621 – تحضير سنن الترمذي
جمع أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ وَالغَنَمِ
٦٢١ – حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ البَغْدَادِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الهَرَوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ المَرْوَزِيُّ – المَعْنَى وَاحِدٌ – قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَعُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، وَكَانَ فِيهِ: «فِي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِي الشَّاءِ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَشَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةِ شَاةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةِ شَاةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ ⦗١٠⦘ شَاةٌ، ثُمَّ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَ مِائَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ»، وقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ المُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاءَ أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ خِيَارٌ، وَثُلُثٌ أَوْسَاطٌ، وَثُلُثٌ شِرَارٌ، وَأَخَذَ المُصَدِّقُ مِنَ الوَسَطِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزُّهْرِيُّ البَقَرَ، وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَبَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَنَسٍ.: «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ»، وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ هَذَا الحَدِيثَ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ
[حكم الألباني]: صحيح
جاء في “فتاوى اللجنة الدائمة” (9/202) : ” أجمع العلماء على وجوب الزكاة في سائمة الإبل والبقر والغنم ، إذا بلغت نصاباً ، وأوله في الإبل خمس ، وأوله في البقر ثلاثون ، وأوله في الغنم أربعون . والسائمة هي الراعية للحشائش ونحوها ، ضد المعلوفة والعوامل التي يحمل عليها أصحابها .
واختلفوا في وجوبها في المعلوفة والعوامل ؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيهما لما رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون .. ) الحديث ، فقيَّد وجوبها في الإبل بكونها سائمة فلا تجب في المعلوفة ، وأما العوامل فلحديث علي رضي الله عنه: ( ليس في العوامل صدقة ) . وذهب مالك وجماعة إلى وجوب الزكاة في المعلوفة والعوامل أيضاً …” انتهى .
——
وأما الإجماع، فأجمع على وجوب الزكاة في الإبل علماء الإسلام.
الشرح الكبير لابن قدامة، ٦/ ٣٩٤
مسائل في زكاة الإبل:
١ – الجبران في زكاة الإبل فقط، وهو أن من وجبت عليه فريضة فلم يجدها فله أن يخرج فريضة أعلى منها بسنة ويأخذ شاتين أو عشرين درهمًا أو فريضة أدنى منها بسنة ويدفع معها شاتين أو عشرين درهمًا؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ: «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنّها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنّها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون، فإنّها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة؛ فإنّها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنّها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين»
٢ – من بلغت صدقته بنت مخاض ولم تكن عنده وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه بدون أخذ الجبران؛ لحديث أنس رضي الله عنه الذي كتبه له أبو بكر رضي الله عنه، وفيه في رواية أبي داود: «… فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين؛ فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبونٍ ذكر …» (١).
٣ – الذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذكور إلا ابن اللبون إذا عدمت بنت المخاض؛ لحديث أنس رضي الله عنه السابق ذكره.
٤ – الشاة التي تؤخذ في زكاة الإبل وكذلك في جبران زكاة الإبل: إن كانت أنثى جذعة من الضأن أو ثنية من المعز فما فوق ذلك أجزأت بلا نزاع، والجذعة ما لها ستة أشهر، والثنية ما لها سنة (٢).
٥ – إن تطوع المزكي فأخرج سنًّا أعلى من السن الواجب جاز، مثل: أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض، أو حقة عن بنت لبون، أو عن بنت مخاض، أو عن الجذعة ابنتي لبون أو حقتين، قال ابن قدامة رحمه الله: «لا نعلم فيه خلافًا» (٣)؛ لحديث أبي كعب رضي الله عنه وفيه: أن رجلًا وجبت عليه في زكاة إبله ابنة مخاض فأعطى ناقة عظيمة فامتنع منها رسولُ رسولِ الله ﷺ فذهب بها إلى رسول الله ﷺ فطلب منه أن يقبلها بدلًا من ابنة مخاض، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك الذي عليك، فإن تطوّعت بِخَير آجرك الله فيه، وقبلناه منك» قال: فها هي ذِه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها، فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة (١).
٦ – يخرج عن إبله من جنسها، فيخرج عن البخاتي بختية، وعن العراب عربية، وعن الكرام كريمة، وعن السمان سمينة، وعن اللئام والهزال لئيمة هزيلة، فإن أخرج عن البخاتي عربية بقيمة البختية جاز؛ لأن القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصود، والله تعالى الموفق (٢).
٧ – لا مدخل للجبران في غير الإبل؛ لأن النص فيها ورد، وليس غيرها في معناها؛ لأنّها أكثر قيمة؛ ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها، فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونها لم يجز له إخراجها فإن وجد أعلى منها فأحب أن يتطوع بدفعها بغير جبران قبلت منه، وإن لم يفعل كلِّف شراءها من غير ماله (٣).
٨ – يجزئ الذكر إذا كان المال كله ذكورًا، سواء كان من إبل، أو بقر، أو غنم؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله (٤)؛ لأن في حديث أنس الذي كتب له أبو بكر رضي الله عنهما: «… فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر» (٥)؛ ولقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦).
زكاة بهيمة الأنعام السائمة ١/١٠-١٢ — سعيد بن وهف القحطاني (ت ١٤٤٠)
——
وتجب زكاة الغنم بالشروط الأربعة المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها ثابت بالسنة والإجماع:
أما السنة؛ فلحديث أنس رضي الله عنه في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه في فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، وقد تقدم ذكره آنفًا (٢)؛ ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: «… ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقرٍ لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاءُ، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها كلما مرت عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٣).
وأما الإجماع؛ فأجمع العلماء على وجوب الزكاة في الغنم (٤).
(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٨
الجدول العام لزكاة السائمة (١) من بهيمة الأنعام (٢)
لا يؤخذ في الصدقة: تَيس، ولا هَرمة، ولا معيبة، ولا شِرار المال.
لا يؤخذ في الصدقة: الهزيلة، ولا المخاض، ولا الأكولة، ولا خيار المال.
الغنم
المقدار [من – إلى] … زكاته
٤٠ – ١٢٠ … شاة
١٢١ – ٢٠٠ … شاتان
٢٠١ – ٣٠٠ … ثلاث شياه
ثم في كل ١٠٠ شاة
الإبل
المقدار [من – إلى] … زكاته
٥ – ٩ … شاة
١٠ – ١٤ … شاتان
١٥ – ١٩ … ثلاث شياه
٢٠ – ٢٤ … أربع شياه
٢٥ – ٣٥ … بنت مخاض
٣٦ – ٤٥ … بنت لبون
٤٦ – ٦٠ … حقة
٦٢ – ٧٥ … جذعة
٧٦ – ٩٠ … بنتا لبون
٩١ – ١٢٠ … حقتان
١٢١ – ١٢٩ … ثلاث بنات لبون
ثم في كل أربعين بنت لبون.
وفي كل خمسين حقة.
بنت مخاض: بنت سنة، وسميت بذلك؛ لأن أمها حامل.
بنت لبون: ما لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن أمها ذات لبن.
حقة: ما لها ثلاث سنين، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت الركوب.
جذعة: ما لها أربع سنين.
زكاة بهيمة الأنعام السائمة ١/١٧-١٨
———
——
قال شيخ الإسلام في مجموع “الفتاوى” (25/ 82): “وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد – رحمه الله – قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقرّ النص، ومنهم من جعلها على روايتين، والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه؛ ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهما ولم يعدل إلى القيمة؛ ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقًا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه. وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة؛ لكونها أنفع فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء”. اهـ.
——
قال ابن قدامة:
397 – مسألة؛ قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وليسَ فِيمَا دُونَ خمْسٍ مِنَ الإِبِلِ سَائِمَةً صَدَقَةٌ).
بدأ الخِرَقِىُّ، رحمه الله، بِذِكْرِ صَدَقَةِ الإِبِلِ؛ لأنَّها أهَمُّ، فإنَّها أعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وأجْسَامًا، وأَكْثَرُ أمْوَالِ العَرَبِ، فالاهْتِمامُ بها أوْلَى، وَوُجُوبُ زَكَاتِها مِمَّا أجْمَعَ عليه عُلَماءُ الإسلامِ، وصَحَّتْ فيه السُّنَّةُ عن النَبِىِّ صلى الله عليه وسلم، ومِن أَحْسَنِ ما رُوِىَ فى ذلك، ما رَوَى (1) البُخَارِىُّ فى “صَحِيحِه” (2)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُثَنَّى الأَنْصارِىُّ، قال: حَدَّثَنِى أبى، قال: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ أنَسٍ، أنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كَتَبَ له هذا الكِتَابَ، لمَّا وُجِّهَ إلى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على المُسْلِمِينَ، والتى أمَرَ اللهُ بها رَسُولَه (3) صلى الله عليه وسلم، فمَن سُئِلَهَا علَى (4) وَجْهِهَا [مِن المسلمين] (5) فَلْيُعْطِهَا، ومن سُئِلَ فَوْقَها فلا يُعْطِ: “في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ فما دُونَها من الإِبِلِ فى كل خَمْسٍ شَاةٌ، ….”. وذِكْرُ تَمَام الحَدِيثِ نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى فى أبْوَابِهِ، ورَوَاهُ أبُو دَاوُدَ، فى “سُنَنِهِ”، وزَادَ: “وإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ، فَفِيها بِنْتُ مَخَاضٍ، إلى أن تَبْلُغَ خَمْسًا وثَلَاثِينَ، فإن لم يَكُنْ فيها ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ”. وهذا كُلّه مُجْمَعٌ عليه إلى أن يَبْلُغَ عِشْرِينَ ومائة، ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ. قال: ولا يَصِحُّ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، ما رُوِىَ عنه فى خَمْسٍ وعِشْرِينَ. يَعْنِى ما حُكِىَ عنه فى خَمْسٍ وعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ (7). وقولُ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه: التى فَرَضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. يَعْنِى قَدَّرَ، والتَّقْدِيرُ يُسَمَّى فَرْضًا، ومنه فَرَضَ الحَاكِمُ لِلْمَرأةِ فَرْضًا. وقولُه: ومن سُئِلَ فَوْقَها فلا يُعْطِ. يَعْنِى لا يُعْطِى فَوْقَ الفَرْضِ (8). وأجْمَعَ المسلمونَ على أنَّ ما دُونَ خَمْسٍ من الإِبِلِ لا زَكَاةَ فيه. وقال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فى هذا الحَدِيثِ: “ومن لم يَكُنْ معه إلَّا أرْبَعٌ من الإِبِلِ، فلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّها”. وقال: “لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (9) صَدَقَةٌ”. مُتَّفَقٌ عليه (10).
والسَّائِمَةُ: الرَّاعِيَةُ، … وأهْلُ المَدِينَةِ يَرَوْنَ فيها الزَّكَاةَ، وليسَ عِنْدَهم فى هذا أصْلٌ. ولنا، قَوْلُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: “فى كُلِّ سَائِمَةٍ فى كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ”. فى حَدِيثِ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ (15)، فَقَيَّدَهُ بالسَّائِمَةِ، فَدَلَّ على أنَّه لا زَكاةَ فى غيرِها، وحَدِيثُهُم مُطْلَقٌ، فيُحْمَلُ على المُقَيَّدِ، ولأنَّ وَصْفَ النَّماءِ مُعْتَبَرٌ فى الزَّكَاةِ، والمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلْفُها نَماءَها، إلَّا أن يُعِدَّها لِلتِّجارةِ، فيكونُ فيها زكاةُ التِّجارةِ.
398 – مسألة؛ قال: (فَإذَا مَلَكَ خمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فأسَامَها أكْثَرَ السَّنَةِ، ففِيهَا شَاةٌ، وفِى العَشْرِ شَاتَانِ، وفى الخَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وفى العِشْرِينَ أرْبَعُ شِيَاهٍ)
وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه، وثَابِتٌ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بما رَوَيْنَاه وغيرِه، إلَّا قَوْلَه: “فأسَامَها أَكْثَرَ السَّنَةِ”. [فإنَّ مذهبَ إمامِنا ومذهبَ أبى حنيفةَ أنَّها إذا كانتْ سَائِمَةً أكْثَرَ السَّنَةِ] (1) ففيها الزكاةُ. وقال الشَّافِعِىُّ: إن لم تَكُنْ سَائِمَةً فى جميعِ الحَوْلِ فلا زكاةَ فيها؛ لأن السَّوْمَ شَرْطٌ فى الزكاةِ، فاعْتُبِرَ فى جَمِيعِ الحَوْلِ، كالمِلْكِ كمَالِ النِّصَابِ، ولأنَّ العَلْفَ [مُسْقِطٌ والسَّوْمَ مُوجِبٌ، فإذا] (2) اجْتَمَعَا غَلَبَ الإسْقَاطُ، كما لو مَلَكَ نِصَابًا بَعْضُهُ سَائِمَةٌ وبَعْضُهُ مَعْلوفٌ (3). ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ فى نُصُبِ الماشِيَةِ، واسْمُ السَّوْمِ لا يَزُولُ بالعَلْفِ اليَسِيرِ، فلا يَمْنَعُ دُخُولَها فى الخَبَرِ، ولأنَّه لا يَمْنَعُ حَقَّهُ المُؤْنَةُ (4)، فأشْبَهَتِ السَّائِمَةَ فى جميعِ الحَوْلِ، ولأنَّ العَلْفَ اليَسِيرَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه فاعْتِبَارُهُ فى جميعِ الحَوْلِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ بالكُلِّيَّةِ، سِيَّمَا عندَ مَنْ يَسُوغُ له الفِرَارُ من الزكاةِ، فإنَّه إذا (5) أرَادَ إسْقَاطَ الزكاةِ عَلَفَها (6) يَوْمًا فأسْقَطَها، ولأنَّ هذا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فى رَفْعِ الكُلْفَةِ فاعْتُبِرَ فيه الأكْثَرُ، كالسَّقْىِ بما لا كُلْفَةَ فى الزَّرْعِ والثِّمَارِ. وقَوْلُهم “السَّوْمُ شَرْطٌ” يَحْتَمِلُ أن يَمْنَعَ. ونَقُولُ: بل العَلْفُ إذا وُجِدَ فى نِصْفِ الحَوْلِ فما زَادَ مَانِعٌ، كما أنَّ السَّقْىَ بِكُلْفَةٍ مانِعٌ من وُجُوبِ العُشْرِ، ولا يكونُ مَانِعًا حتى يُوجَدَ فى النِّصْفِ فصَاعِدًا، كذا فى مَسْألَتِنا، [ثم إن] (7) سَلَّمْنَا كَوْنَهُ شَرْطًا فيجوزُ أن يكونَ الشَّرْطُ وُجُودَهُ فى أكْثَر الحَوْلِ، كالسَّقْىِ بما لا كُلْفَةَ فيه شَرْطٌ فى وُجُوبِ العُشْرِ، ويُكْتَفَى بِوُجُودِهِ فى الأكْثَر، ويُفَارِقُ ما إذا كان (8) بعضُ النِّصَابِ مَعْلُوفًا (9)؛ لأنَّ النِّصَابَ سَبَبُ الْوُجُوبِ (10)، فلا بُدَّ من وُجُودِ الشَّرْطِ فى جميعِه، وأمَّا الحَوْلُ فإنَّه شَرْطُ الوُجُوبِ، فجازَ أن يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ فى أكْثَرِه.
فصل: ولا يُجْزِئُ فى الغَنَمِ المُخْرَجَةِ فى الزَّكَاةِ إلَّا الجَذَعُ (11) من الضَّأْنِ، والثَّنِىُّ (11) من المَعْزِ، وكذلك شَاةُ الجُبْرَانِ، وأيُّهما أَخْرَجَ اجْزَأَهُ. ولا يُعْتَدُّ (12) كَوْنُها من جِنْسِ [غَنَمِهِ، ولا جِنْسِ] (13) غَنَمِ البَلَدِ، لأنَّ الشَّاةَ مُطْلَقَةٌ فى الخَبَرِ الذى ثَبَتَ به وُجُوبُها، وليس غَنَمُهُ ولا غَنَمُ البَلَدِ سَبَبًا لِوُجُوبِها، فلم يَتَقَيَّدْ بذلك، كالشَّاةِ الوَاجِبَةِ فى الفِدْيَةِ، وتكونُ أُنْثَى، فإن أخْرَجَ ذَكَرًا لم يُجْزِئْهُ؛ لأنَّ الغَنَمَ الوَاجِبَةَ فى نُصُبِها إنَاثٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَهُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم أطْلَقَ لَفْظَ الشَّاةِ، فيدخلُ (14) فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، ولأنَّ الشَّاةَ إذا تَعَلَّقَتْ بالذِّمَّةِ دُونَ العَيْنِ أجْزَأ فيها الذَّكَرُ كالأُضْحِيَةِ، فإن لم يكن له غَنَمٌ لَزِمَهُ شِرَاءُ شَاةٍ. وقال أبو بكرٍ: يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، قِيَاسًا على شَاةِ الجُبْرَانِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم نَصَّ على الشَّاةِ، فيَجِبُ العَمَلُ بِنَصِّه، ولأنَّ هذا إخْرَاجُ قِيمَةٍ فلم يَجُزْ، كما لو كانتِ الشَّاةُ وَاجِبَةً فى نِصَابِها، وشَاةُ الجُبْرَانِ مُخْتَصَّةٌ بالبَدَلِ بِعَشَرَة دَرَاهِمَ (15)، بِدَلِيلِ أنَّها لا تجوزُ بَدَلًا عن الشَّاةِ الوَاجِبَةِ فى سَائِمَةِ الغَنَمِ.
فصل: فإن أخْرَجَ عن الشَّاةِ بَعِيرًا لم يُجْزِئْهُ، سَوَاءٌ كانتْ قِيمَتُهُ أكْثَرَ من قِيمَةِ الشَّاةِ أو لم يكنْ، وحُكِىَ عن مَالِكٍ وداودَ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُ (16) البَعِيرُ عن العِشْرِينَ فما دُونَها. ويَتَخَرَّجُ (17) لَنا مِثلُ ذلك إذا كان المُخْرَجُ مما يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ؛ لأنه يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ، والعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فيها، ولأنَّ ما أجْزَأ عن الكَثِيرِ أجْزَأَ عَمَّا دُونَه، كابْنَتَىْ لَبُونٍ عمَّا دُونَ سِتَّةٍ وسَبْعِينَ. ولنَا، أنَّه أَخْرَجَ غيرَ المَنْصُوصِ عليه من غيْرِ جِنْسِه، فلم يُجْزِهِ، كما لو أخْرَجَ بَعِيرًا عن أرْبَعِينَ شاةً، ولأنَّ النَّصَّ وَرَدَ بالشَّاةِ، فلم يُجْزِئ البَعِيرُ كالأصْلِ، أو كشَاةِ الجُبْرَانِ، ولأنَّها فَرِيضَةٌ وَجَبَتْ فيها شَاةٌ فلمْ (18) يُجْزِئ عنها البَعِيرُ، كنِصابِ الغَنَمِ، ويُفارِقُ ابْنَتَىْ لَبُونٍ عن الجَذَعَةِ؛ لأنَّهما (19) من الجِنْسِ.
فصل: وتكونُ الشَّاةُ المُخْرَجَةُ كحالِ الإِبِلِ فى الجَوْدَةِ والرَّدَاءةِ….. وطول في ذكر التفريعات وخلاصتها ما تقدم
وكذلك ذكر تلك التفريعات من المعاصرين صاحب فتح العلام شرح بلوغ المرام وإليك هذا النقل فطرقته بديعة :
*مسائل في فتح العلام شرح بلوغ المرام*
*مسألة [١]: زكاة الإبل، والغنم، والبقر.*
أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، وهي الثلاثة الأصناف المذكورة، ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وابن حزم، وغيرهم.
ودلَّ على ذلك حديث أنس رضي الله عنه الذي في الكتاب، وكذلك حديث معاذ رضي الله عنه الآتي في الكتاب أيضًا، وكذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يُقضى بين الناس».
أخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٩٩٠)، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (٩٨٧) (٩٨٨) بنحوه عن أبي هريرة، وعن جابر رضي الله عنهما. انظر: «التمهيد» (٧/ ١٠ -)، «المحلَّى» (٦٤٠)، «المغني» (٤/ ١٠، ٣٠، ٣٨)، «المجموع» (٥/ ٣٣٨)، «الإجماع» لابن المنذر (١٠٧).
*مسألة [٢]: المتولد من الغنم والظِّباء.*
- في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: فيها الزكاة، وهو مذهب أحمد، سواء كانت الظِّباء هي الإناث، أو الذكور.
الثاني: إنْ كانت الإناث غنمًا وجبت فيها الزكاة، وإلا فلا، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة.
الثالث: لا زكاة فيها مطلقًا، وهو قول الشافعي، وداود، وهذا هو الراجح؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب الزكاة في جنس من الحيوانات إلا بدليل صريح، ولا دليل على ذلك، والله أعلم. انظر: «المجموع» (٥/ ٣٣٩)، «المغني» (٤/ ٣٦ – ٣٧).
*مسألة [٣]: هل يُشترط في زكاتها أن تكون سائمة؟*
- ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط السَّوم في الزكاة، واستدلوا بحديث أنس
الذي في الكتاب، وفيه: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ: شَاةٌ»، وبحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: «في كل سائمة إبلٍ في أربعين: بنت لبون …» الحديث مرفوعًا، وهو حسن، وقاسوا البقر على الإبل، والغنم.
- وذهب مالك، والليث، وبعض الظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك، واستدلوا ببعض الأدلة المطلقة في إيجاب الزكاة بدون تقييد بالسَّوم.
- وذهب بعض الظاهرية إلى اشتراط ذلك في الغنم، والبقر دون الإبل، وبعضهم شرط ذلك في البقر فقط.
والصواب هو قول الجمهور؛ لظاهر الأدلة المتقدمة، والله أعلم. انظر: «المغني» (٤/ ١٢، ٣٢، ٣٨)، «المجموع» (٥/ ٣٥٧)، «المحلَّى» (٦٧٨).
*مسألة [٤]: فإذا كانت سائمة بعض الحول، وبعضه غير سائمة؟*
من أهل العلم من قال: العبرة بالأغلب؛ فإن كانت أكثر العام سائمة؛ ففيها الزكاة، وإن كانت أكثر العام معلوفة؛ فلا زكاة فيها. وهذا قول الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية. وهذا القول هو الصواب؛ فالنادر لا حكم له.
وقال بعض الشافعية: يعتبر بما يقوم به البدن؛ فإن علفت ما يقوم البدن بدونه، كاليوم واليومين؛ فلا تزال سائمة؛ وإن علفت ما لا يقوم البدن بدونه صارت معلوفة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وإن تساوى الأمران وجبت الزكاة أيضًا؛ لأنه يطلق عليها سائمة، ولأنه أحظ للفقراء. انظر: «الحاوي الكبير» (٣/ ١٩٠)، «الموسوعة» (٢٣/ ٢٥٠)، «الروضة» (٢/ ٤٧، ١٩٢).
*مسألة [٥]: نصاب الإبل، والواجب فيها.*
يجب في خمس من الإبل شاة من الغنم، وكذلك أيضًا فيما زاد على خمس إلى أن تتم له عشر من الإبل؛ ففيها: شاتان من الغنم -الضأن أو الماعز-.
وكذلك فيما زاد حتى تتم له خمس عشرة؛ ففيها: ثلاث شياه.
وكذلك فيما زاد حتى تتم له عشرون؛ ففيها: أربع شياه.
وكذلك فيما زاد حتى تتم له خمسة وعشرون؛ ففيها: بنت مخاض أنثى، وهي التي بلغت سنة، واستكملتها، ودخلت في الثانية؛ فإنْ لم يكن عنده بنت مخاض، وعنده ابن لبون ذكر، وهو الذي بلغ سنتين، واستكملها، ودخل في الثالثة؛ فإنه يجزئ عنه، وليس عليه معه شيئ.
وكذلك فيما زاد على خمس وعشرين، حتى تتم له ستة وثلاثون؛ ففيها: بنت لبون، وهي التي استكملت سنتين، ودخلت في الثالثة.
وكذلك فيما زاد على ستة وثلاثين حتى تبلغ ستة وأربعين؛ ففيها: حِقَّة، وهي التي استكملت ثلاث سنوات، ودخلت في الرابعة.
وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تبلغ إحدى وستين؛ ففيها: جذعة، وهي التي استكملت أربع سنوات، ودخلت في الخامسة.
وكذلك فيما زاد حتى تبلغ ستة وسبعين؛ ففيها: بنتا لبون.
وكذلك فيما زاد حتى تبلغ إحدى وتسعين؛ ففيها: حِقَّتان.
وكذلك فيما زاد حتى تبلغ مائة وعشرين؛ ففيها أيضًا: حِقَّتان، فإذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حِقَّة، باعتبار الإبل كلها، ففي إحدى وعشرين ومائة: ثلاث بنات لبون.
وكذلك فيما زاد حتى تكون له ثلاثون ومائة؛ ففيها: بنتا لبون وحِقَّة.
وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له أربعون ومائة، ففيها حِقَّتان وبنت لبون.
وكذلك فيما زاد على ذلك حتى تكون له خمسون ومائة؛ ففيها: ثلاث حِقَاق.
وكذلك فيما زاد على ذلك حتى تكون له ستون ومائة؛ ففيها: أربع بنات لبون.
وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له سبعون ومائة؛ ففيها: ثلاث بنات لبون وحِقَّة.
وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له ثمانون ومائة؛ ففيها: حِقَّتَان، وبنتا لبون.
وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له تسعون ومائة؛ ففيها: ثلاث
حِقَاق، وبنت لبون واحدة.
وكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له مائتان؛ ففيها: أربع حِقَاق، أو خمس بنات لبون.
وهكذا يستمر على هذا الحساب فيما زاد على ذلك، وليس على من معه أقل من خمس من الإبل صدقة.
والأحكام التي تقدم ذكرها بعضها مجمع عليها، وبعضها مختلف فيها، وسأذكر المختلف فيها مما تقدم لبيان وجه الاختلاف والترجيح وما عداها فمُجمعٌ عليه كما نقل ذلك ابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة وغيرهم. انظر: «المحلَّى» (٦٧٤)، «التمهيد» (٧/ ١٠ -) ط/مرتبة، «المغني» (٤/ ١٦ -)، «المجموع» (٥/ ٤٠٠).
*مسألة [٦]: إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين؟*
تقدم أنَّ عليه فيها بنت مخاض أنثى؛ فإنْ لم تكن؛ فابن لبون ذكر، وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن علي رضي الله عنه، أنَّ فيها خمسَ شياهٍ، وهو من طريق: عاصم بن ضمرة، عنه، قال: فإذا زادت على خمسٍ وعشرين؛ ففيها: بنت مخاضٍ. وقد رُوي عن علي مرفوعًا.
وقد أَنكر أهل العلم ثبوت المرفوع، والموقوف، وعاصم بن ضمرة يروي عن علي منكرات، كما في «الكامل»، و«الميزان».
قال النووي رحمه الله في الحديث المرفوع: متفقٌ على ضعفه، ووهائه، وضعَّفَ ابن المنذر الموقوف، فقال: أجمعوا على أنَّ في خمسٍ وعشرين بنت مخاض، ولا يصح عن علي ما رُوي عنه فيها. اهـ. انظر: «المغني» (٤/ ١٦)، «المجموع» (٥/ ٤٠٠)، «الفتح» (١٤٥٤)، «المحلَّى» (٦٧٤).
*مسألة [٧]: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة؟*
- ذكرنا أنَّ فيها ثلاث بنات لبون، وهو مذهب أكثر أهل العلم، ومنهم: الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بحديث أنس رضي الله عنه الذي في الباب، وبنحوه كتاب آل عمر بن الخطاب.
- وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفرض لا يتغير حتى يبلغ مائة وثلاثين؛ ففيها: حِقَّة وبنتا لبون، وهذا قول أبي عبيد، ورواية عن مالك؛ لأنَّ الفرض لا يتغير بزيادة واحدة كسائر الفروض.
- وذهب النخعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنها إنْ زادت على عشرين ومائة؛ استؤنِفت الفريضة في كل خمسٍ: شاةٌ، إلى أن تبلغ خمسين؛ ففيها: حِقَّة إلى الحقتين المتقدمتين، وهكذا في كل خمسٍ: شاةٌ، إلى أن تبلغ الخمسين؛ ففيها: حِقَّة أخرى، وهكذا. واستدلوا بكتاب عمرو بن حزم، ففيه ما يدل على ما ذكروا، وهو حديث مرسل، ومع ذلك قال ابن قدامة رحمه الله: وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف في صفته، فرواه الأثرم في «سننه» مثل مذهبنا، والأخذ بذلك أولى؛ لموافقته الأحاديث الصحاح. اهـ
واحتجَّ أهلُ هذا القول بما أسنده ابن حزم (٦/ ٣٤)، بإسناده عن علي رضي الله عنه، قال: فإذا زادت على عشرين ومائة؛ فبحساب الأول، وتُسْتَأنف الفرائض.
وهذا الأثر قد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٢٥) أيضًا، وهو من طريق عاصم ابن ضمرة عن علي، وله عن علي رضي الله عنه بعض التفردات.
وهذا القول عن علي رضي الله عنه، ليس بصريح في مذهبهم، ولو سُلِّم بأنه أراد مذهبهم؛ فالحجة في قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وعليٌّ قد خالفه أكثر منه من الصحابة، وأجلّ منه، كأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم.
وقد استُدِلَّ لأهل القول الثاني بما رواه أبو عبيد في «الأموال» بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: إنَّ في كتاب صدقةِ النبي ﷺ، وفي كتاب عمر في الصدقة: «إنَّ الإبل إذا زادت على عشرين ومائة؛ فليس فيها دون العشر شيء، حتى تبلغ ثلاثين ومائة».
وهذا حديثٌ مرسلٌ، وقد أخطأ فيه محمد بن عبد الرحمن؛ فإنَّ الثابت عن كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي في حديث أنس عن أبي بكر الصديق، وهو المذكور في الباب، وإسناده صحيح، وأما الذي في كتاب عمر؛ فقد أخرجه أبو داود (١٥٧٠) بإسناد صحيح عن ابن شهاب، قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال: أقرأني إياها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، وذكر الحديث، وفيه: «وإذا كانت إحدى وعشرين
ومائة؛ ففيها: ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها؛ ففيها: بنتا لبون وحِقَّة».
قال ابن حزم رحمه الله: وهذا خير مما أتونا به، وهذا في كتاب عمر حقًّا، لا تلك المكذوبة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: فالصواب هو القول الأول، وقد نصره ابن حزم، ودافع عنه بكلام جيد كما في «المحلَّى». انظر: «المحلَّى» (٦٧٤)، «المغني» (٤/ ٢٠)، «المجموع» (٥/ ٤٠٠)، «الأموال» (ص ٥٠٣ -).
*مسألة [٨]: إذا بلغت الإبل حدًّا يستوي فيه بنات اللبون، والحِقَاق كالمائتين؟*
- ذكرنا أنَّ له أن يُخرِج خمس بنات لبون، أو أربع حِقاق، وهذا القول هو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب أحمد، والأصح عند أصحابه.
- وذهب الشافعي في القديم، وهو قول بعض أصحابه، وهو رواية عن أحمد إلى أنَّ عليه أربع حِقَاق؛ لأنها أنفع للمساكين، والله يقول: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] الآية، وحَمَلَ ابن قدامة الرواية التي عن أحمد بأنَّ المقصود أنَّ عليه أربع حِقاق بصفة التخيير.
قلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ذلك يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة»، بل جاء ذلك صريحًا في كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
الذي كان عند آل عمر ابن الخطاب، ففيه: «فإذا كانت مائتين؛ ففيها أربع حِقَاق، أو خمس بنات لبون». انظر: «المغني» (٤/ ٢٣)، «المجموع» (٥/ ٤١١).
*مسألة [٩]: هل يتعين عليه إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل؟*
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (٤/ ١٥): فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَدَاوُد. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ الْبَعِيرُ عَنْ الْعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا.
قال: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ مِمَّا يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَالْعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فِيهَا، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ الْكَثِيرِ أَجْزَأَ عَمَّا دُونَهُ. اهـ
قلتُ: أما إذا كان المخرج يُجزئ عن خمس وعشرين؛ فالأظهر أنه يُجزئ عمَّا دونها، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين رحمه الله.
وأما إذا كان دون ذلك؛ فالأظهر أنه لا يُجزئ؛ لأنَّ الشارع نصَّ على الشاة، وإنما أجزناه فيما إذا كانت تجزئ عن خمس وعشرين؛ لأنَّ الشارع قد اعتبرها في عدد أكبر؛ فجازت في العدد الأصغر إذا طابت نفسُ صاحب المال، والله أعلم. وانظر: «الفتح» (١٤٥٤)، «المجموع» (٥/ ٣٩٥ -).
*مسألة [١٠]: إذا لم يكن عند صاحب المال بنت مخاض؟*
ذكرنا أنه يُخرِج ابن لبون ذكر؛ لحديث أنس الذي في الكتاب، وهو قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة، فقال: إنْ لم تكن عنده بنت مخاض؛ فإنه يؤدي
قيمتها، ولا يؤدي ابن لبون ذكر.
قال ابن حزم رحمه الله: وقول أبي حنيفة خلاف لرسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم. انظر: «المحلَّى» (٦٧٤) (٦/ ٢٢ – ٢٣)، «المجموع» (٥/ ٤٠١)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٧٩، و١٨٠).
تنبيه: لا يُجزئه إخراج ابن لبون ذكر ومعه في ماله بنت مخاض أنثى؛ لظاهر الحديث المتقدم، وأجاز أبو حنيفة إخراجه على وجه القيمة. انظر: «المغني» (٤/ ١٧)، «المجموع» (٥/ ٤٠١)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٧٩).
*مسألة [١١]: إذا لم يكن معه بنت مخاض، ولا ابن لبون؟*
ذكر أهل العلم أنه يلزمه الشراء، وهل يلزمه شراء بنت مخاض، أم ابن لبون؟ على قولين:
- ذهب أحمد، ومالك إلى أنه يلزمه شراء بنت مخاض؛ لأنهما استويا في العدم؛ فلزمته بنت المخاض كما لو استويا في الوجود، والحديث محمول على وجوده للرفق به، وإغناء له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، وهذا قول بعض الشافعية.
- وذهب الشافعي، وهو قول الأكثر من أصحابه إلى أنه يشتري أيهما شاء، ويجزئه. قالوا: والأفضل بنت مخاض؛ لأنها الأصل. انظر: «المغني» (٤/ ١٧)، «المجموع» (٥/ ٤٠١).
*مسألة [١٢]: إذا كان عنده خمس إبل ضِعَافٍ لا تساوي شاةً؟*
- ذهب الشافعي، وأبو يوسف إلى أنه يجزئه أن يُخرج بعيرًا منها.
- وذهب مالك، وداود، وابن حزم، وغيرهم إلى أنه لا يُجزئه إلا شاة، وهو الصواب، إلا أن يكون أحد الخمسة مما يجزئ عن زكاة خمس وعشرين من الإبل؛ كابنة مخاض، أو ابن لبون ذكر؛ فلا بأس به، ويجزئه إن شاء الله كما ذكر الشافعي؛ لأنه إذا أجزأ عن العدد الأكبر؛ أجزأ عن الأصغر. انظر: «المحلَّى» (٦/ ٢٢)، (٦٧٤).
*مسألة [١٣]: إذا وجب عليه سنٌّ من الإبل، فأخرج سِنًّا أعلى منه؟*
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (٤/ ١٨): وإنْ أخرج عن الواجب سِنًّا أعلى من جنسه، مثل أن يُخرِج بنت لبون عن بنت مخاض، وحِقَّة عن بنت لبون، أو بنت مخاض، أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون، أو حِقَّتَيْن؛ جاز، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ
وقال ابن حزم رحمه الله في «المحلَّى» (٦٧٤) (٦/ ٢٣): وأجازوا كلهم إعطاء أفضل مما لزمه من الأسنان إذا تطوع بذلك.
*مسألة [١٤]: من وجب عليه سِنٌّ وفقده في ماله؟*
- ذهب كثير من العلماء إلى أنه يُعطي سِنًّا فوقها، أو دونها، ويجبر النقص بشاتين، أو عشرين درهمًا، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وإسحاق في رواية، وهو قول النخعي، واستدلوا بحديث أنس الذي في الكتاب، وهو مختصر، وهو في «صحيح البخاري» أتم؛ فإن أعطى سِنًّا فوقها؛ أعطاه الساعي جبرًا، وإنْ أعطى سِنًّا دونها؛ أعطى الساعي جبرًا.
- وذهب الثوري، وأبو عبيد، وإسحاق في رواية إلى أنَّ الجُبران بشاتين، أو عشرة دراهم؛ لأنَّ نصاب الغنم أربعون شاةً، ونصاب الفضة مائتا درهم؛ فكانت الشاة تعدل خمسة دراهم.
- وذهب مكحول، والأوزاعي، وأصحاب الرأي إلى أنه يخرج قيمة السن الواجب وجوبًا.
- وذهب مالك إلى أنه يلزم رب المال شراء ذلك السِّن.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب بدون ريب؛ لدلالة حديث أنس عليه، ولكن إذا أحب أن يشتري كما قال مالك؛ فلا بأس عندهم، وأما من قال بعشرة دراهم فدليلهم مفهوم، ودليلنا نصٌّ في محل النزاع؛ فوجب تقديمه، والله أعلم. انظر: «المغني» (٤/ ٢٥ – ٢٦)، «المجموع» (٥/ ٤١٠)، «المحلَّى» (٦/ ٢٣)، (٦٧٤).
*مسألة [١٥]: من عدم السن الواجبة، والتي تليها؟*
- ذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يخرج السن التي بعد التي تليها، ويكون الجبر بأربعين درهمًا، أو أربع شياه.
قال ابن قدامة رحمه الله: وأومأ إليه أحمد، وذلك لأنَّ النص معقول المعنى؛ فإنَّ الجبر بشاتين، أو عشرين درهمًا كان لنقص سنة، فإذا كان النقص سنتين؛ كان الجبر بالضعف. اهـ
- وذهب بعض الحنابلة، وابن المنذر، وابن حزم إلى أنه لا يجوز زيادة على جبران واحد كما ثبت في الحديث المذكور في الكتاب، ولم يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الانتقال إلى سن أبعد، ويجب عليه شراء السن الواجب.
قلتُ: والقول الأول أظهر، والله أعلم. انظر: «المغني» (٤/ ٢٧)، «المجموع» (٥/ ٤٠٨)، «المحلَّى» (٦/ ٢٣).
*مسألة [١٦]: نصاب زكاة الغنم، والواجب فيها.*
ليس على صاحب الغنم زكاة حتى تبلغ عنده أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين؛ ففيها: شاةٌ، وكذلك فيما زاد، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة؛ ففيها: شاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة على مائتين؛ ففيها: ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، وهذا كله مجمع عليه، قاله ابن قدامة رحمه الله، ثم استثنى خلافًا رُوي عن معاذ، ولا يثبت عنه؛ فإنه منقطع.
وإذا زادت الغنم على ثلاثمائة؛ ففي كل مائةٍ: شاةٌ، ومعناه أنَّ جميع المال، ينظر كم فيه من المئات؛ فعليه في كل مائةٍ: شاةٌ، فالثلاثمائة عليها ثلاث شياه، والثلاثمائة والخمسون عليها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ أربعمائة؛ ففيها: أربع شياه، وعلى هذا فيكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربعمائة، وذلك مائة وثمانية وتسعون، وهذا القول يدل عليه حديث أنس رضي الله عنه الذي في الكتاب، وحديث كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي عند آل عمر بن الخطاب، واللفظ فيه أصرح مما في حديث أنس، ففيه: «فإذا زادت على ثلاثمائة وواحدة؛ فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة شاة؛ ففيها: أربع شياه».
- وذهب النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد في رواية إلى أنها إذا زادت على ثلاثمائة واحدة؛ ففيها أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة؛ فيكون في كل مائةٍ: شاةٌ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جَعَلَ الثلاثمائة حدًّا للوقص وغايةً له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين، وهذا قياسٌ يرده قول النبي: «فإذا زادت على ثلاثمائة؛ ففي كل مائةٍ: شاةٌ»، واللفظ الآخر الذي تقدم، والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. انظر: «المغني» (٤/ ٣٩)، «المجموع» (٥/ ٤١٧ – ٤١٨)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٣٣).
*مسألة [١٧]: العيوب التي لا تؤخذ في زكاة الماشية.*
جاء في حديث أنس المذكور في الكتاب: «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس؛ إلا أنْ يشاء المصدق».
الهرمة: هي الكبيرةُ السِّن، التي قد سقطت أسنانها، وذات العوار: بفتح العين، أي: ذات العيب، والتيس هو: فحل الغنم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (١٤٥٥): (الْمُصَدِّق) اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ يعني تشديد الصاد وَالْمُرَادُ: الْمَالِكُ، وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد، وَتَقْدِير الْحَدِيث: لَا تُؤْخَذُ هَرِمَة وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ أَصْلًا، وَلَا يُؤْخَذُ التَّيْس، وَهُوَ فَحْل الْغَنَم؛ إِلَّا بِرِضَا الْمَالِكِ؛ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَفِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ اِخْتِيَارِهِ إِضْرَار بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال: وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاء مُخْتَصّ بِالثَّالِثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِتَخْفِيف الصَّاد، وَهُوَ السَّاعِي، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى التَّفوِيضِ إِلَيْهِ فِي اِجْتِهَادِهِ؛ لِكَوْنِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْوَكِيلِ؛ فَلَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِمَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِدُ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيّ، وَلَفْظه: وَلَا تُؤْخَذُ ذَات عَوَارٍ، وَلَا تَيْس، وَلَا هَرِمَة؛ إِلَّا أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل لِلْمَسَاكِينِ، فَيَأْخُذُهُ عَلَى النَّظَرِ. اِنْتَهَى. وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي تَنَاوُلِ الِاسْتِثْنَاءِ جَمِيع مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ، فَلَوْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا مَعِيبَة مَثَلًا، أَوْ تُيُوسًا؛ أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا، وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ: يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاة مُجْزِئَةً؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُمْ كَالْأَوَّلِ. اهـ
قلتُ: وهناك اختلاف آخر في ضبط (الْمُصَدِّق)، فذهب أبو عبيد إلى أنها بتخفيف الصاد، وفتح الدَّال المشددة، أي: صاحب المال، وتعقَّبَه الخطَّابي بأنَّ أكثر الرُّواة يضبطونه بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشددة، أي: السَّاعي. وقد تقدم من كلام الحافظ رحمه الله معنى الروايتين.
وقال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (٤/ ٤٠ – ٤١): وَعَلَى هَذَا لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ، وَهُوَ السَّاعِي، أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ؛ فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَيَأْخُذَ هَرِمَةً، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ مِنْ الْهَرِمَاتِ، وَذَاتَ عَوَارٍ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَتَيْسًا مِنْ التُّيُوسِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ رَأَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ أَخْذَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ. اهـ