(3018 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تاربع 3 للباب (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)، من (٥٧) – كتاب التفسير في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
٦ – (٣٠١٨) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سرح وحرملة بن يحيى التجيبي (قال أبو الطاهر: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا) ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزبير؛ أنه سأل عائشة عن قول الله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [٤ /النساء /٣] قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها. تشاركه في ماله. فيعجبه مالها وجمالها. فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها
فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق. وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء، سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فيهن. فأنزل الله عزوجل : ﴿ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾ [٤ /النساء /١٢٧].
قالت: والذي ذكر الله تعالى؛ أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله فيها: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [٤ /النساء/ ٣].
قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: وترغبون أن تنكحوهن، رغبة أحدكم عن اليتيمة التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط. من أجل رغبتهم عنهن.
٦ – م – (٣٠١٨) وحدثنا الحسن الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بن إبراهيم بن سعد. حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب. أخبرني عروة؛
أنه سأل عائشة عن قول الله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾. وساق الحديث بمثل حديث يونس عن الزهري. وزاد في آخره: من أجل رغبتهم عنهن، إذا كن قليلات المال والجمال.
٧ – (٣٠١٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب. قالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عن عائشة،
في قوله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾. قالت: أنزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها. ولها مال. وليس لها أحد يخاصم دونها. فلا ينكحها لمالها.
فيضربها ويسئ صحبتها. فقال: ﴿إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾. يقول: ما أحللت لكم. ودع هذه التي تضربها.
٨ – (٣٠١٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن عائشة،
في قوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾. قالت: أنزلت في اليتيمة. تكون عند الرجل فتشركه في ماله. فيرغب عنها أن يتزوجها. ويكره أن يزوجها غيره. فيشركه في ماله. فيعضلها فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره.
٩ – (٣٠١٨) حدثنا أبو كريب. حدثنا أبو أسامة. أخبرنا هشام عن أبيه، عن عائشة،
في قوله: ﴿يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾. الآية. قالت: هي اليتيمة التي تكون عند الرجل. لعلها أن تكون قد شركته في ماله. حتى في العذق. فيرغب، يعني، أن ينكحها. ويكره أن ينكحها رجلا فيشركه في ماله. فيعضلها.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
تكملة للباب (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)، من (٥٧) – كتاب التفسير في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
[٧٤٨٩] (٣٠١٨) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها، وإنما سألها هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سببًا للعدل في الظاهر حتى يُؤَمَّنَ به من يَخَاف عدمه، بل قد يكون النكاح سببًا للجور للحاجة إلى الأموال.
(عَنْ قَوْلِ اللهِ عزوجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣])؛ أي: إن خفتم أن لا تعدِلُوا في مهورهنّ، وفي النفقة عليهنّ، فانكحوا غيرهنّ من النساء.
قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله: «خفتم» من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: «خفتم» بمعنى: أيقنتم. وقال آخرون: «خفتم» ظننتم، قال ابن عطيّة: وهذا الذي اختاره الْحُذّاق، وأنه على بابه من الظنّ، لا من اليقين، التقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة، فليعدل عنها. انتهى.
﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛ أي: تعدلوا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، وقَسَط إذا جار، وظلم صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]؛ يعني: الجائرين.
﴿فِي الْيَتَامَى﴾ قال النسفيّ: يقال للإناث: اليتامى، كما يقال: للذكور، وهو جمع يتيمة، ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم، لا غير. انتهى [«تفسير النسفيّ» ١/ ٢٠٥].
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله في «المفهم»: اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فقد الأمّ، وأصل اليتيم أن يقال: على من لم يبلُغ،
وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحَجْر عليها.
وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أُبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة، إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما خرّجه الدارقطنيّ وغيره في بنت عثمان بن مظعون: «وإنها يتيمة، ولا تُنكح إلا بإذنها»، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح. انتهى [«المفهم» ٧/ ٣٢٦].
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله: إن قيل: كيف جاءت «ما» للآدميين، وإنما أصلها لِمَا لا يعقِلُ، فعنه أجوبة خمسة:
[الأول]: أن «من» و«ما» قد يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] فـ«ما» ههنا لمن يعقل، وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك، مبيّنًا لمبهم «ما»، وقرأ ابن أبي عبلة: «من طاب» على ذِكر من يعقل.
[الثاني]: قال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع لِمَا لا يعقل، يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريفٌ وكريمٌ، فالمعنى: فانكحوا الطيّب من النساء؛ أي: الحلال، وما حرّمه الله فليس بطيّب، وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، فأجابه موسى على وفق ما سأل….وكمر توجيهات أخرى . انتهى كلام القرطبيّ باختصار [«تفسير القرطبيّ» ٥/ ١٢ – ١٣].
(تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا) بضمّ الياء، من الإقساط؛ أي: يَعدِل في مهرها، وفي رواية: «ويريد أن ينتقص من صداقها»، (فَيُعْطِيَهَا) عطف على «يُقسِط»، عطف تفسير،
وفيه: دلالةٌ على النهي عن تزوّج امرأة يخاف في شأنها الجور، منفردةً، أو مجتمعة مع غيرها. (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ)؛ يعني: أنه يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يُعطيها غيره؛ أي: ممن يَرغَب في نكاحها سواه
قال في «الفتح»: وتأويل عائشة هذا جاء عن ابن عبّاس رضي الله عنهما مثله، أخرجه الطبريّ.
وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾؛ أي: إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى، فتحرّجتم أن لا تَلُوها، فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تُقسطوا في نكاح اليتامى. انتهى [«الفتح» ٩/ ١١١].
وقال الخطّابيّ: وتأويل الآية، وبيان معناها: أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى، فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاحّة في صدقاتهنّ، وأن لا تعدلوا، فتبلغوا بهنّ صداق أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أُحلّ لكم خطبتهنّ من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم من الإماء. انتهى [«معالم السنن» ٣/ ١٥ – ١٦].
(قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها، وهو معطوفٌ على المذكور، وإن كان بغير أداة عطف، (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ)؛ أي: في شأن النساء، (فَأَنْزَلَ اللهُ عزوجل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾)؛ أي: يسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم، (﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) قال النسفيّ: …
(قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ)
قال في «الفتح»: فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾؛ لأن رغب يتغيّر معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يُرِدْه؛ لأنه يحتمل أن تحذف «في»، وأن تُحذف «عن».
وقد تأوّله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في الغنيّة، والمُعْدَمة، والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنيّة، وهذه الآية نزلت في الْمُعدمة. انتهى [«الفتح» ٩/ ١١٢].
(حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ)؛ أي: نُهُوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها، ومالها؛ لأجل زُهدهم فيها، إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل.
وقال صاحب «التكملة»: حاصل كلام عائشة رضي الله عنها، أن من وَلِيَ يتيمة من أبناء أعمامها كان يظلمها في الجاهليّة من ناحيتين، فإن كانت ذات مال وجمال رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها، فكان ينكحها بأقل مهر من مهر المِثل، فأمره الله تعالى أن لا يتزوجها في هذه الحالة، بل يتزوج غيرها ممن أحلّ الله له بما شاء من المهر؛ لئلا يبخس اليتيمة حقّها في المهر، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
وأما إذا كانت قليلة الجمال، ولها مال، فلا يتزوجها الوليّ؛ لعدم رغبته في جمالها، ولا يزوجها غيره خشية أن يذهب الزوج بمالها، فيمسكها عنده غير مزوّجة، ولا يخفى ما في ذلك من الظلم لها، فنهاه الله عزوجل عن هذا الظلم، وأمره بأحد أمرين: إما أن يتزوجها بنفسه على مهر مِثلها، وإما أن يُنكحها غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
وقال الآلوسيّ في «روح المعاني» [«روح المعاني» ٥/ ١٩٠]: قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كما ورد في غير خبر كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات، ويأكلن أموالهن، وإلا كانوا يعضلونهن طمعًا في ميراثهنّ، وحَذْف الجارّ هنا لا يُعدّ لَبسًا، بل هو إجمال، فكلّ من الحرفين مراد على سبيل البدل [«تكملة فتح الملهم» ٦/ ٥٤١ – ٥٤٢]، والله تعالى أعلم.
وحديث عائشة رضي الله عنها، هذا متّفقٌ عليه.
فقه وفوائد الحديث:
1 – (منها): بيان وجوب العدل في مهور النساء.
2 – (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للوليّ أن يزوّج محجورته من نفسه.
3 – (ومنها): أن له حقًّا في التزويج؛ لأن الله تعالى خاطب الأولياء بذلك.
4 – (ومنها): اعتبار مهر الْمِثل في المحجورات، وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك.
5 – (ومنها): جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ؛ لأنهنّ بعد البلوغ، لا يقال لهنّ: يتيمات، إلا أن يكون أطلق استصحابًا لحالهنّ.
6 – (ومنها): بيان سبب نزول الآيات.
————-
ثانيًا: فقه الحديث من (أحكام ومسائل وملحقاتها):
(المسألة الأولى): يَتِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
الْيَتِيمُ فِي اللُّغَةِ: الْفَرْدُ وَكُل شَيْءٍ يَعِزُّ نَظِيرُهُ وَالْيَتِيمُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا: الاِنْفِرَادُ أَوْ فِقْدَانُ الأَبِ، وَالأُنْثَى يَتِيمَةٌ وَالْجَمْعُ أَيْتَامٌ وَيَتَامَى.
قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: الْيَتِيمُ فِي النَّاسِ مِنْ قِبَل الأَبِ، وَفِي الْبَهَائِمِ مِنْ قِبَل الأُمِّ، وَلاَ يُقَال لِمَنْ فَقَدَ الأُمَّ مِنَ النَّاسِ يَتِيمٌ. [لسان العرب، والصحاح والقاموس المحيط]
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الْيَتِيمَ بِأَنَّهُ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ دُونُ الْبُلُوغِ. [[رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٤٤٠، كافية الطالب الرياني ٢ / ٢٠٦، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٦١، وأسنى المطالب ٣ / ٨٨].] لِحَدِيثِ: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ»[حديث: «لا يتم بعد احتلام» أخرجه الطبراني في الكبير (٤ / ١٤) من حديث حنظلة بن حذيم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٦٦): رجاله ثقات].
(المسألة الثانية): إباحة تعدد الزوجات ووجوب العدل بين النساء:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
لما امر تعالى بحفظ أموال اليتامى والعناية بها أتبع ذلك بذكر وجوب الإقساط في اليتيمات والعدل بين النساء، فالآية الأولى في أموال اليتامى، والثانية في أبضاع اليتيمات وغيرهن من النساء.
(المطلب الأول): سبب النزول:
عن عروه بن الزبير، قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر …. [أخرجه البخاري في التفسير٤٥٧٤، ومسلم في الفسير٣٠١٨
وفي رواية عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: «أن رجلًا كانت له يتيمه فنكحها، وكان لها عذق وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شئ فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [أخرجه البخاري في «التفسير» ٤٥٧٣].
(المطلب الثاني): معاني المفردات والجمل:
سبق في شرح الحديث
(المطلب الثالث): الفوائد والأحكام:
١ – يجب على أولياء اليتامى إذا خافوا عدم العدل معهن في أداء حقوقهن ترك الزواج بهن، وأن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء، آية:٣] الآية.
فإذا خاف الولي عدم العدل مع اليتيمة في المهر والنفقة، أو في وطئها [كما دل على هذا سبب النزول، واختلف في الواجب في الوطء. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في «الفتاوى» ٣٢/ ٢٧١: «قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة، وقيل بقدر حاجتها وقدرته، كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين» وانظر٢٨ – ٣٨٣ – ٣٨٤]، أو في غير ذلك من حقوقها فليتركها إلى سواها، وفي هذا سلامه اليتامى من الظلم، والأولياء من الإثم، ولهذا قال في آخر الآية ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
٢ – يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء، آية٣].
فإذا كان فعل الشيء قد يؤدي إلى الوقوع في المحرم وجب ترك ذلك الفعل درءًا للمفسدة وإيثارًا للسلامة والعافية. [انظر «تيسير الكريم الرحمن» ١/ ٩].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :
” وقوله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى ) أي : إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة ، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها ، فليعدل إلى ما سواها من النساء فإنهن كثير ، ولم يضيق الله عليه ” انتهى.
” تفسير القرآن العظيم ” (2/208)
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :
” قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النساء ) الآية .
لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء ، وعليه ففي الآية نوع إجمال .
والمعنى كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره . فإن كانت جميلة ، تزوجها من غير أن يقسط في صداقها ، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره : لئلا يشاركه في مالها . فنهُوا أن ينكحوهنَّ إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سُنَّتهن في الصداق ، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ .
أي : كما أنه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة المال ، والجمال ، فلا يحل له أن يتزوجها إن كانت ذات مال وجمال إلا بالإقساط إليها ، والقيام بحقوقها كاملة غير منقوصة .
وهذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين ، عائشة ، رضي الله عنها ، يبينه ويشهد له قوله تعالى : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النساء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ) النساء/127
وقالت رضي الله عنها : إن المراد بما يُتلَى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ) الآية ، فتبين أنها يتامى النساء ، بدليل تصريحه بذلك في زواج اليتيمات : فدَعُوهُنَّ ، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن .
وجواب الشرط دليل واضح على ذلك ؛ لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه ، وهذا هو أظهر الأقوال لدلالة القرآن عليه ” انتهى باختصار.
وفي تفسير الآية أقوال أخرى كثيرة ، يمكن مراجعتها في ” تفسير الطبري” (7/534-541).
٣ -أنه يجوز لأولياء اليتامى الزواج بهن إذا لم يخافوا عدم العدل معهن (( لمفهوم )) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، فإذا لم يخافوا اجاز لهم الزواج بهن [انظر «أضواء البيان» ١/ ٣٠٦].
٤ – جواز نكاح اليتيمة قبل بلوغها؛ لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وجه ذلك أن الله نهى الأولياء عن نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن، ومفهوم ذلك جواز نكاحهن وهن يتامى إذا لم يخافوا عدم العدل فيهن، وقد سماهن في الآية يتامى، ولا يسمين يتامى إلا قبل البلوغ.
ولو أراد البالغات لما نهى عن حطهن عن صداق مثلهن؛ لأن البالغة لها الخيار في أن تسقط من مهرها ما شاءت، وترضى بدون صداق المثل [انظر «أحكام القرآن» «لابن العربي» ١/ ٣١١، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٣، «مجمع الفتاوى» ٣٢/ ٤٦].
ويدل على هذا ما جاء في حديث عائشة في سبب نزول الآية: «وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ الآية.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد رحمهم الله، وأكثر السلف والفقهاء [انظر «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٣] واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذة ابن القيم رحمهما الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [«مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٣]: «اليتيمة يجوز تزويجها بكفء لها عند أكثر السلف والفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وغيرهما. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ..﴾ الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [«مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٣] بعد ما ذكر دلالة قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ..﴾ على جواز نكاح اليتيمة قبل بلوغها، وأشار إلى حديث عائشة في تفسيرها، قال: «وهو دليل في اليتيمة وزوجها من يعدل عليها في المهر».
وقال أيضًا [في «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٤ – ٤٥]: «فهذا يدل على أن الله أذن لهم أن يزوجوهن إذا فرض لهن صداق المثل، ولم يأذن لهم في تزويجهن بدونه، لأنها ليست من أهل التبرع».
وهكذا استدل ابن القيم رحمه الله بالآية وحديث عائشة وغيرهما على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ [انظر «زاد المعاد» ٥/ ١٠٠].
واستدل أصحاب هذا القول أيضًا بما يلي:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإذا صمتت فهو إذنها، وان أبت فلا جواز عليها» [أخرجه أبو دأود في النكاح٢٠٩٣، والنسائي في النكاح٣٢٧٠، والترمذي في النكاح١١٧٠ وابن ماجه في النكاح١٨٧١، وقد حسن هذا الحديث الترمذي، وصححه الألباني. وانظر «زاد المعاد» ٥/ ١٠٠].
ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال: زوَّجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها ورغّبها في المال وخطبها إليه، فرفع شأنها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها، ولم أقصِّر بها، زوَّجتها من قد علمت فضله وقرابته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنها يتيمة، واليتيمة أولى بأمرها» وفي رواية «لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإذا سكتت فهو إذنهن» فنزعت منه وزوجها المغيرة بن شعبة [أخرجه أحمد٢/ ١٣٠، والبيهقي ٧/ ١١٣، ١٢٠، ١٢١. قال الألباني: «الحديث حسن «انظر «إرواء الغليل» ٦/ ٢٣٣].
فعلى هذا يجوز نكاح اليتيمة قبل أن تبلغ بإذنها، لكن قال بعضهم كأبي حنيفة: لها الخيار إذا بلغت [انظر «أحكام القرآن» للجصاص٢/ ٥٠ – ٥٣].
والراجح أنه لا خيار لها إذا نكحت بإذنها للأدلة السابقة. وهو الظاهر المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله [انظر «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٣، «زاد المعاد» ٥/ ١٠٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [في «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٣، ٤٨]: «وقد دل على ذلك الكتاب والسنة».
وقيل: لا تزوج اليتيمة إذا لم يكن لها أب ولاجد إلا بعد بلوغها وإذنها، وبه قال مالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية [انظر «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٧] ونسب إلى الجمهور [انظر «البحر المحيط» ٣/ ١٦٢].
قالوا: لأنه ليس لها ولي يجبرها في نفسها، ولا إذن لها قبل البلوغ فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية .
قالوا: فأطلق عليهن اسم النساء، وهو يطلق على الإناث البالغات، فدل على أن المراد باليتامى في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ هن البالغات؛ لأن المراد باليتامى في قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ هو المراد بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾[انظر «أحكام القرآن» للهراسي ١/ ٣١٢ – ٣١٤].
فالمراد بهذه الآية اليتيمة البالغة.
فلا تنكح إلا بإذنها ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها حتى تبلغ [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٠ – ٣١١، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٣].
كما استدلوا بحديث ابن عمر المتقدم: «ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن»، قالوا لأنه لا إذن لها معتبر إلا بعد البلوغ [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٤].
والصحيح القول الأول وهو جواز تزويج اليتيمة بإذنها [كما لا تتزوج البكر البالغة إلا بإذنها رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح البكر حتى تستأذن»: قالوا: يا رسول الله. وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت» أخرجه البخاري في النكاح- الحديث ٥١٣٦ ومسلم في النكاح١٤١٩، وأخرجه مسلم أيضًا بنحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما١٤٢١. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجاريه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم » أخرجه أبو داود في النكاح٢٠٩٦ وابن ماجه في النكاح١٨٧٥، وأحمد ١/ ١٧٣وصححه الألباني وعن عائشة نحوه أخرجه أحمد ٦/ ١٣٦. وانظر «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم٣/ ٤٠. قال ابن القيم: «وموجب هذا الحكم ألا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به ولا نعاقد سواه، وهو المرافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته ..» «زاد المعاد» ٥/ ٩٦ – ٩٨]
قبل البلوغ، لدلالة الآيتين والأحاديث السابقة، ولمصلحة اليتيمة نفسها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [انظر «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٤٨، وانظر «أضواء البيان» ١/ ٣٠٥]: «أما تخصيص لفظ اليتيم بما بعد البلوغ فلا يحتمله اللفظ بالحال، ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر العلماء، كما دل على ذلك القران بقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية. فامر بالابتلاء قبل البلوغ».
٥ – إذا وقع الظلم لليتيمة بالنقص من مهرها يرجع إلى مهر المثل، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فالقسط فيهن بإتيائهن مهور أمثالهن من النساء، كما جاء في سبب نزول الآية [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣١١، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٤].
٦ – استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ مع سبب النزول على أن للولي أن يزوج اليتيمة التي تحت ولايته من نفسه، بمعنى: أن يكون هو الناكح والمنكح.
وممن ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم [وهو مروى عن الحسن وابن سيرين والأوزاعى والثورى وأبي ثور وربيعه والليث بن سعد. انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٤]، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية عنه.
واستدلوا بما رواه البخاري معلقًا أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت قارظ: «أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت نعم، فقال: قد تزوجتك».
ووجه الدلالة منه أنه وجد الإيجاب من ولي هو من أهل ذلك، والقبول من زوج هو من أهل لذلك.
كما استدلوا أيضًا بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم «اعتق صفية، وجعل عتقها صداقها». [أخرجه البخاري في النكاح ٥٠٨٦ ومسلم في الحج وفي الجهاد والسير١٣٦٥، وأبو داود في النكاح الحديث٢٠٥٤، والنسائي في النكاح٣٣٤٢ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه].
وقد أجيب عن هذا بأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ظاهرًا بأنه بدون ولي.
وذهب بعض العلماء منهم الإمام الشافعي، وأحمد في رواية له، إلى أنه لا يجوز للولي أن يعقد لنفسه، وإنما يتولى العقد السلطان، أو أحد أقاربها الذين هم أقرب إليها منه.
وفي رواية لأحمد: أو تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه.
واستدلوا بحديث «لا نكاح إلا بولي» [صححه الألباني. انظر «إرواء الغليل» ٦/ ٢٣٨ «١٨٣٩»]، قالوا: فالولاية شرط في النكاح [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٥].
كما استدلوا بما رُوي أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة هو أولى الناس بها، فأمر رجلًا فزوجه [أخرجه البيهقي وذكره البخاري معلقًا انظر «فتح الباري» ٩/ ١٨٨قال الحافظ بن حجرفي «فتح الباري» ٩/ ١٨٨ «هذا الأثر وصله وكيع في مصنفه والبيهقي من طريقه عن الثوري عن عبد الملك بن عمير، وأخرجه عبد الرازق عن الثوري وسعيد بن منصور من طريق الشعبي ..» وصححه الألباني، انظر «إرواء الغليل» ٦/ ٢٥٦ حديث١٨٥٥].
وأجيب عن هذا بأن في إسناده عبد الملك بن عمير وهو مدلس [قال في «التقريب» ١/ ٥٢١ ترجمة ١٣٣١: «عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي: ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلس، مات سنه٢٣٦هجرية].
كما أجيب عن حديث «لا نكاح إلا بولي» بأن الذي تزوجها هو وليها.
قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر القولين: «الأول أصح دليلًا [يعني ما جاء في البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه] والثاني أبعد عن التهمة».
وقد يجاب عن هذا بأن التهمة تزول بالإشهاد على النكاح وإعلانه.
وعلى هذا فيجوز للولي أن يعقد لنفسه فيأتي بشاهدين ويقول أشهدكما أني زوجت نفسي، مثلًا ابنه عمي فلانه بالولاية الشرعية. وهذا إيجاب منه يتضمن القبول، فلا يحتاج أن يقول: قبلت. وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفية: «إني اعتقتك، وجعلت عتقك صداقك»، ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول لظهور المعنى.
لكن دلالة الآية على هذه المسألة ليست ظاهرة، وقد فرَّع بعض من استدل بالآية على الجواز مسألة أخرى، وهي جواز بيع الوكيل والوصي لنفسه والشراء منها.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للوكيل والوصي الشراء من نفسه أو البيع لها؛ لأنه متهم كما لا يجوز له أن يعطي الزكاة لنفسه إذا وكل في إخراجها – وهذا هو الأظهر لأنه الأحوط وأبعد عن التهمة، وليس في الآية دليل على جواز ذلك.
٧ – سعة فضل الله تعالى ورحمته وتيسيره على الأمة المحمدية، فإذا سدّ باب حرام فتح في المقابل أبوابًا كثيرة من الحلال، لقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي: في مقابل ترك نكاح اليتامى إذا خفتم عدم العدل معهن.
٨ – أن القرآن الكريم جاء بأحسن الأساليب وأجودها في مخاطباته وأوامره ونواهيه، مما يكون له الأثر في نفوس المخاطبين، ويحملهم على الإذعان والقبول، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
حيث جاء الأمر للأولياء بنكاح ما طاب لهم من النساء، وكان المتوقع كما يوحي به السياق أن يأتي الأمر بترك نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن، أو النهي عن نكاحهن في هذه الحال.
والغرض من هذا إرشاد المخاطبين وتوجيههم إلى أن الأمر واسع، ولم يضيق الله عليهم، فلهم إذا خافوا عدم العدل مع اليتامى أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء كيفية وكمية إلى حد الأربع. [انظر «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨١]
٩ – ينبغي للرجل أن يتزوج من تطيب له من النساء ويرغب فيها وتميل نفسه إليها، فهذا أحرى أن يؤدم بينهما قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ أي: ما رغبتم فيه منهن من ذوات الصفات الطيبة من الدين والخلق والجمال ونحو ذلك، وفي الحديث: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» [أخرجه البخاري في النكاح٥٠٩٠، ومسلم في الرضاع١٤٦٦، وغيرهما].
وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: «انظر اليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». [أخرجه النسائي في النكاح٣٢٣٥، والترمذي في النكاح ١٠٨٧، وابن ماجه في النكاح١٨٦٦، والدارمي في النكاح ٢١٧٢ قال الترمذي: «هو حديث حسن وفي الباب عن محمد بن سلمه وجابر وأبي حميد وأنس وأبي هريرة» صححه الألباني].
[ومثل هذا إكراه الفتاه على الزواج من رجل لا تريده، مع أن هذا محرم لا يجوز. والعقد باطل على الصحيح من أقوال أهل العلم].
١٠ – أن نكاح الخبيثة منهي عنه: كالمشركة والفاجرة، لقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ فيفهم من هذا أن غير الطيب لا يجوز نكاحه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أو مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أو مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
١١ – الأمر في قوله: ﴿فانكحوا﴾ محمول على الجواز [انظر «جامع البيان» ٧/ ٥٤٧، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٢] والإباحة؛ لأنه في مقابل المنع من نكاح اليتامى. والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة [وهذا يدل على ضعف قول من قال بوجوب النكاح استدلالًا بقوله ﴿فانكحوا﴾ والنكاح مندوب إليه وسنه من سنن المرسلين ومستحب من حيث العموم، وقد يجب وخاصة إذا خاف على نفسه من الوقوع في الفاحشة ويكون تاره مباحًا أو محرمًا أو مكروه ……انظر «التفسير الكبير» ٩/ ١٤٠].
وعلى هذا فليس في الآية هنا ما يدل على فضل تعدد الزوجات [وقد استدل بعض أهل العلم بالآية على أفضلية التعدد، وأنه هو الأصل. وإنما استفيد ذلك من أدلة أخرى، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء» [ أخرجه البخاري في النكاح٥٠٦٩].
وكقوله صلى الله عليه وسلم : «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، ولا يقدح في جوازه، بل ولا في فضله كون كثير ممن يعددون الزوجات لا يعدلون بينهن أو لا يستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد، فإن هؤلاء لا يجوز التعدد في حقهم .
١٤ – عدم جواز الجمع بين أكثر من أربع زوجات في عصمه الرجل، لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، لأنه لو كان يجوز الزيادة على أربع لذكره الله تعالى في هذا المقام، لأنه مقام توسعه وامتنان وفتح للباب إلى أعلى حد يجوز ذلك في مقابل المنع من نكاح اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن.
قال الحافظ ابن كثير [في «تفسيره» ٢/ ١٨٢]: «قصر الله الرجال على أربع في هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز أكثر من ذلك لذكره».
وعلى هذا دلت السنة وأجمعت الأمة.
فعن ابن عمر- رضي الله عنهما، أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي ﷺ: «اختر منهن أربعًا، وفارق سائرهن». [أخرجه الترمذي في النكاح١١٢٨، وابن ماجه في النكاح١٩٥٣، والشافعي في مسنده٢/ ٣٥١، وأحمد٢/ ١٤، ٨٣، ومالك في الطلاق١٢٤٣وصححه ابن حبان ١٢٧٧، وأخرجه النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٢٤٠ – الأثر٣٠٩ وإسناده صحيح، والحاكم٢/ ١٩٢قال ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ١٨٣ – عن إسناده الإمام أحمد: «رجاله ثقات على شرط الصحيحين» وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» ٣/ ١٦٩: «رجال إسناده ثقات» وصححه الألباني انظر «إرواء الغليل» ٦/ ٢٩١، وانظر في بسط الكلام في تخريج الحديث والحكم عليه في تخريج كتاب «الناسخ والمنسوخ» للنحاس٢/ ١٤٠ – ١٤٤].
قال الحافظ ابن كثير [في «تفسيره» ٢/ ١٨٤]. وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعًا، لأنه عقد عليهن قبل التحريم. أما لو حصل العقد على زياده عن أربع بعد التحريم فعقد الخامسة وما بعدها باطل] بعد ذكر روايات حديث غيلان: «فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع، وفارق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، وإذا كان هذا في الدوام ففي الإستئناف بطريق الأولى والأحرى».
وعن الحارث بن قيس، أو قيس بن الحارث، أسلمت وعندى ثمان نسوه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ذلك له، فقال: «اختر منهن أربعًا» [أخرجه أبو دأود في الطلاق٢٢٤١، ٢٢٤٢، وابن ماجه في النكاح١٩٢٥].
وقد أجمع المسلمون على هذا.
قال أبو جعفر النحاس [في «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ١٣٩ – ١٤٠]: «ولم يزل المسلمون من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت يحرمون ما فوق الأربع بالقرآن والسنة».
وقال البغوي [في «معالم التنزيل» ١/ ٣٩١: «وهذا أجماع أن أحدًا من الأمة لا يجوز له الزيادة على أربع نسوة».
وقال ابن كثير [في «تفسيره» ٢/ ١٨٢]: «وعلى هذا أجمعت الأمة».
وقال أيضًا: «قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الشافعي- رحمه الله- مجمع عليه من العلماء».
وشذ الرافضة فأباحوا نكاح تسع زوجات [انظر «بحر العلوم» للسرقنداي ١/ ٣٣٢، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٢، «تفسير ابن كثير ٢/ ١٨٢]، واحتجوا بالآية، وقالوا إن الواو فيها للجمع، وأن معنى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي اثنتين وثلاثًا وأربعًا [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٧، ١٨].
كما احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع في عصمته تسع نسوة [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٧].
وقولهم هذا باطل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبدلالة اللغة. لأنه لو كان المراد بالآية-كما يقولون – جواز الجمع بين تسع زوجات، لقال: انكحوا تسع زوجات، إذ لم يكن معروفًا عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إذا أراد أحدهم أن يقول لصاحبه خذ تسعًا أن يقول: خذ اثنتين وثلاثًا وأربعًا [انظر «الوسيط» ٢/ ٨، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٧].
قال القرطبي [في «تفسيره» ٥/ ١٧] رحمه الله: «اعلم أن هذا العدد «مثنى وثلاث ورباع» لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعًا وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع، وذهب بعض أهل الظاهر أيضًا إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكًا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فحعل مثنى: بمعنى اثنتين اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع.
وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع ..». وقال أيضًا [في «تفسيره» ٥/ ١٧]: «وأما قولهم: إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة، وتقول اثنتين وثلاثه وأربعة، وكذلك تستقبح من يقول أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية ولا يقول: ثمانية عشر».
وأما ما أحتجوا به من أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع في عصمته تسع نسوة فلا حجة فيه، لأن هذا من خصائصه [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٣٩١، «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣١٢، ٤/ ٢١٢] صلى الله عليه وسلم . فقد خصه الله تعالى بذلك، ومنعه من الزواج عليهن أو أن يتبدل بهن، فقصره على العدد تسع وعلى المعدود وهن هؤلاء الزوجات، قال تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ﴾، بينما الأمة قصرت على العدد وهو أربع، ولم تقتصر في المعدود فللرجل أن ينكح ما طاب له من النساء، وله أن يستبدل منهن ما شاء. كما حرم الله الزواج بزوجاته صلى الله عليه وسلم بعده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، كما أباح له أن يتزوج بهبة، كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
قال ابن كثير [في «تفسيره» ٢/ ١٨٢]: «وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري، وقد علقه البخاري. وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع، وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع» ثم ساق رحمه الله حديث غيلان وغيره.
وأيضًا فزواجه صلى الله عليه وسلم بهن لحكم دينية وسياسية واجتماعية.
وأيضًا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوَّاة الله على العدل بين أكثر من أربع على القول بوجوب القسم عليه، كما هو المشهور، بينما الذي يطيقه عامة الناس من العدل ينتهي غالبًا إلى أربع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [في «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٧١] -: «فالعدل الذي يطيقه عامة الناس ينتهي إلى الأربعة. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قوّاه على العدل فيما هو أكثر من ذلك – على القول المشهور- وهو وجوب القسم عليه، وسقوط القسم عنه على القول الآخر، كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج، بلا مهر».
وعلى هذا فالقول بجواز الزيادة على أربع زوجات باطل بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، واللغة.
لكن اختلف العلماء في حكم من تزوج خامسة بعد إتفاقهم على أنه يفرق بينهما. فذهب طائفة من أهل العلم منهم مالك، والشافعي، وأبو ثور والزهري، إلى أنه يرجم وقيل: عليه التعزيز.
والصحيح الأول، لأنه أقدم على هذا النكاح وهو يعلم أنه محرم.
١٥ – إذا طلق الرجل امراته طلاقًا رجعيًّا فلا يجوز له أن يتزوج رابعة ما دامت في العدة بالإجماع؛ لأن الرجعية بحكم الزوجة ما دامت في العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فلو تزوج والرابعة مازالت في عدتها من طلاق رجعي فالنكاح باطل.
فإذا كان الفراق بائنًا كفرقه لعانٍ أو طلاق ثلاثٍ، أو فسخٍ أو طلاقٍ على عوض فذهب أكثر أهل العلم منهم مالك، والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر، وغيرهم إلى أن له أن يتزوج رابعه وإن كانت المفارقة ما زالت في العدة، لأنها قد بانت منه فليست بزوجة له الآن.[انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١١٩]،
وذهب طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وغيرهم إلى أنه لا يجوز أن يتزوج رابعة ما دامت المفارقة في العدة، وإن كان الفراق بائنًا لأن المفارقة مازالت مشغولة بحق الزوج، وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
١٦ – بعد القرآن الكريم في تعبيره عما يوجب الإيهام، لقوله ﴿مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ حيث جاء بصيغة العدل، لأنه لو قال: (اثنتين وثلاثًا وأربعًا) لأوهم جواز الجمع بين هذه الأعداد، وحيث جاء العطف بالواو بدل «أو» لئلا يتوهم أنه لا يجوز إلا أحد هذه الأعداد.
١٧ – وجوب العدل بين الزوجات في حقوق النكاح من القسم والمبيت
والنفقة والمسكن والعشرة ونحو ذلك [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٤٨٧ – ٤٨٨، «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٠، «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٢٦٩] مما يدخل تحت الاستطاعة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ دون مالا يقدر عليه كالمحبة القلبية والجماع قال تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.
وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» [أخرجه أبو داود في النكاح٢١٣٤، والنسائي في عشرة النساء ٣٩٤٣، والترمذي في النكاح ١١٤٠وابن ماجه في النكاح١٩٧١، والدارمي في النكاح ٢٢٠٧، والطبري ١٠٦٣٧، ١٠٦٥٦، والبيهقي في سنته ٧/ ٢٩٨، والحاكم٢/ ١٨٧ وصححه ووافقه الذهبي. وقد قال الترمذي «رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا. قال: وهذا أصح» قال ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٣٨٢ بعدما ذكر لفظ أبي داود لهذا الحديث: «وهذا إسناد صحيح ووافقه الذهبي. وقد قال الترمذي في «تفسيره» ٢/ ٣٨٢ بعد ما ذكر أبي داود لهذا الحديث: «وهذا اسناد صحيح» ثم ذكر قول الترمذي وقد ضعفه الألباني وانظر «مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٢٦٩، «إرواء الغليل» ٧/ ٨١]. قال أبو داود: «يعني القلب». وهذا الحديث وإن تكلم فيه وضعف، فمعناه صحيح، فإن القسم واجب فيما يملك الإنسان، أم ما لا يملك فلا مؤاخذة فيه: كالمحبة والجماع، لكن لا يجوز أن يجمع نفسه لزوجة دون أخرى كما قال الفقهاء رحمهم الله.
قال ابن القيم [في «زاد المعاد» ٥/ ١٥١] أثناء ذكره لفوائد أحاديث قسمه صلى الله عليه وسلم بين زوجاته فيما يملك، قال: «ومنها أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك، وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه، وأخذ من هذا أنه لا تجب التسويه بينهن في الوطء، لأنه موقوف على المحبة والميل، وهو بيد مقلب القلوب. وفي هذا تفصيل وهو: أن تركه لعدم الداعي إليه، وعدم الانتشار فيه معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرة أقوى، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به».
١٨ – وجوب الاقتصار على زوجه واحدة، وترك التعدد، إذا خاف ألا يعدل بين الزوجات لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
١٩ – إباحة الاستمتاع بما شاء من ملك اليمين، وأنه لا يجب القسم بينهن، وليس لهن من الحقوق مثل ما للحرائر [لكن يستحب العدل بينهن، ولهن من الحقوق ما يجب مراعاته من حسن الملكية والرفق بالرقيق. انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٤. «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٤]، ولهذا جعلهن الله بمثابة الواحدة فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال شيخ الإسلام ابن تيمية [«مجموع الفتاوى» ٣٢/ ٧١]:
«أباح مما ملكت اليمين ما شاء الإنسان بغير عدد، لأن المملوكات لا يجب لهن قسم ولا يستحققن على الرجل وطئًا ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته وبنتها، وأخته وابنته من الرضاع».
٢٠ – جواز وطء الأمة كتابية أو مجوسية أو وثنية، لقوله ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا مطلق.
وقد اختلف أهل العلم إلى وطء الأمة الكتابية لعموم قوله ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾؛ ولأن الله أباح حرائرهم بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. وأما إن كانت الأمة مجوسية أو عابدة وثن فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين، وظاهر الكتاب والسنة جواز ذلك، قال ابن القيم في ذكر فوائد حديث أبي سعيد في سبي أوطاس.
«ودل هذا القضاء النبوى على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وهذا مذهب طاوس، وقوّاه صاحب المغني ورجّح أدلته».
وقال الشنقيطي: «والذي يظهر من جهة الدليل- والله تعالى أعلم-جواز وطء الأمة بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية ..» [انظر «زاد المعاد» ٥/ ١٣٢، «أضواء البياان» ١/ ٣٢٦].
٢١ – إثبات ملك اليمين وهو «الرق» لقوله: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وهو كما قال الفقهاء «عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر» فإذا وجد سببه بأن قاتل المسلمون الكفار، وسبوا منهم سبايا فهؤلاء السبايا أرقاء وملك للمسلمين حتى يعتقوا. أما ما يوجد الآن في بعض البلاد من سرقة بعض الأولاد وبيعهم، أو بيع بعض الناس أولادهم بسبب الحاجة، فهذا كله ليس من ملك اليمين في شيء، وإنما هؤلاء أحرار. وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» [أخرجه البخاري في الإجارة٢٢٧٠، وابن ماجه في الأحكام٢٤٤٢، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ عن ربه عزوجل].
٢٢ – إثبات الملكية الفردية الخاصة [أما الملك العام فهو لله تعالى فهو سبحانه يملك الناس وما ملكوا ويملك الكون كله يتصرف فيه كيف يشاء ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾] للإنسان. وأنه يملك وله التصرف في ملكه حسب ما أذن به الشرع، لقوله: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفي هذا رد على الشيوعية الاشتراكية الملحدة.
٢٣ – فضل اليمين على الشمال لأن الله أضاف الملك إلى اليمين، فقال: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
٢٤ – إطلاق البعض على الكل لقوله ﴿أيمانكم﴾، لأن الأيمان جمع يمين وهي اليد والملك إنما للإنسان كله، وإنما يعبر باليمين لأن الأخذ والإعطاء بها.
٢٥ – أن الخطاب في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ للأحرار لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهم الذين يملكون، وهم الذين يجوز للواحد منهم الزواج بأربع زوجات. وعليه جمهور أهل العلم [انظر «أحكام القرآن» للشافعي١/ ١٨٠، «أحكام القرآن» للجصاص٢/ ٥٤، «التفسير الكبير» ٩/ ١٤١ – ١٤٢، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٣].
وقد قيل: إن الخطاب في الآية عام للأحرار والعبيد، فيجوز للعبد أن يتزوج أربع زوجات بهذا قال مالك في المشهور عنه [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٢ – ٢٣]، والظاهرية [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٢].
والصحيح أن الخطاب في الآية خاص بالأحرار. وأن العبد له أن يتزوج اثنتين فقط لما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال «ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين» [أخرجه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي٧/ ٤٢٥. والبغوي في «تفسيره» ١/ ٣٩١ – ٣٩٢ قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٥/ ١٥٣: «واحتج به الامام أحمد».وقد صححه الألباني في «إرواء الغليل» ٧/ ١٥٠ الحديث ٢٠٦٧وانظر «نصب الراية» ٣/ ٢٢٧].
وهو قول جمهور أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهما وعبد الرحمن بن عوف، ولا مخالف لهم من الصحابة.
قال ابن القيم [في «زاد المعاد» ٥/ ١٥٣، ١٥٤، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص٢/ ٥٤، «معالم التنزيل» ١/ ٣٩١، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٢ – ٢٣]: «بعد ذكر الرواية عن عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف: «ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة مع انتشار هذا القول وظهوره، وموافقته للقياس».
٢٦ – أن ترك تعدد الزوجات إذا خاف عدم العدل معهن والاقتصار على نكاح واحدة والاستمتاع بملك اليمين أقرب ألا يقع المرء في الجور والظلم، لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل»[أخرجه أبو داود في النكاح٢١٣٣، والنسائي في عشرة النساء٣٩٤٢، والدارمي في النكاح٢٢٠٦ وصححه الألباني]، وفي بعض الروايات «وشقه ساقط» [أخرجه الترمذي في النكاح١١٤١، وابن ماجه في النكاح١٩٦٩ وصححها الألباني].
٢٧ – الإشارة إلى أن الإنسان قد لايسلم من الظلم والجور حتى لو ترك نكاح اليتامى، ولو لم يعدد الزوجات، لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ولم يقل: ذلك ألا تعولوا. لكن حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
٢٨ – تحريم الوسائل المؤدية إلى فعل المحرم، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد [وهذه قاعدة أصولية فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يكون وسيلة المحرم فهو محرم. انظر «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي ١/ ١٥٧ – ١٦٠ .]، وقد دلت الآية على هذا المعنى في موضعين منها: الأول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النساء﴾، فأوجبت الآية العدول عن اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن، ووجهت إلى نكاح ما طاب لهم من النساء سواهن. والثاني في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُو﴾.
فأوجبت الآية ترك تعدد الزوجات إذا خيف عدم العدل معهن، ووجهت إلى الاقتصار على واحدة والاستمتاع بملك اليمين.
(المسألة الثالثة): نكاح اليتامى، ووجوب الإقساط فيهن:
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.
(المطلب الأول): سبب النزول:
عن عائشة رضي الله عنها: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية، قلت: «هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلًا فيشركه في مال بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية».
وفي رواية عنها بعد ما ذكرت سبب نزول الآية الأولى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: «ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية.
(المطلب الثاني): معاني المفردات والجمل:
سبق في الشرح.
(المطلب الثاني): الفوائد والأحكام:
١ – مشروعية السؤال عما يعني الإنسان في أمر دينه، وقد يكون ذلك واجبًا، وقد يكون مندوبًا حسب حكم المسؤول عنه، لقوله: ﴿يستفتونك﴾ فذكر الله عزوجل هذا على سبيل التقدير لهم، وأفتاهم عما سألوا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
٢ – حرص الصحابة رضوان الله عليهم على السؤال عما أشكل عليهم من أمر دينهم، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾.
وهكذا سألوا رسول الله ﷺ عن عدة أحكام مما يعنيهم في أمر دينهم في نحو بضع عشرة مسألة، بل الأسئلة الواردة في القرآن كلها لا تتجاوز بضع عشرة مسألة [انظر «الموافقات» ٤/ ٣١٤ – ٣١٥].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن» [انظر «الجامع لأحكام القران» ٦/ ٣٣٣].
وهذا يدل على أنهم إنما سألوا عما يعني وتركوا السؤال عما لا يعني.
وذلك استجابة منهم لقوله تعالى: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
٣ – أنه ينبغي أن يتوجه بالاستفتاء إلى من هو أهل له؛ لأن الصحابة كانوا رضوان الله عليهم يرجعون في ذلك إلى رسول الله ﷺ فيجيبهم ﷺ بوحي الله إليه.
وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
٤ – عناية الدين الإسلامي بالنساء، وبيان ما لهن وما عليهن وما يخصهن من أحكام لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾.
٥ – الدلالة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء به حقٌ من عند الله؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم استفتوه في أمر النساء، فجاء بيان الحكم من عند الله، فنزل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾.
٦ – أن القرآن الكريم نزل منجمًا حسب الوقائع والأحداث، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية.
٧ – يحسن أن يكون الجواب أشمل وأوفى من السؤال، لأنهم استفتوا عن أمر النساء، فقال الله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ الآية.
٨ – أن ما نزل به القرآن الكريم من بيان الأحكام هو فتوى صادرة من عند الله تعالى؛ لأن الله هو الذي تكلم بالقرآن، وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾.
٩ – عناية الدين الإسلامي في يتامى النساء لضعفهن؛ لأنه اجتمع في حقهن الأنوثة واليتم.
١٠ – أن أهل الجاهلية كانوا يظلمون اليتيمات، فلا يؤتونهن ما كتب لهن من الحقوق، فإما أن يتزوجوا بهن دون إعطائهن ما يجب لهن من المهور والنفقات وحقوقهن من الأزواج، وإما أن يمنعونهن من الزواج لئلا يشاركهم أزواجهن في أموالهن، وإما أن يمنعونهن من الميراث، لقوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾.
١١ – أن الله أوجب ليتامى النساء على الأولياء حقوقًا منها دفع المهور لهن كغيرهن إذا رغبوا الزواج منهن، ومنها تزويجهن بمن يتقدم لخطبتهن إذا لم يكن للأولياء رغبة فيهن وغير ذلك لقوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾؛ لأن الولي قد تكون له رغبة بالزواج باليتيمة، لكنه لا يعطيها حقها من المهر أو من نفسه، أو يرغب عن الزواج بها لكنه يرد الخطاب ويمنعها من الزواج، لئلا يشاركه غيره في مالها.
١٣ – وجوب رعاية المستضعفين من الولدان والعناية بهم وأداء حقوقهم والرحمة بهم والإشفاق عليهم، لقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾.
١٤ – وجوب القيام لليتامى عمومًا ذكورًا وإناثا بالقسط والعدل، كفالةً لهم وتربيةً وتوجيهًا وأداء لحقوقهم، وحفظًا لأموالهم، ورحمة بهم، وعطفًا وإشفاقًا عليهم لقوله: ﴿وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾.
١٥ – علم الله تعالى بما يفعله العباد من خير، وأنه لا تخفى عليه من أعمالهم خافية؛ لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.
١٦ – الحث على فعل الخير والترغيب فيه والواعد من الله بالجزاء بالخير لمن عمل خيرًا، لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾؛ لأنه تعالى يعلم ما يفعلون من خير وسيجازيهم عليه.
١٧ – التحذير من التقصير في عمل الخير؛ لأنه تعالى إذا كان يعلم ما نعمله من الخير فهو يعلم أيضًا ما لم نعمله من الخير؛ لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.
١٨ – إثبات اسم «العليم» وما يدل عليه من إثبات صفة العلم التام لله تعالى لقوله: ﴿عليمًا﴾. [حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء].