2273 ‘ 2274 ، 2275 – تحضير سنن أبي داود
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود
بَابُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ
2273 – حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُسَدَّدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إِذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ فَإِنَّهُ ابْنُهُ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي ابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي عَنْهُ يَا سَوْدَةُ»، زَادَ مُسَدَّد فِي حَدِيثِهِ، وَقَالَ: «هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ»
[حكم الألباني] : صحيح ق دون الزيادة وعلقها خ
2274 – حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»
[حكم الألباني] : حسن صحيح
2275 – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، عَنْ رَبَاحٍ قَالَ: زَوَّجَنِي أَهْلِي أَمَةً لَهُمْ رُومِيَّةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ، ثُمَّ وَقَعْتُ عَلَيْهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ مِثْلِي، فَسَمَّيْتُهُ عُبَيْدَ اللَّهِ، ثُمَّ طَبِنَ لَهَا غُلَامٌ لِأَهْلِي رُومِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: يُوحَنَّهْ فَرَاطَنَهَا بِلِسَانِهِ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا كَأَنَّهُ وَزَغَةٌ مِنَ الوَزَغَاتِ، فَقُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: هَذَا لِيُوحَنَّهْ، فَرَفَعْنَا إِلَى عُثْمَانَ أَحْسَبُهُ، قَالَ مَهْدِيٌّ قَالَ: فَسَأَلَهُمَا فَاعْتَرَفَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ» وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فَجَلَدَهَا وَجَلَدَهُ وَكَانَا مَمْلُوكَيْنِ
[حكم الألباني] : ضعيف
——-
بوب البخاري:
17 – بَاب: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
بوب النووي على مسلم:
بَابٌ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ
بوب ابن ماجه:
بَابُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
قال الخطابي:
قد ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا يقتنون الولائد ويضربون عليهم الضرائب فيكتسبن بالفجور، وكان من سيرتهم إلحاق النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كهو في النكاح، وكانت لزمعة أمة كان يلم بها وكانت له عليها ضريبة فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص وهلك عتبة كافراً لم يسلم فعهد إلى سعد أخيه أن يستلحق الحمل الذي بان في ((أمة )) زمعة …
فيه إثبات الدعوى في الولد كهي في الأملاك والأموال وأن الأمة فراش كالحرة، وأن للورثة أن يقروا بوارث لم يكن وأنهم إذا اجتمعوا على ذلك ثبت نسبه ولحق بأبيهم…..
وفى قوله احتجبي منه يا سودة حجة لمن ذهب إلى أن من فجر بامرأة حرمت على أولاده، واليه ذهب أهل الرأي وسفيان الثوري والأوزاعى وأحمد لأنه لما رأى الشبه بعتبة علم أنه من مائه فأجراه في التحريم مجرى النسب وأمرها بالاحتجاب منه. وقال مالك والشافعي وأبو ثور لا تحرم عليه، وتأولوا قوله لسودة احتجبي منه على معنى الاستحباب … ولأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ماليس لغيرهن من النساء لقوله تعالى {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} [الأحزاب: 32] الآية.
ويستدل بالشبه في بعض الأمور لنوع من الاعتبار ثم لا يقطع الحكم به، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة الملاعنة إن جاءت به كذا وكذا فما أراه إلاّ كذب عليها، وإن جاءت به كذا وكذا فما اراه إلا صدق عليها فجاءت به على النعت المكروه ثم لم يحكم به، وإنما حكم بالشبه في موضع لم يوجد منه شيء أقوى منه كالحكم بالقافة . وأبطل معنى الشبه في الملاعنة لأن وجود الفراش أقوى منه.
وهذا كما يحكم في الحادثة بالقياس إذا لم يكن فيها نص في هذا الباب فإذا وجد فيها ظاهر ترك له القياس.
وفي قوله هو أخوك يا عبد بن زمعة ما قطع الشبه ورفع الأشكال.
وفي بعض الروايات احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ وليس بالثابت.
قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قام رجل فقال يا رسول الله إن فلاناً ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الحجر.
الدعوة بكسر الدال ادعاء الولد. وقوله الولد للفراش يريد لصاحب الفراش. وقوله وللعاهر الحجر يحسب أكثر الناس أن معنى الحجر هنا الرجم بالحجارة، وليس الأمر كذلك لأنه ليس كل زان يرجم وإنما يرجم بعض الزناة وهوالمحصن؛ ومعنى الحجر هنا الحرمان والخيبة
قوله طِبن معناه فطن يقال طبن الرجل للشيء وتبن طبناً وطبانة إذا فطن له ومعناه أنه فطن للشر وخبثها، قال كثير: طبن العدو لها فغير حالها.
[معالم السنن 3/ 278]
قال ابن بطال:
عند جمهور العلماء أن الحرة تكون فراشًا بإمكان الوطء ويلحق الولد فى مدة تلد فى مثلها وأقل ذلك ستة أشهر. وشذ أبو حنيفة فقال: إذا طلقها عقيب النكاح من غير إمكان وطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد لحق به، واحتج أصحابه بقوله صلى الله عليه وسلم : (الولد للفراش) وقالوا: هذا الاسم كناية عن الزوج.
والحجة للجمهور أن الفراش وإن كان يقع على الزوج فإنه يقع على الزوجة أيضًا؛ لأن كل واحد منهما فراش صاحبه حكى ابن الأعرابى أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة، وهى الفراش المعروف، فمن ادعى أن المراد به الرجل دون المرأة فعليه الدليل. والفراش فى هذا الحديث إنما هو كناية عن حالة الافتراش والمرأة مشبهة بالفراش؛ لأنها تفترش، فكأن النبى صلى الله عليه وسلم أعلمنا أن الولد لهذه الحال التى فيها الافتراش فمتى لم يمكن حصول هذه الحال لم يلحق الولد، فمعنى قوله: (الولد للفراش) أى لصاحب الفراش. وما ذهب إليه أبو حنيفة خلاف ما أجرى الله به العادة من أن الولد إنما يكون من ماء الرجل وماء المرأة، كما أجرى الله تعالى العادة أن المرأة لا تحمل وتضع فى أقل من ستة أشهر فمتى وضعته لأقل من ستة أشهر لم يلحق به؛ لأنها وضعته لمدة لا يمكن أن يكون فى مثلها، وأما الأمة عند مالك والشافعى فإنها تصير فراشًا لسيدها بوطئه لها أو بإقراره بوطئها وبهذا حكم عمر بن الخطاب وهو قول ابن عمر، فمتى أتت بولد لستة أشهر من يوم وطئها ثبت نسبه منه، وصارت به أم ولد له وله أن ينفيه إذا ادعى الاستبراء ولا تكون فراشًا بنفس الملك دون الوطء عند مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة: لا تكون فراشًا بالوطء ولا بالإقرار بالوطء أصلا فلو وطئها مائة سنة وأقر بوطئها فأتت بولد لم يلحقه وكان مملوكًا له وأمة مملوكة، وإنما يلحقه ولدها إذا أقر به وله أن ينفيه بمجرد قوله ولا يحتاج أن تدعى الاستبراء.
وذكر الطحاوى عن ابن عباس أنه كان يطأ جارية له فحملت فقال: ليس الولد منى إنى أتيتها إتيانًا لا أريد به الولد، وعن زيد بن ثابت مثله. وقولهم خلاف لحديث ابن وليدة زمعة؛ لأن ابن زمعة قال: هذا أخى ولد على فراش أبى فأقره النبى صلى الله عليه وسلم ولم يقل الأمة لا تكون فراشًا ثم قال صلى الله عليه وسلم : (الولد للفراش) ، وهذا خطاب خرج على هذا السبب، وقد تقدم أن الفراش كالوطء، قد حصل فى الأمة فوجب أن يلحق به الولد، وأيضًا فإن العاهر لما حصل له الحجر دل على أن غير العاهر بخلافه، وأن النسب له، ألا تراه فى الموضع الذى يكون عاهرًا تستوى فيه الحرة والأمة فوجب أن يستوى حالهما فى الموضع الذى يكون ليس بعاهر. ومن أطرف شىء أنهم يجعلون نفس العقد فى الحرة فراشًا ولم يرد به خبر، ولا يجعلون الوطء فى الإماء فراشًا وفيه ورد الخبر، فيشكون فى الأصل ويقطعون على الفرع.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 8/ 367]
قال ابن قدامة:
فصل في شُرُوطِ الإِقْرَارِ بالنَّسَبِ: لا يَخْلُو إمَّا أن يُقِرَّ على نَفْسِه خاصّةً، أو عليه وعلى غيرِه، فإن أقَرَّ على نَفْسِه، مثل أن يُقِرَّ بوَلَدٍ، اعْتُبِرَ في ثُبُوتِ نَسَبِه أرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أن يكونَ المُقَرُّ به مَجْهُولَ النَّسَبِ، فإن كان مَعْرُوفَ النَّسَبِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقْطَعُ نَسَبَهُ الثّابِتَ من غيرِه، وقد لَعَنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن انْتَسَبَ إلى غيرِ أَبِيه، أو تَوَلَّى غيرَ مَوَالِيه (12). الثاني، أن لا يُنَازِعَه فيه مُنَازِعٌ؛ لأنَّه إذا نَازَعَهُ فيه غيرُه تَعَارَضَا، فلم يكُنْ إلْحَاقُه بأحَدِهِما أَوْلَى من الآخَرِ. الثالث، أن يُمْكِنَ صِدْقُه، بأن يكونَ المُقَرُّ به يَحْتَمِلُ أن يُولَدَ لمِثْلِه. الرابع، أن يكونَ مِمَّنْ لا قَوْلَ له، كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، أو يُصَدِّقَ المُقِرَّ إن كان ذا قَوْلٍ، وهو المُكَلَّفُ، فإن كان غيرَ مُكَلَّفٍ، لم يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُه. فإن كَبِرَ وعَقَلَ، فأنْكَرَ، لم يُسْمَعْ إنْكَارُه؛ لأنَّ نَسَبَهُ ثابِتٌ، وجَرَىَ ذلك مَجْرَى مَن ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ في يَدِه، وثَبَتَ بذلك مِلْكُه، فلما كَبِرَ جَحَدَ ذلك. ولو طَلَبَ إحْلَافَهُ على ذلك، لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الأَبَ لو عَادَ فجَحَدَ النَّسَبَ، لم يُقْبَلْ منه. ……
[المغني لابن قدامة 7/ 317]
قال النووي:
قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَاهِرُ الزَّانِي وَعَهَرَ زنى وعهرت زنت والعهر الزنى ومعنى له الْحَجَرِ أَيْ لَهُ الْخَيْبَةُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ تَقُولَ لَهُ الْحَجَرُ وَبِفِيهِ الْأَثْلَبُ وَهُوَ التُّرَابُ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَةُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بالحجر هنا أنه يُرْجَمَ بِالْحِجَارَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ زَانٍ يُرْجَمُ وَإِنَّمَا يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ خَاصَّةً وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَجْمِهِ نَفْيُ الْوَلَدِ عَنْهُ وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ أَوْ مَمْلُوكَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَصَارَ وَلَدًا يَجْرِي بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ سواء كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الشَّبَهِ أَمْ مُخَالِفًا وَمُدَّةُ إِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ حين اجتماعهما أماما تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَنَقَلُوا فِي هَذَا الْإِجْمَاعَ وَشَرَطُوا إِمْكَانَ الْوَطْءِ بَعْدَ ثُبُوتِ الفراش فإن لم يمكن بأن ينكح الْمَغْرِبِيُّ مَشْرِقِيَّةً وَلَمْ يُفَارِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَطَنَهُ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْإِمْكَانَ بَلِ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَالَ حَتَّى لَوْ طَلَّقَ عَقِبَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ وَطْءٍ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَهَذَا ضَعِيفٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ حُصُولُ الْإِمْكَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ هَذَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ وَأَمَّا الْأَمَةُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ وَلَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ فِي مِلْكِهِ سِنِينَ وَأَتَتْ بِأَوْلَادٍ وَلَمْ يَطَأْهَا وَلَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا لَا يَلْحَقُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ فِرَاشًا فَإِذَا أَتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَادٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ لَحِقُوهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إِلَّا إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَاسْتَلْحَقَهُ فَمَا تَأْتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْحَقُهُ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ قَالَ لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ لَصَارَتْ بِعَقْدِ الْمِلْكِ كَالزَّوْجَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْفَرْقُ أَنَّ الزَّوْجَةَ تُرَادُ لِلْوَطْءِ خَاصَّةً فَجَعَلَ الشَّرْعُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا كَالْوَطْءِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ وَأَمَّا الْأَمَةُ تُرَادُ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَنَافِعِ غَيْرِ الْوَطْءِ وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ وَأُمًّا وَبِنْتَهَا وَلَا يَجُوزُ جَمْعُهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمْ تَصِرْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِرَاشًا فَإِذَا حَصَلَ الْوَطْءُ صَارَتْ كَالْحُرَّةِ وَصَارَتْ فِرَاشًا وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ الْمَذْكُورَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ مَصِيرُ أَمَةِ أَبِيهِ زَمْعَةَ فِرَاشًا لِزَمْعَةَ فَلِهَذَا أَلْحَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم به الولد وثبوت فراشه إما ببنية عَلَى إِقْرَارِهِ بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَإِمَّا بِعِلْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِزَمْعَةَ وَلَدٌ آخَرُ مِنْ هذه الأمة قبل هذا فدل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ خِلَافَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ عَلَى مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ فِي اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ يِجَوَزُ أن يستلحق الوارث نسبا لمورثه بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَائِزًا لِلْإِرْثِ أَوْ يَسْتَلْحِقَهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ وَبِشَرْطِ أَنْ يُمْكِنَ كَوْنُ الْمُسْتَلْحَقِ وَلَدًا لِلْمَيِّتِ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ وَبِشَرْطِ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُسْتَلْحَقُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِزَمْعَةَ حِينَ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ وَيَتَأَوَّلُ أَصْحَابُنَا هَذَا تَأْوِيلَيْنِ أحدهما أن سودة بنت زمعة أخت عبد اسْتَلْحَقَتْهُ مَعَهُ وَوَافَقَتْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَكُونَ كُلُّ الْوَرَثَةِ مُسْتَلْحِقِينَ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي أَنَّ زَمْعَةَ مَاتَ كَافِرًا فَلَمْ تَرِثْهُ سَوْدَةُ لِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً وَوَرِثَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فَأَمَرَهَا بِهِ نَدْبًا وَاحْتِيَاطًا لِأَنَّهُ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ أَخُوهَا لِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِأَبِيهَا لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّبَهَ الْبَيِّنَ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَائِهِ فَيَكُونَ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ احْتِيَاطًا قَالَ الْمَازِرِيُّ وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ احْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ لَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ هِيَ زيادة باطلة مردودة وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[شرح النووي على مسلم 10/ 37]
قال ابن القيم:
فصل [ثبوت النسب]
واختصم إليه صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَة في الغلام فقال سعد: هو ابن أخي عُتبة بن أبي وقاص عهِدَ إليَّ أنه ابنهُ انُظْر إلى شَبَهِه، وقال عبدُ بن زَمْعة: هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: “هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجَر، واحتجبِي منه يا سودة” فلم تره سودة قط (3) متفق عليه.
وفي لفظ البخاري: “هو أخوك يا عبد” (4)، وعند النسائي: “واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ” (5)، وعند الإمام أحمد: أما الميراث فله، وأما أنْتِ فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ” (1)، فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملًا بموجب الفراش وأمر سَوْدة أن تحتجب منه عملًا بشبهه بعتبة، وقال: “ليس لك بأخ” للشبهة وجعله أخًا في الميراث فتضمن فتواه صلى الله عليه وسلم أن الأمة فِرَاش، وأن الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملًا بالاشتباه، كما تتبعض في الرضاعة وثبوتها يثبت بها الحرمة والمحرمية دون الميراث والنفقة [وليس ولدًا في الميراث والنفقة] (2) وكما في ولد الزنا هو ولد في التحريم وليس ولدًا في الميراث ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر فتعين الأخذ بهذا الحكم والفتوى، وباللَّه التوفيق
[إعلام الموقعين عن رب العالمين 6/ 474 ت مشهور]
قال الإتيوبي:
[تنبيه]: قال في “الفتح”: حديث: “الولد للفراش” قال ابن عبد البرّ هو من أصحّ ما يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة، فذكره البخاريّ في هذا الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وقال الترمذيّ – عقب حديث أبي هريرة -: وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وأبي أُمامة، وعمرو بن خارجة، والبراء، وزيد بن أرقم.
وزاد الحافظ العراقيّ عليه: معاوية، وابن عمر، وزاد أبو القاسم بن منده في “تذكرته”: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعليّ بن أبي طالب، والحسين بن عليّ، وعبد الله بن حُذافة، وسعد بن أبي وقّاص، وسودة بنت زمعة.
قال الحافظ: ووقع لي من حديث ابن عباس، وأبي مسعود البدريّ، وواثلة بن الأسقع، وزينب بنت جحش، وقد رقّمت عليها علامات من أخرجها من الأئمّة، فـ “طب” علامة الطبرانيّ في “الكبير”، و”طس” علامته في “الأوسط”، و”بز” علامة البزّار، و”ص” علامة أبي يعلى الموصليّ، و”تم” علامة تمام في “فوائده”.
وجميع هؤلاء وقع عندهم: “الولد للفراش، وللعاهر الحجر”، ومنهم من اقتصر على الجملة الأولى، وفي حديث عثمان قصّة، وكذا عليّ، وفي حديث معاوية قصّة أخرى له مع نصر بن حجّاج، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟، فقال: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من قضاء معاوية، وفي حديث أبي أمامة، وابن مسعود، وعبادة أحكام أخرى، وفي حديث عبد الله بن حُذافة قصّة له في سؤاله عن اسم أبيه، وفي حديث ابن الزبير قصّة نحو قصّة عائشة باختصار، وقد أشرت إليه، وفي حديث سودة نحوه، ولم تُسَمَّ في رواية أحمد، بل قال: “عن بنت زمعة”، وفي حديث زينب قصّة، ولم يُسَمَّ أبوها، بل فيه: “عن زينب الأسديّة”.
وجاء من مرسل عُبيد بن عمير، وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن عبد البرّ بسند صحيح إليه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): أن الولد يُلحَق بالفراش، إذا لم ينفه صاحب الفراش.
2 – (ومنها): أن الوصيّ يجوز له أن يستلحق ولد موصيه، إذا أوصى إليه بأن يستلحقه، ويكون كالوكيل عنه في ذلك.
3 – (ومنها): أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، إذا اعترف السيّد بذلك، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان.
4 – (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القائف إنما يُعتمَد في الشبه إذا لم يُعارضه ما هو أقوى منه؛ لأن الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه، والتفت إليه في قصّة زيد بن حارثة رضي الله عنهما، وكذا لم يحكم بالشبه في قصّة الملاعنة؛ لأنه عارضه حكم أقوى منه، وهو مشروعيّة اللعان.
5 – (ومنها): أن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: “الولد للفراش” مخصوص بمشروعية اللعان، وخالف فيه الشعبيّ، وبعض المالكيّة، وهو شاذٌّ، ونقل عن الشافعيّ أنه قال: لقوله: “الولد للفراش” معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له، كاللعان انتفى عنه. والثاني: إذا تنازع ربّ الفراش، والعاهر، فالولد لربّ الفراش، قال الحافظ: والثاني منطبقٌ على خصوص الواقعة، والأول أعمّ. انتهى.
6 – (ومنها): أنه يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحِلّ الأمر في الباطن، كما لو حكم بشهادة، فظهر أنها زورٌ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حكم بأنه أخو عبد، وأمر سودة بالاحتجاب عنه بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يُحلّ الأمر في الباطن، لَمَا أمرها بالاحتجاب.
7 – (ومنها): أنه يدلّ على صحّة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأن حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأن عَبْدًا، وسعدًا أطلقا عليها أمةً، ووليدةً، ولم يُنكر ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيّد ثبت بأدلّة أخرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استلحاق غير الأب:
ذهب الشافعيّ رحمه الله وجماعة إلى أن الاستلحاق لا يختصّ بالأب، بل للأخ أن يستلحق، لكن بشرط أن يكون حائزًا للإرث، أو يوافقه باقي الورثة، وإمكان كونه من المذكور، وأن يوافق على ذلك، إن كان بالغًا عاقلًا، وأن لا يكون معروف الأب.
وتُعُقّب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد.
وأجيب بأنه لم يخلُف وارثًا غيره، إلا سودة، فإن كان زمعة مات كافرًا، فلم يرثه إلا عبدٌ وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم، وورثته سودة، فيَحْتَمِل أن تكون وكّلت أخاها في ذلك، أو ادّعت أيضًا.
وذهب مالك رحمه الله، وطائفة إلى أنّ الاستلحاق خاصّ بالأب، وأجابوا عن هذا الحديث بان الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد؛ لاحتمال أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم اطّلع على ذلك بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما حكم بالفراش؛ لأنه قال – بعد قوله: “هو لك” -: “الولد للفراش”؛ لأنه لمّا أبطل الشرع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحبَ الفراش.
وجرى المُزَنيّ على القول بأن الإلحاق يختصّ بالأب، فقال: أجمعوا على أنه لا يُقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصّة عبد بن زمعة أنه صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة، فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدّعي صاحب الفراش، لا أنه قَبِلَ دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة، بل عرّفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك، قال: ولذلك قال: “احتجبي منه يا سودة”.
وتُعُقّب بأن قوله لعبد بن زمعة: “هو أخوك” يدفع هذا التأويل.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الشافعيّة وجماعة، من أن الاستلحاق يجوز للأخ هو الراجح؛ عملًا بظاهر حديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدلّ بهذا الحديث على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، فإذا اعترف السيّد بوطء أمته، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان، ثم أتت بولد لمدّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق، كما في الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشًا بمجرّد العقد، فلا يُشترط في الاستلحاق إلا الإمكان؛ لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة، فإنها تراد لمنافع أخرى، فاشتُرط في حقّها الوطء، ومن ثَمّ يجوز الجمع بين الأختين بالمُلك، دون الوطء، وهذا قول الجمهور.
وعن الحنفيّة لا تصير الأمة فراشًا إلا إذا ولدت من السيّد ولدًا، ولحق به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه.
وعن الحنابلة: من اعترف بالوطء، فأتت منه لمدّة الإمكان لحقه، وإن ولدت منه أوّلًا، فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجيح المذهب الأول – كما قال الحافظ – ظاهرٌ؛ لأنه لم يُنقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكلّ متّفقون على أنها لا تصير فراشًا إلا بالوطء، قال النوويّ: وطء زمعة أمته المذكورة عُلم، إما ببيّنة، وإما باطلاع النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وحديث ابن الزبير رضي الله عنهما عند النسائيّ، بلفظ: “كانت لزمعة جارية يطؤها” يشعر بأن ذلك كان مشهورًا عندهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 25/ 700]
——
قال الشاه ولي الله الدهلوي : ” اعْلَم أَن النّسَب أحد الْأُمُور الَّتِي جُبل على محافظتها الْبشر، فَلَنْ ترى إنْسَانا فِي إقليم من الأقاليم الصَّالِحَة لنشء النَّاس إِلَّا وَهُوَ يحب أَن ينْسب إِلَى أَبِيه وجده ، وَيكرهُ أَن يقْدَح فِي نسبته إِلَيْهِمَا… فَمَا اتّفق طوائف النَّاس على هَذِه الْخصْلَة إِلَّا لِمَعْنى فِي جبلتهم ، ومبنى شرائع الله على إبْقَاء هَذِه الْمَقَاصِد الَّتِي تجْرِي بجري الجبلة ” انتهى من “حجة الله البالغة” (2/ 222).
وقال ابن القيم : ” إثْبَاتَ النَّسَبِ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ ، وَحَقٌّ لِلْوَلَدِ ، وَحَقٌّ لِلْأَبِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الْوَصْلِ بَيْنَ الْعِبَادِ مَا بِهِ قِوَامُ مَصَالِحِهِمْ ، فَأَثْبَتَهُ الشَّرْعُ بِأَنْوَاعِ الطُّرُقِ الَّتِي لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهَا نِتَاجُ الْحَيَوَانِ” انتهى من “الطرق الحكمية” (ص: 191)
وقد اتفق العلماء على أن الفراش هو الأصل في ثبوت النسب ، والمراد بالفراش : الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة.
قال باحث : ” المراد شرعاً بالفراش : الزوجية القائمة حين ابتداء الحمل ، فمن حملت وكانت حين حملت زوجة يثبت نسب حملها من زوجها الثابتة زوجيتها به حين حملت، من غير حاجة إلى بينة منها، أو إقرار منه، وهذا النسب يعتبر شرعا ثابتا بالفراش”. انتهى من “أحكام الأحوال الشخصية” (ص: 186) .
قال ابن القيم : ” فَأَمَّا ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالْفِرَاشِ فَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ “. انتهى من “زاد المعاد” (5/368).
وقال ابن الأثير : ” وإثبات، النسب وإلحاقه بالفراش المستند إلى عقد صحيح أو ملك يمين، مذهب جميع الفقهاء ، لم يختلف فيه أحد من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المجتهدين وغيرهم ” انتهى من “الشافي في شرح مسند الشافعي” (5/49)
واختلف العلماء في الزاني إذا أراد استلحاق ابنه من الزنا به ، هل يثبت نسبه له شرعاً أم لا ؟
لمسألة استلحاق الزاني لابنه من الزنا صور: الأولى : أن تكون المرأة المزني بها ذات فراش ، أي متزوجة ، وأتت بولد بعد ستة أشهر من زواجها ، ففي هذه الحال ينسب الولد إلى الزوج ، ولا ينتفي عنه إلا بملاعنته لزوجته. ولو ادعى رجل آخر أنه زنى بهذه المرأة وأن هذا ابنه من الزنا ، لم يلتفت إليه بالإجماع ، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) رواه البخاري (2053) ، ومسلم (1457). قال ابن قدامة : ” وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ رَجُلٍ ، فَادَّعَاهُ آخَرُ : أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ ” انتهى من “المغني” (9/123) .
الثانية : أن لا تكون المرأة ذات فراش ، ولا يستلحقه الزاني به ، ولا ادَّعي أنه ابنه من الزنا ، ففي هذه الحال لا يُلحق به أيضاً قولاً واحداً . فلم يقل أحد من أهل العلم بإلحاق ولد الزنا بالزاني من غير أن يدعيه الزاني. وقد أشار الماوردي في “الحاوي الكبير” (8/455) إلى ” إِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالزِّنَا”. أي إذا لم يدعه .
الصورة الثالثة : إذا لم تكن المرأة فراشاً لأحد ، وأراد الزاني استلحاق هذا الولد به . فهذه الصورة محل الخلاف بين العلماء. قال ابن قدامة : ” وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاشٍ ” . انتهى من “المغني” (9/123). وهي مسألة مهمة جداً كما قال ابن القيم: ” هَذِهِ مَسْأَلَةٌ جَلِيلَةٌ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا ” انتهى من “زاد المعاد” (5/381).
ثالثاً: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين مشهورين : الأول : أن ابن الزنا لا يُنسب إلى الزاني ولو ادعاه واستلحقه به . وهو قول عامة العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم . ينظر: “المبسوط” للسرخسي (17/154) ، “بدائع الصنائع” للكاساني (6/243) ، “المدونة” (2/556) ، “أسنى المطالب في شرح روض الطالب” (3/20) ، ” المغني” (6/228) ، “المحلى” (10/142). وبناء على هذا القول : فإن ولد الزنا – ذكرا كان أو أنثى – لا ينسب إلى الزاني ، ولا يقال إنه ولده ، وإنما ينسب إلى أمه ، وهو محرَم لها ، ويرثها كبقية أبنائها . قال ابن قدامة المقدسي : ” وَوَلَدُ الزِّنَى لَا يَلْحَقُ الزَّانِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ “. انتهى من ” المغني ” (9/123) . وعلى هذا القول فتوى الشيخ ابن إبراهيم كما في “فتاواه ” (11/146) ، والشيخ ابن باز كما في “مجموع فتاواه” (28/ 124) ، رحمة الله عليهما . وجاء في ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (20/387 ) : ” الصحيح من أقوال العلماء أن الولد لا يثبت نسبه للواطئ إلا إذا كان الوطء مستنداً إلى نكاح صحيح أو فاسد أو نكاح شبهة أو ملك يمين أو شبهة ملك يمين ، فيثبت نسبه إلى الواطئ ويتوارثان ، أما إن كان الوطء زنا فلا يلحق الولد الزاني ، ولا يثبت نسبه إليه ، وعلى ذلك لا يرثه ” . انتهى .
القول الثاني : أن الزاني إذا استلحق ولده من الزنا فإنه يلحق به . وهو قول عروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار، والحسن البصري ، وابن سيرين ، وإبراهيم النخعي ، وإسحاق بن راهويه، كما نقله عنهم ابن قدامة في “المغني” (9/123). وروى الدارمي في “السنن” (3106) عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: ” أَيُّمَا رَجُلٍ أَتَى إِلَى غُلَامٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنٌ لَهُ وَأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ، وَلَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ الْغُلَامَ أَحَدٌ : فَهُوَ يَرِثُهُ “. قَالَ بُكَيْرٌ : وَسَأَلْتُ عُرْوَةَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ” . قال ابن القيم : ” كَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ مِنَ الزِّنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا عَلَى فِرَاشٍ يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ ، وَادَّعَاهُ الزَّانِي : أُلْحِقَ بِهِ … وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، رَوَاهُ عَنْهُ إسحاق بِإِسْنَادِهِ فِي رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا، فَادَّعَى وَلَدَهَا فَقَالَ: يُجْلَدُ وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ. وَهَذَا مَذْهَبُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ”. انتهى من “زاد المعاد” (5/381) قال ابن قدامة : ” وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا إذَا زِنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ حَمْلهَا ، وَيَسْتُرَ عَلَيْهَا ، وَالْوَلَدُ وَلَدٌ لَهُ “. انتهى من “المغني” (9/123). واختار هذا القول : شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وتلميذه ابن القيم . قال ابن مفلح رحمه الله : ” واختار شيخنا أنه إن استلحق ولده من زنا ولا فراش : لحقه ” انتهى من “الفروع” (6/625). ونسبه إليه البعلي في “الاختيارات الفقهية” صـ 477 . وقال المرداوي : ” وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ من الزنى وَلَا فِرَاشَ: لَحِقَهُ. وَنَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فيها : لَا يَلْحَقُهُ . وقال في الِانْتِصَارِ في نِكَاحِ الزَّانِيَةِ يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فيه ، وقال في الِانْتِصَارِ أَيْضًا : يَلْحَقُهُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، وَذَكَرَ أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ مِثْلَ ذلك “. انتهى من “الإنصاف” (9/269) . واختاره أيضاً من المعاصرين : الشيخ محمد رشيد رضا في “تفسير المنار” (4/382)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ، كما في “الشرح الممتع” (12/127).
رابعاً : استدل جمهور العلماء على عدم لحوق ولد الزنى بالزاني : 1- بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) ، متفق عليه . ووجه الاستدلال : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل ولداً لغير الفراش ، كما لم يجعل للعاهر سوى الحجر ، وإلحاق ولد الزنا بالزاني إلحاق للولد بغير الفراش . فقوله (الولد للفراش ) يقتضي حصر ثبوت النسب بالفراش. قال الكاساني : ” النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْرُج الْكَلَامَ مُخْرَجَ الْقِسْمَةِ ، فَجَعَلَ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَالْحَجْرَ لِلزَّانِي ، فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ لِمَنْ لَا فِرَاشَ لَهُ ، كَمَا لَا يَكُونُ الْحَجْرُ لِمَنْ لَا زِنَا مِنْهُ ، إذْ الْقِسْمَةُ تَنْفِي الشَّرِكَةَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَنَفَاهُ عَنْ الزَّانِي بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجْرُ) لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جِنْسِ الْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ ، فَلَوْ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدٍ لِمَنْ لَيْسَ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ لَمْ يَكُنْ كُلُّ جِنْسِ الْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ ، فَعَلَى هَذَا إذَا زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ الزَّانِي لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لِانْعِدَامِ الْفِرَاشِ . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي جَانِبِهَا يَتْبَعُ الْوِلَادَةَ “. انتهى من “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (6/242) . وقال أبو بكر الجصاص: “وقوله: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) قد اقتضى معنيين: أحدهما: إثبات النسب لصاحب الفراش . والثاني: أن من لا فراش له فلا نسب له ؛ لأن قوله “الولد” اسم للجنس، وكذلك قوله “الفراش” للجنس، لدخول الألف واللام عليه ، فلم يبق ولد إلا وهو مراد بهذا الخبر، فكأنه قال: لا ولد إلا للفراش” انتهى من “أحكام القرآن” (5/159). وقال ابن حزم الظاهري : ” نفى صلى الله عليه وسلم أولاد الزنى جملة بقوله عليه الصلاة والسلام ” وللعاهر الحجر ” ، فالعاهر – أي الزاني – عليه الحد فلا يلحق به الولد ، والولد يلحق بالمرأة إذا أتت به ، ولا يلحق بالرجل ، ويرث أمه وترثه ، لأنه عليه الصلاة والسلام ألحق الولد بالمرأة في اللعان ونفاه عن الرجل ” انتهى من “المحلى” (10/322). وقال ابن عبد البر: ” البيان من الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في أن العاهر لا يلحق به في الإسلام ولد يدعيه من الزنا ، وأن الولد للفراش على كل حال ، والفراش : النكاح ، أو ملك اليمين لا غير . أجمع العلماء – لا خلاف بينهم فيما علمته – أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه إلا من نكاح أو ملك يمين ، فإذا كان نكاح أو ملك فالولد للفراش على كل حال “. انتهى من “الاستذكار” (2/167).
2- واستدلوا بما رواه أحمد (6660) ، وأبو داود (2265) ، وابن ماجه (2746) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى : ( أَيُّمَا مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ ، قَضَى : إِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا أَوْ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ . وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ عَاهَرَ بِهَا : لَمْ يَلْحَقْ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ ، وَهُوَ ابْنُ زِنْيَةٍ لِأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا حُرَّةً أَوْ أَمَةً) واللفظ لأحمد. والحديث حسنه : البوصيري في “مصباح الزجاجة” (2/93) ، والشيخ الألباني، ومحققو المسند ، وصححه الشيخ أحمد شكر . ففي هذا الحديث دلالة على أن من استلحق ولداً من الزنا – بحرة أو أمة -: لم يلحق به، وإنما ينسب لأمه . قَالَ الْخَطَّابِيّ موضحا المقصود من الحديث : ” هَذِهِ أَحْكَامٌ قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أوائل الإسلام ومبادىء الشَّرْعِ وَهِيَ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَاسْتَلْحَقَ لَهُ وَرَثَتُهُ وَلَدًا : فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي يدَّعى الْوَلَدَ لَهُ وَرَثَتُهُ قَدْ أَنْكَرَ أَنَّهُ مِنْهُ : لَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْهُ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْكَرَهُ : فَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَتِهِ : لَحِقَهُ ، وَوَرِثَ مِنْهُ مَا لَمْ يُقْسَمْ بَعْدُ مِنْ مَالِهِ ، وَلَمْ يَرِثْ مَا قُسِمَ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ . وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةِ غَيْرِهِ … أَوْ مِنْ حُرَّةٍ زَنَى بِهَا : لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ ، بَلْ لو استلحقه الواطىء لم يلحق به ، فإن الزنى لَا يُثْبِتُ النَّسَبَ” . انتهى نقلا عن “تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة” للبيضاوي (2/408). وهذا الدليل هو أقوى ما يستدل به أصحاب هذا القول ، فهو صريح في أن الزاني إذا استلحق ابناً له من الزنا لا يلحقه . حتى قال ابن القيم : ” إِنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ ، وَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ”. انتهى من “زاد المعاد” (5/384).
3- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ ، مَنْ سَاعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ ، وَمَنْ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ : فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ) رواه أبو داود في سننه (2264) . ” ( لَا مُسَاعَاة فِي الْإِسْلَام ) الْمُسَاعَاة الزِّنَا ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيّ يَجْعَلهَا فِي الْإِمَاء دُون الْحَرَائِر لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَسْعَيْنَ لِمَوَالِيهِنَّ فَيَكْسِبْنَ لَهُمْ بِضَرَائِب كَانَتْ عَلَيْهِنَّ . قَالَ فِي مَعَالِم السُّنَن : إِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ لَهُمْ إِمَاء يُسَاعِينَ وَهُنَّ الْبَغَايَا اللَّوَاتِي ذَكَرهنَّ اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِذَا كَانَ سَادَتهنَّ يُلِمُّونَ بِهِنَّ وَلَا يَجْتَنِبُوهُنَّ ، فَإِذَا جَاءَتْ إِحْدَاهُنَّ بِوَلَدٍ وَكَانَ سَيِّدهَا يَطَؤُهَا وَقَدْ وَطِئَهَا غَيْره بِالزِّنَا فَرُبَّمَا اِدَّعَاهُ الزَّانِي وَادَّعَاهُ السَّيِّد ، فَحَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَمَة فِرَاش السَّيِّد كَالْحُرَّةِ وَنَفَاهُ عَنْ الزَّانِي . وقوله (وَلَدًا مِنْ غَيْر رِشْدَة ) : يُقَال هَذَا وَلَد رِشْدَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح ، مَنْ كَانَ بِنِكَاحٍ صَحِيح ، وَوَلَد زِنْيَة مَنْ كَانَ بِضِدِّهِ ” انتهى ملخصا من “عون المعبود” (6/ 353) . لكن الحديث ضعيف ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : “فِي إِسْنَاده رَجُل مَجْهُول” . وقال ابن القيم : ” وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ “. انتهى من ” زاد المعاد ” (5/382). وضعفه : الشيخ أحمد شاكر والألباني أيضاً. ينظر: “مسند أحمد” (5/139) ، “ضعيف أبي داود” (2264). 4- أن هذا هو الذي جرى عليه عمل المسلمين في العصور المتقدمة . قال الإمام أبو يوسف : ” وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ غَيْرَ وَاحِدٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهَ عَنْهُمَا وَالسَّلَفِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحُدُودَّ عَلَى الزُّنَاةِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مَنْهُمْ أَنَّهُ قَضَى مَعَ ذَلِكَ بِمَهْرٍ ، وَلَا أَثْبَتَ مِنْهُ نَسَبَ الْوَلَدِ” انتهى من “الرد على سير الأوزاعي” (ص: 51) .
خامساً : استدل من قال بإلحاق ابن الزنا به إذا استلحقه: 1-أن هذا الطفل متولد من مائه ، فهو ابنه قدراً وكوناً ، ولا يوجد دليل شرعي صحيح صريح يمنع من إلحاق نسبه به . قال الشيخ ابن عثيمين : ” الولد للزاني ، وذلك لأن الحكم الكوني الآن لا يعارضه حكم شرعي فكيف نلغي هذا الحكم الكوني ، مع أننا نعلم أن هذا الولد خلق من ماء هذا الرجل ؟ فإذا استلحقه وقال هو ولده فهو له … وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء ، يلحقونه ويقولون : إن هذا الولد ثبت كونه للزاني قدراً ، ولم يعارضه حكم شرعي ، فلا نهمل الحكم القدري بدون معارض ، أما لو عارضه الحكم الشرعي فمعلوم أن الحكم الشرعي مقدم على الحكم القدري ” انتهى من “فتح ذي الجلال” (12/318) .
وأما حديث : (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) فهو وارد في حال وجود الفراش ، ومسألتنا في حال عدم وجود الفراش . قال شيخ الإسلام : ” فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا : لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ ” . انتهى من “مجموع الفتاوى” (32/ 113) . فقد حكم بذلك صلى الله عليه وسلم عند تنازع الزاني وصاحب الفراش كما ذكر ابن القيم في “زاد المعاد” (5/ 8174). ونقل ابن القيم عن إسحاق بن راهويه أنه : ” أُوَّلَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَنَازُعِ الزَّانِي وَصَاحِبِ الْفِرَاشِ” . انتهى من “زاد المعاد” (5/381) . وقال الشيخ ابن عثيمين : ” قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) جملتان متلازمتان ، فيما إذا كان عندنا فراش وعاهر” . انتهى من “الشرح الممتع” (13/ 308) . وفي هذه المسألة لا ينازع الزاني أحد في نسب هذا الولد . وقال الشيخ ابن عثيمين : ” حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر) يدل أن هناك رجلين ، زان وصاحب فراش كل واحد منهما يدعي أن الولد له ، صاحب الفراش يقول: هذا ولدي ولد على فراشي ، والزاني يقول: هذا ولدي خلق من مائي ، فهنا نغلب جانب الشرع كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) . أما إذا كان الزاني لا ينازعه أحد في ذلك، يعني: زنا بامرأة بكر -مثلاً- أو امرأة ليس لها زوج ولم يدّعِ أحدٌ هذا الولد وقال الزاني: إنه ولدي فهو له ” . انتهى من “لقاء الباب المفتوح” (63/ 21، بترقيم الشاملة آليا). وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” الجمهور على أنه عام ، وأنه لا حق للزاني في الولد الذي خلق من مائه ، وذهب بعض العلماء إلى أن هذا خاص في المخاصمة، يعني إذا تخاصم الزاني وصاحب الفراش قضينا به لصاحب الفراش ، أما إذا كان لا منازع للزاني ، واستلحقه فله ذلك ويلحق به ، وهذا القول هو الراجح المناسب للعقل، وكذلك للشرع عند التأمل” انتهى من “الشرح الممتع ” (12/127). وقال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث: في رجل غصب رجلا على امراته فأولدها ، ثم رجعت إلى زوجها وقد أولدها . قال : ” لا يلزم زوجها الأولاد ، وكيف يكون الولد للفراش في مثل هذا ، وقد علم أن هذه في منزل رجل أجنبي وقد أولدها في منزله ، إنما يكون الولد للفراش إذا ادعاه الزوج ، وهذا لا يدعى : فلا يلزمه”. انتهى من “بدائع الفوائد” (4/120). واعتبار الألف واللام في الحديث للجنس كما قال الجصاص ، متنازع فيه ، فقد مال الزرقاني إلى أنها للعهد ، فقال: ” أل للعهد ، أي الولد للحالة التي يمكن فيها الافتراش “. شرح الزرقاني على الموطأ (4/25).
وأما حديث : (وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ عَاهَرَ بِهَا : لَمْ يَلْحَقْ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ …). فهذا الحديث مداره على عمرو بن شعيب يرويه عن أبيه عن جدة ، وهذه سلسلة اختلف المحدثون فيها كثيراً ، وهو وإن كان الأرجح تحسين حديثه إن كان الراوي عنه ثقة إلا أن تفرده بمثل هذا الحديث الذي يعد أصلاً في بابه يدعو للتوقف في قبول روايته . قال الإمام أحمد : ” أَصْحَابُ الحَدِيْثِ إِذَا شَاؤُوا: احْتَجُّوا بِحَدِيْثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَإِذَا شَاؤُوا: تَرَكُوْهُ “. انتهى من “سؤالات أبي دواد للإمام أحمد” ص230. أي أنهم لا يحتجون به مطلقاً ، ولا يردون حديثه مطلقا ، بل بحسب حال كل حديث . قال الذهبي: ” هَذَا مَحْمُوْلٌ عَلَى أَنَّهُم يَتَرَدَّدُوْنَ فِي الاحْتِجَاجِ بِهِ ، لاَ أَنَّهُم يَفْعَلُوْنَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيْلِ التَّشَهِّي” انتهى من “سير أعلام النبلاء” (5/167). ثم إن الرواة له عن عمرو بن شعيب : ضعفاء ومتكلم فيهم ، وأمثلهم رواية : محمد بن راشد يرويه عن سليمان بن موسى ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . وفي كلٍ من : محمد بن راشد ، وسليمان بن موسى ، نزاع بين أهل الحديث : أما محمد بن راشد المكحولي الشامي ، فوثقه الإمام أحمد ، وابن معين ، وابن المديني، وغيرهم. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال شعبة: “ما كتبت عنه ، أما إنه صدوق ، ولكنه شيعي أو قدري”. وقال ابن حبان : “كان من أهل الورع والنسك ، ولم يكن الحديث من صنعته ، وكثرت المناكير في روايته فاستحق الترك “. وقال الدارقطني: “يعتبر به”. وقال ابن عدي : ” وليس برواياته بأس ، إذا حدث عنه ثقة فحديثه مستقيم “. وفي التقريب : ” صدوق يهم ، ورمي بالقدر”. وقال البيهقي : ” مُحَمَّد بن رَاشد ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث”. انتهى من “البدر المنير” (8 /430). ينظر: “تاريخ ابن معين” – رواية الدوري – (4 / 465)، “الجرح والتعديل” (7/253) ، “الضعفاء الكبير” للعقيلي (7/440)، “الكامل في الضعفاء” (6/202) ، “ميزان الاعتدال” (3/543) ، “تهذيب التهذيب” (9/140). وأما الراوي الثاني المتكلم فيه فهو سليمان بن موسى القرشي الأموي الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه . وقد وثقه دُحَيم ، ويحيى بن معين ، والدارقطني ، وابن سعد وابن حبان . قال ابن عَدي : “وسليمان بن موسى فقيهٌ راوٍ حدَّث عنه الثقات ، وهو أحد علماء أهل الشام ، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره ، وهو عندي ثبت صدوق “. ومن العلماء من غمز في ضبطه وإتقانه . قال أبو حاتم: “محله الصدق، وفى حديثه بعض الاضطراب”. وقال البخاري: “عنده مناكير”. وقال ” “سليمان بن موسى منكر الحديث ، أنا لا أروي عنه شيئا ، روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير”. انتهى من “علل الترمذي الكبير” (1/93) . وقال النسائي: “أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث”. وقال ابن حجر في التقريب: ” صدوق فقيه في حديثه بعض لين ، وخولط قبل موته بقليل”. ينظر: “الكاشف” (1/464) ، “تهذيب التهذيب” (4/198) ، “مغانى الأخيار” (1/477) وقال المنذري : ” رَوى عن عَمرو هذا الحديث ، محمد بن راشد ، وفيه مقال ” . انتهى من “عون المعبود” (6/255) . والحاصل : أن الحديث لا يخلو من مغمز فيه ، ولذلك قال ابن القيم : ” لأهل الحديث في إسناده مقال ؛ لأنه من رواية محمد بن راشد المكحولي”. انتهى من “زاد المعاد” (5/383) . ومثل هذا الحديث الذي ينفرد بروايته مثل هؤلاء الرواة الذين لم يبلغوا شأواً عالياً في الضبط والإتقان ، ولم يتابعهم على روايته أحد من المشهود لهم بهذا الفن ، مع أهمية الموضوع الذي يتضمنه الحديث : لا يرقى لدرجة الحجية . ولذلك قال البيهقي: ” مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ وَإِنْ كُنَّا نَرْوِى حَدِيثَهُ لِرِوَايَةِ الْكِبَارِ عَنْهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ “. انتهى من “سنن البيهقي” (2/483). قال ابن رجب: ” أما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث – إذا تفرد به واحد – وإن لم يرو الثقات خلافه : إنه لا يتابع عليه ، ويجعلون ذلك علةً فيه ، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ، ولهم في كل حديث نقد خاص”. انتهى من “شرح علل الترمذي” لابن رجب (1/216). والحديث أخرجه عبد الرزاق أيضاً في المصنف (10/289) عن ابن جريج قال: قال عمرو بن شعيب : ( وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل مستلحق ….). ولكن قال أبو بكر الأثرم : ” قال لي أبو عبد الله: إذا قال ابن جريج قال فلان وقال فلان، وأخبرت ، جاء بمناكير ، فإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به ” . انتهى من “تاريخ بغداد” (10/405). وقال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل : ” إذا قال ابن جريج قال ، فاحذره ، وإذا قال سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء “. انتهى من “تهذيب الكمال” (18/348).
2- أن عمر بن الخطاب ألحق أولادا ولدوا في الجاهلية بآبائهم . فروى مالك في ” الموطأ ” (1451) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : ” أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . وفي سنده انقطاع فسليمان بن يسار لم يدرك عمر رضي الله عنه . قال الباجي : ” يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُلْحِقُهُمْ بِهِمْ وَيَنْسُبُهُمْ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا لِزِنْيَةٍ “. انتهى من “المنتقى شرح الموطأ” (6/11) . قال ابن عبد البر: ” هذا إذا لم يكن هناك فراش ؛ لأنهم كانوا في جاهلتهم يسافحون ويناكحون وأكثر نكاحاتهم على حكم الإسلام غير جائزة “. انتهى من “التمهيد” (8/183) . والمنازعون في هذا يقولون : هذا خاص بأهل الجاهلية فلا يلحق بهم غيرهم . قال ابن عبد البر: ” إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يليط أولاد الجاهلية بمن استلاطهم ويلحقهم بمن استلحقهم إذا لم يكن هناك فراش ؛ لان أكثر أهل الجاهلية كانوا كذلك وأما اليوم في الإسلام بعد أن أحكم الله شريعته وأكمل دينه ، فلا يلحق ولد من زنا بمدعيه أبدا عند أحد من العلماء كان هناك فراش أولم يكن”. انتهى من “الاستذكار” (7/164). وقال : ” هذا منه كان خاصاً في ولادة الجاهلية حيث لم يكن فراش ، وأما في ولادة الإسلام فلا يجوز عند أحد من العلماء أن يلحق ولد من زنا “. انتهى من “الاستذكار” (7/172) [ نفي ابن عبد البر وجود الخلاف محل نظر كما لا يخفى ]. وقال الماوردي : ” وَالْعِهَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَخَفُّ حُكْمًا مِنَ الْعِهَارِ فِي الْإِسْلَامِ “. انتهى من “الحاوي الكبير” (8/456). وذهب جمهرة من المالكية إلى أن الحكم يشمل كل من دخل في الإسلام قال الباجي : ” رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي جَمَاعَةٍ يُسْلِمُونَ فيستلحقون أَوْلَادًا مِنْ زِنًى ، فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا وَلَمْ يَدَّعِهِمْ أَحَدٌ لِفِرَاشٍ فَهُمْ أَوْلَادُهُمْ قَالَ : وَمَنْ ادَّعَى مِنْ النَّصَارَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَوْلَادًا مِنْ الزِّنَا فَلْيُلَاطُوا بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا فِي دِينِهِمْ فَجُعِلَ ذَلِكَ بِاسْتِحْلَالِهِمْ الزِّنَا . وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَسْلَمَ الْيَوْمَ فَاسْتَلَاطَ وَلَدًا بِزِنًا فِي شِرْكِهِ فَهُوَ مِثْلُ حُكْمِ مَنْ أَسْلَمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ” انتهى من “المنتقى شرح الموطأ” (4/31) . وقال ابن العربي : ” قال علماؤنا: كان أولئك أولاد لزَنْيَةٍ [ أي الذين ألحقهم عمر بآبائهم ] ، وكذلك السُّنَّةُ اليومَ فيمن أسلمَ من النَّصَارى واليهود، ثمّ ادَّعَى ولدًا كان من زنا في حال نصرانيَّتِه ، أنّه يُلحَق به إذا كان مجذوذَ النَّسَبِ ، لا أَبَ لهَ ولا فِرّاشَ فيه “. انتهى من “المسالك في شرح موطأ مالك” (6/383) . والتفريق بين أمر الجاهلية والإسلام : غير ظاهر؛ لأن النسب أمر قدري كوني بغض النظر عن اعتقاد الزاني . وإلحاق ولد الزنا بأبيه إذا استلحقه حكم لا يختلف في جاهلية ولا إسلام ، ولا فرق فيه بين معذور وغيره .
3- يشهد لما سبق من جواز الإلحاق ما جاء في قصة جريج العابد ، لما قال للغلام الذي زنت أمه بالراعي : (قالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ ، قَالَ : الرَّاعِي…) متفق عليه . فكلام الصبي كان على وجه الكرامة وخرق العادة من الله ، وقد أخبر أن الراعي أبوه ، مع أن العلاقة علاقة زنى ؛ فدل على إثبات الأبوة للزاني . قال ابن القيم: ” وَهَذَا إِنْطَاقٌ مِنَ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَذِبُ “. انتهى من” زاد المعاد” (5/382). وقال القرطبي : ” النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني ، وصدَّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك ، وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته ، فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فثبتت البنوة وأحكامها”. انتهى من “الجامع لأحكام القرآن” (5/115). وقال الشيخ ابن عثيمين : ” واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن ولد الزنى يلحق الزاني؛ لأن جريجاً قال: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، وقد قصها النبي صلى الله عليه وسلم علينا للعبرة، فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق الولد فإنه يلحقه ، وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم “. انتهى من “شرح رياض الصالحين” (3/75) . 4- القياس . قال ابن القيم : ” الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ ، فَإِنَّ الْأَبَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ ، وَهُوَ إِذَا كَانَ يُلْحَقُ بِأُمِّه ِ، وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِ أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهَا زَنَتْ بِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الزَّانِيَيْنِ ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُمَا ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ لُحُوقِهِ بِالْأَبِ إِذَا لَمْ يَدِّعِهِ غَيْرُهُ ؟ فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ”. انتهى من “زاد المعاد” (5/381).
5- أن هذا القول تترتب عليه مصالح كثيرة ومنها : * أن الشارع يتشوف لحفظ الأنساب ورعاية الأولاد ، والقيام عليهم بحسن التربية والإعداد ، وحمايتهم من التشرد والضياع . قال الشيخ ابن عثيمين : “والشارع له تشوف إلى إلحاق الناس في أنساب معلومة”. انتهى من “الشرح الممتع” (15/501). وقال أيضاً : ” أما إذا لم يكن له منازع واستلحقه فإنه يلحقه ؛ لأنه ولده قدراً ، فإن هذا الولد لا شك أنه خلق من ماء الزاني فهو ولده قدراً ، ولم يكن له أب شرعي ينازعه ، وعلى هذا فيلحق به. قالوا : وهذا أولى من ضياع نسب هذا الولد ؛ لأنه إذا لم يكن له أب ضاع نسبه، وصار ينسب إلى أمه “. انتهى من “شرح رياض الصالحين” (3/75). ”وفي نسبة ولد الزنا إلى أبيه تحقيق لهذه المصلحة ، خصوصًا أن الولد لا ذنب له ، ولا جناية حصلت منه ، ولو نشأ من دون أب ينسب إليه ويعني بتربيته والإنفاق عليه لأدى ذلك في الغالب إلى تشرده وضياعه وانحرافه وفساده ، وربما نشأ حاقدًا على مجتمعه ، مؤذيًا له بأنواع الإجرام والعدوان ” ينظر: “فقه الأسرة عند ابن تيمية” (2/759). * أن في هذا القول حثًا للزاني على نكاح من زنا بها وإعفافها، وستر أهلها وولدها. * وفيه حل لمشكلة هؤلاء الأولاد الناتجين من الزنا، فلا يشعرون بأنهم ولدوا في الحرام والظلام ، ولا يحسون بالقهر والظلم إثر ما وقع عليهم ، فينشئون مع إخوانهم من النكاح الصحيح نشأة صالحة ، وينتسبون إلى أسرة يهمهم سمعتها ، والمحافظة على شرفها وكرامتها. * ومن الآثار المحتملة بل الواقعة غالباً : سهولة انحراف مجهول النسب ، في حبائل الفساد والرذيلة والشرور التي تتعدى إلى المجتمع بأكمله ! وقد ذكر عدد من المختصين في دور رعاية اللقطاء : أن هذه الفئة – وبنسبةٍ غالبة – مقارنةً بغيرهم ، ينشأون وهم ينقمون على مجتمعهم ، لذلك يسهل لديهم الوقوع في الجـريمة . * فيه تحقيق لمقصد تخفيف الشر: فإن في استلحاق ولد الزنا تخفيف لآثار الجريمة التي وقع فيها الزاني ، فالزنا فاحشةٌ محرمةٌ وتزداد فحشاً وقبحاً كلما تعدى أثرها إلى غير الزاني والزانية ؛ فالزنا بالمتزوجة أو بحليلة الجار أشد قبحاً من الزنا بغيرها، والزنا الذي يترتب عليه حَمْلٌ أعظم خطراً من الذي لا ينتج عنه حَمْل؛ ومن ترميم بعض آثار الزنا استلحاق ولد الزنا. * في هذا القول تحقيق لمبدأ العــدل الذي أمر الله به ومن العدل الذي جاءت به شريعةُ الله ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، فهذا الولد الناتج من هذه الممارسة الخاطئة لا ذنب له ولا جريرة ، وفي نفي النسب عنه من أبيه إذا استلحقه عقوبة له بأمر لم يكن له فيه يد . * ومن مبدأ العدل استواء العقوبة بين الرجل والمرأة : فإنه من القواعد المُـقررةِ في الشـريعة استواء العقاب بين أهل الجريمة إذا كانت المقارَفة لها على حدٍ سواء. * أن هذه المشكلة موجودة بكثرة بين المسلمين الجدد ، فيسلم أحدهم مع خليلته وهي حامل منه من الزنا، وهو يرغب نكاحها واستلحاق ولده منها، وقد يكون له علاقة محرمة بزوجته قبل أن يتزوجها، وله أولاد منها من الزنا، وأولاد آخرون بعد نكاحها، فيقع في ورطة لا يحلها إلا الستر عليه ، وإلحاق أولاده من الزنا به. * أن في هذا القول ترغيبًا لمن يريد الدخول في الإسلام ممن ابتلي بهذه البلية ، ولو قيل لأحدهم: إن أولادك من الزنا الذين يعيشون في كنفك وينتسبون إليك لا يلحقون بك شرعًا – لربما صده ذلك عن الدخول في الإسلام. قال ابن القيم : ” هذا المذهب كما تراه قوةً ووضوحاً ، وليس مع الجمهور أكثر من (الولد للفراش) ، وصاحب هذا المذهب أول قائل به ، والقياس الصحيح يقتضيه”. انتهى من ” زاد المعاد ” (5/374).
—-
جاء في ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 20 / 387 ) :
” الصحيح من أقوال العلماء أن الولد لا يثبت نسبه للواطئ إلا إذا كان الوطء مستنداً إلى نكاح صحيح أو فاسد أو نكاح شبهة أو ملك يمين أو شبهة ملك يمين ، فيثبت نسبه إلى الواطئ ويتوارثان ، أما إن كان الوطء زنا فلا يلحق الولد الزاني ، ولا يثبت نسبه إليه ، وعلى ذلك لا يرثه ” . انتهى .
وجاء – أيضاً – في ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 34 ) :
” أما ولد الزنا فيلحق نسبا بأمه ، وحكمه حكم سائر المسلمين إذا كانت أمه مسلمة ، ولا يؤاخذ ولا يعاب بجرم أمه ، ولا بجرم من زنا بها ، لقوله سبحانه : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ” انتهى
* معلوم أن إثبات النسب يتبعه الحديث عن الكثير من الأحكام : أحكام الرضاع ، والحضانة ، والولاية ، والنفقة ، والميراث ، والقصاص ، وحد السرقة ، والقذف ، والشهادة ، وغيرها .
ولما كان الراجح هو عدم ثبوت نسب ابن الزنا من الزاني ، فلا يثبت شيء من الأحكام السابقة على الأب غير الشرعي ، وإنما تتحمل الأم كثيراً منها .
ولكن يبقى للأب غير الشرعي ( الزاني ) قضية تحريم النكاح ، فإن الولد الناتج عن زناه يثبت بينه وبين أبيه وأرحام أبيه أحكام التحريم في النكاح في قول عامة أهل العلم .
قال ابن قدامة – رحمه الله – :
” ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنا ، وأخته ، وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت أخيه ، وأخته من الزنا ، وهو قول عامة الفقهاء ” انتهى .
” المغني ” ( 7 / 485 ) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : عن بنت الزنا هل تزوج بأبيها ؟
فأجاب :
” الحمد لله ، مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها ، وهو الصواب المقطوع به ” انتهى .
” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 134 ) .
وجاء في ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 210 ) :
” ويحرم على الإنسان أن يتزوّج بنته من الزّنا بصريح الآية : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ) لأنّها بنته حقيقةً ولغةً , ومخلوقة من مائه , ولهذا حرّم ابن الزّنا على أمّه .
وهذا هو رأي الحنفيّة وهو المذهب عند المالكيّة , والحنابلة ” انتهى
* وبناء على ما سبق فإن ابنك هذا من الزنا لا يجوز له أن ينكح بناتك ، فإنهن بمنزلة أخواته ، وكذلك زوجتك .
ولكن ذلك لا يعني أنه مَحرَمٌ لهن فنُجَوِّز له الخلوة بهن أو وضعهن الحجاب في حضرته ، فإن التحريم في النكاح لا يلزم منه دائما المحرمية المبيحة للخلوة ونحوها ، فهي حكم زائد لا يثبت إلا للمحارم الشرعيين ؛ فيجب التنبه لهذا.
قال ابن قدامة – رحمه الله – :
” الحرام المحض : وهو الزنا : يثبت به التحريم ، ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر ” انتهى بتصرف .
” المغني ” ( 7 / 482 ) .
ولا يمنع ذلك كله الإحسان إلى هذا الشاب ، ومعاملته بالحسنى ، والسعي في إسلامه وربطه بالعائلة ، على ألا ينسب إلى أبيه من الزنا ، ولا يتساهل في حجاب البنات في الأسرة عنه .
ونسأل الله لك الخير والتوفيق والرشاد .
والله أعلم .
—-
تكلم باحث في بعض الدول التي ينادي بعض المنحلين بعدم تجريم الزنا . وتحريم التعدد واباحة الخليلات
وأن معرفة الواقع الذي نعيش فيه يبين لكم المفاسد في ترجيح القول باستلحاق ابن الزنا
قال :
ففي ظل هذا الواقع الذي يدل على انفلات عريض على مستوى تدين الناس، ويدل كذلك على غياب واسع لكثير من أحكام الشريعة في المجتمع وفي مؤسساته الرسمية وغير الرسمية… ينبغي تحقيق النظر المصلحي في استلحاق ولد الزنا بأبيه بقوة القانون، هل يكون من المصلحة شرعا القول بجوازه والمطالبة به أم أن مفسدة القول بالجواز أعظم من المصلحة المرجوة منه؟
من خلال كلام المطالبين بالاستلحاق يمكن أن نحصر المصالح المرجوة في الأمور الآتية:
-مصلحة مراعاة نفسية ابن الزنا وذلك بتمكينه من التعرف على أبيه البيولوجي والتمتع بلقبه، وهي مصلحة تحسينية إن سلمت من المعارض ملحقة بكلي حفظ النفس؛
-مصلحة حماية ابن الزنا من التشرد، وهي ملحقة بالضروري في حفظ النفس،
-مصلحة حماية ابن الزنا من قساوة العيش في الجمعيات الخيرية، وهي ملحقة بالتحسيني في حفظ النفس؛
-مصلحة التقليل من الزنا بتحميل الزاني تبعات خطئه، وذلك بإلزامه النفقة على المولود الذي كان سببا في إنجابه، فيكون ذلك رادعا له عن الزنا، وتشريع ما يفضي إلى التقليل من الزنا مصلحة ملحقة بالضروري في حفظ النسل.
لا يخفى على كل متأمل وجاهة بعض المصالح المذكورة، لكن هل سلمت من المفاسد التي تعارضها فإنه في معظمها تم تضخيم المصلحة على حساب المفسدة المتوقعة عند جلب تلك المصلحة، فمثلا:
عند الحديث عن مصلحة مراعاة نفسية ابن الزنا وذلك بتمكينه من التعرف على أبيه البيولوجي والتمتع بلقبه… فنحن أمام مصلحة وهمية وليست حقيقية؛ لأنه لا بد من الفصل قانونا وشكلا بين ما ترتب عن نكاح من أولاد وبين ما ترتب من ذلك عن سفاح، وإلا سنكون قد سوينا بين النكاح والسفاح من كل وجه، وهذا كذب على الشرع وعلى الحقيقة لا يمكن قبوله أو القول به، بل وفيه جناية على أسرة الزاني (الزوجة الشرعية والأولاد مثلا) بإقحامها في علاقة قرابة دون رضاها. وعليه، فنفس الفصل أو التفرقة بين ما ترتب عن النكاح من أولاد وبين ما ترتب من ذلك عن السفاح ولو على مستوى الشكل سيثير حساسية نفسية لابن الزنا؛
وعند الحديث عن مصلحة حماية ابن الزنا من التشرد، أو مصلحة حماية ابن الزنا من قساوة العيش في الجمعيات الخيرية، فإن استلحاق ابن الزنا بأبيه
البيولوجي لا يحقق بالضرورة المصلحتين المرجوتين؛ لأن ذلك الاستلحاق أجنبي عما يجلب تلك المصلحتين، فهما يتوقفان على وجود المال الذي يكفي لدى أبيه لرعاية الابن، وقد يتوفر عليه وقد لا يتوفر، وفي حالة التوفر عليه ولو نسبيا لن يفوق قطعا أو يصل المبلغ المالي المفترض إلى مستوى مبلغ النفقة الواجبة على الأب لصالح ولده الشرعي في حالة طلاق أمه، والجميع يعلم أن تلك النفقة الواجبة المقدرة شرعا وقانونا لا تكفي لتحقيق أدنى مراتب المصلحتين المذكورتين، فكيف سيكون الوضع بنفقة كان سببها السفاح؛ إذ يفترض شرعا وعقلا ان تكون أقل من نفقة التي كان سببها النكاح؛
وعند الحديث عن مصلحة التقليل من الزنا بتحميل الزاني تبعات خطئه… ، فإن أصحاب هذا الكلام لا يرون من الحقيقة إلا نصفها، فهب أنه صحيح ولا إخاله ذلك، ألا يكون هذا الكلام في المقابل إغراء للنساء بالتوسع في العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج أكثر مما هو عليه اليوم؛ فرغم ما نراه من تحمل المرأة تبعات الحمل من الزنا لوحدها في غالب الأحوال لا تزال نسبة هذا النوع من الولادة في ارتفاع، فكيف سيكون الحال بالنسبة للزانية إذا انضاف إليه تأمين جانب من المال لها بإشرافها على حضانة الولد ولو كان المال قليلا، فمن يزعم أنه بهذه الحلول المرقعة أو بالعقوبة المالية التي ستقع على الرجل لوحده دون شريكته في الجريمة أو مع شريكته سيقل الزنا فكأنه
يعيش في وهم.
وتجدر الإشارة أن بعض الأحكام الشرعية باعتبار محل تنزيلها قد تنقسم إلى قسمين؛ أحكام أصلية ثابتة وأخرى عارضة متغيرة، ونحن حينما نتحدث عن المصالح والمفاسد وننظر إلى مآل الأحكام الأصلية الثابتة فهذا يعنيي أننا تجاوزنا مرحلة معرفة الحكم الأصلي، وأصبحنا نناقش عوراضه عند تنزيله على أرض الواقع، والواقع الذي يحيط بنا هو على خلاف الأصل كما سبق تقريره، فمن قال من الفقهاء المتقدمين أو المتأخرين باستلحاق ابن الزنا بأبيه كان يرى رأي العين منظومة متكاملة من أحكام الشريعة تطبق ومحفوظة بسياج عقدي وأخلاقي، التي بيقين كفيلة بأن تمنع انتشار الزنا في المجتمع وما يترتب عنه، وواقع الأمة في زمنهم يشهد بذلك، فاجتزاء قول دون اعتبار واقعه خلل منهجي.
أما اليوم، فقد غاب من يحمي حمى الشريعة وحدودها، وضعف الوازع الديني في نفوس الناس بشكل غير مسبوق، فالقول باستلحاق ابن الزنا في هذا الوضع المنكوس سيفضي حتما إلى الاعتراف بالزنا وتقنينه، وتكثير أبنائه، ولهذا حرص التيار الإباحي في بلدي عليه وجعله مطلبا أساسيا من مطالبه؛ لأنه ينشد أن تصير الزنا حقا من حقوق أهل بلدنا !!؟ وما يؤدي إلى الاعتراف بالزنا وتقنينه مفسدة تضاد مقصد حفظ النسل من كل وجه.
هذا، ومن المفاسد التي ستترتب عن القول باستلحاق
ابن الزنا بأبيه كذلك، ما نراه في المجتمع الغربي، إذ سهل التملص من حقوق الزوجة التي قرروها وفق مبادئهم، فقد وفر ذلك الاستلحاق غطاء قانونيا للإولاد دون إبرام عقد زواج قانوني بين الزوجين، الذي بغيابه تلغى تلك الحقوق الزوجية المقررة لديهم. ويغلب الظن أن ما وقع في المجتمع الغربي سيصيبنا منه الكثير في هذا الباب؛ لأنه من جهة المنطق، من اتبع آثار طريق لا بد أن يصل إلى النتيجة نفسها. بل بدأت أفكار تروج في وسط الشباب في بلدنا أن المخرج السهل من تجنب الواجبات المادية الكبيرة التي قررتها مدونة الأسرة في حالة وقوع الطلاق هو الزواج دون إبرام عقد رسمي ما دام استلحاق الأبناء عن طريق (ADN) سيحل الوضع القانوني للأولاد.
وأخيرا، إن النظر الصحيح للواقع الاستثنائي يقتضي أن نقاربه في ضوء الخلل الحاصل في المنظومة التشريعية الموجودة لدينا، فهو واقع على خلاف الأصل، ومن محاسن ما قرره ابن القيم المقاصدي الكبير “أن العالِم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله”، فالواقع شريك في استنباط الحكم، وهو الذي يرشد إلى نوع الواجب المناسب، والقول باستلحاق ابن الزنا بأبيه البيولوجي على الأقل مرجوح بالحكم العارض.
والله أعلم.
—-
وللاستزادة ينظر:
– ” فقه الأسرة عند ابن تيمية في الزواج وآثاره ” ، رسالة دكتوراة ، محمد بن أحمد الصالح.
– ” النسب ومدى تأثير المستجدات العلمية في إثباته “، سفيان بن عمر بورقعة. ( رسالة دكتوراه).
– ” نسب ولد الزنا ” ، الشيخ عدنان بن محمد الدقيلان ، بحث منشور في ” مجلة العدل ” ( عدد22).
– ” أحكام ولد الزنا ” ، إبراهيم بن عبد الله القصيّر ، (بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير).
– ” حكم نسبة المولود إلى أبيه من المدخول بها قبل العقد ” ، للدكتور عبد العزيز .v