[1ج/ رقم (534)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي
وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (534)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٤٥٤): حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ – يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ -، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُبَيْدٍ الرَّاسِبِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ»، قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ» أَوْ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
هذا حديث صحيحٌ.
وعثمان بن عبيد الراسبي مترجم في «الجرح والتعديل» و«تعجيل المنفعة»، وثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد رحمه الله، في مسنده، (٢٣٧٩٥).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٢٥ – كتاب الرؤيا، ٣ – الرؤيا الصالحة، (٣٢٣٢).
وقال محققو المسند – ط: الرسالة – :
“إسناده صحيح،
رجاله ثقات رجال الشيخين غير عثمان بن عبيد الراسبي، وقد وثَّقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/١٥٨: مستقيم الأمر، وذكره ابن حبان في «الثقات» ٥/١٥٩.
وأورده البخاري في «التاريخ الكبير» ٦/٢٤١ من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به.
وأورده أيضًا فيه عن موسى بن إسماعيل، عن مهدي بن ميمون، عن عثمان بن عبيد، عن أبي الطفيل قال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا الحديث رواه أبو الطفيل عن حذيفة بن أَسيد، فقد أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٠٥١) من طريق أبي عاصم النبيل، عن مهدي بن ميمون، عن عثمان ابن عبيد، عن أبي الطفيل، به.
ورواه عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن مهدي بن ميمون، عن عثمان بن عبيد، عن أبي الطُّفيل، عن حذيفة، ولم ينسبه.
فأدخله البزار في «مسنده» (٢٨٠٥) في حديث حذيفة بن اليمان!
وفي الباب عن ابن عباس سلف برقم (١٩٠٠).
وعن أبي هريرة، سلف برقم (٨٣١٣).
وعن عائشة، سيأتي برقم (٢٤٩٧٧)”. انتهى.
والثاني: فقه الحديث (مسائل وأحكام وملحقات):
(المطلب الأول): ختم النبوة
(المسألة الأولى):
يقال: خاتم بفتح التاء وكسرها وقد قرئ بهما، والفتح بمعنى الختام والانتهاء، والمعنى أنه انتهاء النبيين فهو كالخاتم والطابع الذي يكون عند الانتهاء. والكسر بمعنى أنه خاتمهم يعني جاء آخرهم فلم يبق بعده نبي، فيه انتهت النبوة والرسالة صلى الله عليه وسلم . [اينظر: مختار الصحاح (١/ ٧١)، ولسان العرب (١٢/ ١٦٥)].
(المسألة الثانية): اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم النبيين:
«في معناه ما رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال صلى الله عليه وسلم : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت؛ فلا رسول بعدي ولا نبي) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (١٣٤١٢)، والترمذي في كتاب الرؤيا باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات برقم (٢٢٧٢)، قال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (٢٢٧٢) صحيح الإسناد] الحديث،
وفي آخر عند أحمد بلفظ: (لا نبوة بعدي إلا المبشرات) الحديث، وقد صح في ذلك المعنى أحاديث بلغت درجة التواتر» [الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ١٥١ – ١٥٢)].
قال ابن كثير رحمه الله: “وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب: ٤٠، كقوله عز وجل ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس،
وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي. قال: فشق ذلك على الناس، فقال: ولكن المبشرات. قالوا: يا رسول الله وما المبشرات ؟ قال: رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (١٣٤١٢)، والترمذي في كتاب الرؤيا باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات برقم (٢٢٧٢)، قال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (٢٢٧٢) صحيح الإسناد]،
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة) [وأخرجه البخاري كتاب المناقب باب خاتم النبيين برقم (٣٥٣٤)، ومسلم كتاب الفضائل باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين برقم (٢٢٨٧)]،
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قال فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون) [أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة المقدمة برقم (٥٢٣)]،
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته) [أخرجه الإمام أحمد برقم (١٦٧١٢)، قال الحاكم: صحيح الإسناد، (٢/ ٦٥٦)، حديث برقم (٤١٧٥)، وصححه الألباني في شرح الطحاوية (ص ١٥٩)]،
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (يقول إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي) [أخرجاه في الصحيحين فأخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالى: «من بعدي اسمه أحمد» برقم (٤٨٩٦)، ومسلم في كتاب الفضائل باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم برقم (٢٣٥٥)]؛
فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له،
وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله سبحانه وتعالى على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب.
باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ الشعراء: ٢٢١ الآيات،
وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا مادامت الأرض والسموات» [تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٤ – ٤٩٥)، وينظر: الخصائص الكبرى (١/ ٨)، سبل الهدى والرشاد (١١/ ٥٦ – ٥٧)، شرح الزرقاني (٥/ ٣٠٠)]. [منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين، (426 – 428)].
(المطلب الثاني): أحكام الرؤيا:
(المسألة الأولى): أقسام الرؤيا:
عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرؤيا ثلاث: منها: أهاويل من الشيطان؛ ليحزن بها ابن آدم، ومنها: ما يهم به الرجل في يقظته، فيراه في منام، ومنها: جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
قال: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : نعم، أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. [الصحيح المسند، (1035)].
يقول الإمام البغوي رحمه الله:
وقوله: «الرؤيا ثلاثة» فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.
وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠].
ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل.
وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك، فلا تأويل لشيء منها. [شرح السنة (١٢/ ٢١١)].
وفي بيان هذه الأقسام يقول ابن العربي المالكي رحمه الله تقسيمه الرؤيا على ثلاثة أقسام، هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع.
وإنما الصحيح ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهي الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه، وإما تحزين من الشيطان يضرب له الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه ومن هذا الحديث الصحيح أن رجلا قال له إني رأيت رأسي قطع فأنا أتبعه، فقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام».
وأما خطرات الوساوس، وحديث النفس فيجري على غير قصد ولا عهد في المنام جريانها في اليقظة، وفي رواية: «فالرؤيا من الله، والحلم من الشيطان»، يريد ما لا يتحصل مما يحزن [عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٨)].
ويصف ابن القيم رحمه الله هذه الأقسام الثلاثة بقوله: والرؤيا فيها رحماني، وفيها نفساني، وفيها شيطاني [مدارج السالكين (١/ ٦٢)].
* فالحاصل أن ما يراه الإنسان في منامه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة:
القسم الأول: رؤيا الحق الصالحة.
القسم الثاني: حديث النفس:
وهي كما وصفت في الحديث «مما يحدث به المرء نفسه» وفي لفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه» وهي: ما يراه الإنسان في منامه مما يقع له في مجريات حياته، من الخواطر التي تجري من غير قصد، وهذا كثير في مرائي الناس، كمن يرى أنه يأكل ويشرب ونحو ذلك مما تحدث به نفسه في اليقظة.
وعلامة هذا القسم أنه من الأمور المباحة، فلا يسُرُّ كحال الرؤية الصالحة ولا يحزن كالتي من الشيطان، ومثلها الهم والخواطر في اليقظة.
وهذا القسم لا حكم له، ولا دلالة له.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: حديث النفس لا خير ولا شر ولا بأس بأن يحدث به، ولذلك جاء الخبر في بعض الأحاديث بتقسيم الرؤيا قسمين: من الله، ومن الشيطان كحديث أبي قتادة، وذلك لأن أحاديث النفس لا حكم لها.
القسم الثالث: الحلم.
وهو إفزاع من الشيطان، فإن الشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه، وجاء وصفه في الحديث: «والرؤيا السوء من الشيطان».
وأخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» [صحيح البخاري، كتاب التعبير ٣ باب الرؤيا من الله، (٦٩٨٥). (٤/ ٢٩٦)].
وفي حديث جابر السابق، قال الرجل: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك».
وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بعد، يخطب فقال: لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان في منامه.
قال السفاريني – رحمه الله تعالى – في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: اللعب ضد الجد والمراد هنا بتلعب الشيطان، أنه يريه في منامه ما يحزنه ويدخل عليه الهم والغيظ ويخلط عليه في رؤياه فهو يتلاعب به [شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (١/ ١٧٠)].
ومن علامات هذا القسم وكونه من الشيطان، مخالفته للشرع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد علم الصحابة أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقدر الله، وإن كان يعفى عنه صاحبه كما يعفى عن النسيان والخطأ.
ولذلك الاحتلام في المنام من الشيطان، فالنائم يرى في منامه ما يكون من الشيطان [منهاج السنة النبوية (٥/ ١٨٣) تحقيق محمد رشاد سلام].
وقال ابن القيم رحمه الله: إن خالفت الشرع ردت مهما كان حال الرائي، ويحكم على تلك الرؤيا بأنها من الشيطان، وأنها كاذبة وأضغاث أحلام [مدارج السالكين (١/ ٥١)].
وهذا القسم من الرؤيا، لا حكم لها ولا تعبير لها ولا تنذر بشيء. وهي التي أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التحرز منها.
(المطلب الثالث): علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها:
تقدم أنه ليس بكل رؤيا يراها الإنسان في منامه تصح وتعبر، وإنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، وما سوى ذلك فهو أضغاث أحلام، أو أحاديث نفس لا حكم لها ولا تأويل لها.
والرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، أمر يخص الله به من يشاء من عباده، تفضلًا منه ونعمة، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين.
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان صفاتها، وعلاماتها، وأقسامها، وبيان أنها من مبشرات النبوة التي يبشر بها المؤمن وأنها من أجزاء النبوة.
(المسألة الأولى): صفات الرؤيا الصالحة
وصفت الرؤيا الصالحة بصفات عديدة، تدل على أهميتها وعظم شأنها، فمن تلك الصفات.
(١) أنها من الله:
كما أخرج الإمام مالك في «الموطأ» والإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ وآله وسلم: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان …» الحديث.
(٢) الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة:
كما دل على ذلك حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
(٣) وصفها بأنها رؤيا حق:
ورؤيا الحق: هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام [انظر: تفسير كلام المنان للسعدي (٧/ ١٠٥) ومحاسن التأويل للقاسمي (١٥/ ٥٤٢٦)].
كما أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل».
(٤) وصفها بأنها بشرى من الله:
كما أخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل».
وجاءت الأحاديث الكثيرة بوصف الرؤيا الصالحة بأنها من مبشرات النبوة كحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».
وجاءت الأحاديث الكثيرة في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] بأن المراد بالبشرى هنا الرؤيا الصالحة.
(٥) أنها مما تعجب الرائي:
كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله عز وجل، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها». [مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٥) وابن شيبة في مصنفه (١٢/ ١٩٣) وابن ماجة في سننه (٢/ ٤٤٩)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٣/ ٣٢٨) (١٣٤٠، ١٣٤١)].
(٦) أنها مما يحب الرائي:
كما أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» [مسند الإمام أحمد (٣/ ٨) صحيح البخاري، كتاب التعبير، (٣٠ – باب الرؤيا من الله)، رقم الحديث (٦٩٨٥) (٤/ ٢٩٦)].
(٧) وصفها بأنها صادقة:
كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح …) الحديث [صحيح البخاري (٨/ ٧١٥، ٧٢٣) مع شرحه فتح الباري وصحيح مسلم (١/ ١٣٩) رقم (١٦٠)].
والصادقة هي المطابقة للواقع، فتقع كما هي معبرة في المنام فلا تحتاج إلى تعبير، وهي بهذا المعنى خاصة بالرؤيا الصالحة التي لا تحتاج إلى تعبير بل تقع معبرة في المنام.
وقيل الصادقة هي بمعنى الصالحة، وتشمل ما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إلى تعبير وهي بذلك عامة لجميع أنواع الرؤيا الصالحة، ولهذا جاء في بعض روايات حديث عائشة (الصالحة) بدل الصادقة [انظر: شرح الكرماني لصحيح البخاري (٢٤/ ٩٤) وشرح النووي لمسلم (٢/ ١٩٧)].
(٨) وصفها بالصالحة:
وهذا الوصف هو الذي جاء في أغلب الأحاديث كحديث أبي قتادة رضي الله عنه: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان»، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ: قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» [أخرجه البخاري في صحيحه وكتاب التعبير (٥ – باب المبشرات)، رقم الحديث (٦٩٩٠) (٤/ ٢٩٧)]، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث أحدًا وليقم وليصل».
وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
وغيرها من الأحاديث الكثيرة.
والصالحة تحتمل معنيين خاصًا وعامًا:
المعنى الخاص: صالحة ظاهرها، وهي التي تسر وتفرح، وبهذا جاء وصفها في الأحاديث الأولى بأنها الحسنة والمبشرة، وأنها مما يحب الرائي ومما يعجبه.
المعنى العام: وضوح تعبيرها، وهي التي تقع سواء كانت تسر أو لا تسر، وسواء كانت مبشرة أو منذرة، وسواء كانت معبرة في المنام أو تحتاج إلى تعبير، فهي بهذا خلاف أضغاث الأحلام، وهي بمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا من الله» دون تقييد كونها صالحة أو لا.
(٩) وصف الرؤيا الصالحة، بأنها رؤيا حسنة:
كما أخرج الإمام مالك وأحمد والبخاري وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق: «والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزن من الشيطان …».
وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي الطفيل، عامر بن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» [مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٥٤) ومعجم الطبراني، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات].
و(الحسنة) لها معنيان:
١ – إما باعتبار حسن ظاهرها.
٢ – وإما باعتبار صدقها [انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٢، ٤٣٠) والكرماني (٢٤/ ٩٨) وبهجة النفوس (٤/ ٢٥٢)].
وقال الباجي: «الحسنة، أي الصادقة أو المبشرة» [شرح الزرقاني (٤/ ٣٥٠)].
وفي الأحاديث السابقة جاء وصف الحسنة بالصالحة.
يقول الكرماني رحمه الله: «الصالحة: هي ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة هي المطابقة للواقع» [شرح الكرماني لصحيح البخاري (٢٤/ ٩٤)].
ويقول القاضي عياض رحمه الله: كون الرؤيا صالحة يحتمل أن ترجع إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن ترجع إلى صحتها وكونها صادقة [إكمال المعلم شرح صحيح المسلم (٦/ ٧٠) مع شرح الأبي].
ويقول ابن العربي رحمه الله: معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها [عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥)].
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفرق بين الرؤيا الصادقة والصالحة: (الصالحة، والصادقة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي ﷺ كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر).
وغير الصالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في رؤيا يوم أحد. [فتح الباري (١٢/ ٤٢١)].
وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص:
»إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا [فح الباري (١٢/ ٣٥٥)].
ويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي.
وإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة، والله أعلم.
ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة [انظر: فتاوى ابن الصلاح المطبوع ضمن مجموع الرسائل المنبرية (٤/ ٣)].
—
أنواع الرؤى عند ابن حجر
وقال الحافظ ابن حجر:
جميع المرائي تنحصر على قسمين:
- الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء ومَن تبعهم مِن الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور (أي نادرا كالرؤيا الصحيحة التي رآها الملك الكافر وعبّرها له النبي يوسف عليه السلام) والرؤيا الصّادقة هي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم.
- والأضغاث وهي لا تنذر بشيء، وهي أنواع:
أنواع أضغاث الأحلام
* الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع في هَوْل ولا يجد من ينجده، ونحو ذلك.
* والثاني: أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلا، ونحوه من المحال عقلاً.
* ولثالث: أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو ما يغلب على مزاجه ويقع عن المستقبل غالبا وعن الحال كثيراً وعن الماضي قليلاً. انظر: ” فتح الباري ” (12 / 352 – 354).
—-
(المسألة الثانية): أقسام الرؤيا الصالحة:
يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه «الروح»: (الرؤيا الصالحة أقسام) [الروح (٢٩)]، ثم عدد رحمه الله خمسة أقسام وهي:
(١) منها إلهام يلقيه الله سبحانه وتعالى في قلب العبد:
وهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره.
وهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام …» فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا. [رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول كلام الله، ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ١٢٩)].
ويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم رحمه الله في كتابه السنة: «باب ما ذكره عن النبي ﷺ: أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن أن يستدل أيضًا لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي ﷺ كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله.
(٢) ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها:
أما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا.
أما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
يقول عياض رحمه الله: «وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر [فتح الباري (١٢/ ٣٥٣)].
وكذا ذكرها ابن القيم رحمه الله في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر رحمهم الله [وانظر: أعلام الموقعين (١/ ١٩٥) ومدارج السالكين (١/ ٦٣) والروح (٢٩، ٣٠، ٣٢) وشرح السنة (١٢/ ٢١١٩ وأحكام القرآن (٣/ ١٠٠٧٤)].
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:»رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي … [المجموع الثمين في فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٢٠٥)].
ويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي رحمه الله [المفهم (٤/ ١٢١٧)].
ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك.
(أ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» الآية.
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» [مسند الإمام أحمد (١/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٦٠) (٤/ ٩٢) (٥/ ٢٣٥، ٢٩٣، ٣٠٦) تحقيق أحمد شاكر من حديث ابن عباس وابن مسعود، ومسلم بشرح النووي (١٧/ ١٥٧) من حديث ابن مسعود وعائشة رضي الله عنها والدارمي في سننه (٢/ ٣٩٦)].
(٣) ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم. [الروح لابن القيم رحمه الله (ص٣٠) وسر الروح للبُقاعي (ص١٥٩)].
(٤) ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له [ الروح لابن القيم رحمه الله (ص٣٠) وسر الروح للبقاعي (١٥٩) وقواعد الأحكام (٢/ ١٩٧)]:
(٥) منها: دخول روحه- أي النائم – إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك.
(المسألة الثالثة): علامات الرؤيا الصالحة:
العَلامات جمع عَلامَة، وهي التي يعرف بها الشيء [انظر: لسان العرب (١٢/ ٤٢٠) والمصباح المنير (٤٢٧)].
وعلامات الرؤيا الصالحة هي الأمارات التي يستدل بها ويستأنس بها على صلاح الرؤيا، وقد جاءت السنة المطهرة ببيان علامات الرؤيا الصالحة، فمن علامات صلاحها ما يلي:
أولًا: التواطؤ عليها:
والتواطؤ هو التوافق وزنًا ومعنى، يقال: (وطأه على الأمر مواطأة: وافقه وتواطأنا عليه وتوطَّأنا: توافقنا: وتواطؤوا عليه: توافقوا) [انظر: لسان العرب (١/ ١٩٩) والنهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٢) وفتح الباري (٤/ ٢٥٧)].
وأصله أن يطأ الرجل مكان وطء صاحبه.
فالتواطؤ على الرؤيا: هو توافق جماعة على رؤيا واحدة ولو اختلفت عباراتهم [انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٩) وعمدة القارئ (٢٤/ ١٢٧)].
ولهذا يقول الإمام البخاري رحمه الله في كتابهِ: «الجامع الصحيح» باب التواطؤ على الرؤيا، ثم ساق بسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسًا أروها في العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ: «التمسوها في السبع الأواخر» [صحيح البخاري كتاب التعبير ٨ باب التواطؤ على الرؤيا (٦٩٩١) (٤/ ٢٩٨)].
فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منهم من رأى ليلة القدر في العشر الأواخر، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فتوافقت رؤياهم على السبع الأواخر.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: (لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وإنما أراد بالتواطؤ التوافق، وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه، وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر، فلما رأى قوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، وقد جاء بلفظ «التواطؤ» من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (وكانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابقة من العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريًا فليتحرها من العشر الأواخر» [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد ٢١ – باب فضل من تعار الليل فصلى الحديث رقم (١١٥٨)، (١/ ٣٥٩) وأحمد في مسنده من طريق (٢/ ٨٠٦) بلفظ «السبع» بدل العشر].
ومن طريق مالك بن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه: (أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريَها، فليتحرها في السبع الأواخر» [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضل ليلة القدر ٢ – باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر الحديث رقم (٢٠١٥)، (٢/ ٦٢) ومسلم في صحيحه (٢/ ٨٢٢) ومالك في الموطأ (١/ ٣٢١)].
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويستفاد من هذا الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها، وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة [فتح الباري (١٢/ ٣٨٠)].
يقول ابن القيم رحمه الله: فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له، وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح [الروح (ص٩)].
ويقول رحمه الله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر».
قال: فاعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين، وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت [المرجع السابق (٢/ ٤٨٣)].
ولما ترجم الذهبي رحمه الله للإمام أحمد رحمه الله ذكر منامات صالحة رويت لأحمد بعد موته أكثر من عشر ورقات ثم قال: «ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة، وأفرد ابن البناء جزءًا في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاج في تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله تسر المؤمن، ولا سيما إذا تواترت» [سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٤٤، ٣٥٤) ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص٨٥٣ – ٦٣٨)].
ثانيًا: كونها من المبشرات.
والمبشرات جمع مبشرة، وهي البشرى بمعنى البشارة.
يقول ابن الصلاح رحمه الله في بيان علامات الرؤيا الصالحة: (ومن أمارات صلاحها أن تكون تبشيرًا بالثواب على الطاعة، أو تحذير من المعصية) [فتاوى ابن الصلاح (٤/ ١)].
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان أنها من المبشرات النبوية فمن ذلك:
(أ) أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» [صحيح البخاري، كتاب التعبير ٥ – باب المبشرات رقم الحديث (٦٩٩٠) (٤/ ٢٩٧)].
وقد بوب رحمه الله في «الموطأ» بلفظ (كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» [الموطأ (٢/ ٣٢٥)].
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم في مستدركه كله من طريق مالك.
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له …».
وفي رواية لمسلم بلفظ كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح، أو ترى له ..».
ورواه عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة، وأبو داود والنسائي.
ففي هذه الأحاديث وغيرها تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن، وأن النبوة ستذهب بموته صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه خاتم النبيين بعده، وتبقى المبشرات التي هي الرؤيا الصالحة في هذه الأمة بعد انقطاع النبوة.
فقوله ﷺ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» يعني أن الوحي منقطع بموته رضي الله عنه فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.
قال ابن التين: “معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا [فتح الباري (١٢/ ٣٧٦)].
وقيل: هو على ظاهره، لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة للعهد والمراد لنبوته، أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات.
ويرد على ذلك بالأحاديث الأخرى الصريحة كقوله ﷺ: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» وحديث ابن عباس أنه قال ذلك في مرض موته ﷺ [انظر: عون الباري (٦/ ٣٧٣)].
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم «إلا المبشرات» ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.
ووصف الرؤيا الصالحة بأنها مبشرة إما على التغليب وإما على أصل اللغة [قال في لسان العرب (٤/ ٦١) والبشارة المطلقة لا تكون إلا في الخير، وإنما تكون في الشر إذا كانت مقيدة، كقوله عز وجل: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]]، فمن الرؤيا الصالحة ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى عبده المؤمن.
يقول ابن المهلب رحمه الله: التعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه [فتح الباري (١٢/ ٣٧٥)].
ويقول أبو العباس القرطبي رحمه الله في كتابه «المفهم» البشرى من الله أي مبشرة بخير، ومحذرة عن شر فإن التحذير عن الشر خير فتضمنته البشرى، وإنما قلنا ذلك هنا، لأنه قد قال في حديث الترمذي المتقدم: «الرؤيا ثلاث، رؤيا من الله …» مكان بشرى من الله، فأراد بذلك، والله أعلم، الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة [المفهم الجزء الرابع (ق٢٢٠أ)].
ويقول أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره الجامع لأحكام القرآن«في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قال:»وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة؛
ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فإن أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك، وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك؛ ليستعد لذلك [روى ذلك ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص٦٠٩) بإسناده إلى الربيع بن سليمان] وقد تقدم في «يونس» في تفسيره قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] أنها الرؤيا الصالحة، وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم [ الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٢٧)].
فتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم المبشرات بالرؤيا الصالحة إن كان المراد بالرؤيا الصالحة أي الحسنة والمبشرة فهذا ظاهر؛ لأن البشارة كل خير صدق بتغير بشرة الوجه واستعمالها في الخير أكثر.
إن كان المراد بالرؤيا الصالحة هي الصادقة وهي التي فيها بشارة أو تنبيه عن غفلة، فتسيرها بالمبشرات في الحديث مخرج على الأغلب أو على أصل اللغة والله أعلم.
قد جاء في تفسيره قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ – ٦٤].
أن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة وقد وردت أحاديث متعددة في تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك.
١ – ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله عز وجل: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له …»
زاد أحمد، وابن جرير في إحدى الروايات عندهما أن رسول الله ﷺ قال: «وبشراه في الآخرة الجنة» وقد جاءت هذه الزيادة في رواية ابن أبي شيبة مختصرة [مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٥٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (١١/ ٥١)، وجامع الترمذي (٦/ ٥٣)، وحسنه وتفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٣، ٩٤، ٩٥)، وأطال في ذكر طرقه ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١)، ومشكل الآثار للطحاوي (٣/ ٤٧)، وحسن الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٩٢)].
٢ – أخرج الإمام أحمد في مسنده، والدارمي، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول تبارك وتعالى: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» [مسند الإمام أحمد (٥، ٣١٥، ٣٢١، ٣٢٥) وسنن الدارمي كتاب الرؤيا، باب قوله تعالى: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢/ ١٦٥) وجامع الترمذي كتاب الرؤيا، باب قوله تعالى: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤/ ٥٣٥) وقال هذا «حديث حسن» وسنن ابن ماجة (٢/ ٣٣٨) صحيح سنن ابن ماجة للألباني وابن جرير (١١/ ١٣٣، ١٣٤، ١٣٦) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١) وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٤/ ٣٩٢)].
٣ – أخرج ابن جرير رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له».
وفي رواية له عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: ﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة.
وفي رواية له قال أبو هريرة رضي الله عنه: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات» [تفسير ابن جرير (١١/ ٩٤) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣/ ١٨٣) (٣٥٢١) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٧٨٦) (٤/ ٣٩٢)].
٤ – وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن جرير في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان؛ ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر أحدًا» [مسند الإمام أحمد (٢/ ٢١٩) وتفسير ابن جرير (١١/ ٩٣) ذكر وله روايات عدة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد (١٢/ ٩) (٧٠٤٤) وهذه الآثار لها حكم الرفع لأن ألفاظها تقدمت الأحاديث المرفوعة].
وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك:
١ – أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه) ورواه ابن أبي شيبة بنحوه هذه الرواية [تفسير جرير الطبري (١١/ ٩٦٩٥) ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٤) تحقيق كمال الحوت].
٢ – أخرج الإمام مالك رحمه الله عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول، في هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له).
ورواه ابن أبي شيبة، وابن جرير بنحوه [الموطأ للإمام مالك (٢/ ٩٥٨) وسنده صحيح].
٣ – وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد رحمه الله قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) [مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٤) وتفسير ابن جرير (١١/ ٩٦)].
٤ – وأخرج ابن جرير رحمه الله عن عطاء في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي رؤية الرجل يبشر بها في حياته) [تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٦)].
٥ – وأخرج ابن جرير رحمه الله عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: (الرؤيا من المبشرات) [المرجع السابق (١١/ ٩٦)].
٦ – وأخرج ابن جرير رحمه الله عن يحيي بن أبي كثير رضي الله عنه قال في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يرها المسلم أو ترى له) [المرجع السابق (١١/ ٩٦) وهذه الآثار لها حكم الرفع لأنها تقدمت بألفاظها في الأحاديث المرفوعة].
وقد أخرج ابن عبد البر رحمه الله بعض هذه الآثار وأشار إلى بعضها ثم قال معقبًا على ذلك: وعلى ذلك أكثر أهل التفسير في معنى هذه الآية، وهو أولى ما اعتقده العالم في تأويل قول الله عز وجل: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وروى عن الحسن والزهري وقتادة أنها البشارة عند الموت [التمهيد (٥/ ٥٩) وانظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ٣١٣)].
ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله بعد أن ذكر بأسانيده عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنها الرؤيا الصالحة عقب على ذلك بقوله: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي ﷺ: «إن الملائكة التي حضره عند خروج نفسه تقول لنفسه اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه» [سبق تخريجه (ص٨٢)].
ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل كما قال ثناؤه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] الآية.
وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها ولم يخصص الله ذلك المعنى دون معنى، فذلك مما عمَّمه جل ثناؤه، أي: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأما في الآخرة فالجنة [تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٦)].
وقال السعدي رحمه الله: البشرى هي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته، فيدخل في ذلك الرؤيا الصالحة [القواعد الحسان لتفسير القرآن (ص٥١)].
ثالثًا: كونها من أهل الصدق والصلاح:
من علامات الرؤيا الصالحة التي تدل عليها كونها من أهل الصدق والصلاح والاستقامة؛ فإن الغالب على رؤياهم الصدق وذلك لقلة تسلط الشياطين عليهم، ولكثرة الصدق في حديثهم، فمن كان أصدق الناس حديثًا كان أصدقهم رؤيا.
ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكن رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا …» [مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٦٩، ٥٠٧) وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٢٠) ومصنف عبد الرزاق (٢٠٣٥٢) وسنن الدارمي (٢/ ١٦٨) كتاب الرؤيا، باب: أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا].
وفي رواية لمسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا …».
قال النووي رحمه الله في شرح الحديث السابق: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» ظاهره أنه على إطلاقه وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعل الله تعالى جابرًا وعوضا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غيره الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته لها [شرح صحيح مسلم (١٥/ ٢٠)].
ويقول ابن العربي المالكي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وآله وسلم «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق، وكذب وصدق، وهزل وجد ومعصية وطاعة، قال ابن سيرين ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم ليت عقل ابن سيرين في المنام لي في اليقظة [عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥)].
وفي تعليق لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على الحديث السابق، قال: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وأكثرهم دينًا لأن الفاسقين يصيبهم من تحزين الشيطان).
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الذي تصدق رؤياه فأجاب بقوله: (وأما الذي تصدق رؤياه فهو الرجل المؤمن الصدوق إذا كانت رؤياه صالحة، فإذا كان الإنسان صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان وتقوى فإن الغالب أن الرؤيا تكون صادقة، ولهذا جاء هذا الحديث [يعني حديث «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»] مقيدًا في بعض الروايات بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «… أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» [المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٢٠٥)].
ولذلك بوب الإمام البخاري رحمه الله في كتاب:
«الجامع الصحيح» المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه في كتاب التعبير، بابًا بعنوان (٢ – رؤيا الصالحين)
ثم ساق بسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» إشارة إلى أن الصالحين هم الذين يغلب على رؤياهم الصدق [صحيح البخاري، كتاب التعبير ٢ – باب رؤيا الصالحين رقم الحديث (٦٩٨٣) (٤/ ٢٩٦)].
ولهذا كان النبي ﷺ يسأل عن حال الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، كما أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسنادين صحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا الحسنة فربما قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فإذا رأى الرجل رؤيا سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، قال: فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني دخلت الجنة فسمعت بها وَجْبَة [الوجبة: صوت السقوط، انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٥٤)] ارتجت بها الجنة فنظرت فإذا قد جيء بفلان بن فلان، وفلان بن فلان حتى اثني عشر رجلًا وقد بعث رسول الله ﷺ سرية قبل ذلك، قالت: فجيء بهم عليهم ثياب طلس [طلس: أي متغيرة انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٣٢)] تشخب أوداجهم [تشخب: أي تسيل دمًا والأوداج: ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٥٠)]، قال: فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر السرخ أو قال: إلى نهر البيدح قال: فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال: ثم أتوا بكراسيّ من ذهب فقعدوا عليها وأتى بصحيفة – أو كلمة نحوها – فيها بسرة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا وأكلت معهم، قال: فجاء البشير من تلك السرية، فقال: يا رسول الله كان من ….. فقال رسول الله ﷺ: «عليّ بالمرأة» فجاءت قال: «قصّي علىّ رؤياك» فقصت، قال: هو كما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ورواه النسائي في السنن الكبرى
وفي هذا الحديث دليل على أن رؤيا الرجل والمرأة سواء، وإنما العبرة بالتقوى والصلاح والصدق.
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث السابقة «من الرجل» ذكر للغالب فلا مفهوم له فإن المرأة الصالحة كذلك.
ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله قال في صحيحه في كتاب التعبير «باب رؤيا النساء» ، ثم ساق بسنده من حديث خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء – امرأة من الأنصار – بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون وأنزلنا في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قالت: فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما هو فوالله لقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي».
فقالت: والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا.
ثم ساق بسنده آخر، وقال: «ما أدري ما يفعل به» قالت: وأحزنني فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: «ذلك عمله» [صحيح البخاري كتاب التعبير ١٣ – باب رؤيا النساء، الحديث رقم (٧٠٠٣) (٤/ ٣٠٠)].
وذكر ابن بطال رحمه الله الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله: «رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة» [فتح الباري (١٢/ ٣٩٢)].
(المسألة الرابعة): رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان
أخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد، ومسلم «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب».
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب …» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وساق مسلم إسناده [مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢١١) ومسند الإمام أحمد (٢/ ٥٠٧) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٢٦ – باب القيد في المنام، رقم الحديث (٧٠١٧)، (٤/ ٣٠٣) وسبق تخريج اللفظ الأخير (ص٩١)].
فما معنى اقتراب الزمان الذي لا تكاد تكذب فيه رؤيا المؤمن؟ وأي زمان هو؟ وما معنى لا تكاد تكذب؟ وما الحكمة في تخصيص آخر الزمان بذلك؟
أولا: معنى اقتراب الزمان:
لأهل العلم: رحمهم الله في معنى الزمان ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن معنى اقتراب الزمان، أي اعتداله واستواء الليل والنهار، وذلك في فصلي الربيع والخريف.
قال أبو داود رحمه الله: (إذا اقترب الزمان يعني إذا اقترب الليل والنهار يعني يستويان) [سنن أبي داود (٢/ ٧٢٣)].
ويقول الخطابي رحمه الله: (والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان وقت الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار) [معالم السنن (٤/ ١٣٨)].
وهذا القول لا يصح لوجوه عدة منها:
١ – أن اعتدال الليل والنهار ليس له أثر ولا تعلق بصدق الرؤيا إلا على ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط، وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهذا باطل.
٢ – أن هذا القول يبعد تقييده بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع على زعمهم لا يختص بالمؤمن، قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله [انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٥)].
٣ – أن الاقتراب يقتضي التفاوت، والاعتدال يقتضي عدمه، فكيف يفسر الأول بالثاني، قاله القسطلاني رحمه الله [انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٤٥)].
٤ – أن هذا القول باطل مردود بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «في آخر الزمان» وذلك قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
يقول ابن العربي رحمه الله في رده لهذا القول: (وقد اغتر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة، فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها) [عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥)].
القول الثاني:
قال المنذري رحمه الله: يحتمل أن يراد اقتراب الموت عند علو السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالبًا يميل إلى الخير والعمل به، ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك [مختصر سنن أبي داود (٧/ ٢٩٨)].
وهذا القول أيضًا فيه تكلف وبعد في فهم الحديث ويرده قوله ﷺ في بعض روايات الحديث: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب».
القول الثالث: أن المراد قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
وهذا القول هو الصحيح، إن شاء الله تعالى وقد جاءت النصوص بذلك فمنها:
١ – ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب …» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي والحاكم وساق إسناده مسلم.
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم «في آخر الزمان» صريح يفسر قوله ﷺ: «إذا اقترب الزمان» في أن المراد بذلك اقتراب زمن الساعة.
٢ – أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى – ثم ذكر بعض علامات الساعة ثم قال- ويتقارب الزمان» [صحيح البخاري كتاب الفتن، (٧١٢١) (٤/ ٣٢٤)]، والمراد به اقتراب الساعة قطعًا.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق الشَّعَفَة» [مسند الإمام أحمد (٢/ ٥٣٧، ٥٣٨) ورواه الترمذي عن ابن عباس (٦/ ٦٢٤، ٦٢٥) تحفة الأحوذي قال ابن كثير رحمه الله: «إسناده على شرط مسلم، النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٨١)» وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٦/ ١٧٥)].
وللعلماء رحمهم الله: أقوال في المراد بقرب زمان الساعة، منها:
١ – أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان [انظر: معالم السنة للخطابي (٦/ ١٤١، ١٤٢) بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري وجامع الأصول لابن الأثير (١٠/ ٤٠٩) وفتح الباري (١٣/ ١٦)].
كما يقول ابن حجر رحمه الله: وقد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام، ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا [فتح الباري (١٣/ ١٦)].
٢ – أن المراد بذلك تقارب أهل الزمان بسب توافر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد [انظر: إتحاف الجماعة بأشراط الساعة للشيخ التويجري (١/ ٤٩٧) وأشراط الساعة (ص١٥٧) ليوسف الوابل].
٣ – أن المراد بذلك هو قصر الزمان، وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان كزمن الدجال.
٤ – أن المراد بذلك استلذاذ الناس للعيش وتوافر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت، وتطول مدة الشدة وإن قَصُرت كزمن المهدي وعيسى عليه السلام (١).
٥ – أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصة، والرضا بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت [انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري (٦/ ١٤٢) وفتح الباري (١٣/ ١٦)]، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
قال ابن أبي جمرة رحمه الله: (يحتمل أن يكون المراد بـ«تقارب الزمان» قصرَه على ما وقع في الحديث «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر» وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا، ويحتمل أن يكون معنويًا.
أما الحسي: فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة وأما المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العلم قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلة منه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان، لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأوقات، ففيها من الحرام المحض، ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزمان، وفي الرزق، وفي البيت إنما تكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].اهـ.
وإذا عرفنا أن المراد بتقارب الزمان في الحديث هو قرب زمان الساعة، فإن العلماء أيضًا اختلفوا في تحديد هذا الزمان على أقوال.
القول الأول: أن ذلك يقع إذا اقترب الساعة، وقبض أكثر العلم ودرست معالم الشريعة، بسبب الفتن وكثرة القتل، وأصبح الناس على مثل الفترة فهم محتاجون إلى مجدد ومذكر لما درس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا ﷺ آخر الأنبياء، وتعذرت النبوة في هذه الأمة، فإنهم يعرضون عند ذلك بالرؤيا الصادقة، التي هي جزء من أجزاء النبوة الآتية بالتبشير والإنذار.
ويؤيد هذا القول حديث أبي هريرة: «يتقارب الزمان ويقبض العلم» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١٦/ ٢٢٢) بشرح النووي].
قاله ابن بطال، وإليه مال الحافظ ابن حجر رحمه الله [انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٥)].
القول الثاني: أن ذلك يقع عند قلة عدة المؤمنين، وغلبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين فيؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكرامًا له وتسلية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق [فتح الباري (١٢/ ٤٠٧)].
القول الثالث: قيل إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه [انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٦)].
القول الرابع: أن ذلك مختص بزمان عيسى عليه السلام.
قال القرطبي في «المفهم» والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى عليه السلام بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه «فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضه» الحديث [أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤/ ٢٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو].
قال: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالًا بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالًا فكانت رؤياهم لا تكذب) [فتح الباري (١٢/ ٤٠٦) (١٣/ ١٦)].
ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عنى الجميع والله أعلم [انظر: بهجة النفوس (٤/ ٢٥٨)].
والحاصل في ذلك أن كثرة صدق رؤيا المؤمن من علامات الساعة.
ثانيًا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «لم تكد تكذب» وفي لفظ «لا تكاد تكذب» كاد أي: قرب.
وفيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئًا منها لا يصدق، والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلًا؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه [انظر: فتح الباري (١٢/ ٤٠٦)].
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠].
ويوضح ذلك ابن أبي جمرة رحمه الله بأن عدم كذبها أنها تقع بينة واضحة لا تحتاج إلى تعبير فلا إشكال لأحد فيها ولا كذب، فيصدق عليها أنها لا كذب بخلاف ما قبلها فقد تحتاج إلى تعبير، وقد يخطئ المعبر في فهمها فيصدق لغة أن يقال كذبت رؤيا فلان وإن كانت في نفسها حقًا [بهجة النفوس (٤/ ٢٤٧، ٢٤٨)].
ثالثًا: ما الحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان؟
يقول ابن أبي جمرة رحمه الله، (والحكمة في تخصيص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا كما في الحديث «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا» فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة) [بهجة النفوس (٤/ ٢٤٩) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه «كتاب الإيمان» (٦٥) باب «بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسعود غريبًا» (١/ ١٣١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما].
وقال القرطبي رحمه الله: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالًا بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالًا فكانت رؤياهم لا تكذب) [فتح الباري (١٢/ ٤٠٦)].
وقيل إن الناس في ذلك الزمان على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصالحة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار [انظر فتح الباري (١٢/ ٤٠٥) قاله ابن بطال رحمه الله].
ويقول ابن القيم رحمه الله: وهي – أي الرؤيا – عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيتعوض المؤمنون بالرؤيا.
وأما في زمن قوة نور النبوة، ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا، ونظر هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة، ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم وقد نص أحمد على هذا المعنى [مدارج السالكين (١/ ٦٢، ٦٣)].
(المسألة الخامسة): أسباب صدق الرؤيا الصالحة:
دلت النصوص الشرعية على أسباب يستطيع المسلم بها أن يتحرى الرؤيا الصالحة،
فمن ذلك: تحقيق ولاية الله سبحانه، وتحري الصدق في الحديث، والتحرز من الشيطان.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (فمن خلصت له نيته في عيادة الله، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب) [التمهيد (١/ ٢٨٣)].
وقال ابن القيم رحمه الله: (ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصدق، وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة، مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة» [مدارج السالكين (١/ ٦٣)]
ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله في أسباب اختلاف الروايات في أجزاء النبوة التي نست لها الرؤيا الصالحة، أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فمن كان على هذه الحال فرؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب [انظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨٣) والجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٢٣)].
السبب الثاني: أن يحرص أن يكون صادقًا في حديثه.
السبب الثالث: أن يحرز نفسه من الشيطان عند النوم.
ومن ذلك أن يراعي آداب النوم التي جاءت في السنة النبوية، وخاصة الآيات والأذكار التي تكون حرزًا له من الشيطان.
(المسألة السادسة): هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟
الرؤيا الصالحة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تكون من الأنبياء:
وهذا القسم من أقسام الوحي يجب الإيمان بها والعمل بما دلت عليه، لأن رؤيا الأنبياء وحي باتفاق الأمة.
وكذلك يقال في الرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بها أمرًا أو نهيًا [انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٦١٣) طبعة فها تنبيهات الشيخ عبد العزيز بن باز].
القسم الثاني: رؤيا الصحابة التي أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
وهذه كذلك مصدر من مصادر التشريع، لأنها نوع من أنواع السنة وهي إقرارات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك: رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين للأذان، وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك.
القسم الثالث: رؤيا الصالحين بعد موت النبي ﷺ:
وهذه هي مدار البحث هنا: فهل يعتمد عليها في إثبات الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهل يعتمد بها دليلا مستقبلًا من أدلة الشرع في الإثبات والنفي؟ وفي أي مجال يكون اعتبارها والاعتداد به؟.
والحق في ذلك ما اتفق عليه أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، ولا تتخذ دليلًا شرعيًا، وإنما هي تبشير وتحذير وتنبيه، ولهذا سماها الرسول ﷺ: «المبشرات».
ولكنها قد تعتبر وتصلح للاستئناس فقط إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: (… اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس رضي الله عنهما [التنكيل (٢/ ٢٥٩)].
وحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة؟ [المتعة: هي العمرة في أشهر الحج وانظر فتح الباري (٣/ ٤٢٣)] فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فها جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة منقلبة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم [صحيح البخاري كتاب الحج (١/ ٥١٥) الحديث رقم (١٦٨٨) وصحيح مسلم الحديث (١٢٤٢)].
قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: (ويؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم) [فتح الباري (٣/ ٤٣١)].
فمجرد الاستبشار بالرؤيا الصالحة، لا يضر، لأن العمدة في الموضوع إنما هو الاستدلال الشرعي، ولهذا يقول النبي ﷺ: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها».
وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» [أخرجه هذه الرواية مسلم في صحيحه كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢)]، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستبشار بالرؤيا الحسنة.
يقول ابن القيم رحمه الله: (ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بالرؤيا).
وأما رؤيا غيرهم: فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لا يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت الرؤيا صادقة، أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فينتبه بالرؤيا على ذلك [مدارج السالكين (١/ ٦٢، ٦٣) وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٥، ٧) وجامع الرسائل، لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (٢/ ٩٢) تحقيق الدكتور: محمد رشاد سالم].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق) [مجموع الفتاوى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله (٢٧/ ٤٥٧)].
ويقول الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، أما استفادة الأحكام فلا).
ويقول رحمه الله أيضًا: (نعم يأتي المرئى تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم [الاعتصام (١/ ٣٥٧)].
وما يحكى عن بعض العلماء من الخلاف في حجة رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ذلك فيما إذا وافقت حكمًا شرعيًا فالعبرة في هذه الحالة بالحكم الشرعي لا بها، ولهذا قال الشوكاني رحمه الله في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ﷺ قد كمله الله عز وجل وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) [إرشاد الفحول (ص٢٤٩)].
وقال ابن بدران رحمه الله: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء، لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا …) [المدخل لابن بدران (ص٢٩٧) تحقيق الدكتور عبد الله التركي، وانظر: الموافقات للشاطبين (٢/ ٢٦٦، ٢٧٣، ٢٧٥) وطرح التثريب للعراقي (٨/ ٢١٥) والمدخل لابن الحاج (٤/ ٢٨٦ – ٢٩٢)].
وسوف يأتي إن شاء الله، مزيد بيان وتوضيح وتفصيل لهذه المسألة عند مناقشة من يجعلون الرؤيا حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة أو الإجماع والقياس من مبتدعة الصوفية الذين استندوا في أخذ الأعمال بالمنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها وتأتي إن شاء الأسباب التي تجعل الرؤيا ليست دليلًا شرعيًا يحتج بها على جواز فعل أو ترك، أو منع أو استحباب، وأقوال أهل العلم في ذلك، وإنما المقصود هنا، بيان أن الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء [انظر: الموافقات (١/ ٨٢) (٢/ ٢٦٦)].
وعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع [وانظر: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في المسائل التالية (٢/ ٦٣٦) سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن من رآه في المنام رأى الحق، وأن الشيطان لا يتمثل به، وفيمن رآه وسأله عن القرآن فأجاب بأنه غير مخلوق، من العلماء الصالحين (٤/ ٧٤٤) سياق ما روي عن الرؤيا السوء في المعتزلة و(٦/ ١٠١١) سياق ما روي عن رؤية النبي ﷺ في النوم وما حفظ من قوله في المرجئة]. [الرؤى عند أهل السنة، بتصرف].
آداب الرؤى
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها: فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره: فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره. رواه البخاري (6584) ومسلم (5862).
وعن أبي قتادة قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الرؤيا الصالحة من الله، والحلُم من الشيطان، فمَن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره. رواه البخاري (6594) ومسلم (5862). والنفث: نفخ لطيف لا ريق معه.
عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. رواه مسلم (5864).
أدب الرؤيا الصالحة
قال ابن حجر: فحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء:
- أن يحمد الله عليها.
- وأن يستبشر بها.
- وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره.
أدب الرؤيا المكروهة
وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء:
- أن يتعوذ بالله من شرها.
- ومن شر الشيطان.
- وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثا.
- ولا يذكرها لأحد أصلاً.
- ووقع (في البخار ي) في باب القيد في المنام عن أبي هريرة خامسة وهي الصلاة ولفظه فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصّه على أحد وليقم فليصلّ ووصله الإمام مسلم في صحيحه.
- وزاد مسلم سادسة وهي: التحول من جنبه الذي كان عليه…..
وفي الجملة فتكمل الآداب ستة، الأربعة الماضية، وصلاة ركعتين مثلا والتحوّل عن جنبه إلى النوم على ظهره مثلا. انظر: ” فتح الباري ” (12 / 370).
وفي حديث أبي رزين عند الترمذي ولا يقصها إلا على وادّ بتشديد الدال اسم فاعل من الوُدّ أو ذي رأي وفي أخرى ولا يحدِّث بها إلا لبيبا أو حبيبا وفي أخرى ولا يقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح قال القاضي أبو بكر بن العربي أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه وأما الناصح فإنه يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعْلِمه بما يعوّل عليه في ذلك أو يسكت وأما الحبيب فان عرف خيرا قاله وإن جهل أو شك سكت. انظر: ” فتح الباري ” (12 / 369).
تفسير الأحلام
قال الإمام البغوي: واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقساماً، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة،أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقَلْب (أي العكس). أ.هـ ” شرح السنة ” (12 / 220).
قلت: وذكر رحمه الله أمثلة، ومنها:
* فالتأويل بدلالة القرآن: كالحَبْل، يعبَّر بالعهد، لقوله تعالى واعتصموا بحبل الله .
* والتأويل بدلالة السنة: كالغراب يعبر بالرجل الفاسق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه فاسقاً.
* والتأويل بالأمثال: كحفر الحفرة يعبَّر بالمكر، لقولهم: من حفر حفرة وقع فيها.
* والتأويل بالأسماء: كمن رأى رجلا يسمى راشداً يعبَّر بالرُشْد.
* والتأويل بالضد والقلب: كالخوف يعبر بالأمن لقوله تعالى وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً .
هل صحت نسبة كتاب تفسير المنام لابن سيرين؟
أما كتاب “تفسير المنام” المنسوب لابن سيرين: فقد شكك كثير من الباحثين في نسبته إليه، وعليه: فلا يجزم بتلك النسبة لهذا الإمام العلَم.
والله أعلم
والثالث: فوائد الحديث:
1 – (منها): الرؤيا الصالحة من فضل الله على عباده المؤمنين.
2 – (ومنها): إثبات كرامة للمؤمن: أن الله قد يبشره بما يحب.
3 – (ومنها): الرؤى باب باق من التثبيت والطمأنينة للمؤمنين.
4 – (ومنها): انقطاع الوحي التشريعي بوفاته صلى الله عليه وسلم.
5 – (ومنها): الرؤيا الصالحة من بقايا النبوة وليست نبوة حقيقية.
6 – (ومنها): تواضع النبي صل الله عليه وسلم في تفصيل الحديث لما سئل، وهذا من هديه في التعليم.
7 – (ومنها): الرؤيا الصالحة تكون للمؤمنين: كما بين الحديث إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب
8 – (ومنها): الرؤيا لا تبنى عليها أحكام شرعية عامة، لكنها قد تكون دافعًا شخصيًا للعمل أو البشارة.
9- (ومنها): الرؤيا لا تحمل إلا على الخير إذا صدرت من صالح أو رآها صالح له.
[تنبيه]:
سبق في صحيح البخاري ومسلم بيان أحكام ومسائل الرؤى.
وانظر: التعليق على الصحيح المسند، (53)، (1306)، وغيرها من المواضع في أحكام الرؤى ومسائل ذلك. وفي (1035) تم ذكر قواعد في الرؤيا.
وانظر: فتح المنان في شرح أصول الإيمان (23)، في تعريف الوحي لغة وشرعا وبيان أنواعه.