536 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة : أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري ومحمد سيفي وعبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
مسند عَبَّاد بن شُرَحْبِيل رضي الله عنه
536 – قال أبو داود رحمه الله (ج 7 ص 285): حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أخبرنا شعبة عن أبي بشر عن عباد بن شرحبيل قال: أصابتني سنة فدخلت حائطًا من حيطان المدينة ففركت سنبلًا فأكلت وحملت في ثوبي فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له «ما علَّمت إذ كان جاهلًا ولا أطعمت إذ كان جائعًا -أو قال: ساغبًا-» وأمره فرد علي ثوبي وأعطاني وسقًا أو نصف وسق من طعام.
حدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر قال سمعت عباد بن شرحبيل رجلًا منا من بني غبر بمعناه.
هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
الحديث أخرجه النسائي (ج 8 ص 240)، وابن ماجه (ج 2 ص 770).
——-
نقل ابن حجر عن ابن السكن أن عباد بن شرحبيل في صحبته نظر .انتهى
لكن هذا الحديث يدل على صحبته
[حكم الألباني] : صحيح
بوب عليه أبو داود:
باب في ابن السَّبيلِ يَأكُلُ مِنَ التَّمْرِ ويَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ إِذا مَرَّ بِه
بوب عليه مقبل في الجامع:
44 – تعليم الجاهل قبل عقابه
30 – إطعام الجائع
سورة فصلت
305 – قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}
معاني ألفاظ الحديث :
(فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهَا) أي بستانا منْ بساتين المدينة (فَفَرَكْتُ) بفتح الراء منْ باب نصر: قَالَ فِي “القاموس”: فرك الثوب، والسنبلَ: دلكه، فانفرك. وَقَالَ فِي “المصباح”: فركت عن الثوب فركًا، منْ باب قتل، مثلُ حتَتُّهُ، وهو أن تحكّه بيدك حَتَّى يتفتّت، ويتقشّر. انتهى (مِنْ سُنْبُلِهِ) بضم المهملة، والموحّدة، بينهما نون ساكنة، قَالَ فِي “اللسان”: السنبل: معروفٌ، وجمعه السنابل، قَالَ ابن سِيده: السنبل منْ الزرع واحدته سنبلة. انتهى. وفي رواية أبي داود: “ففركت سنبلاً، فأكلت، وحملت فِي ثوبي” (فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ) أي مالكه (فَأَخَذَ كِسَائِي، وَضَرَبَنِى) وفي رواية أبي داود: “فضربني، وأخذ ثوبي” (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَسْتَعْدِي عَلَيْهِ) أي أطلب منه أن ينتقم لي منه (فَأَرْسَلَ) -صلى الله عليه وسلم- (إِلَى الرَّجُلِ، فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ) -صلى الله عليه وسلم- (مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟) أي عَلَى ما صنعت منْ أخذ كساء الرجل، وضربه (فَقَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنهُ دَخَلَ حَائِطِي) أي بستاني (فَأَخَذَ مِنْ سُنْبُلِهِ فَفَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلاً) أي فكان اللائق بك أن تعلّمه أوّلاً حرمة مال الغير إلا بإذنه، حَتَّى يكون عَلَى علم منْ ذلك، فإذا أقدم وهو عالم، استحقّ العقوبة (وَلَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا) وفي رواية لأبي داود: “إذ كَانَ ساغبًا، وهو بمعناه. قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وفيه أنه -صلى الله عليه وسلم- عذره بالجهل حين حمل الطعام، ولام صاحب الحائط إذ لم يُطعمه إذ كَانَ جائعًا. انتهى (ارْدُدْ عَلَيْهِ كِسَاءَهُ) وفي رواية أبي داود: “فأمره، فردّ عليّ ثوبي” (وَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِوَسْقٍ) بفتح الواو، وتكسر، قَالَ فِي “المصباح”: قَالَ الأزهريّ: الوسق: ستّون صاعًا بصاع النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، والصاع خمسة أرطال ثلث، والوسق عَلَى هَذَا الحساب مائة وستّون مَنًا، والوسق ثلاثة أقفزة، وحكى بعضهم الكسر لغة، وجمعه أوساق، مثلُ حِمْل وأحمال. انتهى (أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ) شك منْ الراوي، وفي رواية أبي داود: “وأعطاني وسقًا، أو نصف وسق منْ طعام”. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
شرح النسائي للاثيوبي (39/320)
مسائل الحديث :
قال الخطابي:
ومن باب ابن السبيل
يأكل من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مر به
قال أبو داود: حدثنا عياش بن الوليد الرقام حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتي أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجابه فليستأذنه وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل.
قلت هذا في المضطر الذي لا يجد طعاماً وهو يخاف على نفسه التلف فإذا كان كذلك جاز له أن يفعل هذا الصنيع.
وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن هذا شيء قد ملكه النبي صلى الله عليه وسلم إياه فهو له مباح لا يلزمه له قيمة.
وذهب أكثر الفقهاء إلى أن قيمته لازمة له يؤديها إليه إذا قدر عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل مال امرىء مسلم إلاّ بطيبة نفس منه.
قال أبو داود: فذكر حديث عباد بن شرحبيل
السنة المجاعة تصيب الناس والساغب الجائع؛ وفيه أنه صلى الله عليه وسلم عذره بالجهل حين حمل الطعام فلام صاحب الحائط إن لم يطعمه إذ كان جائعاً.
[معالم السنن 2/ 264]
قال ابن عبدالبر:
وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة أيأكل منها وهو يجد ثمر القوم أو زرعا أو غنما بمكانه ذلك قال مالك إن ظن أن أهل ذلك الثمر أو الزرع أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة
وإن هو خشي أن لا يصدقوه وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك فإن أكل الميتة خير له عندي وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار
قال مالك وهذا أحسن ما سمعت
قال أبو عمر قوله أحسن ما سمعت يدل على أنه سمع الاختلاف في ذلك ورأى للمضطر أن يأكل من الميتة حتى يشبع ولم ير له أن يأكل من مال غيره إلا ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا كأنه رأى الميتة أطلق أكلها للمضطر وجعل قوله عليه السلام ((أموالكم عليكم حرام)) يعني أموال بعضكم على بعض أعم وأشد
وهذا يخالفه فيه غيره لعموم قوله (إلا ما اضطررتم إليه) ولأن المواساة في العسرة وترميق المهجة من الجائع واجب على الكفاية بإجماع فكلاهما حلال في الحال
روى عباد بن شرحبيل …فذكره
وفي حديث قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذا المعنى فليحتلب فليشرب ولا يحمل
وأما قوله في التمر والزرع والغنم أنه يقطع إذا عد سارقا فهذا لا يكون في زرع قائم ولا ثمر في شجر ولا غنم في سرحها لأنه لا قطع في شيء من ذلك وإنما القطع في الزرع إذا صار في الأندر وصار التمر في الجريس والغنم في الدار والمراح وسيأتي ما للعلماء في معنى الحرز في كتاب الحدود
والذي قاله مالك في هذا الباب اختيار واستحباب واحتياط على السائل
وأما الميتة فحلال للمضطر على كل حال ما دام في حال الاضطرار بإجماع
وكذلك أكله زرع غيره أوإطعام غيره في تلك الحال له حلال ولا يحل لمن عرف حاله تلك أن يتركه يموت وعنده ما يمسك به رمقه فإن كان واحدا تعين ذلك عليه وإن كانوا جماعة كان قيامه به تلك الليلة أو اليوم والليلة فرضا على جماعتهم فإن قام به من قام منهم سقط ذلك الغرض عنهم ولا يحل لمن اضطر أن يكف عما يمسك رمقه فيموت
وفي مثل هذا قال مسروق إن اضطر إلى الميتة ولم يأكلها ومات دخل النار فهو فرض عليه وعلى غيره فيه
وهذا الذي وصفت لك عليه جماعة العلماء من السلف والخلف وبالله التوفيق
إلا أنهم اختلفوا فيمن أكل شيئا له بال وقيمة من مال غيره وهو مضطر هل عليه ثمن ذلك أم لا
فقال قوم يضمن ما أحيا به نفسه
وقال الأكثر لا ضمان عليه إذا اضطر إلى ذلك
قال ابن وهب سمعت مالكا يقول في الرجل يدخل الحائط فيأكل من التمر أو يجده ساقطا قال لا يأكل إلا أن يعلم أن نفس صاحبه تطيب بذلك أو يكون محتاجا فلا يكون عليه شيء وفي ((التمهيد)) بالإسناد عن أبي برزة الأسلمي وعبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك أنهم كانوا يصيبون من الثمار في أسفارهم – يعني بغير إذن أهلها
وعن الحسن قال لا يأكل ولا يفسد ولا يحمل.
[الاستذكار 5/ 308]
قال صاحب الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات:
ومن مر بثمرة بستان لا حائط عليه ولا ناظر فله أكل ولو بلا حاجة مجانا، لما روى ابن أبي زينب التميمي قال: سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي برزة فكانوا يمرون بالتمار فيأكلون في أفواههم ، وهو قول عمر وابن عباس . فإن كان البستان محوطا لم يجز الدخول إليه لقول ابن عباس: “إن كان عليها حائط فهو حرز فلا تأكل” ، وكذا إن كان ثم حارس لدلالة ذلك على شح صاحبه وعدم المسامحة.
ولا يجوز صعود شجره ولا ضربه ورميه بشيء نصا ولو كان البستان غير محوط ولا حارس، لحديث: “وكل ما وقع أشبعك اللَّه وأرواك” رواه الترمذي وقال: “حسن صحيح” ، ولأن الضرب والرمي يفسد الثمرة، ولا يحمل من الثمرة مطلقا كغيره لقول عمر: “ولا تتخذ خبنة”.
وكذا زرع قائم لجريان العادة بأكل الفريك، وكذا شرب لبن ماشية، لحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: “إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يجد أحدا فليحلب ويشرب ولا يحمل” رواه الترمذي وقال: “حسن صحيح”.
[الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 4/ 963]
قال العباد:
قوله: [(فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي)].
يعني: جاء صاحب الزرع فضربه وأخذ ثوبه الذي كان فيه هذا الحب عقاباً له، ….-
وهذا لا يدل على أن الإنسان يتخذ شيئاً، لكن ينبغي أن يعذر الإنسان الجاهل، وإذا كان الإنسان لم يسمح بهذا الذي أخذه وحمله معه فيطالبه بقيمته أو يسترجعه، ولكن لا يأخذ زيادة على حقه كالثوب.
[شرح سنن أبي داود للعباد 310/ 6 بترقيم الشاملة آليا]
وفي طرح التثريب [باب الغصب]
[حديث لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه]
(باب الغصب) عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» .
(فيه) فوائد:
(الأولى) أخرجه البخاري ومسلم …
الثانية) فيه تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه سواء كان قليلا أو كثيرا، وإن اللبن في ذلك، وإن كان بعض الناس قد يتسامح فيه ليسارة مؤنته ولا سيما ما دام في الضروع قبل أن يحرز في الأواني وفي.
سنن ابن ماجه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال «بينما نحن مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة بعضاه الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فرجعنا إليه فقال إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلا؟ قالوا لا قال فإن هذا كذلك» . ضعفه الألباني : قال ضعيف
وحسنه الانؤوط لغيره قال يشهد له حديث ابن عمر
مصرورة: مربوطة الضروع
وهذا مجمع عليه (فإن قلت) كيف شرب النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر – رضي الله عنه – وهما قاصدان المدينة في الهجرة من لبن غنم الراعي (قلت) أجيب عنه بأجوبة:
(أحدها) أنهما شرباه إدلالا على صاحبه؛ لأنهما كانا يعرفانه.
(ثانيها) أنه كان أذن للراعي أن يسقي منه من يطلب.
(ثالثها) أنه كان عرفهم إباحة ذلك فنزل الأمر على عرفهم.
(رابعها) أنه مال حربي لا أمان له فلا حرمة له.
(خامسها) أنه – عليه الصلاة والسلام – أولى من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم.
وذكر ابن العربي أن هذا أقوى الأجوبة والذي قبله أضعفها وفيه نظر.
(الثالثة) يستثنى من ذلك المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد طعاما لغيره فإنه يجوز له أكله للضرورة وهذا مجمع عليه ثم قال الجمهور يلزمه بدله لمالكه وهو مذهب الشافعي وقال بعض السلف والمحدثين لا يلزمه فإن وجد ميتة وطعاما لغيره ففيه خلاف مشهور للعلماء وهو في مذهبنا والأصح عند أصحابنا أكل الميتة.
(الرابعة) يستثنى منه أيضا ما إذا كان له إدلال على صاحب اللبن أو غيره من الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه فيجوز له الأكل منه، وإن لم يأذن له في ذلك صريحا وعليه حمل قوله تعالى {أو صديقكم} [النور: 61] وروى ابن عبد البر في التمهيد عن أشهب قال خرجنا مرابطين إلى الإسكندرية فمررنا بجنان الليث فدخلت إليه فقلت يا أبا الحارث إنا خرجنا مرابطين ومررنا بجنانك فأكلنا من الثمر وأحببنا أن تجعلنا في حل فقال لي
الليث يا ابن أخي لقد نسكت نسكا أعجميا أما سمعت الله يقول {أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه الذي يسره بذلك.
(الخامسة) استثنى منه بعضهم ابن السبيل فله، وإن لم يصل إلى الاضطرار وقد بوب أبو داود في سننه على ابن السبيل يأكل من الثمر ويشرب من اللبن إذا مر به ثم روى فيه عن سمرة … ثم روى أبو داود أيضا عن «عباد بن شرحبيل … ثم روى أبو داود أيضا عن رافع بن عمرو الغفاري قال «كنت غلاما أرمي نخل الأنصار فأتي بي النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال يا غلام لم ترمي النخل؟ قال آكل قال فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها ثم مسح رأسه فقال اللهم أشبع بطنه» ورواه أيضا الترمذي وقال حسن صحيح غريب.
ثم بوب أبو داود (باب فيمن قال لا يحلب) وأورد حديث ابن عمر هذا وكذا فعل ابن ماجه في سننه بوب على من مر؟ على ماشية أو حائط هل يصيب منه وأورد فيه حديث عباد بن شرحبيل ورافع بن عمرو المتقدم ذكرهما، وحديث أبي سعيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال «إذا أتيت على راعي فناده ثلاث مرار … وحديث ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة» ورواه الترمذي أيضا ثم بوب ابن ماجه على النهي (أن يصيب منها شيئا إلا بإذن صاحبها) وروى فيه حديث
ابن عمر هذا وحديث أبي هريرة الذي ذكرناه في الفائدة الثانية وروى أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «أنه سئل عن الثمر المعلق فقال ما أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» وبوب الترمذي على حديث ابن عمر ورافع بن عمرو وعبد الله بن عمرو (باب الرخصة في أكل الثمر للمار بها) وبوب على حديث سمرة (باب حلب المواشي بغير إذن صاحبها.)
وقال القاضي أبو بكر بن العربي عول أحمد بن حنبل على حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو حديث صحيح ويعضده حديث الصحيح «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طائر أو دابة إلا كانت له حسنات يوم القيامة» فهذا أصل يعضد ذلك الحديث، ورأى سائر فقهاء الأمصار أن كل أحد أولى بملكه، ولم يطلقوا الناس على أموال الناس ففي ذلك فساد عظيم ورأى بعضهم أن ما كان على طريق لا يعدل إليه ولا يقصد فليأكل منه المار ومن سعادة المرء أن يكون ماله على الطريق أو داره على الطريق لما يكتسب في ذلك من الحسنات والمكارم، والذي ينتظم من ذلك كله أن المحتاج يأكل والمستغني يمسك وعليه يدل الحديث.
وذكر ابن العربي لحديث سمرة محملين:
(أحدهما) أن ذلك في بلاد جرت عادتهم برضاهم بحلب مواشيهم وأكل ثمارهم قال والأحكام تجري على العادة قال: وكذلك كانت بلاد الشام قال وبلادنا هذه يعني المغرب استولى عليها الفقر والبخل فليست على هذه السبيل إلا في النادر.
(ثانيهما) أنه محمول على ابن السبيل المحتاج، وقال الخطابي في حديث سمرة هذا في المضطر الذي لا يجد طعاما وهو يخاف التلف على نفسه فإذا كان كذلك جاز له فعل هذا وقال أبو العباس القرطبي لا حجة في شيء من هذه الأحاديث لأوجه:
(أحدها) أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى. و (ثانيها) أن حديث النهي أصح سندا فهو أرجح. و (ثالثها) أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعبادة أو بغيرها.
و (رابعها) أن ذلك محمول على أوقات المجاعة والضرورة كما كان ذلك في أول الإسلام، وقال النووي في شرح المهذب. اختلف العلماء فيمن مر ببستان غيره
وفيه ثمار أو مر بزرع غيره فمذهبنا أن لا يجوز أن يأكل منه شيئا إلا إن كان في حال الضرورة التي تباح فيها الميتة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور، وقال أحمد إذا اجتاز به وفيه فاكهة رطبة وليس عليه حائط جاز له الأكل منه من غير ضرورة ولا ضمان عليه عنده في أصح الروايتين وفي الرواية الأخرى يباح له ذلك عند الضرورة، ولا ضمان قال الشافعي وروي فيه حديث لو ثبت عندنا لم نخالفه والكتاب والحديث الثابت أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه قال البيهقي والحديث الذي أشار إليه الشافعي هو حديث ابن عمر وقد قال يحيى بن معين هو غلط وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبد الله يهم فيها.
قال البيهقي: وقد جاء من أوجه أخر وليست بقوية ثم قال: أحاديث الحسن عن سمرة لا ينسبها بعض الحفاظ ويزعم أنها من كتاب إلا حديث العقيقة الذي ذكر فيه السماع فإن صح فهو محمول على حال الضرورة ثم قال: إن حديث أبي سعيد الخدري تفرد به سعيد الجريري وهو ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره وسماع يزيد بن هارون منه بعد الاختلاط فلا يصح. قال: وقد روي عن أبي سعيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – خلافه وقال أبو عبيد القاسم بن سلام إنما هذا الحديث يعني حديث عمرو بن شعيب في الرخصة للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به وهو مفسر في حديث ابن جريج عن عطاء قال «رخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للجائع المضطر إذا مر بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة» . انتهى.
وحمل بعضهم هذه الأحاديث على أن ذلك في سفر الغزو وأن ذلك في أراضي أهل الحرب وعليه يدل عمل أبي داود في سننه فإنه أورد أحاديث الباب كلها في الجهاد وحملها بعضهم على أنها كانت قبل فرض الزكاة ثم نسخ إباحة ذلك بوجوب الزكاة.
” طرح التثريب في شرح التقريب ” ولي الدين العراقي
قال الإمام الشوكاني رحمه الله عزّ شأنه عند كلامه عن هذا الحديث الشريف وغيره في الباب بمعناه:
(وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ حَائِطِ الْغَيْرِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَاشِيَتِهِ بَعْدَ النِّدَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إلَى الْأَكْلِ أَمْ لَا؟ — وَالْمَمْنُوعُ إنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ) نيل الأوطار (8/176).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” اشتراط الحائط فيه نظر ؛ لأن ألفاظ الحديث : ( من دخل حائطا ) والحائط هو الذي يحيط بالشيء ، وعلى هذا لا فرق بين النخل الذي ليس عليه حائط وبين الشجر الذي عليه حائط ، فالذي تبين من السنة أن الشرط هو أن يأكل دون حمل ، وألا يرمي الشجر ، بل يأخذ بيده ، أو إذا كان ساقطا في الأرض . وأيضا يشترط أن ينادي صاحبه ثلاثا ، إن أجابه استأذنه ، فإن لم يجبه أكل ، هذا الذي دل عليه الحديث ، وهو مما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله . وذهب الجمهور إلى أن ذلك ليس بجائز وحملوا الأحاديث على أول الإسلام ، أو أول الهجرة ، حين كان الناس فقراء محتاجين ، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز ، ولكن الصحيح أنه عام ” انتهى من “الشرح الممتع” (6/339).
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية ٦/١٢٦ — مجموعة من المؤلفين
ب – الأَْكْل مِنْ بُسْتَانِ الْغَيْرِ وَزَرْعِهِ دُونَ إِذْنِهِ:
٢٧ – قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ مَرَّ بِبُسْتَانِ غَيْرِهِ يُبَاحُ لَهُ الأَْكْل مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إِلَى الأَْكْل أَوْ لاَ، وَمَحَل ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبُسْتَانِ حَائِطٌ، أَيْ جِدَارٌ يَمْنَعُ الدُّخُول إِلَيْهِ لِحِرْزِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْشْعَارِ بِعَدَمِ الرِّضَا.
وَدَلِيل ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَائِطًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُل، فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْحَائِطِ، ثَلاَثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ فَلْيَأْكُل، وَإِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِإِبِلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الإِْبِل أَوْ يَا رَاعِيَ الإِْبِل، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَإِلاَّ فَلْيَشْرَبْ .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: يَأْكُل مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلاَ يَأْكُل ثِمَارَ النَّاسِ وَهُوَ غَنِيٌّ، وَلاَ يَأْكُل بِضَرْبٍ بِحَجَرٍ، وَلاَ يَرْمِي، لأَِنَّ هَذَا يُفْسِدُ.
غَيْرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الإِْنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ خُبْنَةً، وَهِيَ مَا تَحْمِلُهُ وَتَخْرُجُ بِهِ مِنْ ثِمَارِ الْغَيْرِ، لأَِنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ سُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَال: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخَذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ .
وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ كَقَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَلَكِنْ قَيَّدُوهُ بِحَال الْحَاجَةِ. أَمَّا فِي غَيْرِ الْحَاجَةِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمُ الْمَنْعُ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال النَّوَوِيُّ: مَنْ مَرَّ بِثَمَرِ غَيْرِهِ أَوْ زَرْعِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ، وَلاَ يَأْكُل بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا فَيَأْكُل وَيَضْمَنَ.
وَحُكْمُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ مِنَ الأَْشْجَارِ حُكْمُ سَائِرِ الثِّمَارِ إِنْ كَانَتْ دَاخِل الْجِدَارِ، فَإِنْ كَانَتْ خَارِجَهُ فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِإِبَاحَتِهَا، فَإِنْ جَرَتْ بِذَلِكَ، فَهَل تَجْرِي الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ مَجْرَى الإِْبَاحَةِ؟ وَالأَْصَحُّ: أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الإِْبَاحَةِ .
وَأَمَّا الأَْكْل مِنَ الزَّرْعِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: قَال: لاَ يَأْكُل، إِنَّمَا رَخَّصَ فِي الثِّمَارِ وَلَيْسَ الزَّرْعَ، وَقَال: مَا سَمِعْنَا فِي الزَّرْعِ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الثِّمَارَ خَلَقَهَا اللَّهُ لِلأَْكْل رَطْبَةً، وَالنُّفُوسُ تَتَشَوَّقُ إِلَيْهَا، وَالزَّرْعُ بِخِلاَفِهَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: قَال: يَأْكُل مِنَ الْفَرِيكِ، لأَِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، أَشْبَهَ الثَّمَرَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَاقِلاَءِ وَالْحِمَّصِ وَشَبَهِهِ مِمَّا يُؤْكَل رَطْبًا، فَأَمَّا الشَّعِيرُ وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ، قَال: وَالأَْوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا أَلاَّ يُؤْكَل مِنْهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِلاَفِ وَالأَْخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ .
وَعَنْهُ أَيْضًا فِي حَلْبِ الْمَاشِيَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ وَيَشْرَبَ وَلاَ يَحْمِل. وَالثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ وَلاَ يَشْرَبَ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا يُسْنِدُهُ مِنْ قَوْل الرَّسُول ﷺ.
فَالإِْبَاحَةُ يُسْنِدُهَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَالْحَظْرُ يَدُل لَهُ حَدِيثُ الرَّسُول ﷺ قَال: لاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيَنْتَقِل طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تُخَزِّنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَاشِيَتِهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ .
—
حكم أكل الثمر الساقط من حديقة الجار
قال النووي في المجموع: وحكم الثمار الساقطة من الأشجار حكم الثمار التي على الشجر إن كانت الساقطة داخل الجدار وإن كانت خارجة فكذلك إن لم تجر عادتهم بإباحتها فإن جرت فوجهان أحدهما لا يحل كالداخلة وكما إذا لم تجر عادتهم لاحتمال أن هذا المالك لا يبيح (وأصحهما) يحل لاطراد العادة المستمرة بذلك وحصول الظن بإباحته كما يحصل تحمل الصبي المميز الهدية ويحل أكلها.
نقولات عن الامام أحمد :
باب الأكل من حرز لا ناظر له
٢٧٧٠ – الأكل من ثمر البستان لمن مر به، والشرب من ألبان الغنم والإبل
قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: لا يحتلب أحدٌ ماشية أحدٍ إلَّا بإذنه؟
قال: لا يحتلبنَّ حتَّى ينادي ثلاثًا، فإِنْ أجابَهُ، فأذن لهُ، فهو إِذنه، وإِنْ أبي، فَلَا يحتلب، على حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه.
قال إسحاق: إِنْ أبى، وكان جائعًا، طعم قدر ما يُبلغه إلى غيرهِ، وإنْ لم يجبْهُ أحدٌ شرب.
«مسائل الكوسج» (١٨٢٤)
قال أبو الفضل صالح: وسألته عن حديث أبي سعيد: «إذا مر أحدكم بحائط فيناد ثلاثًا» فكره أحمد هذا: أن يأكل إذا لم يكن محتاجًا.
قال: أما الأحاديث فتروى هكذا، ولكن إذا كان عليها حائط، فلا يدخل إلا بإذن، وذاك أن الحائط حريم.
«مسائل صالح» (٢٢٣)
قال أبو الفضل صالح: قلت: ما تقول في حديث النبي ﷺ: «إذا أتى أحدكم بستانًا فليناد ثلاثا» وكذلك راعي الإبل: «فإن أجابوك؛ وإلَّا فكل واشرب» ؟
قال: هذا في المسافر يمر بالحائط، فينادي ثلاثًا، فإن أجيب وإلا أكل، ولم يحمل إذا لم يكن عليه حائط، فإذا كان عليه حائط فلا يدخل.
يقول ذلك ابن عباس .
وروي عن ابن عمر عن النبي ﷺ: «لا تحتلب مواشي القوم إلا بإذنهم» .
«مسائل صالح» (٥٥٦)
قال المروذي: سألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يمر بالحائط أو النخل، يأكل منه؟
قال: قد سهل فيه قومٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، وأما سعد فأبى أن يأكل .
قلت: فما تقول إذا اضطر إليه؟
قال: يأكل ولا يحمل.
«الورع» (٤١٦)
قال المروذي: وسألت أبا عبد اللَّه عن الرجل يمر ببستان؟ قال: إذا كان عليه حائط لم يدخل، وإذا كان غير محوط أكل ولم يحمل معه شيئًا.
وأبو عبد اللَّه مناولة، قال: حدثني الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رئاب قال: بعث سعد غلامًا له يتعلّف، فجاء بحشيش رأى فيه سُنبلة أو سنبلات، فقال: ما هذا؟ قال: احتششته. فقال سعد: اجعل هذِه السنبلات بين يدي دابة الدهقان.
عن نافع، عن ابن عُمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا، فليأكل، ولا يتخذ خبنة»
«الورع» (٤١٧ – ٤١٩)
نقل حرب عنه أنه قال: إذا كان عليه حائط فلا يأكل، وإن لم يكن عليه حائط، وكان في فضاء من الأرض، فلا بأس أن يأكل.
وقال الأثرم: وقيل له: يأكل على الضرورة، أو غير ضرورة؟
فقال: ليس في الأحاديث ضرورة.
ونقل أبو طالب وحنبل: وقد سئل: إذا لم يكن تحت الثمرة شيء يصعد؟ فقال: لم أسمع يصعد، فإن أضطر أرجو ألا يكون به بأس.
ونقل بكر بن محمد، عن أبيه، عنه أنه قال: فإذا كان ثمرًا في نخل، أو بستان، أو إبل في صحراء على حديث أبي سعيد، أو سنبل قائم أكل
منه، وإن كان ثمرًا قد أخزن في البيوت، أو حنطة قد أحرزت في بيت، أو إبل أو غنم قد أويت إلى المراح، فلا يأكل منه ويأكل الميتة.
«الروايتين والوجهين» ٣/ ٣٣، ٣٤
نقل بكر بن محمد عن أبيه: وسئل عن الرجل يمر بالغنم والإبل، يشرب من ألبانها من غير أمر صاحبها؟
قال: لا، أذهب إلى حديث ابن عمر؛ هو أجود إسنادًا.
قيل: فيمر بالبساتين؟
قال: يأكل، هذا فعله غير واحد من أصحاب النبي ﷺ.
«الروايتين والوجهين» ٣/ ٣٥
الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه ١٢/٣٨٥ — أحمد بن حنبل (ت ٢٤١)
—
(مسألة ): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الاستعداء:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وإذا استعدى رجل عَلَى رجل إلى الحاكم، ففيه روايتان: [إحداهما]: أنه يلزمه أن يُعديه، ويستدعي خصمه، سواء علم بينهما معاملة، أو لم يعلم، وسواء كَانَ المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه، أو لا يعامله، كالفقير يدعي عَلَى ذي ثروة وهيئة، نص عَلَى هَذَا فِي رواية الأثرم، فِي الرجل يستعدي عَلَى الحاكم أنه يحضره ويستحلفه، وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن فِي تركه تضييعا للحقوق، وإقرارا للظلم، فإنه قد يثبت له الحق عَلَى منْ هو أرفع منه بغصب، أو يشتري منه شيئا، ولا يوفيه، أو يودعه شيئا، أو يعيره إياه، فلا يرده، ولا تُعلم بينهما معاملة، فإذا لم يُعدَ عليه سقط حقه، وهذا أعظم ضررا منْ حضور مجلس الحاكم، فإنه لا نقيصة فيه، وَقَدْ حضر عمر، وأُبَيّ عند زيد، وحضر هو وآخر عند شُريح، وحضر عليّ عند شريح، وحضر المنصور عند رجل منْ ولد طلحة بن عبيد الله.
[والرواية الثانية]: لا يستدعيه إلا أن يعلم بينهما معاملة، ويتبين أن لِمَا ادعاه أصلاً، رُوي ذلك عن عليّ رضي الله عنه، وهو مذهب مالك؛ لأن فِي إعدائه عَلَى كل أحد تبذيل أهل المروءات، وإهانة لذوي الهيئات، فإنه لا يشاء أحد أن يبذلهم عند الحاكم إلا فعل، وربما فعل هَذَا منْ لا حق له؛ ليفتدي المدعَي عليه منْ حضوره، وشَرِّ خصمه بطائفة منْ ماله، والأُولى أولى؛ لأن ضرر تضييع الحق أعظم منْ هَذَا, وللمستعدَى عليه أن يوكل منْ يقوم مقامه، إن كره الحضور، وإن كَانَ المستدعى عليه امرأة نَظَرت فإن كانت بَرْزَة، وهي التي تبرز لقضاء حوائجها، فحكمها حكم الرجل، وإن كانت مُخَدَّرة، وهي التي لا تبرز لقضاء حوائجها، أُمرت بالتوكيل، فإن توجهت اليمين عليها، بَعَثَ الحاكم أمينا معه شاهدان، فيستحلفها بحضرتهما، فإن أقرت شهدا عليها، وذكر القاضي أن الحاكم يبعث منْ يقضي بينها وبين خصمها فِي دارها، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هَذَا، فإن اعترفت فارجمها”، فبعث إليها, ولم يستدعها، وإذا حضروا عندها كَانَ بينها وبينهم ستر، تتكلم منْ ورائه، فإن اعترفت للمدعي أنها خصمه، حكم بينهما، وان أنكرت ذلك جيء بشاهدين منْ ذوي رحمها، يشهدان أنها المدَّعَى عليها، ثم يحكم بينهما، فإن لم تكن له بينة التحفت بجلبابها، وأُخرجت منْ وراء الستر لموضع الحاجة، وما ذكرناه أولى إن شاء الله؛ لأنه أستر لها، وإذا كانت خَفِرَة منعها الحياء منْ النطق بحجتها، والتعبير عن نفسها، سيما مع جهلها بالحجة، وقلة معرفتها بالشرع وحججه. انتهى “المغني” 14/ 39 – 40.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول، وهو مشروعيّة الاستعداء هو الصواب؛ لحديث الباب؛ فإن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لَمّا استعداه عبّاد بن شَراحيل -رضي الله عنه- عَلَى صاحب الحائط أجابه، فأرسل إليه، فجاء، فأخذ له حقّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.