحرام خير من مائة ألف تحية في غيره وعلى هذا فقس.
مسألة مهمة:
هل نقول: إن هذا يقتضي أن فعل النافلة في مكة في المسجد أفضل من فعلها في بيتك، أو فعل النافلة وأنت في المدينة في المسجد خير من فعلها في بيتك؟
الجواب: لا النافلة في البيت في مكة أو في المدينة أفضل منها في المسجد؛ لأن الذي فضل مسجده على غيره من المساجد هو الذي قال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وعلى هذا فإذا أردت أن تصلي الوتر وأنت في مكة فهل الأفضل أن تذهب إلى المسجد الحرام وتصلي فيه، أو الأفضل أن تصلي الوتر في بيتك؟ الثاني هو الأفضل، وكذلك لو كنت في المدينة هل تصلي الوتر في بيتك أو في المسجد النبوي؟ الجواب: في بيتك للحديث المذكور ولفعل الرسول ﷺ، فإن النبي ﷺ كان يتنفل في بيته مع أنه قال للناس: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام»؛ إذن ما هو الجواب الذي يكون منضبطًا؟
نقول: ما فعل في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام فهو أفضل من غيره من المساجد بالتفصيل الذي ورد.
ولكن إذا سئلنا: هل الأفضل أن نفعل النوافل في المسجد أو في البيت؟
نقول: ما شرع في المسجد فالأفضل في المسجد كصلاة الكسوف على قول من يرى أنها سُّنة وكصلاة تحية المسجد والصلاة في قيام رمضان والاستسقاء إن فعل في المسجد، أما إذا كان تطوعًا مطلقًا لا يسن فعله في المسجد ففي البيت أفضل ولو كان في المساجد الثلاثة.
من فوائد الحديث، وهي عديدة منها: الترغيب في الصلاة في هذا المسجد بل المسجدين؛ لأنه لم يذكر المسجد الثالث وهو الأقصى، مسجد مكة ومسجد المدينة، ولكن هل يقال: إن هذا أفضل من الصلاة في البيت، أو يقال: ما يشرع أن يكون في البيت فكونه في البيت أفضل؟ الجواب: الثاني، وأظننا ذكرناه، وقلنا: إن الذي قال: «إن الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه»، هو الذي قال: «خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وكان هو يصلي النوافل في بيته، ومن ثم حمل بعض العلماء هذا الحديث على أن المراد بالصلاة هنا صلاة الفريضة؛ أي: الصلوات الخمس، ولكن ينبغي أن يقال: لا، كل ما فعل في هذه المساجد من صلاة فهو أفضل مما سواه في المساجد الأخرى، ويبقى النظر هل أفضل في البيت أو في المسجد؟ هذا له أدلة أخرى مثل تحية المسجد في المسجد الحرام خير من مائة ألف تحية فيما سواه، كذلك أيضًا لو أن أحدًا تقدم إلى المسجد وصلى وصار يتنفل حتى أقيمت الصلاة فهذا النفل الذي كان يفعله بانتظار الصلاة خير من مائة ألف صلاة فيما عداه وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال تتفاضل باعتبار المكان، والدلالة فيه واضحة: «خير من ألف صلاة»، وهل يتناول هذا جميع الأعمال، أو هو خاص بالصلاة فقط؟ يرى بعض العلماء أنه خاص في الصلاة فقط وأن ما عاداها من الأعمال كالصدقة والصيام وطلب العلم وما أشبه ذلك فلا يفضل هذا الفضل وإن كان في الحرم، لكن لا يصل إلى هذا الفضل وهذا هو الصحيح إن لم يوجد أدلة صحيحة عن الرسول ﷺ في المفاضلة في بقية الأعمال، ووجه ذلك: أن التفاضل أو إثبات الفضل في العمل أمر توقيفي لا يتعدى فيه الشرع فنقول: الثواب ورد في هذا الفضل وما عداه يتوقف على ثبوت ذلك عن النبي ﷺ، وقد أخرج ابن ماجه بسند فيه نظر أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان في مكة كان بمائة ألف شهر»، فإن صحّ هذا الحديث ألحقنا به الصيام، وإلا فلا نلحق به شيئًا، والدليل على عدم الإلحاق أولًا: إن إثبات الفضائل للأعمال توقيفي، ثانيًا: أن الصلاة شأنًا ليس لغيرها من بقية الأعمال فهو آكد وأفرض أعمال البدن، حتى إن القول الراجح أن تاركها يكون كافرًا، وإذا كانت بهذه الميزة فلا يمكن أن يلحق بها ما دونها إلا بنص.
ومن فوائد الحديث: إثبات التفاضل في الأعمال، وقد سبق لنا أن الأعمال تتفاضل بحسب المكان والزمان والعامل وجنس العمل ونوع العمل وكيفيته، كل هذه وجوه للفضائل، في الأعمال، المكان هو كما رأيتم، الزمان، ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾، «ما من أيام العمل الصالح أحبُّ إلى الله فيهن من هذه الأيام العشر»؛ يعني: عشر ذي الحجة، في العامل: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»، في العمل في كيفيته: ﴿ليبلوكم أيُّكم أحسن عملًا﴾ [لملك: ٢]. في جنسه: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه»، في نوعه: الصلاة أفضل من الزكاة، والزكاة أفضل من الصيام، والصيام أفضل من الحج.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا ثبت وقد ثبت تفاضل الأعمال لزم من ذلك تفاضل العامل، ثم يلزم منه أيضًا شيء آخر، تفاضل الناس في الإيمان، فيكون في الحديث دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو مذهب أهل السُّنة والجماعة، لكن بماذا تكون الزيادة؟ نقول: بكل ما ذكرنا من أنواع المفاضلة يزيد، فيزيد بالفرائض أكثر مما يزيد في النوافل، ومن العجب أن الشيطان يضحك علينا يجعلنا نعتقد أن النافلة أفضل من الفريضة؛ ولهذا تجد كثيرًا من الناس يحسنون النوافل تمامًا والفرائض يتساهلون فيها، وهذا من الغرائب، وهذا من البلاء الذي يصاب به الإنسان، فالواجب أن يعلم الإنسان ويعتقد أن صلاته الفريضة أفضل من النافلة، وأنه يجب أن يعتني بالفريضة أكثر مما يعتني بالنافلة، ولولا محبة الله لها ولولا أهميتها عنده عز وجل ما أوجبها على عباده، فإيجابها على العباد يدل على أنها أحب إلى الله، وأنها أولى بالعناية من النافلة.
إذ قال قائل: أيهما أفضل: المجاورة في مكة، أو المجاورة في المدينة؟
اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المجاورة في مكة أفضل؛ لأن مكة أفضل من المدينة بلا شك، والنبي ﷺ قال -وهو بالحذورة في مكة -: “إنك أحبُّ البقاع إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت»، وهذا صريح، وأما ما يرويه بعض الناس من أن الرسول ﷺ قال في مكة: «إنها أحبُّ البقاع إلى الله»، وفي المدينة: «إنها أحبَّا البقاع إليَّ»، فهذا ليس بصحيح، وقال بعض أهل العلم: إن المجاورة في المدينة أفضل؛ لأن الرسول ﷺ حثّ على السُّكنى فيها، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون».
وقال بعض أهل العلم: المجاورة في مكان يقوى فيه إيمانه وتكثر فيه تقواه أفضل من أي مكان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إذا فرضنا أن الإنسان في مكة يضعف إيمانه وتقواه ويقل نفعه فليخرج كما فعل الصحابة، ذهبوا إلى الشام والكوفة والبصرة وإلى مصر يلتمسون ما هو أنفع وأفضل، وسكنوا وصاروا يعلَّمون الناس ويدرسونهم العلم، وتركوا المدينة ومكة، وهذا القول أصحّ، لكن لو فرضنا أن الإنسان يتساوى عنده البقاء في مكان ما، وفي مكة والمدينة، قلنا: في مكة والمدينة أفضل من غيرهما بلا شك، أما المفاضلة بين مكة والمدينة فهي عندي محل توقف بالنسبة للمجاورة، أما بالنسبة لفضل مكة فلا شك أن مكة أفضل.
يتفرع على تفاضل العمل في مكة والمدينة: هل تتضاعف السيئات في مكة والمدينة؟ الجواب: أما بالكمية فلا، وأما بالكيفية فنعم، العقوبات على السيئات في مكة أعظم من العقوبات على السيئات في غيرها، وفي المدينة أعظم أيضًا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وهذه الآية في الأنعام مكية، وبهذا نعرف بطلان ما يذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لا أسكن في بلد حسناته وسيئاته سواء»، لما قيل له: ألا تسكن في مكة؟ فقال هذا القول، فإن هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يقول مثل هذا الكلام.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية ٣/٤٤٢-٤٤٦
——
فضائل البلد الأمين وخصائصه
ومن هذا: اختياره سبحانه من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام. فإنه سبحانه اختاره لبيته، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا. وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا يعضد به شجرة، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتملك بل للتعريف ليس إلا.
وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب، ماحيا للأوزار، حاطا للخطايا، كما في «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي «السنن» ….
وثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. ففي النسائي و «المسند» بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة». ورواه ابن حبان في «صحيحه». وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شد الرحال إليه فرضا، وإلى غيره إنما يستحب ولا يجب.
وفي الترمذي والنسائي و «المسند» عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
….
ومن خواصه: أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها. قال تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25]. وتأمل كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء ــ ولا يقال: أردت بكذا ــ لما ضمنه معنى فعل (يهم) فإنه يقال: هممت بكذا. فتوعد من هم بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم.
ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئة كبيرة جزاؤها مثلها، وصغيرها جزاؤها مثلها. فالسيئة في حرم الله وبلده على بساطه أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض. ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه. فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات فيه، والله أعلم.
وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهو أولى بقول القائل:
محاسنه هيولى كل حسن … ومغناطيس أفئدة الرجال
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا.
لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها … حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدما بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه، ويراه ــ لو ظهر سلطان المحبة في قلبه ــ أطيب من نعيم المتخلفين وترفههم ولذاتهم.
وليس محبا من يعد شقاءه … عذابا إذا ما كان يرضي حبيبه
وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه بقوله: {وطهر بيتي} [الحج: 26]. فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك. وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من المحبة والجلالة والوقار ما كستهم. فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاختيار، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلا آخر وتخصيصا وجلالة زائدا على ما له قبل الإضافة.
ولم يوفق لفهم هذا المعنى من سوى بين الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء، وإنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح. وهذا القول باطل من أكثر من أربعين وجها قد ذكرت في غير هذا الموضع.
ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده، فإن مذهبا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها؛ وكذلك نفس البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة، وإنما هو بما يقع فيها من الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت والمسجد الحرام ومنى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض، وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها.
والله سبحانه قد رد هذا القول الباطل بقوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله}، قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] أي: ليس كل أحد أهلا ولا صالحا لتحمل رسالاته، بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها، والله أعلم بهذه المحال منكم. فلو كانت الذوات متساوية كما قال هؤلاء لم يكن في ذلك رد عليهم.
وكذلك قوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] أي: هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته، فيخصه بفضله ويمن عليه، ممن لا يشكره. فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته.
فذوات ما اصطفاه الله واختاره من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست في غيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي خصها بتلك الصفات؛ فهو الذي أعطاها الصفات، وخصها بالاختيار. فهذا خلقه، وهذا اختياره. {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68].
وما أبين بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساو لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مساوية لذات غيره؛ وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها. وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة ونسبوها إليها وهي بريئة منها. وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمر عام، وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة؛ لأن المختلفات قد تشترك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية.
وما سوى الله بين ذات المسك وذات البول أبدا، ولا بين ذات الماء وذات النار أبدا. والتفاوت الذي بين الأماكن الشريفة وأضدادها والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير. فبين ذات موسى وفرعون من التفاوت أعظم مما بين ذات المسك والرجيع. وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت الشيطان أعظم من هذا التفاوت بكثير. فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات؟!
ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئا. والله سبحانه لا يخصص شيئا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله. نعم، هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه، ثم اختاره بعد خلقه، {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68].
زاد المعاد في هدي خير العباد – ط عطاءات العلم (1/ 22 – 33)
——
مسألة : حكم الاقتداء بالإمام من خارج المسجد أو الصلاة خلف المذياع
حكم الصلاة في الساحات والطرق المحيطة بالمسجد الحرام ، والصلاة في الفنادق المطلة على المسجد الحرام ، مبني على مسألة اقتداء المأموم بالإمام من خارج المسجد ، وهي مسألة خلافية ، فمن أهل العلم : من جوز ذلك بشرط أن يرى المقتدي الإمام أو من خلفه ، ومنهم من قال : بجواز الاقتداء بشرط أن تكون الصفوف متصلة ، فإذا لم تكن الصفوف متصلة ، لم يصح الاقتداء ، حتى ولو حصلت الرؤية والمشاهدة للإمام أو من خلفه .
قال النووي رحمه الله : ” يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام , سواء صليا في المسجد , أو في غيره ، أو أحدهما فيه والآخر في غيره . وهذا مجمع عليه , قال أصحابنا : ويحصل له العلم بذلك ، بسماع الإمام أو من خلفه ، أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه , ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور ” انتهى من ” المجموع ” (4/202) .
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في شرحه كتاب زاد المستقنع :
قوله : ” وكذا خارجه إن رأى الإِمام أو المأمومين ” .
أي : وكذا يصحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ إذا كان خارجَ المسجدِ بشرطِ أنْ يَرى الإِمامَ أو المأمومين ، وظاهرُ كلام المؤلِّفِ : أنَّه لا يُشترط اتِّصالُ الصُّفوفِ ، فلو فُرِضَ أنَّ شخصاً جاراً للمسجد ، ويرى الإِمامَ أو المأمومين مِن شُبَّاكه ، وصَلَّى في بيتِه ، ومعه أحدٌ يزيل فَذِّيَّتَه ( أي يخرجه من كونه منفرداً ) فإنه يَصِحُّ اقتداؤه بهذا الإِمامِ ؛ لأنه يسمعُ التكبيرَ ويرى الإِمامَ أو المأمومين .
وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ : أنَّه لا بُدَّ أن يرى الإِمامَ أو المأمومين في جميع الصَّلاةِ ؛ لئلا يفوته الاقتداءُ ، والمذهبُ : يكفي أنْ يراهم ولو في بعضِ الصَّلاةِ .
إذاً ؛ إذا كان خارجَ المسجدِ فيُشترطُ لذلك شرطان :
الشرطُ الأول : سماعُ التكبيرِ .
الشرطُ الثاني : رؤيةُ الإِمامِ أو المأمومين ، إما في كُلِّ الصَّلاةِ على ظاهرِ كلامِ المؤلِّفِ ، أو في بعضِ الصَّلاةِ على المذهبِ .
وظاهرُ كلامِهِ : أنَّه لا يُشترط اتِّصال الصُّفوفِ فيما إذا كان المأمومُ خارجَ المسجدِ ، وهو المذهب .
والقول الثاني – وهو الذي مشى عليه صاحبُ ” المقنع ” – : أنَّه لا بُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً ؛ لأنَّ الواجبَ في الجماعةِ أن تكون مجتمعةً في الأفعالِ وهي متابعة المأمومِ للإِمام والمكان ، وإلا لقلنا : يَصِحُّ أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحد في المسجد ، ومأمومان في حجرة بينها وبين المسجد مسافة ، ومأمومان آخران في حجرة بينه وبين المسجدِ مسافة ، ومأمومان آخران بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة ، ولا شَكَّ أنَّ هذا توزيعٌ للجماعةِ ، ولاسيَّما على قولِ مَن يقول : إنَّه يجب أن تُصلَّى الجماعةُ في المساجد .
فالصَّوابُ في هذه المسألة : أنَّه لا بُدَّ في اقتداءِ مَن كان خارجَ المسجدِ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ ، فإنْ لم تكن متَّصِلة : فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ .
مثال ذلك : يوجد حولَ الحَرَمِ عَماراتٌ ، فيها شُقق يُصلِّي فيها الناسُ ، وهم يَرَون الإِمامَ أو المأمومين ، إما في الصَّلاةِ كلِّها ؛ أو في بعضِها ، فعلى كلامِ المؤلِّفِ : تكون الصَّلاةُ صحيحةً ، ونقول لهم : إذا سمعتم الإِقامة فلكم أنْ تبقوا في مكانِكم وتصلُّوا مع الإِمام ولا تأتوا إلى المسجدِ الحرام .
وعلى القول الثاني : لا تَصِحُّ الصَّلاةُ ؛ لأنَّ الصفوفَ غيرُ متَّصلةٍ ، وهذا القولُ هو الصَّحيحُ ، وبه يندفع ما أفتى به بعضُ المعاصرين مِن أنَّه يجوز الاقتداءُ بالإِمامِ خلفَ ” المِذياعِ ” ، وكَتَبَ في ذلك رسالةً سمَّاها : ” الإقناع بصحَّةِ صلاةِ المأمومِ خلفَ المِذياع ” ، ويلزمُ على هذا القول أن لا نصلِّيَ الجمعةَ في الجوامع بل نقتدي بإمام المسجدِ الحرامِ ؛ لأنَّ الجماعةَ فيه أكثرُ فيكون أفضلَ ، مع أنَّ الذي يصلِّي خلفَ ” المِذياع ” لا يرى فيه المأموم ولا الإِمامَ ، فإذا جاء ” التلفاز ” الذي ينقل الصَّلاة مباشرة يكون مِن بابِ أَولى .
ولكن هذا القولُ لا شَكَّ أنَّه قولٌ باطلٌ ؛ لأنه يؤدِّي إلى إبطالِ صلاةِ الجماعةِ أو الجُمعة ، وليس فيه اتِّصالَ الصُّفوفِ ، وهو بعيدٌ مِن مقصودِ الشَّارعِ بصلاةِ الجمعةِ والجماعةِ .
…
والذي يصلِّي خلفَ ” المِذياع ” يصلِّي خلفَ إمامٍ ليس بين يديه بل بينهما مسافات كبيرة ، وهو فتح باب للشر ؛ لأنَّ المتهاون في صلاةِ الجُمُعة يستطيع أن يقولَ : ما دامتِ الصَّلاةُ تَصِحُّ خلفَ ” المِذياع ” و ” التلفاز ” ، فأنا أريدُ أن أصلِّيَ في بيتي ، ومعيَ ابني أو أخي ، أو ما أشبه ذلك نكون صفَّاً .
فالرَّاجح : أنه لا يَصِحُّ اقتداءُ المأمومِ خارجَ المسجد إلا إذا اتَّصلتِ الصُّفوف ، فلا بُدَّ له مِن شرطين :
- أن يَسمعَ التكبيرَ .
- اتِّصال الصُّفوف .
أما اشتراطُ الرُّؤيةِ : ففيه نظر ، فما دام يَسمعُ التَّكبير والصُّفوف متَّصلة : فالاقتداء صحيح ، وعلى هذا ؛ إذا امتلأ المسجدُ واتَّصلتِ الصُّفوف وصَلَّى النَّاسُ بالأسواقِ وعلى عتبة الدَّكاكين : فلا بأس به .
” الشرح الممتع ” ( 4 / 297 – 300 ) .
فتوى :
قال ابن باز رحمه الله:
س: هل يُضاعف العمل في سائر مكّة والمدينة؟
ج: نعم، الأجر مُضاعف في الحرمين، لكن ….. التَّحديد مُضاعف في المحدد، الله أعلم بها، كلّه في الصلاة: في المسجد الحرام بمئة ألف، وفي المسجد النبوي خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه، أمَّا مُضاعفة الصيام والقراءة والاعتكاف والدَّعوة فهذا شيءٌ لم يحدد فيه مُضاعفة، لكن لا يعلم مقدار المضاعفة إلا الله سبحانه؛ لأنَّه لم يحددها فيما جاء عن رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا في كتابه العظيم، نعم.