(3022) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تابع 6 لـ (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة).
١٥ – (٣٠٢٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قالت لي عائشة: يا ابن أختي! أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فسبوهم.
١٥ – م – (٣٠٢٢) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: (“[()] – ()”).
وقال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٥٠٠] (٣٠٢٢) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ) رضي الله عنها (يَا ابْنَ أُخْتِي) هي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنها
قال القرطبيّ رحمه الله: قول عائشة رضي الله عنها: «أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فسبّوهم» أشارت عائشة رضي الله عنها إلى قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فسبّوهم، تريد عائشة بهذا: أن التابعين حقّهم الواجب عليهم أن يحبّوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يعظّموهم، ويستغفروا لهم، وكذلك كل من يجيء بعد التابعين إلى يوم القيامة، ويحرم عليهم أن يسبّوهم، أو يسبّوا أحدًا منهم …
ولقد أحسن مالك رحمه الله في فهم هذه الآية، فقال: من سبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حقّ له في الفيء، واستدلّ بالآية، ووجهه أنه رأى هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، وأن هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، فظهر له أن المهاجرين والأنصار استحقّوا الفيء بأنهم مهاجرون، وأنصار، من غير قيد زائد على ذلك، وأن من جاء بعدهم قُيّدوا بقيد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فإن لم يوجد هذا القيد لم يجز الإعطاء؛ لعدم تمام الموجِب، وقد فَهِم عمر رضي الله عنه أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعمّ كل من يأتي إلى يوم القيامة، وأنها معطوفة على ما قبلها، فوقف الأرض المغنومة المفتتحة في زمانه على من يأتي بعد إلى يوم القيامة، وخصص بهذه الآية الأرض من جملة الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقد تقدَّم الكلام على هذا في «الجهاد». انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله [«المفهم» ٧/ ٤٠٧ – ٤٠٨].
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباريّ في «المصاحف»، وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فسبّوهم، ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أنه سمع رجلًا، وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا، ليس من هؤلاء من يسبّ هؤلاء.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر، أنه بلغه أن رجلًا نال من عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا، والله ما يكون منهم من يتناولهم، وكان في قَلْبه الغلّ عليهم [راجع: «الدر المنثور» ٨/ ١١٣]، والله تعالى أعلم.
وحديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥٠١] (. . .) – (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
هذا الإسناد تقدّم في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام هذه ساقها الحاكم رحمه الله في «المستدرك» مقرونًا بوكيع، فقال:
(٣٧١٩) – حدّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ موسى بن إسحاق القاضي، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، ووكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] «قالت: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أُمروا بالاستغفار لهم، فسبّوهم».
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهى [«المستدرك على الصحيحين» ٢/ ٥٠١].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: قوله: «ولم يخرجاه» هذا من غفلة الحاكم رحمه الله فقد أخرجه مسلم هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
فقه وفوائد الحديث:
١ – (منها): بيان وجوب الاستغفار للصحابة رضي الله عنهم؛ لظاهر الآية المذكورة.
٢ – (ومنها): بيان تحريم سبّ الصحابة رضي الله عنهم؛ لمفهوم الآية المذكورة.
٣ – (ومنها): أن الواجب على المسلم أن يستغفر للسلف الصالح، ولا سيما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن لا يتعرّض لهم بسوء؛ فإنه ينافي ما حثّت عليها الآية الكريمة.
٤ – (ومنها): ما قاله القاضي عياض رحمه الله: الظاهر أن عائشة رضي الله عنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في عليّ ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا، وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه، فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وبهذا احتج مالك في أنه لا حقّ في الفيء لمن سبّ الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله تعالى إنما جعله لمن جاء بعدهم، ممن يستغفر لهم، والله تعالى أعلم [راجع: «شرح النوويّ» ١٨/ ١٥٨ – ١٥٩]. [البحر المحيط الثجاج].
5 – (ومنها): أن هؤلاء المقصودين هم الخوارج والشيعة، فالخوارج سبُّوا عليًّا رضي الله عنه وأصحابه، والشيعة الرافضة سبُّوا الصحابة رضي الله عنهم وكفَّروهم.
[توفيق الرب المنعم (8/ 496)].
وسيأتي ذكر غير ما سبق في محله بإذن الله تعالى.
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المطلب الأول): في تفسير الآية.
(المسألة الأولى): نص الآيات
قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر].
(المسألة الثانيه ): في تفسيرها:
قيل: المرادُ: عُمومُ المؤمِنينَ الَّذين يَجيئونَ مِن بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ إلى يومِ القيامةِ.
وممَّن ذهب إلى هذا القولِ في الجُملةِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والزَّجَّاجُ، والقرطبيُّ، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ تيميَّةَ، واختاره ابنُ كثير، والبِقاعي، والعُلَيمي، واستظهره الشَّوكانيُّ، وهو ظاهرُ اختيارِ السعديِّ، وإليه ذهب ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (4/280)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (5/147)، ((تفسير القرطبي)) (18/31)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/152)، ((تفسير ابن كثير)) (8/72، 73)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/443)، ((تفسير العليمي)) (7/14)، ((تفسير الشوكاني)) (5/240)، ((تفسير السعدي)) (ص: 851، 852)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/96).
قال الثعالبي: (قال جمهورُ العُلماءِ: أراد مَنْ يجيءُ مِن التَّابعينَ وغيرِهم إلى يومِ القيامةِ). ((تفسير الثعالبي)) (5/411).
وقيل: الَّذين جاؤوا مِن بَعدِهم هم المهاجِرونَ يَستَغفِرونَ لإخوانِهم مِن الأنصارِ. وممَّن ذهب إلى هذا القولِ: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/532).
وقيل: المرادُ: مَن عدا المهاجِرينَ والأنصارَ مِنَ الصَّحابةِ، كالَّذين أسلَموا يومَ فَتحِ مكَّةَ. وممَّن ذهب إلى هذا القول: ابنُ جُزَي. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/361).].
{وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا}.
أي: ولا تَجعَلْ في قُلوبِنا شَيئًا مِنَ البُغضِ أو الحِقدِ أو الحَسَدِ لأحَدٍ مِن أهلِ الإيمانِ بك [((تفسير ابن جرير)) (22/534)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (2/18)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (19/444)، ((تفسير السعدي)) (ص: 852)، ((تفسير ابن عاشور)) (28/97)].
{رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
أي: رَبَّنا إنَّك ذو رأفةٍ ورَحمةٍ تامَّةٍ بالِغةٍ؛ فحقيقٌ أن تُجيبَ دُعاءَنا [((تفسير ابن جرير)) (22/534)،
(المسألة الثالثة ): الفوائد التربوية من الآية :
هذا مِن فضائِلِ الإيمانِ: أنَّ المؤمِنينَ يَنتَفِعُ بعضُهم ببَعضٍ، ويَدعو بعضُهم لبَعضٍ؛ بسبَبِ المُشارَكةِ في الإيمانِ المُقتَضي لعَقدِ الأُخُوَّةِ بيْنَ المُؤمِنينَ، الَّتي مِن فُروعِها أن يَدعوَ بَعضُهم لبَعضٍ، وأن يُحِبَّ بَعضُهم بعضًا [يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 851)].
(المسألة الرابعة ): الفوائد العلمية واللطائف:
1 – يُبَيِّنُ الله عزوجل أنَّ مِن شأنِ مَن جاء مِن بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ أن يَذكُرَ السَّابِقينَ – وهم المهاجِرونَ والأنصارُ – بالدُّعاءِ والرَّحمةِ، فمَن لم يكُنْ كذلك، بل ذَكَرَهم بسُوءٍ؛ كان خارِجًا من جملةِ أقسامِ المؤمِنينَ بحَسَبِ نَصِّ هذه الآيةِ، ومَن كان في قَلْبِه غِلٌّ على أحَدٍ مِن الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، فليس ممَّن عَنَى اللهُ تعالى بهذه الآيةِ. [((نظم الدرر)) للبقاعي (19/444، 445)].
2 – في الآية ما يدُلُّ على أنَّ حَقًّا على المسلِمينَ أن يَذكُروا سَلَفَهم بخَيرٍ، وأنَّ حَقًّا عليهم محبَّةُ المهاجِرينَ والأنصارِ، وتَعظيمُهم. [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/97)]
3 – في الآية دليلٌ على وُجوبِ محبَّةِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم؛ لأنَّه جَعَل لِمَن بَعْدَهم حَظًّا في الفَيءِ ما أقاموا على محَبَّتِهم ومُوالاتِهم والاسِتغفارِ لهم، ومَن أبغَضَهم أو واحِدًا منهم، أو اعتَقَد فيه شَرًّا، أنَّه لا حَقَّ له في الفَيءِ. [يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (18/32)، ((تفسير ابن عادل)) (18/596). ويُنظر أيضًا: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (5/147).
عن مالِكِ بنِ أنَسٍ، قال: (مَن سَبَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فليس له في الفَيءِ حَقٌّ؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ: فذكر الآية …..
قال ابن تيمية : فالفَيءُ إنَّما حَصَلَ بجِهادِ المهاجِرينَ والأنصارِ وإيمانِهم وهِجرتِهم ونُصرتِهم؛ فالمتأخِّرونَ إنَّما يَتناوَلونَه مُخلَفًا عن أولئك، مُشَبَّهًا بتَناوُلِ الوارثِ ميراثَ أبيه، فإنْ لم يكُنْ مُواليًا له لَمْ يَسْتَحِقَّ الميراثَ، فلا يَرِثُ المسلمَ الكافِرُ، فمَن لَمْ يَستغفِرْ لأولئك بل كان مُبغِضًا لهم، خَرَجَ عن الوَصفِ الَّذي وَصَفَ اللهُ به أهلَ الفيءِ، حتَّى يكونَ قلْبُه مُسلِمًا لهم، ولِسانُه داعيًا لهم
ولو فُرِض أنه صَدَرَ من واحدٍ منهم ذنبٌ محقَّقٌ فإنّ الله يغفره له بحسناتِه العظيمة، أو بتوبة تَصدُر منه، أوْ يَبتليه ببلاءٍ يكفِّر به سيئاتِه، أو يَقْبَل فيه شفاعةَ نبيِّه وإخوانِه المؤمنين، أو يدعو اللهَ بدعاءٍ يَستجيبُه له.
وقد ثبتَ عن النبي ﷺ في الصحاح (١) من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن حاطب بن أبي بلتعةَ كاتَبَ كفَّارَ مكة لمّا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم غزوةَ الفتح ….فذكر قصة حاطب وفيه :
فقال صلى الله عليه وسلم : «إنه شَهِدَ بدرًا، وما يُدرِيك لعلَّ الله قد اطَّلعَ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم». وأنزل الله تعالى في ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) الآيات
[يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (3/78)]،
فمَن كان له في أحدٍ مِن الصَّحابةِ قولٌ سَيِّئٌ أو بُغْضٌ، فلا حَظَّ له في الفَيءِ أخْذًا مِن هذه الآيةِ. [يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 259)]،
ولأنَّهم سألوا اللهَ أنْ يَتَخَلَّوا مِن هذا الغِلِّ الَّذي يكونُ في القلوبِ، وهذا يَقتَضي وُجوبَ المحبَّةِ. [يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) لابن عثيمين (1/600)].
4 – في الآية أنَّ الدُّعاءَ للغيرِ إذا كان المَدْعوُّ له مُسلِمًا فإنَّه يَنتَفِعُ به. [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (3/399)]،
وهذا هو المشروعُ في حقِّ الأمواتِ؛ أنْ نَدعوَ اللهَ لهم بالمَغفِرةِ والرَّحمةِ وما يَنفعُهم مِن الدُّعاءِ [يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (6/152)].
والآيةُ فيها دَلالةٌ على انتِفاعِ الميِّتِ بدُعاءِ غَيرِ وَلَدِه له. [يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (25/30)].
5 – في الآية الحَثُّ على الدُّعاءِ والتَّرَضِّي عن الصَّحابةِ، وتَصفيةِ القُلوبِ مِن بُغضِ أحَدٍ مِنهم [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 259)]،
فالاستِغفارُ للمُهاجِرينَ والأنصارِ، وطهارةُ القَلبِ مِن الغِلِّ لهم: أمرٌ يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه، ويُثني على فاعلِه، كما أنَّه قد أَمَرَ بذلك رسولَه في قَولِه تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] [يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 574)].
6 – في الآية وصَف اللهُ مَنْ بَعْدَ الصَّحابةِ بالإيمانِ؛ لأنَّ قَولَهم: سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ دليلٌ على المُشارَكةِ في الإيمانِ، وأنَّهم تابِعونَ للصَّحابةِ في عقائِدِ الإيمانِ وأُصولِه، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، الَّذين لا يَصدُقُ هذا الوَصفُ التَّامُّ إلَّا عليهم، ووصَفَهم بالإقرارِ بالذُّنوبِ، والاستِغفارِ منها، واستِغفارِ بَعضِهم لبَعضٍ، واجتِهادِهم في إزالةِ الغِلِّ والحِقدِ عن قُلوبِهم لإخوانِهم المؤمِنينَ؛ لأنَّ دُعاءَهم بذلك مُستلزِمٌ لِما ذكَرْنا، ومتضَمِّنٌ لمحَبَّةِ بَعضِهم بَعضًا، وأن يُحِبَّ أحَدُهم لأخيه ما يُحِبُّ لِنَفسِه، وأن يَنصَحَ له حاضِرًا وغائِبًا، حيًّا ومَيِّتًا، ودَلَّت الآيةُ الكريمةُ على أنَّ هذا مِن جملةِ حُقوقِ المؤمنينَ بَعضِهم لبَعضٍ. [يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 852)].
7 – هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الصَّحيحَ مِن أقوالِ العُلَماءِ قِسمةُ المنقولِ، وإبقاءُ العَقَارِ والأرضِ شَملًا: – أي: عامَّةً شاملةً – بيْن المُسلِمينَ أجمَعينَ، كما فَعَل عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه، إلَّا أن يجتَهِدَ الوالي فيُنفِذَ أمرًا فيَمضي عَمَلُه فيه؛ لاختِلافِ النَّاسِ عليه- وأنَّ هذه الآيةَ قاضيةٌ بذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أخبَرَ عن الفَيءِ وجعَلَه لثَلاثِ طوائِفَ: المهاجِرينَ والأنصارِ-وهم معلومون-، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}؛ فهي عامَّةٌ في جميعِ التَّابِعينَ والآتِينَ بَعْدَهم إلى يومِ الدِّينِ. [يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (18/32)].
8 – في قَولِه تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} رَدٌّ على المُعتَزِلةِ والقَدَريَّةِ في خَلقِ الأفعالِ؛ إذْ مُحالٌ أنْ يَدْعوه بما هو مُنكَرٌ عِندَه – على زعمِهم – في صِفاتِه، فيُثْنيَ به عليهم! [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/260). لأنَّ الجَعلَ عندَهم بمعنَى الخَلقِ، فإمَّا أن يَرجِعوا عن القولِ بخَلقِ القرآنِ، وإمَّا أن يُقِرُّوا بخَلقِ الأفعالِ. يُنظر: ((النكت)) للقصاب (1/342)].
9 – في قَولِه تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} لم يَقُلْ سُبحانَه: «للَّذين سَبَقونا بالإيمانِ»؛ لِيَشملَ هؤلاء السَّابقِين وغَيرَهم إلى يومِ القيامةِ. [يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (2/251)].
10- إنْ قِيل: كيف وُصِفَ الأوَّلون بالمُهاجَرةِ وابتِغاءِ الفضْلِ والنُّصرةِ والصِّدقِ، والأنصارُ بالرُّسوخِ في الإيمانِ ومَحبَّةِ الإيواءِ والسَّخاوةِ البالغةِ حدَّها، والفَلاحِ في الآجِلِ، واقتُصِرَ في مدْحِ هؤلاء على قولِه: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا}؟
فالجوابُ: كَفى بذلك بهم مَدْحًا؛ أنْ يُوفِّقَهم إلى الدُّعاءِ لأولئك السَّادةِ الكِرامِ، ويَمنَحَهم مَحبَّتَهم، ويُدخِلَهم في زُمْرتِهم بأُخوَّةِ الإسلامِ. [يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (15/332، 333)].
(المسألة الخامسة ): بلاغة الآيات:
1 – قولُه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} المَجيءُ مُستعمَلٌ للطُّروءِ والمَصيرِ إلى حالةٍ تُماثِلُ حالَ الأنصارِ والمهاجرينَ، وهي حالةُ الإسلامِ، فكأنَّهم أَتَوا إلى مَكانٍ لإقامتِهم. وإنَّما صِيغَ جَاءُوا بصِيغةِ الماضي تَغليبًا؛ لأنَّ مِن العرَبِ وغيرِهم مَن أسْلَموا بعْدَ الهجرةِ، فكأنَّه قيل: الَّذين جاؤوا ويَجيئون، بدَلالةِ لَحْنِ الخِطابِ، والمقصودُ مِن هذا زِيادةُ دفْعِ إيهامِ أنْ يَختَصَّ المهاجِرون بما أفاء اللهُ على رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ القُرى كما اختَصَّهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بفَيءِ بني النَّضيرِ. [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (28/96)].
2 – قولُه: {رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، صِيغَتَا مُبالَغةٍ، أي: مُبالِغٌ في الرَّأفةِ والرَّحمةِ، فحَقيقٌ بأنْ تُجيبَ دُعاءَنا. [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/230)]. [موسوعة التفسير، بتصرف يسير].
(المطلب الثاني): حكم سب الصحابة رضي الله عنهم:
تمهيد:
إن سب المسلم ولعنه من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، بل سب الحيوان ولعنه من الذنوب الكبيرة، وكلما ارتفعت قيمة المسبوب ارتفعت الجريمة وغلظت، لهذا جاء في الصحيح إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويلعن أمه.
والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء والرسل، فخير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم، لما قدموا للإسلام من خدمات يصغر معها ما يقدم من غيرهم، وقد علم صلى الله عليه وسلم أن الصحابة سيقع بينهم حروب، وتختلف وجهات النظر في الحكم على أعمالهم، فحسم المادة، ونهى عن سبهم ولعنهم
(المسألة الأولى): من عقيدة أهل السنة والجماعة نحو الصحابة رضي الله عنهم:
الصحابي: من لَقِيَ النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة مؤمنًا به، ومات على ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وقال عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنَّهُارُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وكذلك قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، حتى سُمِّيَتْ هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأنَّ الله رَضِيَ ما عملوه، رَضِيَ بَيْعَتَهُمْ فَسُمِّيَتْ بيعة الرضوان، ومنها أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، كذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدكم ولا نصيفه»، وقال أيضًا عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.
وهذه الآيات والأحاديث تفيد في شأن الصحابة أمور:
١- أنَّ الصحابِيَّ إذا مات على الإيمان فإنَّهُ موعودٌ بالمغفرة والرضوان.
٢ – أنَّ الصحابة كلهم عدول لتعديل الله عز وجل لهم وثنائه عليهم.
ومعنى العدالة هنا أنَّهُم عُدولٌ في دينهم وفيما يروون وينقلون من الشريعة، وأنَّ ما حَصَلَ من بعضهم من اجتهاد، فإنَّهُ لا يقدح عدالتهم ولا يُنْقِصُهَا، لِمُضِيِّ ثناء الله عز وجل عليهم مطلقًا.
٣- أنَّ سبَّ الصحابة ينافي ما دَلَّتْ عليه الأدلة من الثناء عليهم، وهو منهيٌ عنه بالنَّصْ، فلذلك أفادت هذه الآيات حُرْمَةْ سبِّ الصحابة كما سيأتي تفصيل الكلام على ذلك إن شاء الله.
٤- أنَّ الآيات دلَّتْ على أنَّ الصحابة يتفاوتون في المنزلة وفي المرتبة وأنَّهُم ليسوا على درجة واحدة. [شرح العقيدة الطحاوية – صالح آل الشيخ، (624)، بتصرف].
وسلامة ألسنتهم وقلوبهم للصحابة – كما مر -، ويتفرع منه: تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، والحديث في هذا على النحو التالي:
– فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم.
فقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بهم.
فهم يحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويفضلونهم على جميع الخلق؛ لأن محبتهم من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من محبة الله، وألسنتهم أيضاً سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع،
فإذا سلمت من هذا، ملئت من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك. [شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين، ص (2/ 247)].
(المسألة الثانية): حب الصحابة فرض وواجب وهو من الموالاة الواجبة للصحابة،
وهذا الحب يقتضي أشياء:
– الأول: قيام المودة في القلب لهم.
– الثاني: الثناء عليهم بكل موضع يُذْكَرُونَ فيه والترضي عنهم.
– الثالث: أن لا يَحْمِلَ أفعالهم إلا على الخير فكلُّهُم يريد وجه الله عز وجل.
– الرابع: أن يَذُبَّ عنهم؛ لأنَّ مِنْ مقتضى المحبة والولاية؛ بل من معنى المحبة والولاية النُّصْرَةْ، أَنْ يَنْصُرَهُمْ إذا ذُكِرُوا بغير الخير أو انتقص منهم منتقص، أو شَكَّكَ في صدقهم أو عدالتهم أحد، فإنَّهُ واجبٌ أن يُنْتَصَرَ لهم رضي الله عنهم.
ولذا توَسَّطَ أهل السنة والجماعة في الحب بين طرفين: بين طرف المُفْرِطِينْ وطرف المتبَرِّئِين.
فالوسط هو طريقة الصحابة وأهل السنة فإنَّ الحب يقتضي موالاة الجميع وأن لا يَغْلُوَ المسلم في أي صحابي؛ بل يُحِبُّهُم ويَوَدُّهُم ويذكرهم بالخير ولا يجعل لهم شيئا من خصائص الإلهية.
(المسألة الثالثة): الصحابة رضوان الله عليهم بشر يُصيبون ويُخطئون ويجتهدون فيما يجتهدون فيه، وربما وافق بعضُهُمْ الصواب، وربما لم يوافق الصواب.
لهذا الواجب على المؤمن من مُقْتَضَى المحبة والنُّصْرَةْ أن يحمِلَ جميع أعمال الصحابة على إرادة الخير والدِّيْنْ وحب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ ما اجتهدوا فيه:
– إما أن يكون لهم فيه الأجران إذ أصابوا.
– وإما أن يكون لهم فيه الأجر الواحد إذ أخطؤوا.
وكُلُّ عَمَلٍ لهم مما اجتهدوا فيه حتى القتال فإنَّهُ مَعْفُوٌّ عنهم فيه لأنَّهُم مجتهدون، فلا نَحْمِلُ أحدًا من الصحابة على إرادة الدنيا المحضة -يعني فيما اجتهدوا فيه من القتال- وإنما نحملهم على أنَّهُم أرادوا الحق واجتهدوا فيه فمن مُصيبٍ ومن مخطئ.
ولهذا كان الصحابة وهم يتقاتلون يُحِبُّ بعضهم بعضًا، ولا يتباغضون كما أَبْغَضَ طائفة منهم من جاء بعد ذلك من أهل البدع، فلم يكن أحَدُهُمْ يَذُمُّ الآخر ذَمًَّا يقدح في دينه، أو يقدح في عدالته، وإنما بين من يُصَوِّبُ نفسه ويُخَطِّئُ غَيْرَهْ وبين من يعتزل أو يُثْنِي على الجميع وأشباه ذلك.
وهذا هو الواجب في أننا نحمل أفعالهم على الحق والهدى، وإن كان بعضهم يكونُ أصوبَ من بعض، أو بعضهم يكون مصيبًا والآخر مخطئًا.
وما جرى من الصحابة من الشِّجَار فيما اجتهدوا فيه والقتال … فهذا لا يُبْحَثُ فيه وإنما يُذْكَرُونَ بالخير، ونعتمد على الأصل الأصيل وهو أنَّ الله عز وجل أثنى عليهم، وخاصَّةً أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله عز وجل فيهم قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ [الفتح:١٨]، وكانوا إذ ذاك بين ألف وأربعمائة وألف خمسمائة قد رضي الله عنهم وأرضاهم.
(المسألة الرابعة): سَبُّ الصحابة تَبَرُؤٌ منهم،
لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الصحابة فقال «لا تسبّوا أصحابي» وهذا يقتضي التحريم، فكل سَبٍّ للصحابة محرم، وأكَّدَّ ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله «من سبَّ أصحابي فقد آذاني» وأذيته صلى الله عليه وسلم محرمة وكبيرة وكذلك إيذاء الصحابة فقد قال عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، وإيذاء الصحابي احتمالٌ للإثم المُبِيْنْ، وهذا دخولٌ في المحرّمات الشديدة.
ومعنى السَّبْ أن يَشْتُمْ بِلَعْنٍ، أو يَتَنَقَّصْ، أو يطعن في عدالتهم، أو في دينهم، أو أن يتنقصهم بنوعٍ من أنواع التنقص عمَّا وصفهم الله عز وجل به، وهذا يختلف بأنواع:
– فقد يشتم بعض الصحابة، فهذا سب.
– قد يَتَنَقَّصْ من جهةٍ دينية.
– وقد يَتَنَقَّصْ من جهة دنيوية لا تُنْقِصُ من عدالته.
مثلًا في الجهة الدينية أن يقول: أنَّهُ لم يكن مؤمنًا مُصَدِّقًَا، كان فيه نفاق. أو أن يقول عن الصحابة: كان فيهم قلة علم، أو بعضهم فيه قلة دِيَانَة، أو كان فيهم شَرَهْ على المال أو حب للمناصب، أو كان في بعضهم رغبة في النساء، جاهدوا لأجل النساء، أْكَثُروا من النساء تلذذًا في الدنيا، هم طُلَّابُ دنيا.
إمَّا في وصفهم جميعًا أو في وصف بعضهم.
هذه أمثلة لأنواع السب والقدح الذي قد يرجع إلى قدحٍ في دينهم، وقد يرجع إلى تنقصٍ لهم في عدالتهم وما أشبه ذلك.
(المسألة الخامسة):
وسَبُّ الصحابة رضوان الله عليهم كما أنَّهُ مُحَرَّمْ قد اختلف العلماء في هل يكون كفرًا أم لا يصل إلى الكفر؟
وكما ذكرتُ لك فإنَّ السَّبَّ مورِدُهُ البُغْضْ؛ لأنَّهُ إذا أْبَغَضَ مُطْلَقًَا أو أَبْغَضَ في جزئية فإنه يَسُبْ، فإنَّ السَبَّ مورده البُغْضْ، ينشأ البغض والكراهة ثم ينطلق اللسان -والعياذ بالله- بالسب.
لهذا الطحاوي هنا قال في آخر الكلام (وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ)
فيقصد بالكفر هنا الكفر الأصغر ليس الكفر الأكبر، أو ما يشمل -وهو الذي حمله عليه شارح الطحاوية- أو ما يشمل القسمين، قد يكون كفرًا أكبر وقد يكون أصغر، والنفاق قد يكون نفاقًا أكبر وقد يكون نفاقًا أصغر بحسب الحال ويأتي تفصيل الكلام في ذلك.
والإمام أحمد رحمه الله وعلماء السلف لهم في تكفير من سَبِّ الصحابة روايتان:
١ – الرّواية الأولى: يَكْفُرْ وسَبَبُ تكْفِيرِهِ أَنَّ سَبَّهُ طعنٌ في دينه وفي عدالة الصحابي، وهذا رَدٌّ لثناء الله عز وجل عليهم في القرآن، فرجع إذًا تكفير السابِّ إلى أنَّهُ رَدَّ ثناء الله عز وجل في القرآن والثناء من النبي عليهم في السنة.
٢ – والرواية الثانية: أنَّهُ لا يكفر الكفر الأكبر، وذلك لأنَّ مَسَبَّةْ مَنْ سَبَّ الصحابة من الفِرَقْ دَخَلَهُ التأويل ودَخَلَهُ أمر الدنيا والاعتقادات المختلفة.
والقول الأول هو المنقول عن السلف بكثرة، فإنَّ جمعًا من السلف من الأئمة نَصُّوا على أنَّ من سَبَّ وشَتَمَ أبا بكر وعمر فهو كافر، وعلى أنَّ من شَتَمَ الصحابة وسبَّهُمْ فهو زنديق، بل قيل للإمام أحمد كما في رواية أبي طالبٍ: قيل فلانٌ يشتم عثمان، قال: ذاك زنديق. وأشباه هذا.
وهذا هو الأكثر عن السلف لأنَّ شَتْمْ الصاحب تكذيبٌ للثناء أو رد للثناء، سواءٌ كان شتمه لأجلٍ تأويلٍ عَقَدِي أو لأجل دنيا.
وقد فَصَّلَ في بحث السَّبْ ابن تيمية في آخر كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول، وذكر الروايات والأقوال في ذلك ثم عَقَدَ فصلًا في تفصيل القول في الساب.
وما فَصَّلَ به حَسَنْ، وما يدور كلامه عليه رحمه الله وأجزل له المثوبة أنَّهُ يُرْجِعُ السَّبُّ إلى أحوال:
فتارَةً يكون كفرًا أكبر، وتارةً يكون محرمًا ونفاقًا، ولا يتفق الحال؛ يعني ليس السَبُّ على حالٍ واحدة.
فيكون للسّاب مراتب أو أحوال:
١- الحالة الأولى: أن يَسُبَّ جميع الصحابة بدون استثناء ولا يَتَوَلَّى أحدًا منهم، فهذا كفر بالإجماع، يَسُبُّ جميع الصحابة، هذا فعل الزنادقة والمادِّيِينْ والملاحدة الذين يقدحون في كل الصحابة، فلا شك أنَّ هذه زندقة، ولا تصدر من قلبٍ يحب الله عز وجل ويحب رسوله ويحب الكتاب والسنة ومن نقل السنة وجاهد في الله حق جهاده.
٢- الحالة الثانية: أن يَسُبَّ أكثر الصحابة تَغَيُّظًا من فِعْلِهِمْ كالغيض الذي أصاب مَنْ عَدَّ نفسه من الشيعة وهو من الرافضة، أو نحوهم ممن سَبُّوا أكثر الصحابة الذين خالفوا -كما يزعمون- خالفوا عليًا أو لم ينتصروا لعلي وأثبتوا الولاية لأبي بكر وعمر ثم عثمان، وأشباه ذلك فيَسُبُّونَهُمْ تَغَيُّظًَا وحَنَقًَا عليهم واعتقادًا فيهم.
فهؤلاء أكثر السلف على تكفيرهم ونَصَّ الإمام مالك على أنَّ من سَبَّ طائفة من الصحابة تَغَيُّظًَا؛ يعني غَيظًَا من موقفهم في الدين، فإنَّهُم كفار لقول الله عز وجل في آية سورة الفتح ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فالذي يكون في قلبه غَيْظْ ويَغْتَاظْ مِنَ الصحابة ألحقه الله عز وجل بالكفار، واستدلَّ بها مالك رحمه الله إمام دار الهجرة على أَنَّ من سَبَّهُمْ أو سَبَّ طائفة منهم تَغَيُّظًَا فهو كافر، وهذا صحيحٌ ظاهِرْ.
٣- الحالة الثالثة: أن يَسُبَّ بعض الصحابة لا تَغَيُّظًَا؛ ولكن لأجل عدم ظهور حُسْنْ أفعاله، مثلًا يقول:
هؤلاء بعض الصحابة فيهم قلة علم أو فيهم جشع، أو هذا ما يفهم، أو فيه حب للدنيا، أو نحو ذلك، فهذا ليس بكفر، وإنما هذا محرم لأنه مَسَبَّةْ وهو مخالفٌ لمقتضى الوَلَايَةْ.
وهذا هو الذي يُحْمَلُ عليه كلام من قال من السلف: إنَّ سابَّ الصحابة أو من سَبَّ بعض الصحابة لا يكفر، فيُحْمَلْ على أنَّ نوع السب هو أنَّهُ انْتَقَصَ في ما لا يظهر لَهُ وَجْهُهْ، إمَّا في -مثل ما ذكرت- نقص علم أو في رغبة في دنيا أو نحو ذلك، ولا يُعَمِّمْ وإنما قد يتناول واحد أو اثنين أو أكثر بمثل هذا.
وهذه المسائل، كونه يَقِلْ عِلْمُهُ أو يقول يحب الدنيا، هذا ليس طعنًَا في عدالته لأنَّ قلة العلم ليست طعنًا في العدالة، وحب الدنيا بما لا يؤثر على الدين ليس طعنًا في العدالة -العدالة يعني الثقة والدين والأمانة-، وإنما هذا انتقاص وتَجَرُّؤْ عليهم بما لا يجوز فعله، ويخالِفُ مقتضى المحبة.
هذا هو الذي يصدق عليه أنَّهُ لا يدخل في الكفر فهو محرم؛ لأنه ليس فيه رد لقول الله عز وجل ولكن فيه سوء أدب وانتقاص ودخولٌ في المسبة.
والواجب في أمثال هؤلاء أن يُعَزَّرُوا؛ وذلك لِدَرْءِ شَرِّهِمْ والمحافظة على مقتضى الثناء من الله عز وجل على صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم .
٤- الحالة الرابعة: أن ينتقص الصحابي أو أن يَسُبَّهُ لاعتقادٍ يعتقده في أَنَّ فِعْلَهُ الذي فَعَلَ ليس بالصواب، وهذا في مثل ما وقع في مقتل عثمان وفِعْلْ علي رضي الله عنه وفِعْلْ معاوية ونحو ذلك، فقد يأتي ويَنْتَقِصْ البعض؛ لأنَّهُ يرى أنَّهُ في هذا الموقف بذاته أنَّهُ كان يجب عليه أن يفعل كذا، لماذا لم يفعل كذا، وهذا يدل على أنَّهُ فَعَلَ كذا، وهذا أيضًا أخف من الذي قبله لأنه متعلق بفرد وبحالة.
وهذا محرمٌ أيضًا، وهل يُعَزَّرْ في مثل هذه الحال أو لا يُعَزَّرْ؟
هذا فيه اختلاف، ولاشك أنَّ قوله وفِعْلَهْ فيما فَعَلْ دُخُولٌ في المسبّة والانتقاص وهذا محرم ودون الدخول في رَدِّ ثناء الله عز وجل أو في انْتِقَاصٍ عام، إنما هذا يجب في حقه التوبة من الله عز وجل والإنكار عليه.
وهل يُعَزَّرْ أو لا؟
اختلف العلماء في مقتضى التَّعْزِيْرْ، التَّعْزِيْرْ المقصود به التَّعْزِيْرْ بالجلد أو بالقتل، أما التَّعْزِيْرْ بالقول والرَّدْ عليه وانتقاصه هذا واجب.
٥- الحالة الخامسة: ربما تشتبه علي لكن تراجعونها أكثر، نتركها راجعوها أنتم. انتهى كلام صالح آل الشيخ
قال ابن باز :
السؤال:
سَبُّ الصحابة هل هو كُفْر على الإطلاق، أو فيه تفصيل؟
الجواب:
الصواب أنه كُفْر، مَنْ سَبَّهم على العموم أو أبغضهم كَفَر، لا يبغضهم إلا كافر؛ فهم حَمَلَةُ الشريعة.
س: هل هناك فرق بين كبار الصحابة وغيرهم؟
الشيخ: المقصود عموم الصحابة أو جمهورهم، أما بعض الأفراد كمعاوية وغير معاوية، هذا فِسْق، إذا سَبَّ واحدًا منهم يستحق أن يُعَزّر ويُؤدّب.
س: لكن لو سَبَّ أحدُ العشرة المبشّرين؟
الشيخ: ولَوْ سَبَّ يكون فاسقَا يستحق أن يؤدّب.
س: هذا مشهود له بالجنة؟
الشيخ: السَبُّ قد يكون له أسباب، أما سَبُّ الجمهور أو سَبُّ العموم هذا لشك في دينه وبُغْض في الدين.
قال ابن عثيمين :
[حكم سب الصحابة]
سب الصحابة على ثلاثة أقسام:ئ
الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار، أو فساق
الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم كالجبن والبخل فلا يكفر ولكن يعزر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب “الصارم المسلول ” ونقل عن أحمد في ص ٥٧٣ قوله: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك أدب، فإن تاب وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع)
كتاب مجموع ورسائل ابن عثيمين
قال باحث :
وأما موقف ابن تيمية رحمه الله من سب الصحابة فيعتقد أنه حرام بالكتاب والسنة:
فمن الكتاب قول الله عزّ وجل: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} [الحجرات: 12]، وأدنى أحوال الساب أن يكون مغتاباً، وقال عزّ وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58]، والصحابة خيار المؤمنين، ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى – رضي عنهم – رضىً مطلقاً، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً، وكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلوعلم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك (108)، كما في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 – 30].
واستدل رحمه الله من السنة بأحاديث منها: “لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لوأن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه” (109).
وحديث: “آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ” (110)، وغيرها من الأحاديث (111).
ويقسم ابن تيمية رحمه الله أنواع سب الصحابة وأحكامه تقسيماً جيداً: فمن اقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي فهذا لا شك في كفره.
ومن سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا نفراً قليلاً فهذا لا ريب في كفره.
وأما من لعن وقبّح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد (112)، واللعن أشد من السب وقارنه النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقتل كما قال: “لعن المؤمن كقتله” (113).
وأما موقف ابن تيمية رحمه الله مما ورد في مساوئ الصحابة ومثالبهم فيمكن أن يفهم من مجموع كلامه أنه وضع قواعد ثابتة وسار عليها، ومن هذه القواعد:
القاعدة الأولى: أن ما يُذكر من المطاعن والمثالب على الصحابة نوعان:
الأول: منها ما هوكذب: إما كذب كله، وإما محرَّف قد دخله من الزيادة والنقصان والتغيير ما يخرجه إلى الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هومن هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى (114)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (115)، وأمثالهما من الكذابين.
الثاني: ومنها ما هوصدق، وهذا قليل، ولهم معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب، وقد أجاد شيخ الإسلام رحمه الله في بيان الاعتذار لهم بكلام نفيس أجتزئ منه قوله عنهم: (لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحوالسيئات ما ليس لمن بعدهم …
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أوأتى بحسنات تمحوه، أوغفر له بفضل سابقته، أوبشفاعة محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أوابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه .. ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح .. ) (116).
القاعدة الثانية: أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، والكلام في الصحابة من باب أولى، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا، لا يباح قط بحال، قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ} [المائدة: 8].
وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحق من عدل عليهم في القول والعمل، والعدل مما اتفق أهل الأرض على محبته ومدحه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط كما في قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
وقال: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17]، وقال: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: 58].
يقول ابن تيمية رحمه الله: (والمقصود هنا أنه إذا وجب فيما شجر بين عموم المؤمنين أن لا يتكلم إلا بعلم وعدل، ويرد ذلك إلى الله والرسول، فذاك في أمر الصحابة أظهر) (117).
القاعدة الثالثة: الإمساك عما شجر بين الصحابة، وعدم الخوض فيه، وهذا هومنهج السلف – رضوان الله عليهم – كما تقدم بيانه. ولابن تيمية رحمه الله كلام نفيس في توضيح هذه القاعدة، وبيان لوازم الخوض فيما شجر بين الصحابة فهويوقع في قلوب الخائضين ومن تلقى عنهم ذلك بغض الصحابة الكرام، ويتضمن أذية هؤلاء المتشاجرين، فيقول مبتدئاً توضيح المسألة بكلام عام: (إذا تشاجر مسلمان في قضية، ومضت، ولا تعلق للناس بها، ولا يعرفون حقيقتها، كان كلامهم فيها كلاماً بلا علم ولا عدل يتضمن أذاهما بغير حق، ولوعرفوا أنهما مذنبان أومخطئان لكان ذكر ذلك من غير مصلحة راجحة من باب الغيبة المذمومة) (118).
ثم قال: (لكن الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – أعظم حرمة، وأجل قدرا، وأنزه أعراضا، وقد ثبت في فضائلهم خصوصاً وعموماً ما لم يثبت لغيرهم، فلهذا كان الكلام الذي فيه ذمهم على ما شجر بينهم أعظم إثماً من الكلام في غيرهم) (119).
وقال: (المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة، والاستغفار للطائفتين جميعاً وموالاتهم) (120).
وقال رحمه الله بعد ذكره أقوال الناس فيما حصل بين الصحابة: ( … الرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقاً .. وهو مذهب أهل السنة والجماعة) (121).
وقال رحمه الله: (ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم، وما وقع: منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفوراً، فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضاً وذمّا، ويكون هوفي ذلك مخطئاً بل عاصياً، فيضر نفسه، ومن خاض معه في ذلك .. ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف) (122).
وبهذا بتبين موقفه رحمه الله من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكرام، فيعتقد محبتهم، وعدم سبهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم، وهذا هومنهج أهل السنة والجماعة؛ وسط بين طرفين. وهدى بين ضلالتين، فهم وسط في باب صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الغلوفي محبتهم أوبعضهم، وبين التفريط في بغضهم أوبعضهم.
يقول رحمه الله في تقرير وسطية أهل السنة: (هم وسط في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الغالي في بعضهم الذي يقول بإلهيةٍ، أونبوةٍ، أوعصمةٍ، والجافي فيهم: الذي يكفر بعضهم، أويفسقه، وهم خيار الأمة) (123).
وأما عن ادعاء المناوئين لابن تيمية رحمه الله أنه يبغض الشيخين، وأنه ينتقص من منزلة الخلفاء الأربعة فهذا غير صحيح، بل لا يوجد له نص واحد ينتقص فيه الصحابة – رضوان الله عليهم – فضلاً عن الخلفاء الأربعة، الذين يعتقد أنهم خيار الأمة، فبعد أن ذكر أن أفضل الأمم أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأن أفضل الأمة: القرن الأول، وأن أفضل القرن الأول: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، قال: (وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبوبكر، ثم عمر، وهذا هوالمعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة، وجماهيرها) (124).
ويبين أن مرتبتهم في الفضل كمرتبتهم في الخلافة، فقال ابن تيمية رحمه الله في عرضه معتقد أهل السنة: (وأن الخلفاء بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة) (125).
وقال رحمه الله: (أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم .. ) (126).
وسأستعرض بعض جوانب موقف ابن تيمية رحمه الله من الخلفاء الأربعة – … ثم ذكر ذلك وسبق نقل الكثير منها في فضائلهم من صحيح مسلم
ثم ختم الباحث بحثه بقوله :
ذكر ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة (1/153) ان ابن تيمية خطأ عمر بن الخطاب في شيء , وانه قال عن عثمان أنه كان يحب المال ، وأن أبا بكر أسلم شيخًا لا يدري ما يقول , وذكر الحافظ ايضا في الدرر الكامنة (1/114) أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعًا خالف فيها نص الكتاب، وأن العلماء نسبوه الى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه، ولقوله أيضا فيه : انه كان مخذولاً، وانه قاتل للرئاسة لا للديانة.
نسبة هذا الكلام للحافظ ابن حجرخطأ، وليس هذا من كلامه، و إنما هو نص طويل نقله ابن حجر في الدرر الكامنة عن الأقشهري. و النقل يبدأ من (ص163)، وينتهي في (ص166). وهذا النص لم يذكره ابن حجر على سبل التقرير، بل هو سرد وحكاية لما تعرض له ابن تيمية رحمه الله من الأذى من خصومه و معارضيه، من التعصب والكذب والافتراء، ومنه هذه الأقوال التي إفتروها عليه. وكتب ابن تيمية موجودة، فاليخرج لنا منها الدليل على ما ذكره من افتراءات.
(المسألة السادسة):
في قول الطحاوي رحمه الله (وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ):
١- أولًا: بُغْضُ الصحابة كُفْرْ:
أ – فإذا كان البُغْضُ للدين أو للغيض كما فَصَّلْنَا فيكون الكفر هنا كفرًا أكبر.
ب – وإذا كان البُغْضْ لأجل الدنيا -كما قد تَتَنَاوَلْ النُّفُوسُ الكَرَاهَةَ والبُغْضَ لِأَجْلِ الدنيا-، فهذا كفرٌ أصغر ولا يصل إلى الكفر الأكبر، ولهذا قال النبي ﷺ «لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم أعناق بعض».
وكون بعض الصحابة قاتل بعضًا آخر، هذا فيه دخول في خصال الكفار، لهذا قال «لا ترجعوا بعدي كفارا»، ولاشك أنَّهُ قد يكون الباعث على ذلك البغض والكره لأنَّ القتال يكون معه ما في النفس؛ لكن مع تقاتل الصحابة فإنَّ بعضهم لم يُسُبَّ بعضًا يعني بلسانه والنفس قد يوجد فيها ما لا يسلم منه البشر.
فإذًا الكفر هنا قد يكون كفرًا أصغر وقد يكون كفرًا أكبر بحسب نوع البغض.
٢- ثانيًا: بُغْضُ الصَّحابة نِفَاقٌ: لأنَّ آية النفاق أن يُبغِضَ من نقل هذا الدين وحفظ الإسلام في الناس وجاهد في الله حق الجهاد وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والمنافقون في عهده صلى الله عليه وسلم كانوا يُبْغِضُونَ الصحابة ويَتَوَلَّونَ الكفار، ووصفهم الله عز وجل في ذلك بقوله ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] .
والنفاق هنا:
أ – قد يكون نفاق أكبر اعتقادي بحسب حال البُغْضْ.
ب – وقد يكون نفاق عملي بحسب نوع البغض وعدم المحبة.
٣- ثالثًا: بغض الصَّحابة طُغْيَانٌ: يعني أنَّ بُغْضَهُمْ طغيان، طَغَى فيه صاحبه وجاوَزَ الأمر.
فالله عز وجل أَمَرَ بِحُبِّهِمْ أو أَمَرَ بِمُوَالاتِهِمْ، وهذا معناهُ أنَّهُ أَمْرٌ بِحُبِّهِمْ وأثنى على من تَرَضَّى عنهم واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غِلٌّ لهم، وهذا معناه أنَّ الذي خالَفَ ذلك فهو قد طَغَىَ وتجاوز الحد في ذلك. [شرح العقيدة الطحاوية – صالح آل الشيخ، (624 – 631)، بتصرف، وذكر مسائل أخرى في بيان حقوق الصحابة رضي الله عنهم].
[تنبيه]:
سبق ذكر الأدلة وأقوال السلف في ما يتعلق بمسألة حكم سب الصحابة رضي الله عنه، والحكم على الرويات في (54 – بَابُ تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) من صحيح مسلم رحمه الله تعالى.