(3020) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تابع 4 لــ(٥٧) – كتاب التفسير، (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
[٧٤٩٧] (٣٠٢٠) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
تابع 4 لـــ(٥٧) – كتاب التفسير، (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
الابْتِلاءُ والامْتِحانُ مِن سُنَّةِ اللهِ في عِبادِه، والمؤمِنُ يُبْتَلى على قَدْرِ دِينِه، ولَمَّا كان نَصيبُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الإيمانِ النَّصيبَ الأكمَلَ، ونال أصْحابُه رَضيَ اللهُ عنهم مِن بَعدِه مِن الإيمانِ الحظَّ الأوفَرَ؛ كان ابْتِلاؤُهم شَديدًا.
وحديث الباب يتعلق بتفسير الآية المذكورة في سورة الأحزاب، والتي تصف حالة المسلمين يوم غزوة الخندق عندما حاصرهم الأحزاب من كل جهة، مما أدى إلى شدة الخوف حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو تعبير عن عظم الفزع.
وقد أكدت عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في سياق تلك الغزوة العصيبة، التي اختبر الله فيها المؤمنين وزلزلهم زلزالًا شديدًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (فِي) بيان (قَوْلِهِ عز وجل: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾) أي: الأحزاب، (﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾) بنو قريظة، (﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾)؛ أي: من شدة الخوف والفزع. (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (كَانَ ذَلِكَ)؛ أي: المذكور من مجيئهم من فوقهم إلى آخره، (يَوْمَ الْخَنْدَقِ)؛ أي: يوم حُفر الخندق لأجل الدفاع عن المسلمين، [وقد تقدّم ذكر غزوة الخندق في «كتاب الجهاد» مستوفًى].
وحديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج].
ثانيًا: فقه الحديث (الأحكام والمسائل):
المطلب الأول:
في تفسير قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)}
(المسألة الأولى): التفسير الإجمالي للآية الواردة في الحديث:
قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧) رحمه الله في كشف المشكل: ” ٢٥١٩ – / ٣٢٣٠ – وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين: ﴿إِذْ جاءوكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم﴾ [الْأَحْزَاب: ٩] .
قَالَت: كَانَ ذَلِك يَوْم الخَنْدَق.
قَالَ أهل الْعلم بالسير، لما أجلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بني النَّضِير سَارُوا إِلَى خَيْبَر، فَخرج نفر من أَشْرَافهم إِلَى مَكَّة، فألبوا قُريْشًا ودعوهم إِلَى الْخُرُوج لقتاله، ثمَّ خَرجُوا من عِنْدهم فدعوا غطفان وسليم، ففارقوهم على مثل ذَلِك،
وتجهزت قُرَيْش وَمن تَبِعَهُمْ من الْعَرَب فَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، وَخرج يقودهم أَبُو سُفْيَان، ووافتهم بَنو سليم بمر الظهْرَان، وَخرجت بَنو أَسد وفزارة وَأَشْجَع، وَكَانَ جَمِيع من وافى الخَنْدَق من الْقَبَائِل عشرَة آلَاف، وهم الْأَحْزَاب.
فَلَمَّا بلغ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خُرُوجهمْ أخبر النَّاس خبرهم وشاورهم، فَأَشَارَ سلمَان بالخندق، فأعجب ذَلِك الْمُسلمين، وعسكر بهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى سفح سلع، وَجعل سلعا خلف ظَهره، وَالْخَنْدَق بَينه وَبَين الْقَوْم، ودس أَبُو سُفْيَان حييّ بن أَخطب إِلَى بني قُرَيْظَة يسألهم أَن ينقضوا الْعَهْد الَّذِي بَينهم وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأَجَابُوا، وَاشْتَدَّ الْخَوْف وَعظم الْبلَاء، وَجَرت بَينهم مناوشة وقتال، وَحصر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه بضع عشرَة لَيْلَة حَتَّى خلص إِلَيْهِم الكرب.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ جاءوكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم﴾ أَي: من فَوق الْوَادي وَمن أَسْفَله، ﴿وَإِذ زاغت الْأَبْصَار﴾ أَي: مَالَتْ وَعدلت فَلم تنظر إِلَى شَيْء إِلَّا إِلَى عدوها مُقبلا من كل جَانب، ﴿وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر﴾ وَهِي جمع حنجرة، والحنجرة: جَوف الْحُلْقُوم.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْمَعْنى: كَادَت الْقُلُوب تبلغ الْحُلْقُوم من الْخَوْف، إِلَّا أَن الله تَعَالَى أرسل عَلَيْهِم ريحًا فأكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم، وملائكة تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم، وتكبر فِي جَوَانِب عَسْكَرهمْ، فَانْهَزَمُوا من غير قتال. [كشف المشكل من حديث الصحيحين، (4/ 324 – 325)].
(المسألة الثانية): أقوال أهل العلم في ذلك
وقال الإمام ابن كثير في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ أي: الأحزاب، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ تقدم عن حذيفة رضي الله عنه أنهم بنو قريظة، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؛ أي: من شدة الخوف، والفزع، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] قال ابن جرير: ظنّ بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، ظن المؤمنون كل ظنّ، ونجم النفاق، حتي قال مُعَتِّب بن قُشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يَعِدُنا أن نأكل كنوز كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
وقال الحسن في قوله عز وجل: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حقّ، وأنه سيظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. انتهى [«تفسير ابن كثير» ٣/ ٤٧٣].
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ كان ذلك في غزوة الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة برأي سلمان رضي الله عنه،
وتسمى غزوة الأحزاب؛ لأنَّ الكفار تحزبوا أحزابًا، وتجمّعوا جموعًا حتى اجتمع في عددهم خمسة عشر ألفًا من أهل نجد، وتهامة، ومن حولهم، وحاصروا المسلمين في المدينة شهرًا، ولم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل، والحصى،
ونقضت قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وحينئذ جاء المسلمين عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار؛ يعني: مالت عن سنن القصد فعلَ المرعوب، وقال قتادة: شخصت، وبلغت القلوب الحناجر، أي: قاربت الخروج من الضيق، والرَّوع، وشدّة البلاء، والْجَهْد، وكان وقتَ بلاء وتمحيص، ولذلك نجم في كثير من الناس النفاق، وظهر منهم الشقاق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾؛ أي: تشكّون في الوعد بالنصر، يُخبر عن المنافقين، أو يكون معناه: أنهم خافوا من أن يُخذلوا في ذلك الوقت، فإنَّ وقت وقوع النصر الموعود غير معيّن، قال: وهذا أحسن من الأول، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]: امتُحنوا بالصبر على الحصار وشدّة الجوع، وزلزلوا بالخوف من أن يخذلهم الله في ذلك الوقت، ويُديل عدوّهم عليهم، كما فعل يوم أحد، وقد تقدَّم الخلاف في غزوة الخندق متى كانت. انتهى [«المفهم» ٧/ ٣٨٨ – ٣٨٩].
وقال في «الفتح»: قوله: «عن عائشة رضي الله عنها: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قالت: كان ذلك يوم الخندق». هكذا وقع مختصرًا، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: عيينة بن حِصْن، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أبو سفيان بن حرب،
وبَيَّن ابن إسحاق في «المغازي» صفة نزولهم، قال: نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة، وتهامة، ونزل عيينة في غطفان، ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أُحُد بباب نعمان، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجُعل النساء والذراري في الآطام، قال: وتوجه حُييّ بن أخطب إلى بني قريظة، فلم يزل بهم حتى غَدروا، وبلغ المسلمين غدرهم، فاشتد بهم البلاء، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعطي عيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وقالا: كنا نحن وَهُمْ على الشرك، لا يطمعون منا في شيء من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف، فاشتدّ بالمسلمين الحصار، حتى تكلم مُعَتِّب بن قُشير، وأوس بن قَيْظِيّ، وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢] الآيات، قال: وكان الذين جاءوهم من فوقهم: بنو قريظة، ومن أسفل منهم: قريش، وغطفان.
قال ابن إسحاق في روايته: ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عبد ودّ العامريّ اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيّقة من الخندق، حتى صاروا بالسبخة، فبارزه عليّ، فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ، فبارزه الزبير، فقتله، ويقال: قتله عليّ، ورجعت بقية الخيول منهزمة.
وروى البيهقيّ في «الدلائل» من طريق زيد بن أسلم أن رجلًا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ندركه، فقال: يا ابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق، في ليلة باردة مطيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يذهب، فيعلم لنا عِلم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟» فو الله ما قام أحد، فقال لنا الثانية: «جعله الله رفيقي»، فلم يقم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال: «اذهب»، فقلت: أخشى أن أؤسر، قال: «إنك لن تؤسر». فذكر أنه انطلق، وأنهم تجادلوا، وبعث الله عليهم الريح، فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته.
ومن طريق عمرو بن سَرِيع بن حذيفة نحوه، وفيه أن علقمة بن علاثة صار يقول: يا آل عامر إن الريح قاتلتي، وتحملت قريش، وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم.
وروى الحاكم من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة، عن حذيفة، قال: “لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشدّ ظلمةً، ولا ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، فمرّ بي النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأنا جاثٍ على ركبتيّ، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة، فقال: اذهب، فأتني بخبر القوم، قال: فدعا لي، فأذهب الله عني القرّ، والفزع، فدخلت عسكرهم، فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبرًا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله عز وجل كفاه القوم»، وأصل هذا الحديث عند مسلم باختصار. انتهى. [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثالثة): في تفسير الآيات:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أكَّد سُبحانَه وُجوبَ الصَّدعِ بكُلِّ أمرِه وإن عَظُمَت مَشقَّتُه؛ اعتمادًا على تدبيرِه، وعظيمِ أمرِه في تقديرِه – ذكَّرَهم بدليلٍ شُهوديٍّ هو أعظَمُ وقائِعِهم في حُروبِهم، وأشَدُّ ما دهمَتْهم مِن كُروبِهم. [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/295، 296)].
وأيضًا: بعدَ أن أمَرَ سُبحانَه عبادَه بتَقْواه، وعدَمِ الخَوفِ مِن سِواه؛ ذكَرَ هنا تحقيقَ ما سلَفَ، فأبان أنَّه أنعَمَ على عبادِه المؤمِنينَ؛ إذ صرَفَ عنهم أعداءَهم وهَزَمهم حينَ تألَّبوا عليهم عامَ الخَندقِ. [انظر: ((تفسير المراغي)) (21/136)].
وأيضًا: اختِيرتْ للتَّذكيرِ بهذا اليومِ مُناسَبةُ الأمرِ بعدَمِ طاعةِ الكافِرينَ والمنافِقينَ؛ لأنَّ مِن النِّعَمِ الَّتي حفَّت بالمؤمِنينَ في يومِ الأحزابِ: أنَّ اللهَ ردَّ كَيدَ الكافِرينَ والمنافِقينَ، فذُكِّرَ المؤمنونَ بسابِقِ كَيدِ المنافِقينَ في تلك الأزمةِ؛ لِيَحذَروا مكايدَهم وأراجيفَهم في قضيَّةِ التبَنِّي، وتزوُّجِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُطلَّقةَ مُتَبنَّاه. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/277)].
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
(4/304). قال ابنُ تيميَّةَ: (تحزَّب عليهم عامَّةُ المشركين الَّذين حوْلَهم، وجاؤوا بجُموعِهم إلى المدينةِ؛ لِيَستأصِلوا المؤمنينَ، فاجتمعَتْ قُرَيشٌ وحُلفاؤها مِن بني أسدٍ، وأشجَعَ، وفَزارةَ، وغَيرِهم مِن قبائِلِ نَجْدٍ، واجتمعتْ أيضًا اليهودُ مِن قُرَيْظةَ والنَّضيرِ). ((مجموع الفتاوى)) (28/443).
وقال ابنُ عاشور: (الرِّيحُ المذكورةُ هنا هي رِيحُ الصَّبا، وكانت باردةً، وقلَعت الأوتادَ والأطنابَ، وسفَّت التُّرابَ في عُيونِهم، وماجَتِ الخَيلُ بَعضُها في بعضٍ، وهلَك كثيرٌ مِن خَيلِهم وإبِلِهم وشائِهم، وفيها قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَت عادٌ بالدَّبورِ»). ((تفسير ابن عاشور)) (21/279)]
عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((نُصِرْتُ بالصَّبَا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبَورِ)). [أخرجه البخاري (1035)، ومسلم (900). قال ابن حجر: (قولُه: «نُصِرْتُ بالصَّبَا» … هي الرِّيحُ الشَّرقيَّةُ. والدَّبورُ … مُقابِلُها. يُشيرُ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قولِه تعالَى في قصَّةِ الأحزابِ: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا). ((فتح الباري)) (6/301)].
قال تعالى: {وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}.
أي: وأرسَلْنا عليهم جُنودًا مِنَ الملائِكةِ لم تَرَوها. [انظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/336)، ((البسيط)) للواحدي (18/185)، ((تفسير العز بن عبد السلام)) (2/562)، ((تفسير ابن كثير)) (6/385)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/279).
وممَّن قال بأنَّ الجنودَ هنا هم الملائكةُ: الواحدي، وابن كثير، وابن عاشور. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (18/185)، ((تفسير ابن كثير)) (6/385)، ((تفسير ابن عاشور)) (21/279).
وممَّن قال بهذا القَولِ مِن السَّلفِ: مجاهدٌ، وقَتادةُ، ويَزيدُ بنُ رُومانَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/28، 29).
وقيل: هم الملائكةُ وغيرُهم مِنَ البشَرِ؛ كنُعَيمِ بنِ مسعودٍ الغَطَفانيِّ الَّذي أوهَنَ الأحزابَ بكَيدِه وتخذيلِه لهم. وممَّن قال بهذا المعنى: البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (15/298)].
قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: {تَعْمَلُونَ} قراءتانِ:
1- قِراءةُ: “يَعْمَلُونَ” على معنى عَودِ الضَّميرِ على الجُنودِ والأحزابِ الَّذين تألَّبوا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمؤمِنينَ معه. [قرأ بها: أبو عمرو. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/347). ويُنظَرُ لمعنى هذه القراءةِ: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 570)، ((تفسير ابن عطية)) (4/372)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/300)].
2- قِراءةُ: “تَعْمَلُونَ” على معنى أنَّه خِطابٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَن معه مِن المؤمِنينَ. [قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/347). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 570)، ((تفسير ابن عطية)) (4/372)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/300)].
قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.
أي: وكان اللهُ بما تَعمَلونَ – أيُّها المؤمِنونَ – بَصيرًا بأعمالِكم الصَّالحةِ في تلك الغَزوةِ، وسيُجازيكم عليها. [((تفسير ابن جرير)) (19/29)، ((تفسير السمرقندي)) (3/49)، ((تفسير الرازي)) (25/160)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/300)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 96).
قال البقاعي في قولِه بِمَا تَعْمَلُونَ أي: (مِن حَفْرِ الخَندقِ وغيرِه مِنَ الصِّدقِ في الإيمانِ وغيرِه). ((نظم الدرر)) (15/300)].
قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)}.
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ}.
أي: إذْ جاءَتْكم جنودُ الأحزابِ -أيُّها المؤمِنونَ- مِن فَوقِكم مِن جِهةِ المَشرِقِ.
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها في قَولِه تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، قالت: (كان ذاك يومَ الخَندَقِ). [التفسير].
(المسألة الرابعة): الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:
1- ينبغي ألَّا يَخافَ العَبدُ غَيرَ رَبِّه؛ فإنَّه كافٍ أمْرَه، وألَّا يأمَنَ مَكْرَه؛ فإنَّه قادِرٌ على كُلِّ شَيءٍ، فكان قادِرًا على أن يَقهَرَ المُسلِمينَ بالكُفَّارِ، مع أنَّهم كانوا ضُعَفاءَ، كما قَهَر الكافِرينَ بالمؤمِنينَ مع قوَّتِهم وشَوكتِهم. [((تفسير))].
2- في قَولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ}، أنَّه ينبغي للمُذَكِّرِ أن يُفَصِّلَ فيما ذَكَّرَ به؛ ليَكونَ ذلك أبلَغَ في تَذَكُّرِ المخاطَبِ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 101)]. [التفسير].
(المسألة الخامسة): الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:
1- في خِطابِ اللهِ للمُؤمِنينَ في قَولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} مع قَولِه سُبحانَه لهم: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}، أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ الله عنهم – على ما هم عليه مِن المرتَبةِ العاليةِ -، قد تعتَرِضُهم الظُّنونُ بسَبَبِ الضِّيقِ؛ فهم لشِدَّةِ الضِّيقِ قد تَعتَريهم مِثلُ هذه الوَساوِسِ، لكِنَّها في الحَقيقةِ سَحابةُ صَيفٍ؛ عندَما يَرجِعُ الإنسانُ إلى وَعْدِ اللهِ عزَّ وجلَّ يَزولُ عنه هذا كلُّه ويتبَدَّدُ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 103)].
2- قال تعالى: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا}، كانت هذه الرِّيحُ مُعجِزةً للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلِمينَ كانوا قريبًا منها، لم يكُنْ بيْنَهم وبيْنَها إلَّا عَرضُ الخَندَقِ، وكانوا في عافيةٍ منها، ولا خبَرَ عِندَهم بها. [((تفسير القرطبي)) (14/144)].
3- في قَولِه تعالى: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا} رَدٌّ على مَن يقولُ: إنَّ الاسمَ إذا وَقَعَ على شَيءٍ لم يَجُزْ أن يَقَعَ على غَيرِه إلَّا أنْ يُشبِهَه بجَميعِ صِفاتِه، وهذه الملائِكةُ والمُشرِكونَ مِن الأحزابِ قد شَمِلَهما معًا اسمُ «الجُنودِ» على اختِلافِ صِفاتِهما؛ فكيفَ لا تتَّفِقُ الأسماءُ، وتختَلِفُ الصِّفاتُ ؟! [انظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/646)].
5- في قَولِه تعالى: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أنَّ خَوفَ الإنسانِ مِن المَخلوقِ الخَوْفَ الطَّبيعيَّ لا يُعَدُّ شِركًا؛ فإنَّ ما ذُكِر مِن شدَّةِ الخَوفِ كان خَوفًا مِن مخلوقٍ، لكنَّ الباعثَ عليه الأمرُ الطبيعيُّ، وإذا كان الأمرُ طبيعيًّا فإنَّه لا يُؤاخَذُ به الإنسانُ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 103)].
6- في قَولِه تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} أنَّ المخاوِفَ تُربِكُ الإنسانَ حتَّى في تصَوُّراتِه؛ فإنَّ الإنسانَ المُستقِرَّ لا تكونُ عندَه ظُنونٌ مُتبايِنةٌ مُتعارِضةٌ؛ لأنَّه مُستَقِرٌّ، لكنْ عندَما يحصُلُ الفَزَعُ، وعندَما يحصُلُ الخوفُ تأتي الظُّنونُ مِن كلِّ وَجهٍ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 103)].
7- في قَولِه تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} أنَّ الإنسانَ إذا غَلَبَتْهُ الحالُ حتَّى وردتَ عليه مِثلُ هذه الظُّنونِ؛ فإنَّه لا يَحُطُّ مِن مَرتبتِه، لكنْ إذا استقرَّتْ به الحالُ، وهدأَتْ هذه الظُّنونُ؛ عَرَفَ الحقَّ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 104)].
8- قال تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} فبُنِيتْ للمفعولِ، والمُبتَلِي هو اللهُ سُبحانَه وتعالى، فهو سبحانَه في مقامِ الخَيرِ يُضيفُ الشَّيءَ إلى نَفْسِه تَمَدُّحًا، وفي مَقامِ خِلافِ ذلك تأتي الأفعالُ مَبنيَّةً للمَفعولِ، فالقاعدةُ العامَّةِ؛ «أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَذكُرُ النِّعَمَ مُضافةً إليه، ويَذكُرُ النِّقَمَ غالبًا مَبنيَّةً للمَفعولِ». [((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 107)].
9- قولُه: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} سمَّى اللهُ ما أصابَ المؤمنينَ ابتلاءً؛ إشارةً إلى أنَّه لم يُزَعْزِعْ إيمانَهم.[انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (21/283)]. [التفسير].
——
روى البخاري في صحيحه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أثناء حفره يردد، أبيات عبد الله بن أبي رواحة ـ رضي الله عنه ـ :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
والمسلمون يردوا عليه قائلين: نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما بقينا أبدا
وفي ذلك تعليم للقادة ألا يتميزوا عن جنودهم، وأن يعطوهم القدوة بفعلهم، فالرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ شارك الصحابة في حفر الخندق، وحمل الحجارة، وجاع كما جاع أصحابه، ومن ثم كان النبي ـ صلي الله عليه ـ وسلم قدوة للقائد والعالم، بل للناس جميعا، قال الله تعالي: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } (الأحزاب:21) ..
الكفر كله ملة واحدة، والخيانة والغدر من طبع وخلق اليهود، هذا ما أظهرته بوضوح غزوة الأحزاب، فقد تكالب الكفر على المسلمين, واتفق واتحد كفار قريش واليهود ضد الإسلام، وقاد أبو سفيان أضخم جيش شهدته جزيرة العرب، للقضاء على الإسلام والمسلمين، إضافة إلى العدو الداخلي من يهود بني قريظة، الذين نقضوا العهد وانضموا إلى قريش، فجاء الكفر جملة واحدة كما وصفهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن العرب قد كالبتكم (اشتدوا عليكم) ورمتكم عن قوس واحدة )..
——
ويظهر لنا من هذه الغزوة أهمية الدعاء، فقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثير التضرع والدعاء، وخصوصا في مغازيه، فحينما اشتد الكرب على المسلمين حتى بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا، دعا رسول الله ـ صلى الله عليه سلم ـ على الأحزاب فقال: ( اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ) ( البخاري ).
——
لقد كانت غزوة الأحزاب غزوة فاصلة في حياة الأمة الإسلامية، حتى قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدها : ( الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ) ( البخاري )، فتحولت سياسة الدولة الإسلامية من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم ..
ثالثًا: فقه وفوائد الحديث:
١ – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وأن هذه الآيات نزلت في غزوة الأحزاب، وتسمى- أيضًا – غزوة الخندق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حفر خندقًا حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقال بعضهم: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. [توفيق الرب المنعم، (8/ 495)].
٢ – (ومنها): “بيان ما ابتلى الله به المسلمين من الخوف، والمشقّة، والجوع، وما زادهم كلّ هذا إلا صبرًا، وثباتًا، ويقينًا
٣ – (ومنها): بيان ما انطوى عليه قلوب المنافقين من بغضهم للإسلام وأهله، ومحبتهم ظهور الكفر وأهله، وبثّهم الرعب والخوف في قلوب المسلمين، كما أبان الله تعالى عَوَارَهم، وفَضَحهم [البحر المحيط].
4 – (ومنها): بَيانُ نِعَمِه سُبحانَه وفَضلِه على المؤمِنينَ، ونَصْرِه لهم.
5 – (ومنها): إبراز فضل الله ونصره للمؤمنين دون قتال مباشر عبر الريح والملائكة.
6 – (ومنها): بيان أن الابتلاء سنة إلهية، حيث يختبر الله عباده ليميز الصادق من المنافق.
7 – (ومنها): إثبات أن النصر قد لا يأتي إلا بعد الابتلاء والصبر، كما حصل للمسلمين في هذه الغزوة.
8 – (ومنها): أهمية الثبات عند الشدائد وعدم الانهزام نفسيًا.
9 – (ومنها): مشروعية حفر الخندق كوسيلة دفاعية، وهي تدل على أهمية الأخذ بالأسباب في مواجهة العدو.
10 – (ومنها): أهمية التوكل على الله مع اتخاذ الأسباب.
11 – (ومنها): بيان حال المنافقين في الأزمات، حيث ظهرت الشكوك والظنون السيئة عند بعضهم.
12 – (ومنها): كشف الحديث عن طبيعة النفاق وكيفية ظهوره في المحن.
13 – (ومنها): بيان مدى الخوف الذي تعرض له الصحابة ومع ذلك صبروا وثبتوا.
14- في معنى حديث حذيفة حين تمنى رجل لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث للمقداد
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَاللهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ، فَاسْتُغْضِبَ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ، مَا قَالَ إِلَّا خَيْرًا، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ، وَاللهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْوَامٌ كَبَّهُمُ اللهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ لَمْ يُجِيبُوهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَلَا تَحْمَدُونَ اللهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ، مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ، وَاللهِ لَقَدْ بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهَا فِيهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتَحَ اللهُ قُفْلَ قَلْبِهِ لِلْإِيمَانِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ دَخَلَ النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ «، وَأَنَّهَا لَلَّتِي قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]
مسند أحمد (٢٣٨١٠)
قال محققو المسند: إسناده صحيح
وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٨٢٣).
15 – راجع زاد المعاد فقد لخص أحداث الغزوة تلخيصا بديعا