401 جامع الأجوبة الفقهية ص 435
شارك ناصر الريسي وأحمد بن علي وأحمد بن خالد وأسامة وعمر الشبلي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——-
بلوغ المرام
144 ،145، 146 الأحاديث
——
مسألة: آخر وقت صلاة العصر
اختلف العلماء في تحديد آخر وقت لصلاة العصر، ويميزون بين الوقت الاختياري الذي يفضل أداء الصلاة فيه، والوقت الاضطراري أو الضروري الذي يُسمح فيه بتأخير الصلاة للمعذورين فقط. وهذا الخلاف على النحو التالي:
أولاً: الوقت الاختياري
تعريفه: الوقت الاختياري لصلاة العصر هو المدة التي يُستحب أداء الصلاة فيها دون حاجة إلى تأخيرها.
وفي تحديد الوقت الإختياري اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أن الوقت الاختياري ينتهي عندما يصير ظل كل شيء مثليه. وبهذا قال جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي ومالك والثوري ورواية عن الإمام أحمد.
الأدلة:
حديث جبريل: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أمّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه” (رواه مسلم).
حديث عائشة رضي الله عنها: قالت: “ووقت العصر ما لم تصفر الشمس” (رواه مسلم). وقد استدل به الجمهور على أن وقت العصر الاختياري يمتد حتى اقتراب الشمس من الاصفرار، مما يعني اقتراب ظل الشيء من مثليه.
قال النووي في “شرح المهذب” (3/28): “أما آخر وقت العصر الاختياري فهو مصير ظل كل شيء مثليه”.
قال ابن باز: “آخر وقت العصر الاختياري ينتهي إذا صار ظل الشيء مثليه، وهذا ما رجحه الجمهور واستدل عليه بحديث جبريل عليه السلام”.
القول الثاني: أن الوقت الاختياري يمتد إلى اصفرار الشمس. وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد، وقول الأوزاعي، وابن ثور، وهو أيضًا قول مالك والشافعي في قول آخر.
قال ابن ابن تيمية: “الوقت الاختياري لصلاة العصر يمتد إلى اصفرار الشمس، وهو الوقت الذي يبدأ فيه دخول وقت الضرورة” (مجموع الفتاوى).
قال ابن قدامة في المغني (1/ 273):
وإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت الاختيار. اختلفت الرواية عن أحمد – رضي الله عنه – في آخر وقت الاختيار؛ فروي: حين يصير ظل كل شيء مثليه. وهو قول مالك، والثوري، والشافعي لقوله في حديث ابن عباس، وجابر: «الوقت ما بين هذين.» وروي عن أحمد، – رحمه الله -، أن آخره ما لم تصفر الشمس. وهي أصح عنه حكاه عنه جماعة، منهم الأثرم، قال: سمعته يسأل عن آخر وقت العصر؟ فقال: هو تغير الشمس. قيل: ولا تقول بالمثل والمثلين؟ قال: لا، هذا عندي أكثر، وهذا قول أبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، ونحوه عن الأوزاعي لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – «وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس» وفي حديث بريدة، «أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلى العصر في اليوم الثاني والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة» . قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها. انتهى
واستظهرَه من الحنابلةِ ابنُ مُفلح (وعنه حتى تصفرُّ الشمس، اختاره جماعةٌ، وهي أظهر). ((الفروع)) (1/428)،
قال الحطاب: (قال في المنتقى: وصُفرتها إنما تُعتبر في الأرض والجُدر لا في عين الشمس، حكاه ابن نافع في المبسوط عن مالك…. وقال في الجواهر: وقت الاختيار ما دامت الشمس بيضاءَ نقيَّة لم تصفرَّ على الجدارات والأراضي). ((مواهب الجليل)) (2/19)
قال ابنُ حَزم: (يتمادَى وقتُ الدخول في العصر إلى أن تغرب الشَّمس كلها؛ إلَّا أننا نكره تأخير العصر إلى أن تصفرَّ الشمس إلَّا لعذر). ((المحلى)) (2/197)
وهو اختيارُ ابنِ باز (أمَّا العصر: ففيها وقتٌ اختياري، ووقت ضروري؛ أما الاختياري: فمن أول الوقت إلى أن تصفرَّ الشَّمس، فإذا اصفرَّت الشمس، فهذا هو وقتُ الضرورة إلى أن تَغيب الشمس، ولا يجوز التأخيرُ إليه، فإنْ صلَّاها في ذلك الوقت، فقد أدَّاها في الوقت، لكن لا يجوز التأخير). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (10/384)، وابنُ عُثَيمين : (وقتُ العصر إلى اصفرار الشمس). ((الشرح الممتع)) (2/108)، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمة : (وقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس). ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة – المجموعة الأولى)) (6/115).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن عبدِ اللهِ بن عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهما، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وقتُ العصرِ ما لم تَصفَرَّ الشَّمسُ )) رواه مسلم (612).
2- عن بُرَيدةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه: ((أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسألَه عن مواقيتِ الصَّلاةِ؟ فقال: اشهدْ معنا الصَّلاة. فأَمَر بلالًا فأذَّنَ بغَلسٍ فصلَّى الصبحَ حين طلَع الفجرُ، ثم أَمَره بالظهرِ حين زالتِ الشمسُ عن بَطنِ السَّماءِ، ثم أمَرَه بالعصرِ والشمسُ مرتفعةٌ، ثم أمَرَه بالمغربِ حين وجبَتِ الشمسُ، ثم أمَرَه بالعِشاءِ حينَ وقَعَ الشفقُ، ثم أمَرَه الغدَ فنوَّرَ بالصبحِ، ثم أمَرَه بالظهرِ فأَبْرَدَ، ثم أمَرَه بالعصرِ والشمسُ بيضاءُ نقيَّةٌ لم تُخالطْها صُفرةٌ، ثم أمَرَه بالمغربِ قبل أن يَقعَ الشفقُ، ثم أمَرَه بالعِشاءِ عندَ ذَهابِ ثُلُثِ اللَّيلِ أو بَعضِه – شكَّ حَرْميٌّ – فلمَّا أصبح قال: أينَ السائلُ؟ ما بين ما رأيتَ وقتٌ )) أخرجه مسلم (613).
—–
ثانياً: الوقت الاضطراري (الضروري)
تعريفه: هو الوقت الذي يُسمح فيه بأداء الصلاة للمعذورين فقط، ويبدأ بعد انتهاء الوقت الاختياري ويستمر حتى غروب الشمس.
قال ابن رجب في “فتح الباري”: “اتفقت الأحاديث على أن آخر وقت العصر الممتد إلى غروب الشمس هو وقت ضرورة، ولا يجوز تأخير الصلاة إليه إلا عند الحاجة”.
قال ابن قدامة في المغني لابن قدامة (1/ 273)
ولا يجوز تأخير العصر عن وقت الاختيار لغير عذر؛ لما تقدم من الأخبار، وروى مسلم وأبو داود بإسنادهما، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم، حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان، قام، فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا» ولو أبيح تأخيرها لما ذمه عليه، وجعله علامة النفاق.
و وقت العصر الاضطراري يمتد إلى غروب الشمس. وهذا هو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية، وقول أحمد في رواية، وهو ما عليه الفقهاء من الصحابة والتابعين.
الأدلة:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر” (متفق عليه). يدل هذا الحديث على أن وقت الضرورة يمتد إلى غروب الشمس لمن فاتته الصلاة بعذر.
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: “تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلا” (رواه مسلم). وقد فُهم منه أن تأخير الصلاة إلى هذا الوقت بغير عذر يُعد مكروهًا.
قال النووي في المجموع (3/ 26):
وأما آخر وقت العصر فهو غروب الشمس هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب.
وقت صلاةِ العَصرِ عِندَ الضَّرورةِ :
وقتُ صلاةِ العصرِ عِندَ الضَّرورةِ إلى غُروبِ الشَّمسِ، قال ابنُ قُدامة: (جُملة ذلك أنَّ مَن أخَّر الصلاة ثم أدرك منها ركعة قبل غروب الشمس، فهو مدركٌ لها، ومؤدٍّ لها في وقتها، سواء أخَّرها لعذر أو لغير عذر، إلَّا أنه إنما يُباح تأخيرها لعذر وضرورة، كحائض تطهر، أو كافر يُسلم، أو صبي يبلغ، أو مجنون يُفيق، أو نائم يستيقظ، أو مريض يبرأ، وهذا معنى قوله: “مع الضرورة”، فأمَّا إدراكها بإدراك ركعة منها، فيستوي فيه المعذورُ وغيره، وكذلك سائرُ الصلوات يدركها بإدراك ركعة منها في وقتها؛ لقول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصَّلاةَ» متفق عليه، وفي رواية: «مَن أدْرَك ركعةً من العصر قبل أن تَغرُبَ الشمس، فقد أدرك العصر» متفق عليه، ولا أعلم في هذا خلافًا). ((المغني)) (1/273-274).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن أَدْركَ من الصُّبحِ ركعةً قبل أن تَطلُعَ الشمسُ، فقدْ أدْرَكَ الصُّبحَ، ومَن أَدركَ ركعةً مِن العصرِ قَبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ، فقدْ أدْرَكَ العصرَ )) رواه البخاري (579)، ومسلم (608).
ثانيًا: من الإجماعِ
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ تيميَّة: : (ثبَت بالنصِّ والإجماع أنَّ العصر تُصلَّى وقتَ الغروب قبل سقوط القُرص كلِّه). ((مجموع الفتاوى)) (23/212).
والله أعلم…
قال ابن المنذر :
ذكر آخر وقت العصر
اختلف أهل العلم في آخر وقت العصر …..فذكر الخلاف مطولا
قال أبو بكر: وليس يخلو القول في هذا الباب من أحد قولين: إما أن يكون كما قاله أبو ثور ويكون من لا عذر له خارجًا من ذلك (آثم مفرط) إن أخر الصلاة عامدًا حتى إذا بقي من النهار مقدار ركعة قام فصلاها، أو يقول قائل: إن قوله: “من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس” على العموم، فلمن له عذر ولمن لا عذر له أن يؤخر الصلاة، حتى إذا بقي من النهار مقدار ركعة قام فصلاها ولا مأثم عليه، وهذا قول يقل القائل به، وإذا بطل هذا القول ثبت القول الأول.
947 – حدثنا الربيع بن سليمان، قال: نا ابن وهب، عن أسامة بن زيد أن حفص بن عبيد الله حدثه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بصلاة المنافقين، يدع العصر حتى إذا كان بين قرني الشيطان – أو على قرن الشيطان – قام فنقرهن كنقرات الديك لا يذكر الله فيهن إلا قليلًا”.
[الأوسط لابن المنذر 3/ 20]
قال ابن رجب:
وأما آخر وقت العصر، ففيه اقوال:
أحدهما: أنه غروب الشمس، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وأبي جعفر محمد بن علي.
والثاني: إلى مصير ظل كل شيء مثليه، روي عن أبي هريرة، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية.
والثالث: حتى تصفر الشمس، روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو قول الاوزعي، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، ومحمد.
وفيه حديث، عن عبد الله بن عمرو، اختلف في رفعه ووقفه، وقد خرجه مسلم في “صحيحه” مرفوعاً.
واكثر من قال بهذا القول والذي قبله، قالوا: لا يخرج وقت العصر بالكلية باصفرار الشمس ولا بمصير ظل كل شيء مثليه، انما يخرج وقت الاختيار، ويبقى ما بعده وقت ضرورة.
وهل يكون التأخير اليه لغير ذوي الاعذار محرما، او مكروهاً كراهة تنزيه؟ فيه وجهان لأصحابنا….
وحكى الترمذي في “جامعه” عن أبي بكرة انه نام عن صلاة العصر، فاستيقط عند الغروب، فلم يصل حتى غربت الشمس.
وهذا قد ينبني على ان وقت العصر يخرج بالكلية باصفرار الشمس، فتصير قضاء، والفوائت لا تقضي في اوقات النهي عند قوم من اهل العلم.
ونهى عمر بن الخطاب من فاته شيء من العصر ان يطول فيما يقضيه منها، حشية ان تدركه صفرة الشمس قبل ان يفرغ من صلاته.
[فتح الباري لابن رجب 4/ 286]