[1ج/ رقم (528)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق أبي تيسير ، ومحمد البلوشي ،
وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (528)]:
مسند أبي عبيدة عامر بن الجَرَّاح رضي الله عنه
٥٢٨ – قال الإمام أحمد رحمه الله (١٦٩١): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
* وقال الإمام أحمد رحمه الله (١٦٩٤): حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: «أَنْ أَخْرِجُوا يَهُودَ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ».
هذا حديث صحيحٌ، ورجاله ثقات.
* وقد أخرجه أبو يَعْلى (ج ٢ ص ١٧٧) فقال رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَخْرِجُوا يَهُودَ الْحِجَازِ وَأَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شَرَّ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ».
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد في مسنده، (١٦٩١).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٥ – كتاب الجنائز، ٥٥ – لا يقبر في المسجد ولا يبنى مسجد على قبور، (١٢٣٩).
١٣ – كتاب الجهاد والغزوات، ٣٨ – لا يترك بجزيرة العرب دينان، (١٩٩٢).
٣٣ – كتاب التفسير، ١٨٨ – بيان أن قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٩] في غير جزيرة العرب، (٤١٠٩).
٣٤ – كتاب التوحيد، ٢٣ – تحريم اتخاذ القبور مساجد، (٤٤٩٠).
وقال محققو المسند – ط: الرسالة -:
عن حديث الباب: “إسناده صحيح، يحيى بن سعيد: هو القطان، وإبراهيم بن ميمون الحناط المعروف بالنخاس مولى آل سمرة، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وسعد بن سمرة وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات» ٤/٢٩٤.
قال الدارقطني في «العلل» ٤/٤٣٩-٤٤٠: رواه إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة، عن سعد بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبندة بن الجراح. قال ذلك يحيى القطان وأبو أحمد الزبيري، وخالفهما وكيع، فرواه عن إبراهيم بن ميمون، فقال: إسحاق بن سعد بن سمرة، عن أبيه، عن أبي عبيدة، ووهم فيه والصواب قول يحيى القطان ومن تابعه.
وأخرجه الدارمي (٢٤٩٨)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٤/٥٧، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٣٥) و(٢٣٦)، والبزار (٤٣٩- كشف الأستار)، وأبو يعلى (٨٧٢)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٤/١٢، والبيهقي ٩/٢٠٨ من طريق يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد، وبعضهم يرويه مختصرًا.
وأخرجه الطيالسي (٢٢٩)، والحميدي (٨٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٤/٥٧، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٤/١٢ و١٣، والشاشي (٢٦٤)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٥٩٦) من طرق عن إبراهيم بن ميمون، به. وسيأتي برقم (١٦٩٤) و(١٦٩٩)”. انتهى.
وقالوا عن أول ملحق الرواية:
” إسناده صحيح. وأخرجه الطحاوي في »شرح مشكل الآثار” ٤/١٣ من طريق الزبيري، بهذا الإسناد. وانظر (١٦٩١)”. وهو في المسند برقم (١٦٩٤).
وأما عن ملحق الرواية الثانية في مسند أبي يعلى رحمه الله تعالى، فقال المحقق عنه – دار المأمون للتراث – : “إسناده صحيح”.
والثاني: شرح وبيان الحديث
(مسند أبي عبيدة عامر بن الجَرَّاح رضي الله عنه)، هو عامرُ بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضَبةَ بن الحارث بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكَةَ بن إلياس بنِ مُضَرَ بنِ نزار بنِ معد بن عدنان، أبو عبيدة القرشي الفِهْري.
أحَد العشرة المشهود لهم بالجنة.
وأمين هذه الأمة بنص الحديث الصحيح عن سيدِ المرسلين.
أسلم قديمًا وشَهِدَ المشاهِدَ كُلها، وقتل أباه يومَ بدرٍ بيده، ونزع الحلقتين من وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، أزَم على كل واحدة منهما بأسنانه حتى لا يؤذي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فسقطت ثنيته، فكان أحسنَ الناس هتمًا. وأسلمت أمه أميمة بنت غنم بن جابر.
وأرسله رسول الله – صلى الله عليه وسلم إلى نجران ، وقال:. لأبعثن معكم أمينًا حقُّ أمين «فاستشرف لها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث معهم أبا عبيدة، وقال: “هذا أمين هذه الأمة”.
ولما كان يوم السقيفة، قال أبو بكر: رضيتُ لكم أحَدَ هذينِ الرجلين، فأشار إليه وإلى عمر، وكانا إلى جانبه.
وقال عمر حين احتُضِرَ: لو كان أبو عبيدة حيًا لبايعتُه، ولهذا ذهب من قال: إنه أفضلُ الصحابة بعد الشيخين. وقال الجريري، عن عبدِ الله بن سفيان، عن عائشة، قالت: كان أحب الناسِ إلى رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثمَ أبو عبيدة.
ولما ولي عُمَرُ بن الخطاب إمرةَ المؤمنين، عزل خالدَ بن الوليد عن إمرة الشام وولاها أبا عبيدة، فسمي: أمير الأمراء، وكان أول من سُمي بذلك، قاله ابنُ عساكر.
وقال علي بن رباح، عن علي بنِ عبد الله بن عمرو: ثلاثة هم أصبحُ قريش وجوهًا، وأثبتها حياءً، إن حَدَّثوك لم يكذبوك، وإن حدَّثتهم لم يُكذبوك: أبو بكر وعثمان وأبو عُبيدة.
وقال الزبير بنُ بكار: كان يقال: داهيتا قريش اثنان: أبو بكر وأبو عبيدة.
وقال محمد بن سعد وغيرُ واحد: تُوفي بطاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنة رضي الله عنه.
«جامع المسانيد والسنن» ٥/الورقة ٢٣٣، وانظر «سير أعلام النبلاء» ١/٥-٢٣. [حاشية مسند الإمام أحمد، طبعة الرسالة، (3/ 219 – 220)].
قال ابن تيمية :
ومما ينبغي أن يعلم، أن أهل نجران كان منهم نصارى أهل ذمة وكان منهم مسلمون – وهم الأكثرون – والنبي ﷺ بعث أبا عبيدة لهؤلاء وهؤلاء، واستعمل عمرو بن حزم على هؤلاء وهؤلاء، كما أخرجا في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
وعن أنس أيضا: أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ، فقالوا ابعث معنا رجلا أمينا، يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح، فقال: هذا أمين هذه الأمة.
وفي الصحيحين: عن حذيفة بن اليمان، قال: «جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينا، فقال: لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين حق أمين».
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية — ابن تيمية
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): تعلق الحديث بموضوع الأسباب الموصلة إلى الشرك:
(المطلب الأول): التحذير من الغلو في القبور:
الحديث يحذر من اتخاذ القبور مساجد، وهذا فعل يدل على الغلو في أصحاب هذه القبور.
الغلو في الصالحين والأولياء هو أحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى الشرك الأكبر، حيث يبدأ بتعظيمهم ثم يتطور إلى عبادتهم.
والذي قد يتطور إلى الشرك الأكبر، كما حدث مع بعض الأمم السابقة.
قال ابن تيمية :
٢٨٩٦ – أَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَتُسَمَّى «مَشاهِدَ»: فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ؛ بَل جَمِيعُ الْأُمَّةِ يَنْهَوْنَ عَن ذَلِكَ، لِمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا» ..
فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا فِيهَا فَضْلٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا، أَو أَنَّهَا
أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ: فَقَد فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَمَرَقَ مِنَ الدِّينِ
بَلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَنْهِي عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ. [٢٤/ ٣١٨]
تقريب فتاوى ابن تيمية
٣ / ٤٣٨
(المطلب الثاني): سد الذرائع:
إخراج اليهود وأهل نجران من جزيرة العرب هو نوع من سد الذرائع، أي منع الأسباب التي قد تؤدي إلى الشرك.
وجود أهل الكتاب في جزيرة العرب قد يؤدي إلى اختلاط المسلمين بهم، وتأثرهم بعقائدهم التي تتضمن الغلو في الأنبياء والصالحين.
(المطلب الثالث): حماية التوحيد:
الحديث يؤكد على أهمية الحفاظ على التوحيد الخالص لله تعالى.
اتخاذ القبور مساجد يتعارض مع التوحيد؛ لأنه يجعل القبور أماكن للعبادة، وهذا قد يؤدي إلى صرف العبادة لغير الله.
(المطلب الرابع):
التحذير من مشابهة أهل الكتاب:
الحديث يحذر من مشابهة أهل الكتاب في اتخاذ القبور مساجد؛ لأن ذلك من أسباب الانحراف عن التوحيد.
(المسألة الثانية):
ومن مظاهر حرصه ﷺ، تلك الأحاديث الكثيرة التي قالها يحذر أمته عن سلوك الطرق التي تفضي إلى الشرك من اتخاذ القبور مساجد، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ويمكن تصنيف هذه الأحاديث وفق الموضوعات التالية:
أولا: أحاديث تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، أو البناء عليها: ومنها:
١- ما جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور؛ فقال ﷺ: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» [صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور]. ويلاحظ الوعيد في هذا الحديث في قوله ﷺ: «أولئك شرار الخلق عند الله»، وهذا الوعيد يتناول من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعنى اتخاذها مساجد: أي بناء المساجد عليها [انظر فتح الباري لابن حجر ١/ ٥٢٤].
ومعلوم أن الفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام، أو أشد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثير من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد [نقل ذلك عنه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٣١٢].
فنهى ﷺ عن بناء المساجد عليها حسما لمادة الشرك، وسدا للطرق المفضية إليه.
٢- ما روته أم المؤمنين عائشة، وابن عباس رضي الله عنه قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه؛ فقال وهو كذلك:
«لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا.
قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبرهن غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا[صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب ٥٥. وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور]؛ أي: لولا نهيه ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور لكشف قبر النبي ﷺ، ولم يتخذ عليه الحائل.
فلعن عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث من كان قبلنا، وأنكر عليهم.
وإنكاره صنيعهم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم.
والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في دافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء.
والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي؛ فلذلك استحقوا اللعن. [تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص٣٢٧].
٣- ما رواه جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». [صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور].
ولهذا النهي منه ﷺ «بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول ﷺ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبرة ﷺ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وتحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من جهة الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره». [المفهم شرح صحيح مسلم للقرطبي ٢/ ٩٣٢].
٤- ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن يخصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. [صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه].
ويلاحظ النهي عن البناء على القبور في هذه الأحاديث، واللعن على ذلك؛ «فهذا التحذير منه ﷺ، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من جنس أعمالهم؛ حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكن من هذا الجنس، ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة؛ من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء.
وكلا الأمرين محرم، ملعون فاعله بالمستفيض من السنة». [اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ١/ ٢٩٥].
٥- ما رواه أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: «أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» [صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه]؛
ففي قوله: «أن لا تدع تمثالا إلا طمسته»: الأمر بتغييير صور ذوات الأرواح [انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٧- ٣٦].
وقوله: «ولا قبرا مشرفا إلا سويته»: أي لا يرفع القبر على الأرض رفعا كثيرا، ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر، ويسطح. [أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ١٧٧-١٧٨.٥].
قال العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله: «اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم، من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها» [شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص١٧].
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها. [أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ١٧٧-١٧٨.٥]]، واستدل بالحديثين السابقين.
ثانيا: أحاديث تنهى عن الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا: ومنها:
الأحاديث التي تقدمت بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، دليل واضح في النهي عن الصلاة إليها؛ لأن من قصد القبور للصلاة عندها، أو إليها، فقد اتخذها مساجد وأعيادا، وارتكب ما نهى الله ورسوله عنه، ووقع في وسيلة من وسائل الشرك الأكبر [انظر الإرشاد إلى توحيد رب العباد للشيخ عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص٩٧].
وقد دلت أحاديث كثيرة على تحريم الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا، ومن ذلك:
١- ما رواه أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها» [صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه]؛ ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر.
قال الشافعي رحمه الله: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس [شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٣٨].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلقا على هذا الحديث: فلا يجوز أن يصلي إلى شيء من القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لهذا الحديث الصحيح، ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء.
وإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى، فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله، فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى [قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص٢٩٤-٢٩٥].
٢- ما رواه أبو هريرة رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» [أخرجه افمام أحمد في المسند ٢/ ٣٦٧. وابو داود في السنن، كتاب المناسك، باب زيارة القبور. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٨٣].
فإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلقا على هذا الحديث:
«ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله ﷺ: “ولا تتخذوا بيوتكم قبورا”. أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور. [اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٦٥٧].
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله أن من أعظم المحدثات وأسباب الشرك بالقبور: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها.
وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. [انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٣١٣].
ولصحة هذه النصوص وتواترها عن النبي ﷺ، وتنوع الوعيد الوارد فيها، أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة، وجميع من سار على نهجهم على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله ﷺ فاعليه تحذيرا لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته، قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. [انظر المرجع نفسه ص٣١٥].
ملاحظة: لا يجوز الطواف بالقبور، ويعتبر شركا؛ لأن الطواف بالكعبة عبادة لله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]؛ ولا يجوز صرف هذه العبادة لغير الله تعالى.
والطواف بالقبور يعتبر تعظيما وعبادة لصاحب القبر، وفيه مضاهاة للطواف بالكعبة، والله عز وجل إنما شرع حج بيته، والطواف به، ولم يشرع الطواف عند غيره؛ فالطواف ببيته سبحانه وتعالى توحيد وعبادة ونفي للشرك؛ لأن المعبود بحق أمرنا أن نصرفه إليه في ذلك المكان؛ قال عز وجل: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] [انظر الأسئلة والأجوبة في العقيدة للشيخ صالح الأطرم ص٥٠]. [المفيد في مهمات التوحيد، (157 – 161)].
قال ابن عَبْد البر: الوثن الصنم. يقول: لا تجعل قبري صنما يصلى إليه، ويسجد نحوه، ويعبد، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله ﷺ يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلوا في قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، وكان رسول الله ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وانه مما لا يرضاه؛ خشية عليهم من امتثال طرقهم، وكان رسول الله ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: «لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل، حتى إن أحدهم لو دخل حجر ضب لدخلتموه» . انتهى.
……
قال الشافعي رحمه الله: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده.
وقال صاحب «التنبيه» من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله ﷺ متوجها إليه فحرام.
قال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا الداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. ولهذا المعنى قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره.
فتح الباري لابن رجب ٣/٢٤٦ – ٢٤٨
فقد نهى رسول الله ﷺ قبل موته بخمس أن يتخذوا القبور مساجد، وبيّن أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأنه هو ﷺ نهانا أن نتخذ القبور مساجد؛ لئلا يعتقد أحد أن هذا مما يقتدى بهم فيه، فإن الله أخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] .
ثم إنه ﷺ وقت لقاء ربه لعن الكتابيين الذين اتخذوا القبور مساجد؛ ليعتبر بذلك ولا يتخذ قبره ولا قبر غيره مسجدًا. ولهذا لما قبضه الله إلى كرامته دفن في بيته ولم يبرز قبره؛ لئلا يقصده الناس للصلاة عنده ويتخذوه مسجدًا، فإنه قد جاء عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». وقال: «لا تتخذوا قبري [عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا]، وصلوا عليّ حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني».
وكانت حجرة عائشة رضي الله عنها خارجة عن مسجده، فلما كان في زمان الوليد بن عبد الملك اشترى حجر أزواج النبي ﷺ من قِبْلِيِّ المسجد ومن شرقيِّه، وهدّها وزادها في المسجد. وسد حجرة عائشة، وبنى عليها حائطًا بعد حائط، وحرّف حائطها عن القبلة، وجعل مؤخرها مسنّمًا؛ كل ذلك لئلا يصلَّى فيها ولا إليها. ومع هذا، لقد أنكر سعيد بن المسيب وغيره على الوليد في هدم الحجر وإدخالها في المسجد…. وذكر بعض الأحاديث السابقة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد وغيرها وقال :
فهذا بعض ما روي عن النبي ﷺ. وأما ما جاء عن الصحابة والتابعين وسائر أئمة المؤمنين فكثير، فنذكر بعضه: قال البخاري في صحيحه: رأى عمر أنسًا يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر. قال: فتنحيت عن القبر .
وقال علي بن أبي طالب: لا يصلى في حمّام ولا عند قبر. ذكره أبو عبد الله ابن حامد .
وعن علي بن أبي طالب أيضًا موقوفًا ومرفوعًا قال: شِرار الناس من يتخذ القبور مساجد. رواه عبد الرزاق .
وعن ابن عمر وابن عباس كراهة الصلاة عند المقبرة .
وعن زيد بن ثابت أنه مات له ابن، وأن جارية لهم وغلامًا اشترى جصًّا وآجُرًّا، فقال زيد: ما تريد إلى هذا؟ قال: أريد أن أجصّص قبره، وأن أبني عنده مسجدًا.فقال: حقرت ونقرت ، لا تقرب شيئًا مسّته النار. ونهاه أن يبنيَ عنده مسجدًا . رواه حرب الكرماني….
جواب في الحلف بغير الله والصلاة إلى القبور، ويليه: فصل في الاستغاثة ١/١٢ لابن تيمية
اعتراض وجوابه:
إذا قال قائل: نحن الآن واقعون في مشكلة بالنسبة لقبر الرسول ﷺ الآن، فإنه في وسط المسجد; فما هو الجواب؟ قلنا: الجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر، بل بني المسجد في حياة النبي ﷺ
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول ﷺ ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك عام ٩٤ هـ تقريبا; فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أن بعضهم خالف في ذلك، وممن خالف أيضا سعيد بن المسيب من التابعين; فلم يرض بهذا العمل.
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله; لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد; فليس المسجد مبنيا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظا ومحوطا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة، أي مثلث، والركن في الزاوية الشمالية، بحيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف. فبهذا كله يزول الإشكال الذي يحتج به أهل القبور، ويقولون هذا منذ عهد التابعين إلى اليوم، والمسلمون قد أقروه ولم ينكروه; فنقول: إن الإنكار قد وجد حتى في زمن التابعين، وليس محل إجماع، وعلى فرض أنه إجماع; فقد تبين الفرق من الوجوه الأربعة التي ذكرناها.
القول المفيد على كتاب التوحيد ١/٣٩٩ — ابن عثيمين
أورد أبو داود حديث أبي هريرة: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وفي بعض الأحاديث جاء ذكر اليهود والنصارى، وهذا يدل على تحريم اتخاذ القبور مساجد، وتحريم البناء عليها، سواء كان البناء مسجدًا أو غير مسجد، ولكن الحرمة في حال اتخاذها مسجدًا أشد وأعظم.
شرح سنن أبي داود للعباد ٣٧١/١٤
——
(المسألة الثالثة): جزيرة العرب
(المطلب الأول):
جاء في المصباح المنير: «جزر الماء جزرًا من بابي ضرب وقتل: انحسر، وهو: رجوعه إلى خلف ومنه الجزيرة سميت بذلك لانحسار الماء عنها» [المصباح المنير (ج ز ر)].
والجزيرة يحيط بها الماء من جميع جهاتها، ولذا يطلق عليها البعض شبه جزيرة العرب؛ لأن الماء يحيط بها من أغلب جهاتها.
قال ابن عبد البر في التمهيد: «قال بعض أهل العلم: … وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة العرب، لإحاطة البحر والأنهار بها، من أقطارها وأطرافها فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر». [التمهيد ١/ ١٧٣]. قال الفيروزابادي: وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضًا [القاموس المحيط (جزر)].
وجزيرة العرب لها خصائص وميزات تنفرد بها عن باقي أنحاء المعمورة، وقد جاءت الشريعة بذكر مزاياها وواجبات نحوها لا تقوم في غيرها فهي بلاد الإسلام ومشرق نوره وفيها مهبط الوحي والحرَمَان ولها ولأهلها من الخصائص ما لا يتسع ذكره هنا، ولكن يهمنا ما يتعلق بالتوحيد منه، وسيأتي ما يبين ذلك عند ذكر الأحاديث.
(المطلب الثاني):
الدليل من السنة: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» [أخرجه مسلم (٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٧)].
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» [أخرجه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧)].
عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا» [ أخرجه مسلم (١٧٦٧)، والترمذي (١٦٠٧)].
وفي رواية: «لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» [أخرجه الإمام أحمد (٢١٩)، والترمذي (١٦٠٦) واللفظ للترمذي].
وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: «قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب» [أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٥، والبيهقي في السنن ٩/ ٢٠٨، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٩٨٧) (ومعنى ذلك: أنه لا يبقى فيها الكافر مدة طويلة بحيث يستوطن فيها، أما الاجتياز والبقاء فترة قصيرة فلا يدخل في النهي) انظر المنتقى للباجي ٧/ ١٩٥].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: “لا يترك بجزيرة العرب دينان”. [أخرجه أحمد (٢٦٨٨٤)].
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن عبد العزيز قال:”آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أنه قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى بأرض العرب دينان» [مصنف عبد الرزاق (٩٩٨٧)].
وروى مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» فأجلى يهود خيبر« [أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٥، والبيهقي في السنن ٩/ ٢٠٨، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٩٨٤) عن سعيد بن المسيب. قال ابن عبد البر: «هذا الحديث يتصل من وجوه كثيرة» التمهيد ١٢/ ١٣، وانظر ١/ ١٦٩، ١٧٣].
وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز [أخرجه البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١)].
(المطلب الثالث):
* فائدة: في معنى قول النبي ﷺ: “إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب”.
المعنى: يأسه من اجتماع الناس كلهم في الجزيرة على عبادته.
قال الشيخ بكر أبو زيد: “ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يئس من اجتماع أهل الجزيرة على الإشراك بالله تعالى. ومنذ بعثة النبي ﷺ وهي إلى يومنا هذا دار إسلام – ولله الحمد حماها الله وسائر أوطان المسلمين -، ولم يعرف الشرك فيها إلا جزئيا على فترات في فرد أو أفراد، ثم يهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى دينهم الحق، على أن بعض العلماء – رحمهم الله تعالى – رأى عموم هذا الحديث لأمة محمد ﷺ. قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: «المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر»«[خصائص جزيرة العرب ص ٣٣].
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يدل على عدم الوقوع؛ لأنه لما حصلت الفتوحات وقوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا أيس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة.
فالحديث خبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت، ولكنه لا يدل على انتفائه في الواقع«[مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٥].
والأدلة التي تدل على وقوع الشرك في الجزيرة كثيرة منها وقوع الردة في عهد أبي بكر الصديق ومنها أحاديث صحيحة صرحت بذلك كحديث: »لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة«. [أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦)]. وحديث: »لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى«. [أخرجه مسلم (٢٩٠٧)] ومعلوم أن »ذو الخلصة«و »اللات« و»العزى”. مكان وجودهم جزيرة العرب.
(المطلب الرابع): حدود جزيرة العرب وكلام أهل العلم فيه:
جزيرة العرب يحدها من الغرب: بحر القلزم، ويقال: بحر الحبشة ويعرف الآن باسم: البحر الأحمر. ومن الجنوب: بحر العرب ويقال: بحر اليمن. ومن الشرق: خليج البصرة ويعرف الآن باسم: الخليج العربي. وهذا التحديد من هذه الجهات الثلاث محل اتفاق بين الجغرافيين. وأما الحد الشمالي: فساحل البحر الأحمر الشرقي الشمالي وما على مُسامَتِتِه شرقًا من مشارف الشام وأطراره (الأردن حاليًا) ومنقطع السماوة من ريف العراق.
وقد وقع خلاف بين العلماء والفقهاء في حدود جزيرة العرب التي يؤمر الكافر بالخروج منها فمنهم من جعل الأمر بإخراج الكفار شاملًا الجزيرة كلها، ومنهم من جعله لجزء منها، ولكل منهم أدلة وإليك أقوالهم:
قال الأزهري: «قال أبو عبيد عن الأصمعي: جزيرة العرب: ما بين عدن أبين [قال محقق تهذيب اللغة:»في الأصل بسكون الدال وهي عدن المشهورة بلد أو مدينة بأقصى بلاد اليمن على ساحل البحر، أضيفت إلى (أبين) كأبيض وهو رجل من حمير لأنه عدن بها أي أقام”] إلى أطراف الشام في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من شط البحر إلى ريف العراق.
وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة في الطول. وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة» [تهذيب اللغة، المصباح المنير للفيومي، الصحاح، النهاية (ج ز ر) التمهيد ١/ ١٧٢، أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٧].
وقال الخليل: «إنما قيل لها»جزيرة العرب«؛ لأن بحر الحبش، وبحر فارس، والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها، ومسكنها ومعدنها» [أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٨].
قال الفيومي في المصباح المنير: «ونقل البكري أن جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمن واليمامة، وقال بعضهم: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، فأما تهامة: فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز: فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وسمي حجازًا لأنه حجز بين نجد وتهامة، وأما العروض: فهو اليمامة إلى البحرين، وأما اليمن: فهو أعلى من تهامة، هذا قريب من قول الأصمعي» [المصباح المنير (ج ز ر)].
ويقول ابن حجر: «قال الزبير بن بكار في أخبار المدينة أخبرت عن مالك، عن ابن شهاب قال: جزيرة العرب: المدينة. قال الزبير: قال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب [العذيب من أرض العراق بعد القادسية بأربعة أميال على حدود البادية كما جاء في معجم البلدان] إلى حضرموت، قال الزبير: وهذا أشبه، وحضرموت آخر اليمن» [فتح الباري ٦/ ١٧١].
وذكر الباجي عن مالك أنه قال: «جزيرة العرب: منبت العرب، قيل لها: جزيرة العرب، بإحاطة البحور والأنهار بها» [انظر المنتقى ٧/ ١٩٥].
وقال مالك أيضًا: «أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله ﷺ قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» [المغني ٩].
وهذه الرواية تلتقي مع التحديد الجغرافي. وتأتي روايات أخرى.
وفي رواية بكر بن محمد عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله – يعني: الإمام أحمد – عن جزيرة العرب؟ فقال: «إنما الجزيرة موضع العرب، وأي موضع يكون فيه أهل السواد والفرس، فليس هو جزيرة العرب، موضع العرب: الذي يكونون فيه» [انظر الأحكام السلطانية ١٩٦، أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٦، ١٧٧].
وروى ابنه عبد الله عنه، قال: «سمعت أبي يقول في حديث:»لا يبقى دينان في جزيرة العرب”: تفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم. قيل له: ما كان خلف العرب؟ قال: نعم» [أحكام أهل الملل للخلال ٢٤، ٢٥ الأحكام السلطانية ١٩٦، أحكام أهل الذمة ١/ ء~١٧٧].
وقال النووي: «وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم» [مسلم بشرح النووي ١١/ ٩٣].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: «جزيرة العرب: هي من بحر القُلْزم إلى بحر البصرة، ومن أقصى حِجْرِ اليمامة إلى أوائل الشام؛ بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله …» [اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٦٦ ط – الفقي].
وقال الشيخ بكر أبو زيد: «ولهذا التّحديد بالمياه الإقليمية الثلاثة صارت تعرف عند المتأخرين باسم»شبه جزيرة العرب«، وإنما قيل:»جزيرة العرب«؛ بحكم إحاطتها بثلاثة أبحر، ولأن الحد الشمالي، وإن كان إلى مشارف الشام وريف العراق؛ فإن ما وراء ذلك من أنهار: بردى، ودجلة، والفرات، متصل برأس الخليج العربي، فكأن التجوز في الإطلاق بحكم المجاورة» [خصائص جزيرة العرب ص ١٨، ١٩].
وما سبق من الروايات والأقوال يلتقي بعضها مع التحديد الجغرافي المشهور بأن الجزيرة موضع العرب المحاط بالمياه الإقليمية الثلاثة.
لكن هل يُمنع اليهود والنصارى من سكناها جميعا؟ في هذا خلاف قديم، فمنهم من يرى أن الحد الجغرافي هو التحديد الصحيح وهو أحد الأقوال عند الإمامين مالك وأحمد رحمهما الله وهو قول يذكر لشيخ الإسلام ونصره الشيخ بكر أبو زيد والقول الآخر أنها خاصة بالحجاز وما والاها.
واستدل أصحاب القول الثاني بحديث أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه قال: آخرُ ما تكلَّم به النبيُّ ﷺ: «أخرجوا يهودَ أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [أخرجه الإمام أحمد في (المسند) (٣/ رقم ١٦٩١/ ٢٢١) والبخاري في (التاريخ الكبير) (٤/ ٥٧) والدارمي في (السنن) (٢/ ٢٣٣) وأبو يعلى الموصلي في (المسند) (٢/ رقم ٨٧٢/ ١٧٧) والبيهقي في (الكبرى) (٩/ ٢٠٨) من طرقٍ عن يحيى بن سعيد عن إبراهيم بن ميمون ثنا سعد بن سمرة بن جندب عن أبيه به. وإسناده صحيحٌ، وصححه الإمام ابن عبد البر في (التمهيد) (١/ ١٦٩) والعلامة الألباني في (الصحيحة) رقم ١١٣٢].
وفي رواية: «أخرجوا اليهودَ من الحجاز» [تلخيص الحبير ١٢ – ٢٣١١].
وقالوا إن الحديث وإن ورد فيه الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، إلا أن المراد بعض الجزيرة لا كلها، بدليل أن عمر رضي الله عنه أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء، وهي من جزيرة العرب، فإن عمر رضي الله عنه لما تولى الخلافة كان يهود في خيبر وال نجران في نجران والمجوس في هجر واشتغل بالفتوحات خارج جزيرة العرب فتح فارس والشام، ومصر وقبرص، وأخرج عمر رضي الله عنه يهود خيبر لما نقضوا العهد، وأبقى يهود اليمن، ومجوس الأحساء.
قال مالك: عمرُ أجلى أهل نجران ولم يُجلوا من تيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب، فأما الوادي فإني أرى إنما لم يُجل من فيها من اليهود أنهم لم يروها من أرض العرب«[السنن) (كتاب الخراج) (باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب) (٣/ رقم ٣٠٣٣/ ٤٢٥) وانظر (شرح السنة) للبغوي (١١/ ١٨٠) (التمهيد) (١/ ١٦٩ – ١٧٣)].
وفي شرح مسلم عند ذكر إجلاء عمر لليهود من خيبر، وفيه: (فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء) قال النووي:»وفي هذا دليل أن مراد النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز والله أعلم» [شرح مسلم ١٠/ ٢١٣، ٢١٣].
قال بشر بن عمر: «قلت لمالك إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب يريد البصرة، لأنه لا يحول بيننا وبينكم نهر، فقال: ذلك إن كان قومك تبؤوا الدار والإيمان» [التمهيد ١/ ١٧٣].
قال النووي: «وحكى الهروي عن مالك: أن جزيرة العرب هي المدينة والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن [روى الزهري عن مالك قال: «جزيرة العرب: المدينة، ومكة، واليمامة، واليمن». واليمامة كانت داخلة في عمل المدينة، وكان أمرها مضطربا حسب الولاية في العصرين الأموي والعباسي، فأحيانا تضاف إلى المدينة، وأحيانا تفرد برأسها. انظر خصائص جزيرة العرب ٢٢. وقال ابن عبد البر في التمهيد: «قال مالك بن أنس: جزيرة العرب: المدينة ومكة واليمامة واليمن وقال المغيرة بن شعبة: جزيرة العرب: المدينة ومكة واليمن وقرياتها» التمهيد ١/ ١٧٢، وانظر المنتقى ٧/ ١٩٥.
وقال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب؟ فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن ذكره الإمام البخاري في (الجامع الصحيح كتاب الجهاد باب جوائز الوفد /٦ ص ١٧٠ – فتح)]، وأخذ بهذا الحديث مالك، والشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده: مكة، والمدينة، واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه» [مسلم بشرح النووي ١١/ ٩٣].
وألَّف الحسين بن محمد بن سعيد اللاعى المعروف بالمغربى، قاضي صنعاء ومحدثها رسالة في حديث: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب» رجح فيها: أنه إنما يجب إخراجهم من الحجاز فقط محتجًا بما في رواية. بلفظ: «أخرجوا اليهود من الحجاز» [البدر الطالع ١/ ٢٣٠، الأعلام للزركلي ٢/ ٢٥٦].
وقال الرملي: «ليس المراد جميع جزيرة العرب، بل الحجاز منها لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها» [نهاية المحتاج ٨/ ٩٠].
* قال ابن قدامة بعد أن ذكر رواية عن الإمام أحمد في «جزيرة العرب المدينة وما والاها» [قال ابن القيم:»قول الإمام أحمد: «جزيرة العرب: المدينة وما والاها» يريد مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخالفيها. وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن “انظر أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٨]: «يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به: المدينةُ وما والاها – وهو مكة، واليمامة، وخيبر، والينبع، وفدك، ومخاليفها، وما والاها – وهذا قول الشافعي … فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد، ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفدك ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك» [المغني ١٣/ ٢٤٢ – ٢٤٤].
وقال ابن تيمية رحمه الله: «وقد أمر النبي في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب – وهي الحجاز – فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد» [الفتاوى ٢٨/ ٦٣٠].
وفي اختيارات ابن تيمية رحمه الله: «ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي: الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان» [اختيارات البعلي ص ٢٦٤].
وقال ابن حجر: «لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها، مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور» [الفتح ٦/ ١٩٨ تحت الحديث رقم ٣٠٥٣]
قال العلَّامة الفقيه يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي: «وما روي أن أحدًا من الخلفاء الراشدين أجلى مَن في اليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب، فدل على ما ذكرناه [حيث بين أن المراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار: الحجاز، وهي: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها]، وروي أيضا أن نصارى نجران أتوا عليًا رضي الله عنه فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فرُدَّنا إليها، فقال علي رضي الله عنه: إن عمر كان رشيدًا في فعله، وإني لا أُغيِّرُ شيئًا فعله عمر. ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصُّلح الذي صالحهم النبي ﷺ على ترك الربا» [البيان شرح كتاب (المهذب) للشيرازي (١٢/ ٢٨٩)].
ويتبين بهذا أن هناك فرق بين وصف جزيرة العرب وبين تخصيص الحكم ببعض هذه الجزيرة، يوضح هذا أن شيخ الإسلام في الاقتضاء لما تحدث عن اسم العرب واسم العجم والاشتباه بين العجم والفرس تكلم بعده عن اسم العرب ثم ذكر لسانهم وأصلهم ومساكنهم فقال: “مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة، ومن أقصي حجر اليمامة إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله«ثم ذكر رحمه الله أنهم سكنوا المشرق والمغرب … الخ فلم يكن كلامه حول معنى الحديث أو حول إخراج المشركين منه بل حول العرب فقط.
ولما أراد معنى الحديث قال كما في الاختيارات: ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي: الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان» [اختيارات البعلي ص ٢٦٤].
وعلى هذا فإن العالم قد يصف جزيرة العرب بما هو أبعد من مكة والمدينة وما حولها لكنه يرى تخصيص الأمر بإخراج المشركين ببعض تلك الجزيرة.
ومما يُستدل به على بطلان حمل الحديث على جزيرة العرب التي في اصطلاح الجغرافيِّين؟
قول الشافعي في الأم: «لم أعلم أن أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن وقد كانت بها ذمة وليست بحجاز، فلا يجليهم أحد من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن، وقد تقدم نقل النووي عن الشافعي رحمه الله أنه خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن» [شرح النووي على صحيح مسلم ١١/ ٩٣، ٩٤].
وما ذكره النووي عن الشافعي حكاه ابن حجر [فتح الباري ٦/ ١٧١] اتفاقًا، وقال ابن القيم حاكيًا مذهب الشافعي: “وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب ومنعهم من الإقامة فيها وهذا وَهْمٌ فإن النبي بعث معاذًا قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا وأقرهم فيها وأقرهم أبو بكر بعده وأقرهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول الله بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلم يعرف عن إمام أنه أجلاهم من اليمن، وإنما قال الشافعي وأحمد يخرجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع ومخاليفها ولم يذكرا اليمن ولم يجلوا من تيماء أيضًا، وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر فالبحر بينها وبين الجزيرة، فهذا القول غلط محض» [ أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٥].
* فائدة (1): المياه الإقليمية للحجاز وما والاها وما فيها من الجزر تابعة له في الحكم وهذا ما وضحه الإمام الشافعي حيث قال – رحمه الله تعالى -: «لا يمنع أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز – أي على سبيل العبور -، ويمنعون من المُقام في سواحله، وكذا إن كانت في بحر الحجاز جزائر وجبال تسكن؛ منعوا من سكناها؛ لأنها من أرض الحجاز».«[الأم ٤/ ١٧٨، وعنه الموسوعة الكويتية ٣/ ١٢٩، خصائص جزيرة العرب ص ٢٤].
* فائدة (٢): سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المدينة هل هي من الشام فأجاب – رحمه الله تعالى -:»مدينة النبي ﷺ من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا جاهل بحد الشام والحجاز، جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم، ولكن يقال المدينة شامية، ومكه يمنية: أي المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن وليست مكة من اليمن، ولا المدينة من الشام.
وقد أمر النبي ﷺ في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب – وهي الحجاز فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة، وخيبر، وينبع، واليمامة، ومخاليف هذه البلاد ولم يخرجهم من الشام، بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين، وغيرهما، كما أقرهم بدمشق وغيرها.
وتربة الشام تخالف تربة الحجاز، كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان. فإن الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة كما تختلف تربة الشام ومصر. كما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأما العلا، وتبوك، ونحوهما: فهو من أرض الحجاز. والله أعلم» [مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/ ٦٣٠، ٦٣١].
(المطلب الخامسة): حكم وجود غير المسلمين في جزيرة العرب:
يقول ابن القيم: «قال مالك: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله ﷺ قال: »لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ..«. وقال الشافعي: يُمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة، واليمامة، ومخاليفها وهي قراها» [أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٤].
قال الإمام ابن باز رحمه الله: “فعلى الحكام في جميع أجزاء الجزيرة عليهم جميعا أن يجتهدوا كثيرا في إخراج النصارى والبوذيين والوثنيين والهندوس وغيرهم من الكفرة وألا يستقدموا إلا المسلمين. هذا هو الواجب وهو مبين بيانا جليا في قواعد الشرع الحنيف.
فالمقصود والواجب إخراج الكفار من الجزيرة وأن لا يستعمل فيها إلا المسلمون من بلاد الله، ثم إن عليهم أيضا أن يختاروا من المسلمين، فالمسلمون فيهم من هو مسلم بالادعاء لا بالحقيقة، وعنده من الشر ما عنده، فيجب على من يحتاج إلى مسلمين ليستأجرهم أن يسأل أهل المعرفة حتى لا يستقدم إلا المسلمين الطيبين المعروفين بالمحافظة على الصلاة والاستقامة.
أما الكفار فلا أبدًا إلا عند الضرورة الشرعية أي التي يقدرها ولاة الأمر وفق شرع الإسلام وحده». [مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ٢/ ٥١٤، ٥١٥].
وقال رحمه الله: «هذه الجزيرة لا يستقدم لها إلا المسلمون من الرجال والنساء لأن الرسول ﷺ أمر بإخراج الكفار منها وأوصى عند موته بذلك، وأن لا يبقى فيها إلا الإسلام فقط.
فهي معقل الإسلام وهي منبع الإسلام فلا يجوز أن يستقدم إليها الكفار، فالجزيرة العربية على طولها وعرضها لا يجوز أن يستقدم إليها الكفرة، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس فيما يفعلون من استقدام الكفرة لأن أكثر الخلق لا يتقيدون بحكم الشرع كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]. إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك كحاجة المسلمين إلى طبيب اضطروا إليه أو عامل اضطروا إليه يرى ولي الأمر استقدامه لمصلحة المسلمين بصفة مؤقتة؛ فلا حرج في ذلك كما استخدم النبي ﷺ اليهود في خيبر للضرورة إليهم ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه لما استغنى عنهم. وكذلك إذا قدموا لمصلحة المسلمين بغير إقامة كالوافدين لبيع البضائع يرجعون لمدة معلومة وأيام معدودة.
وخلاصة القول أنه لا يجوز استخدام غير المسلمين إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر» [مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٥٢٢، ٥٢٣].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «أما قوله ﷺ:»لا يجتمع في جزيرة العرب دينان” فالمعنى: لا تقام شعائر الكفر في جزيرة العرب، يعني – مثلًا – لا تُبنى الكنائس ولا يُنادى فيها بالناقوس وما أشبه ذلك -، وليس المعنى أنه لا يتدين أحد من الناس في نفسه بل المراد أنه لا يكون لهم كنائس أو معابد أو بيع كما للمسلمين مساجد.
وأما قوله:»لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب«: فالمراد منها: السكنى.
وأما الأجراء وما أشبه ذلك فلا يدخلون في هذا؛ لأنهم ليسوا قاطنين بل سيخرجون.
وأما إبقاء الرسول ﷺ يهود خيبر فيها، فإن الرسول ﷺ لم يُبقهم إبقاءًا مطلقًا عامًا، بل قال:»نقرّكم فيها ما شئنا«، يعني: إلى أمد.
وهذا الأمد كان لانتهائه سبب وذلك في عهد عمر رضي الله عنه حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر وعلى الرجل الذي بات عنده ولم يوفوا بما عليهم فطردهم عمر رضي الله عنه» [الباب المفتوح ٢/ ٣٦٨ لقاء ٣٩ سؤال ١٠٥٥].
وقال رحمه الله لما سئل عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية: «لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلمًا يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يُمنحوا إقامة مطلقة» [أركان الإسلام ص ١٨٧ سؤال ٩٨].
وقال الشيخ بكر أبو زيد بعد ذكر أحاديث النهي: «فهذه الأحاديث في الصِّحاح نص على أن الأصل شرعًا منع أي كافر – مهما كان دينه أو صفته – من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب، وأن هذا الحكم من آخر ما عهده النبي ﷺ إلى أمته» [خصائص جزيرة العرب ص ٣٦].
ويقول الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -: «ليس معنى (أخرجوهم) أن كل واحد يخرجهم، هذا من صلاحيات ولي الأمر الذي له الحل والعقد» [الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ٢٣٠].
(المطلب السادس):
وهناك إشكالات ينبغي أن يذكر الجواب عنها:
١ – أن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي. قال ابن القيم: “وأما رهن النبي درعه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها أو من أهل خيبر وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة فأما بنو قينقاع فحاربهم أولًا ثم من عليهم وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر وأجلى بني قينقاع أيضا وقتل بني قريظة وأجلى كل يهودي كان بالمدينة فهذا اليهودي المرتهن الظاهر أنه من أهل العهد قدم المدينة بطعام أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه فالله أعلم» [أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٤].
٢ – أن رسول الله ﷺ قد أقر أهل خيبر بها إلى أن قبضه الله وهي من جزيرة العرب قال ابن القيم: “قيل أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم إقرارًا لازمًا بل قال نقركم ما شئنا، وهذا صريح في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزًا من جهته متى شاء نقضه بعد أن ينبذ إليهم على سواء، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر رضي الله عنه، فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فقال إن رسول الله كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما أقركم الله تعالى، وإن عبد الله ابن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه وليس لنا هناك عدو غيرهم: هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر رضي الله عنه على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر رضي الله عنه: أظننت أني نسيت قول رسول الله: كيف بك إذا خرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة. فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله. قال فأجلاهم عمر رضي الله عنه وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك.
وفي صحيحه أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح ويخرجون منها، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله لعم حيي – واسمه سعية -: ما فعل مسك حيي الذي جاؤوا به من النضير؟ قال أذهبته النفقات والحروب، فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك، وقد كان حيى قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله سعية إلى الزبير فمسه بعذاب فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيى بن أخطب، وسبى رسول الله ذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، ولا يفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع وتمر ما بدا لرسول الله، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عام يخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: أتطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس إلي من عدلكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. فكان رسول الله يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام وعشرين وسقًا من شعير فلما كان زمان عمر رضي الله عنه غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم فقسمها عمر رضي الله عنه بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله وأبو بكر، فقال عمر رضي الله عنه لرئيسهم أتراه سقط علي قول رسول الله: كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا. وقسمها عمر رضي الله عنه بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية«[أحكام أهل الذمة ١/ ١٨١، ١٨٢].
٣ – إن قيل: كيف استجاز عمر رضي الله عنه إخراج أهل نجران وقد صالحهم النبي ﷺ؟.
قال ابن القيم:»فإن قيل فأهل نجران كان النبي ﷺ قد صالحهم وكتب لهم كتاب أمن على أرضهم وأنفسهم وأموالهم فكيف استجاز عمر رضي الله عنه إخراجهم؟ قيل: قد قال أبو عبيد: إنما نرى عمر قد استجاز إخراج أهل نجران وهم أهل صلح لحديث يروى عن النبي ﷺ فيهم خاصة يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ أنه كان آخر ما تكلم به أن قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب».
فإن قيل زدتم الأمر إشكالًا! فكيف أمر بإخراجهم وقد عقد معهم الصلح؟
قيل: الصلح كان معهم بشروط، فلم يفوا بها فأمر بإخراجهم، قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك لنكث كان منهم أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، قال: وذلك بَيِّن في كتاب كتبه عمر رضي الله عنه إليهم قبل إجلائه إياهم، منها حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون قال: قال لي محمد بن سيرين: انظر كتابًا قرأته عند فلان بن جبير فكلم فيه زياد بن جبير، قال: فكلمته فأعطاني، فإذا في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رعاش كلهم، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتددتم بعد، وإنه من يتب منكم ويصلح لا يضره ارتداده ونصاحبه صحبة حسنة، فادكروا ولا تهلكوا وليبشر من أسلم منكم، فإن أبى إلا النصرانية فإن ذمتي بريئة ممن وجدناه بعد عشر تبقى من شهر الصوم من النصارى بنجران.
أما بعد: فإن يعلى كتب يعتذر أن يكون أكره أحدًا منكم على الإسلام أو عذبه عليه إلا أن يكون قسرًا جبرًا ووعيدًا لم ينفذ إليه منه شيء.
أما بعد: فقد أمرت يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض، وإني لن أريد نزعها منكم ما أصلحتم.
وقال الشيخ في المغني: فأما إخراج أهل نجران منها فلأن النبي صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده» [أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٩، ١٨٠].
(المطلب السابع): يمنع الكافر من دخول حرم مكة بكل حال:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
قال عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ قال: يريد الحرم كله وفي لفظ: لا يدخل الحرم كله مشرك [الدر المنثور ٣/ ٤٠٩ ط/ دار الكتب العالمية].
قال الإمام أحمد: «ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحرم» [مرويات الإمام أحمد في التفسير جمع الشيخ محمد بن وزن طرهوني ٢/ ٢٨٤ وعزاه للملل (ق ٣٤/ ب)].
قال الشافعي: “لا يدخل الكافر المسجد الحرام بحال، ويدخلُ غيره من المساجد للحاجة كما دخل ثمامة وأبو سفيان» [أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩١٤].
وقد رد ذلك ابن العربي رحمه الله وضعفه عليه بقوله: «ذلك أن دخول ثمامة في المسجد في الحديث الصحيح، ودخول أبي سفيان فيه على الحديث الآخر كان قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فمنع الله المشركين من دخول المسجد الحرام نصًا ومنع من دخول سائر المساجد تعليلًا بالنجاسة، ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس» [أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩١٤].
قال النووي: «قال العلماء ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم وحجة الجماهير قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والله أعلم» [انظر شرح النووي على صحيح مسلم].
وقال ابن القيم: “وأما الحرم فيمنعون دخوله بكل حال، ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله فإن دخل أحدهم فمرض أو مات أُخرج، وإن دفن نبش، وهل يمنعون من حرم المدينة؟.
حُكي عن أحمد – رحمه الله تعالى – فيه روايتان كما تقدم وقد صح عن النبي ﷺ أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده وحانت صلاتهم فصلوا فيه وذلك عام الوفود بعد نزول قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها» [أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٧].
(المطلب الثامن): حكم بناء معابد للكفرة في الجزيرة العرب:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: «الوثنية المحضة لا تقر بحال لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها والمرتدون أغلظ وأغلظ واليهود والنصارى يقرون بالجزية لكن لا في جزيرة العرب»لا يجتمع دينان في جزيرة العرب«. وإقرار النبي ﷺ لليهود في خيبر بالجزية لإصلاح ما يصلحون منسوخ بما أوصى به عند موته». [في كتاب الجهاد من الفتاوى].
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: «لا يجوز أن يُبنى في الجزيرة معابد للكفرة لا النصارى ولا غيرهم، وما بُني فيها يجب أن يهدم مع القدرة، وعلى ولي الأمر أن يهدمها ويزيلها ولا يبقي في الجزيرة مبادئ أو معاقل للشرك ولا كنائس ولا معابد بل يجب أن تزال من الجزيرة حتى لا يبقى فيها إلا المساجد والمسلمون» [مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ٢/ ٥١٤، ٥١٥].
وقال الشيخ بكر أبو زيد: “وليس لكافر إحداث كنيسة فيها، ولا بيعة، ولا صومعة، ولا بيت نار، ولا نصب صنم؛ تطهيرًا لها عن الدين الباطل، ولعموم الأحاديث … ولا تدفن جيفة كافر بها، فإن مات على أرض الجزيرة؛ نقل عنها؛ إلا للضرورة؛ كالتعفن، فتغيب جيفته في غير مقبرة للمسلمين» [خصائص جزيرة العرب ص ٣٦]. [، (2/ 16 – 40)].
——
(المسألة الرابعة): حماية التوحيد
الوسائل الشركية فيما يلي:
١ – الغلو في الأنبياء والصالحين:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: «باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين»،
وقد جاء النهي عن الغلو في مواطن كثيرة؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١].
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «وهذا كثير في السنة الثابتة عنه ﷺ كقوله: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله”، وقوله: “إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل”، ونحو ذلك. [تيسير العزيز الحميد ص ٧٣١].
وكذلك يكون الغلو في رفع القبور وتشييدها والبناء عليها، قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فالحكم في هذه الأمور أنها لا تجوز، فقد صرحت الأحاديث بالنهي عن ذلك والتحذير منه وتحريمه، فإن هذا من الغلو الذي تكاثرت الأحاديث بالنهي عن عنه، فإنه أعظم وسائل الشرك وأسبابه، وبسببه وقع الشرك كما في الصحيح من حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣]» [فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١١٩].
وقال الشيخ صالح الفوزان: «الغلو في الصالحين وبناء المساجد على القبور والغلو في القبور، كل هذا من الوسائل المفضية إلى الشرك، وقد نهى النبي ﷺ عنها؛ سدا للطريق الموصل إلى الشرك» (إعانة المستفيد ١/ ٤٢٥).
٢ – الموافقة الظاهرة للكفار:
قال ابن القيم رحمه الله: «وقد حمى ﷺ جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين سجد المشركون فيهما للشمس». [الجواب الكافي ٩٣].
وقال أيضًا رحمه الله: “الوجه الرابع عشر: أنه ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكان من حكمة ذلك؛ أنهما وقت سجود المشركين للشمس وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة». [إعلام الموقعين ٣/ ١٣٩، ١٤٠].
قال السعدي رحمه الله: «والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم، ومن هذا السبب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعارهم وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم وجميع ما يختص بهم؛ إبعادا للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر التي هي وسيلة قريبة للميل والركون إليهم، حتى أنه نهى عن الصلاة النافلة في أوقات النهي التي يسجد المشركون فيها لغير الله؛ خوفا من التشبه المحذور». [القول السديد ص ٤٧].
* ومن الموافقة الظاهرة للكفار: تعظيم أماكن الجاهلية وأعيادهم:
جاء في حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» [أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، وابن ماجه (٢١٣١)].
فدل الحديث على أن المؤمن ينبغي له أن يبتعد عن أماكن الجاهلية، ولا يخصها بعبادة؛ حتى لا يتشبه بهم، وينسب إليهم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: «وقد صرح العلماء بتحريم الذبح في المقبرة؛ لما فيه من مشابهة المشركين، ولأنه وسيلة إلى الشرك بالذبح للموتى والتقرب إليهم» [فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٢٤].
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “أما بالنسبة للصلاة في الكنيسة فإن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة، فلا يكون الإنسان متشبها بهذا العمل بخلاف الذبح مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه، ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك؛ لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان». [مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٣٥. وانظر القول المفيد ط ١ – ١/ ٢٤٢].
وقال الشيخ صالح الفوزان: «فالرسول ﷺ حمى حدود التوحيد حماية بليغة، بحيث أنه نهى عن كل سبب أو وسيلة توصل إلى الشرك، ولو كانت هذه الوسيلة في أصلها مشروعة كالصلاة، إذا فعلت عند القبور، فهو وسيلة إلى الشرك، ولو حسنت نية فاعلها، فالنية لا تبرر ولا تزكي العمل إذا كان يؤدي إلى محذور، والدعاء مشروع، ولكن إذا دعا عند القبر، فهذا ممنوع؛ لأنه وسيلة إلى الشرك بهذا القبر، هذا سد الوسائل.
فالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء عند القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تفضي إلى الشرك، وهي ليست شركا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله عز وجل، ولذلك منعها ﷺ». [إعانة المستفيد ١/ ٤٢٦، ٤٢٧].
٣ – السؤال بالخلق أو بالجاه:
قال ابن باز: «قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي، هذا ليس من الشرك ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم، ومن وسائل الشرك». [مجموع فتاوى ابن باز ٣/ ٩٤٧، ٩٦٢].
٤ – اتخاذ الصور:
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «ولقد بلغ من سد النبي ﷺ ذرائع الشرك ووسائله أن لا يترك في بيته صورة شيء يعبد من دون الله تعالى أو يعظم تعظيم عبادة؛ ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لم يكن النبي ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه …، إلى أن قال: فكان من هدي النبي ﷺ إزالة كل ما فيه تصاليب؛ حماية لجانب التوحيد، وإبعادًا عن مشابهة غير المسلمين.
ولقد كانت بلادنا هذه والحمد لله من أعظم البلاد الإسلامية محافظة على توحيد الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ، بما منّ الله عليها من علماء مبينين وولاة منفذين، وصارت عند أعداء الإسلام قلعة الإسلام فغزوها من كل جانب، بكل شكل من أشكال الغزو، حتى كثرت الفتن فيها، وصارت صور الصلبان على بعض الألعاب للأطفال، بل وعلى الفرش؛ لتكون نصب أعين المسلمين صبيانهم وكبارهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون». [خطب في العقيدة ص ٢٤٢ من مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين ٦/ ٢٤٢].
وقد ورد استفتاء إلى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قال فيه المستفتي: “تقوم بعض المحلات التجارية ببيع صورة مكبرة لقبر الرسول ﷺ وصاحبيه رضي الله عنهما، ويقوم بعض الناس بتعليقها على الجدران، والسؤال: هل يجوز بيع تلك الصور وتعليقها؟ أم لا؟.
الجواب: هذه الصورة لا تجوز، وبيعها لا يجوز؛ لأن ذلك من وسائل الغلو فيه ﷺ، وفي صاحبيه رضي الله عنهما، ومن أسباب الشرك بالله ﷺ.
فالواجب ترك ذلك، ولا يجوز ذلك ولا بيعه لكونه وسيلة للغلو والشرك.
وفق الله المسلمين جميعًا للفقه في دينه، والسلامة من أسباب غضبه، إنه خير مسؤول» [فتاوى ابن باز من كتاب الدعوة ٣/ ١٣، ١٤].
وأما نَصْبُ النُّصُب ووضع التماثيل واتخاذها فإنه أشد من اتخاذ الصور، قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣]: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وَسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت» [انظر البخاري. (٤٩٢٠)، الفتح ٨/ ٥٣٥].
٥ – تعليق الحروز من القرآن:
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: «القول بجواز تعليق ما كان من القرآن أو الأدعية المباحة والأذكار الشرعية استثناء بغير حجة ووسيلة إلى تعليق التمائم الأخرى الشركية.
ومعلوم أن الأخذ بالعموم متعين ما لم يرد ما يخصه، كما أن من المعلوم من الشريعة المطهرة وجوب سد الذرائع المفضية إلى الشرك أو إلى ما دونه من المعاصي؛ ولأنها إذا علقت صارت وسيلة إلى تعلق القلوب بها والاعتماد عليها ونسيان الله سبحانه وتعالى.
فمن حكمة الله في هذا أنه سبحانه وتعالى ونهى عنها؛ حتى تكون القلوب معلقة به سبحانه لا بغيره،
وتعليق القرآن وسيلة لتعليق غيره، فلهذا وجب منع الجميع، وأن لا يعلق شيء على المريض، ولا على الصبي لا من القرآن ولا من غيره». [مجموع فتاوى ابن باز ص ٩٦٥]. [معجم التوحيد، (2/ 108 – 115)].
(المسألة الخامسة): الفتاوى:
هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، ونص الأسئلة والأجوبة، كتالي:
“س: قراءة القرآن في المقبرة؟
ج: لا تجوز، لا يجوز قراءة القرآن في المقبرة، قراءة القرآن تكون في البيوت وفي المساجد يقول ﷺ: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لأن القبور ما يقرأ عندها ولا يصلى عندها ولا تتخذ محلا للدعاء، إذا زار يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين والمستأخرين كما بين النبي ﷺ دعاء الزيارة.
فوائد الحديث
1 – (منها): حماية التوحيد، التأكيد على ضرورة صيانة العقيدة الإسلامية من أي تشويش، سواء بمنع مظاهر الشرك أو بإبعاد مَن يُخشى فتنته.
2 – (ومنها): منع الابتداع في الدين، النهي عن اتخاذ القبور مساجد تحذير من المبالغة في تعظيم الصالحين، والتي قد تتحول إلى بدع ضالة.
3 – (ومنها): الحفاظ على الهوية الإسلامية، إخراج غير المسلمين من جزيرة العرب يُعزز تميُّز المنطقة كمركز للدعوة الإسلامية النقية.
4 – (ومنها): تفعيل مبدأ سد الذرائع، بيان أن الإسلام لا يكتفي بتحريم المنكرات، بل يمنع كل ما يُوصِل إليها، حتى لو كان ظاهره غير مُحرَّم.
5 – (ومنها): الاقتداء بالسنة النبوية، تنفيذ أوامر النبي ﷺ الأخيرة يدل على أهمية هذه المسائل في المنهج الإسلامي.
[للفائدة]:
وانظر: التعليق الصحيح المسند على الحديث: ((لا يترك بجزيرة العرب دينان))، (1623).
_____