7402 – تحضير صحيح البخاري
تحضير أحمد بن علي وحسين البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري وعبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللهِ وَقَالَ خُبَيْبٌ
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ
فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى
٧٤٠٢ – حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عِيَاضٍ: أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسًى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ، فَأَخْبَرَ
النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.»
——
في شهر صفر من السنة الرابعة من الهجرة أرسلت قبيلتان من القبائل العربية المجاورة للمدينة المنورة ـ عضل والقارة ـ وافدهم إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام، ولما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصا على نشر الإسلام وإظهاره استجابة لأمر الله ـ عز وجل ـ:{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }(المائدة من الآية: 67 )، فقد استجاب لهم وبعث لهم عشرة من أصحابه ـ وقيل سبعة ـ وكان منهم: خبيب بن عدي، مرثد بن أبي مرثد، خالد بن أبي البكير،معتب بن عبيد، عاصم بن ثابت، زيد بن الدثنة،وعبد الله بن طارق .. فلما وصلوا إلى مكان يسمى الرجيع بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي مقاتل، فأحاطوا بهم، وقتلوا بعضهم وأسروا البعض الآخر، وقد عرفت هذه الحادثة المفجعة بالرجيع نسبة إلى ماء الرجيع الذي حصلت عنده، وقد سجلت فيها مواقف بطولية، ومنها موقف خبيب بن عدي ـ رضي الله عنه ـ .
وقد روى الإمام البخاري هذه الحادثة بتفاصيلها في صحيحه في كتاب: المغازي، وفي كتاب: الجهاد والسير، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: ( بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشرة رهط سرية علينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاريجد عاصم بن عمر، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصموأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابتأمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعه، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فأبى فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة .. فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسي يستحد بها، فأعارته، فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسي بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟، ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها، اللهم أحصهم عددا ..
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتله ابن الحارث، فكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتيوم أصيب فأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبعث على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا ) رواه البخاري .
قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة قول خبيب حين أجمعوا على قتله :
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذاري جحم نار ملفع
ووالله ما أخشى إذا مت مسلما على أي جنب كان في الله مضجعي
فلست بمبد للعدو تخشعا ولا جزعا إني إلى الله مرجعي
قال ابن هشام: ” وبعض أهل العلم ينكرها لخبيب”، قال الزرقاني: ” والمثبت مقدم على النافي، كيف وبيتان منها في الصحيح “.
قال الحافظ ابن حجر: ” وفيه إنشاء الشعر، وإنشاده عند القتل، وقوة نفس خبيب، وشدة قوته في دينه ” .
ومع ما في هذه الحادثة من آلام إلا أن فيها من الفوائد الكثير التي ينبغي الوقوف معها، ومنها :
المسلم لا يغدر :
إن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديما وحديثا، وينبغي أن يتنزه عنها أتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولنا عبرة في قصة الصحابي الجليل خبيب ـ رضي الله عنه ـ الذي ظل أسيرا حتى إذا أجمع المشركون على قتله استعار الموس من بنات الحارث، ليستحد فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاما منهم، فقال خبيب: ” أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى “، فالمسلم يعكس بخلقه الحسن وتصرفه الطيب صورة مشرقة عن دين الإسلام، فقد كان خبيب ـ رضي الله عنه ـ قادرأ على أن يقتل هذا الصبي انتقاما منهم قبل قتله لكنه لم يفعل، لأنه تربى في مدرسة النبوة على الوفاء وعدم الغدر، فترفع عن مقابلة الغدر بالغدر، عملا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) رواه الترمذي، فكسب في نفس هذه المشركة ومن نقلت الخبر إليه موقعا عظيما، ولذلك قالت: ” والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ” .
الكرامات :
قال الله تعالى: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم }(يونس من الآية 62: 64 )، قال الشيخ ابن باز: ” من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وأنها حق، وهي خوارق العادات التي يخرقها الله لبعض أوليائه إما لحاجة به، أو لإقامة حجة على أعداء الله لنصر الدين وإقامة أمر الله ـ عز وجل ـ، فهي تكون لأولياء الله المؤمنين، تارة لحاجتهم كأن يسهل الله له طعاما عند جوعه، أو شرابا عند ظمئه لا يدرى من أين أتى، أو في محل بعيد عن الطعام والشراب أو نحو ذلك، أو بركة في طعام واضحة، أو غير ذلك من خوارق العادات، والميزان في ذلك أن يكون مستقيما على الكتاب والسنة ” .
وكرامات أولياء الله تعالى واضحة في قصة خبيب ـ رضي الله عنه ـ، فقطف العنب عنده ـ وهو أسير مقيد كرامة من الله ـ عز وجل ـ له، إذ لا يوجد في مكة عنب، والمرأة المشركة فوجئت بعنقود من العنب يأكله خبيب ـ رضي الله عنه ـ فقالت: ” ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة ثمرة وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه الله إياه ” .
وقال ابن تيمية: ” ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة ” .
تعظيم الصحابة للسنة :
ومن فوائد هذه الحادثة: بيان تعظيم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم -، والحرص عليها في أشد المواقف حتى الموت، وقد ظهر ذلك فيما فعله خبيب ـ رضي الله عنه ـ لما أسره المشركون، وعلم أنه سيقتل، ومع ذلك كان حريصا ـ رضي الله عنه ـ على سنة من سنن الفطرة التي تعلمها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي سنة الاستحداد (حلق العانة)، فاستعار السكين لذلك، وفي هذا تذكير لمن يستهين بكثير من السنن النبوية .
صلاة ركعتين، والدعاء على الكافرين :
في موقف خبيب ـ رضي الله عنه ـ وصلاته ركعتين قبل مقتله مشروعية صلاة ركعتين عند ذلك، ففي رواية أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ لهذه الحادثة أن خبيبا ـ رضي الله عنه ـ صلى ركعتين قبل قتله، وقال أبو هريرة: ( وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا ) رواه البخاري، ومعنى ( قتل صبرا ) : قال ابن الأثير: ” صبرت القتيل على القتل: إذا حبسته عليه لتقتله بالسيف وغيره من أنواع السلاح وسواه، وكل من قتل أي قتلة كانت إذا لم يكن في حرب ولا على غفلة ولا غرة فهو مقتول صبرا ” .
ففي صلاة خبيب ـ رضي الله عنه ـ ركعتين عند قتله مشروعية وسنية ذلك، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما علم بما حدث مع خبيب ـ رضي الله عنه ـ وما فعله من صلاة ركعتين أقر هذا الفعل ولم ينكره، فصارت صلاة هاتين الركعتين مشروعة عند القتل، بعد إقرار النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لهما، والسنة كما قال الشاطبي وغيره: ” السنة ثلاثة أنواع: قول، وفعل، وإقرار ” .
والسنة التقريرية: هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيراه أو يسمع به فيسكت عنه، لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشرع لا يجوز سكوته على معصية، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته .
قال ابن هشام في السيرة النبوية: ” فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين، قال: ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: ” اللهم أحصهم (أهلكهم) عددا، واقتلهم بددا (متفرقين)، ولا تغادر منهم أحدا “، ثم قتلوه رحمه الله ” .
وفي موقف خبيب ـ رضي الله عنه ـ إشارة ودلالة على عظم حب الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد قال سعيد بن عامر: ” شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمدا مكانك؟، فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمدا شيك بشوكة “، ونقل مثل ذلك عن زيد بن الدثنة ـ رضي الله عنه ـ، وكان لهذا الموقف وغيره الأثر الكبير في نفوس المشركين، لما رأوا من حب وتعظيم الصحابة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حتى قال أبو سفيان ـ رضي الله عنه ـ قبل إسلامه: ” ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ” .
——
نقل الإمام ابن القيم عن الإمام السهيلي قوله: أما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة. ويقولون ذات الباري هي نفسه ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله في قصة إبراهيم ثلاث كذبات كلهن في ذات الله. رواه البخاري ومسلم، وقول خبيب: وذلك في ذات الإله. قال: وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله كما قال تعالى ويحذركم الله نفسه، وذلك غير مسموع ولا يقال إلا بحرف في الجارة وحرف في للوعاء وهو معنى مستحيل على نفس الباري تعالى إذا قلت جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته فيكون الحرف على بابه كأنك قلت هذا محبوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله وطاعته وأما أن تدع اللفظ على ظاهرة فمحال. ثم علق على ذلك الإمام ابن القيم بقوله: فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصر والله الموفق والمعين.
وقال شيخ الإسلام: الذات هي كلمة مولدة، ليست قديمة وقد وجدت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لكن بمعنى آخر مثل قول خبيب الذي في صحيح البخاري (ص342)، وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله. وعن أبي ذر: كلنا أحمق في ذات الله. وفي قول بعضهم: أصبنا في ذات الله. والمعنى في جهة الله وناحيته؛ أي لأجل الله ولابتغاء وجهه، ليس المراد بذلك النفس، ونحوه في القرآن: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. وقوله: عليم بذات الصدور. أي الخصلة والجهة التي هي صاحبة بينكم وعليم بالخواطر ونحوها التي هي صاحبة الصدور، فاسم (الذات) في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعربية المحضة: بهذا المعنى. ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على النفس.
——
قال الإمام ابن القيّم رحمه الله –
الفرق بين الصفة والنعت من وجوه ثلاث:
أحدها:- أن [النعت] – يكون بالأفعال التي تتجدد، كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) (الأعراف/54) الآية. وقوله (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ – وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ – وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف/10-12) ونظائر ذلك.
و(الصفة) – هي الأمور الثابتة اللازمة للذات، كقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ – هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ – هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر/22-24) ونظائر ذلك.
الفرق الثاني:أن الصفات الذاتية لا يطلق عليها اسم النعوت، كالوجه واليدين، والقدم، والأصابع، وتسمى صفات، وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم، وكذلك متكلمو أهل الإثبات، سموها صفات، وأنكر بعضهم هذه التسمية، كأبي الوفاء بن عقيل وغيره، وقال: لا ينبغي أن يقال: نصوص الصفات، بل آيات الإضافات؛ لأن الحي لا يوصف بيده ولا وجهه، فإن ذلك هو الموصوف، فكيف تسمى صفة؟ وأيضا: فالصفة معنى يعم الموصوف، فلا يكون الوجه واليد صفة.
والتحقيق: أن هذا نزاع لفظي في التسمية، فالمقصود: إطلاق هذه الإضافات عليه سبحانه، ونسبتها إليه، والإخبار عنه بها، منزهة عن التمثيل والتعطيل، سواء سميت صفات أو لم تسم.
الفرق الثالث:أن النعوت ما يظهر من الصفات ويشتهر، ويعرفه الخاص والعام، والصفات: أعم، فالفرق بين النعت والصفة فرق ما بين الخاص والعام، ومنه قولهم في تحلية الشيء: نعته كذا وكذا، لما يظهر من صفاته. وقيل: هما لغتان، لا فرق بينهما، ولهذا يقول نحاة البصرة: باب الصفة، ويقول نحاة الكوفة: باب النعت، والمراد واحد، والأمر قريب).
[مدارج السالكين: 3/345]
قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله
فثبت بهذه النصوص أن الكلام الذي يخبر به عن الله صفة له فإن الوصف هو الإظهار والبيان للبصر أو السمع كما يقول الفقهاء ثوب يصف البشرة أو لا يصف البشرة . وقال تعالى : { سيجزيهم وصفهم } وقال : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } وقال صلى الله عليه وسلم ” { لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها } ” والنعت الوصف . ومثل هذا كثير . و ” الصفة ” مصدر وصفت الشيء أصفه وصفا وصفة مثل وعد وعدا وعدة ووزن وزنا وزنة ; وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول كما يسمون المخلوق خلقا ويقولون : درهم ضرب الأمير فإذا وصف الموصوف بأنه وسع كل شيء رحمة وعلما : سمي المعنى الذي وصف به بهذا الكلام صفة . فيقال للرحمة والعلم والقدرة : صفة بهذا الاعتبار ، هذا حقيقة الأمر . ثم كثير من ” المعتزلة ” ونحوهم يقولون : الوصف والصفة اسم للكلام فقط ; من غير أن يقوم بالذات القديمة معان ; وكثير من ” متكلمة الصفاتية ” يفرقون بين الوصف والصفة فيقولون : الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف ; وأما المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على القول تارة وعلى المعنى أخرى . والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعاني التي هي العلم والقدرة وغيرها – [مجموع الفتاوى]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الصفة والوصف – تارة يراد به الكلام الذي يوصف به الموصوف كقول الصحابي في (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) : أحبها لأنها صفة الرحمن، وتارة يراد به المعاني التي دلَّ عليها الكلام: كالعلم والقدرة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه وتقول إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصفة والوصف فيجعلون الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف، وأما جماهير
الناس فيعلمون أن كل واحدٍ من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل كالوعد والعِدة، والوزن والزِّنة، وأنه يراد به تارة هذا وتارة هذا))
مجموع الفتاوى (3/ 335)
——
قال الشيخ ابن عثيمين:
دلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتله الشياطين، ولهذا قال الله تعالى فطرت الله التي فطر الناس عليها الروم/30 ، بعد قوله: فأقم وجهك للدين حنيفاً فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين، ومن اجتالته الشياطين فقد يمنع هذا الدليل. انتهى من شرح السفارينية
._ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (٩/٢٩٢-٢٩٤)
فَصْلٌ:
وَلَكِنَّ لَفْظَ «الرُّوحِ وَالنَّفْسِ» يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ عِدَّةِ مَعَانٍ: فَيُرَادُ بِالرُّوحِ الْهَوَاءُ الْخَارِجُ مِنْ الْبَدَنِ وَالْهَوَاءُ الدَّاخِلُ فِيهِ وَيُرَادُ بِالرُّوحِ الْبُخَارُ الْخَارِجُ مِنْ تَجْوِيفِ الْقَلْبِ مِنْ سويداه السَّارِي فِي الْعُرُوقِ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْأَطِبَّاءُ الرُّوحَ وَيُسَمَّى الرُّوحُ الْحَيَوَانِيُّ. فَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ غَيْرُ الرُّوحِ الَّتِي تُفَارِقُ بِالْمَوْتِ الَّتِي هِيَ النَّفْسُ. *وَيُرَادُ بِنَفْسِ الشَّيْءِ ذَاتُهُ وَعَيْنُهُ* كَمَا يُقَالُ رَأَيْت زَيْدًا نَفْسَهُ وَعَيْنَهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وَقَالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﴿قَالَ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَّ بِمَا قلتيه لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ﴾ . *فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُرَادُ فِيهَا بِلَفْظِ النَّفْسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: اللَّهُ نَفْسُهُ الَّتِي هِيَ ذَاتُهُ الْمُتَّصِفَةُ بِصِفَاتِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا ذَاتًا مُنْفَكَّةً عَنْ الصِّفَاتِ وَلَا الْمُرَادُ بِهَا صِفَةً لِلذَّاتِ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ يَجْعَلُونَهَا مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ كَمَا يَظُنُّ طَائِفَةٌ أَنَّهَا الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الصِّفَاتِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ.* وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ النَّفْسِ الدَّمُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ كَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ «مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ» وَمِنْهُ يُقَالُ نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ وَنَفِسَتْ (*) إذَا نَفَّسَهَا وَلَدُهَا وَمِنْهُ قِيلَ النُّفَسَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظباة نُفُوسُنَا وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظباة تَسِيلُ فَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ بِالنَّفْسِ لَيْسَا هُمَا مَعْنَى الرُّوحِ وَيُرَادُ بِالنَّفْسِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ صِفَاتُهَا الْمَذْمُومَةُ فَيُقَالُ: فُلَانٌ لَهُ نَفْسٌ وَيُقَالُ: اُتْرُكْ نَفْسَك وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي مَرْثَدٍ «رَأَيْت رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت أَيْ رَبِّ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْك فَقَالَ اُتْرُكْ نَفْسَك» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ ذَاتَه وَإِنَّمَا يَتْرُكُ هَوَاهَا وَأَفْعَالَهَا الْمَذْمُومَةَ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ يُقَالُ فُلَانٌ لَهُ لِسَانٌ فُلَانٌ لَهُ يَدٌ طَوِيلَةٌ فُلَانٌ لَهُ قَلْبٌ يُرَادُ بِذَلِكَ لِسَانٌ نَاطِقٌ وَيَدٌ عَامِلَةٌ صَانِعَةٌ وَقَلْبٌ حَيٌّ عَارِفٌ بِالْحَقِّ مُرِيدٌ لَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. كَذَلِكَ النَّفْسُ لَمَّا كَانَتْ حَالَ تَعَلُّقِهَا بِالْبَدَنِ يَكْثُرُ عَلَيْهَا اتِّبَاعُ هَوَاهَا صَارَ لَفْظُ» النَّفْسِ «يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّفْسِ الْمُتَّبِعَةِ لِهَوَاهَا أَوْ عَنْ اتِّبَاعِهَا الْهَوَى بِخِلَافِ لَفْظِ» الرُّوحِ «فَإِنَّهَا لَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ ذَلِكَ إذْ كَانَ لَفْظُ» الرُّوحِ «لَيْسَ هُوَ بِاعْتِبَارِ تَدْبِيرِهَا لِلْبَدَنِ. وَيُقَالُ النُّفُوسُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: وَهِيَ» النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ «الَّتِي يَغْلِبُ عَلَيْهَا اتِّبَاعُ هَوَاهَا بِفِعْلِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي. وَ» النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ «وَهِيَ الَّتِي تُذْنِبُ وَتَتُوبُ فَعَنْهَا خَيْرٌ وَشَرٌّ لَكِنْ إذَا فَعَلَتْ الشَّرَّ تَابَتْ وَأَنَابَتْ فَتُسَمَّى لَوَّامَةً لِأَنَّهَا تَلُومُ صَاحِبَهَا عَلَى الذُّنُوبِ وَلِأَنَّهَا تَتَلَوَّمُ أَيْ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَ» النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ” وَهِيَ الَّتِي تُحِبُّ الْخَيْرَ وَالْحَسَنَاتِ وَتُرِيدُهُ وَتُبْغِضُ الشَّرَّ وَالسَّيِّئَاتِ وَتَكْرَهُ ذَلِكَ وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ لَهَا خُلُقًا وَعَادَةً وَمَلَكَةً. فَهَذِهِ صِفَاتٌ وَأَحْوَالٌ لِذَاتٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا فَالنَّفْسُ الَّتِي لِكُلِّ إنْسَانٍ هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْأَطِبَّاءِ: إنَّ النُّفُوسَ ثَلَاثَةٌ: نَبَاتِيَّةٌ مَحَلُّهَا الْكَبِدُ؛ وَحَيَوَانِيَّةٌ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وناطقية مَحَلُّهَا الدِّمَاغُ. وَهَذَا إنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهَا ثَلَاثُ قُوًى تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَعْيَانٍ قَائِمَةٍ بِأَنْفُسِهَا فَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ.
………………….
*وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل ١٠/٣٠٨: ومعلوم أن نفس الله، التي هي ذاته المقدسة الموصوفة بصفات الكمال، ليست مثل نفس أحد من المخلوقين.
وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الحديث وغيرهم، وفيهم طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، إلى أن النفس صفة من الصفات.
والصواب أنها ليست صفة، بل نفس الله هي ذاته سبحانه، والموصوفة بصفاته سبحانه، وذلك لأنه بإضافته إليه قطع المشاركة.
…………………
قال الشيخ محمد أمان الجامي (ت ١٤١٥) الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه ١/٩٥: مفهوم الذات الإلهية عند علماء الحديث والسنة:
فذاته تعالى كاملة الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد، فلا تشبه ذاته ذوات خلقه بل لا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه.
وذاته موصوفة بجميع الكمالات التي لا تعد ولا تحصى، وإلى هذا المعنى يشير رسول الهدى ﷺ، حيث يقول في بعض دعائه وتضرعاته وهو ساجد لله سبحانه: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ١، وزعمت المعتزلة – وبئس ما زعموا- أن اتصافه تعالى بالصفات يتنافى والواحدانية، أو على حد تعبيرهم أن وصفه تعالى بصفات زائدة على الذات يؤدي إلى تعدد القدماء. وهو ينافي التوحيد، والمراد بالتوحيد هنا «التوحيد» في مفهوم المعتزلة الذي سيأتي ذكره وتفسيره عند الكلام على أصولهم الخمسة المعروفة١، وهو مفهوم خاطئ كما لا يخفى على كل من له إلمام بالموضوع.
بل الممنوع الذي لا يساير التوحيد الصحيح هو إثبات ذوات قديمة لا إثبات ذات موصوفة بصفات الكمال. قال صاحب المواقف: «إن الكفر إثبات ذوات قديمة لا إثبات ذات وصفات»٢، وشبهة المعتزلة -كما ترى- شبهة واهية وغير معقولة، إذ لا يتصور عقلًا، موجود في الخارج وهو مجرد عن الصفات، وعلى هذا يكون وجود واجب الوجود عندهم وجودًا ذهنيًا لا خارجيًا. تعالى الله عما زعموا علوًا كبيرًا.
وأما علم حقيقة ذاته وكيفيتها فأمر لا سبيل إليه لأي مخلوق، إذ ليس من الجائز أن يحيط المخلوق بالخالق علمًا وإدراكًا لحقيقته ذاتًا ووصفًا، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٣، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٤، قال صاحب المواقف: «إن ذاته مخالفة لسائر الذوات، فهو منزه عن المثل والند، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا»، ثم قال: “قال قدماء المتكلمين: ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة:
1- الوجوب
2- الحياة.
3- العلم التام
وعند أبي هاشم تمتاز بحالة خامسة وهي الموجبة لهذه الأربعة يسمونها
١ انظر ص: ١٤٧.
٢ الأيجي في المواقف ص: ٢٨٠.
٣ سورة طه آية: ١١٠.
٤ سورة الإسراء آية: ٨٥.
»بالإلهية«، ثم قال صاحب المواقف:»لنا لو شاركه غيره في الذات لخالفه بالتعيين ضرورة الاثنينية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز«١ ا. هـ
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد نقلًا عن السهيلي اللغوي:»وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين، القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة. ويقولون: ذات البارئ هي نفسه، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته. ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في قصة إبراهيم: «ثلاث كذبات كلهن في ذات الله» ٢، وقول خبيب: «وذلك في ذات الإله»٣، قال: وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله، كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ ٤، وذلك غير مسموع، ولا يقال إلا بحرف «في» الجارة وحرف «في» للوعاء، وهو معنى مستحيل على نفس البارئ تعالى، إذا قلت: جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء. وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه كأنك قلت: هذا محبوب في الأعمال التي في مرضاة الله وطاعته، وأما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال.
وإذا ثبت هذا فقوله في ذات الله أو في ذات الإله إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله، فذات وصف للديانة، وكذلك هي في الأصل، موضوعها نعت لمؤنث. ألا ترى فيها تاء التأنيث وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل، لا عن نفسه سبحانه، وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى إلى قول النابغة:
يجلهم ذات الإله ودينهم
فقد بان غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه»اهـ كلام السهيلي.
وقال الحافظ ابن القيم معلقًا على هذا الكلام ومستحسنًا: «وهذا من كلامه من المرقصات فإنه أحسن فيه ما شاء».
وأصل هذه اللفظة هو تأنيث «ذو» بمعنى صاحب، فذات كذا صاحبة كذا في الأصل. ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات والنعوت، ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن «هان» وغيره على الأصوليين قولهم «الذات»، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا كما لا يقال «الذو» في «ذو» وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن نفس الشيء وحقيقته وعينه، فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها، ومن هنا غلطهم السهيلي. فإن الاستعمال، والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول رأيت الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب ومن جهته. وهذا كجنب الشيء. إذا قالوا: هذا في جنب الله لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته لا يريدون غير هذا البتة. فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة، ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث كذبات في ذات الله» وقول خبيب رضي الله عنه:
«وذلك في ذات الإله»، فغلط واستحق التغليط، بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ ١، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال هاهنا: فرطت في نفس الله وحقيقته. ويحسن أن يقال: فرطت في ذات الله كما يقال: فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله، وصبر في ذات الله، فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصر. اهـ. [ بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم ٢/٧-٨.]
تنبيه : لفظة الانثنينة : ستأتي من من كلام ابن حجر في الباب التالي
ونقل المعلق على فتح الباري : أنها من الفاظ أهل البدع يقصدون أن ذات الله مجردة عن الصفات لأنه يلزم من تعدد الصفات تعدد الالهة والجواب : لا يلزم ذلك . فنقول انه تعالى واحد متصف بهذه الصفات .
…………………
وقد أفرد قَوَّام السُّنَّة في (الحجة في بيان المحجة) فصلًا في الذات، فقال: فصل في بيان ذكر الذات، ثم قال: قال قوم من أهل العلم: ذات الله حقيقته وقال بعضهم: انقطع العلم دونها وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك، بل هو أعلم بذاته، وهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به؛ لقربه، كأنك تراه، يسمع ويرى، وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ، ظاهرٌ في ملكه وقدرته، قد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء قدير اهـ (٣) (٣) «الحجة» (١/ ١٧١).
وقال شيخ الإسلام: اسم (الله) إذا قيل: الحمد لله، أو قيل: بسم الله؛ يتناول ذاته وصفاته، لا يتناول ذاتًا مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات، وقد نص أئمة السنة كأحمد وغيره على أنَّ صفاته داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إنَّ علم الله وقدرته زائدة عليه، لكن من أهل الإثبات من قال: إنها زائدة على الذات وهذا إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة؛ فهو صحيح؛ فإن أولئك قصروا في الإثبات، فزاد هذا عليهم، وقال: الرب له صفات زائدة على ما علمتموه وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة في نفس الأمر؛ فهو كلام متناقض؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال: إنَّ الصفات زائدة عليها، بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر، ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل اهـ (٤).(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٦).
………………..
*هل النفس صفة لله عز وجل كسائر الصِّفات؟
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:
النفس صفة لله كسائر الصِّفات؟
الجواب:
نعم، على الوجه اللائق به، لا يعلم كيفيتها إلا هو .
س: يعني صفة النَّفس ليست هي الذات؟
ج: غير الذات، نعم: تعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116].
س: بعض الإخوة الحاضرين كتب سؤالًا حول هذا أحسن الله إليك؟
ج: النفس غير الذات، الذات شيء، والنفس شيء، لا أحد أغير من الله، لا شخصَ أغير من الله.
س: لكن الذَّات ورد فيها النصُّ؟
ج: نعم، كل النصوص في الذات: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ [الأعراف:54]، كل هذا يرجع إلى الذات، موصوفة بالنفس أيضًا.
س: الذات في اللغة؟
ج: حقيقة الشيء، ذات الشيء حقيقته.[1]
02 من قوله: (بَاب ذكر إثبات العلم لله جل وعلا)
https://binbaz.org.sa/fatwas/31063/%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3-%D8%B5%D9%81%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B9%D8%B2-%D9%88%D8%AC%D9%84-%D9%83%D8%B3%D8%A7%D9%89%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%A7%D8%AA