(2009 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ)،
(١٨) – بَابٌ: فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ وَيُقَالُ لَهُ حَدِيثُ الرَّحْلِ بِالْحَاءِ
٧٥ – (٢٠٠٩) حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي. فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ، لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ. قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟. قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا. أُرَى فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللهَ فَنَجَى فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا».
٧٥ – (٢٠٠٩) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ . (ح) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللهِ».
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: (“[(١٨)] – (بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ) “).
علاقة الأحاديث مع كتاب الزهد والرقائق أحاديث الهجرة، ومنها هذا الحديث، تتصل بكتاب الزهد في ترك الدنيا وما فيها لنصرة دين الله.
والمشقة التي تحملها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الهجرة تبرز أهمية التوكل على الله والزهد في الدنيا لنيل رضاه.
وحديث الباب يرتبط بكتاب الزهد والرقائق من جهة إبرازه لتجرد الصحابة من متاع الدنيا وتضحيتهم في سبيل نصرة الدين.
وتفاصيل الهجرة تُظهر الصبر والتحمل في سبيل الله، وهو أحد مظاهر الزهد في الدنيا.
وقال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٤٨٢] (٢٠٠٩) – الحديث
شرح الحديث:
عن زُهَيْر هو ابن معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ قال البزار: لم يرو هذا الحديث تامًّا عن أبي إسحاق إلا زهير، وأخوه خديج، وإسرائيل، وروى شعبة منه قصة اللبن خاصة. انتهى.
قال الحافظ: وقد رواه عن أبي إسحاق مطوّلًا أيضًا حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق. انتهى [«الفتح» ٨/ ٢٩١، «كتاب المناقب» رقم (٣٦١٥)].
أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ . (يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، (إِلَى أَبِي) هو عازب بن الحارث بن عديّ الأوسيّ رضي الله عنه من قدمَاء الأنصار، (رَحْلًا) بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة: هو للناقة كالسرج للفرس، ووقع في رواية إسرائيل أن عازبًا امتنع من إرسال ابنه مع أبي بكر حتى يحدثه أبو بكر بالحديث، وهي زيادة ثقة مقبولة، لا تنافي، هذه الرواية، بل يُحمَل قوله: «فقال له أبي»؛ أي: من قبل أن أحمله معه، أو أعاد عازب سؤال أبي بكر عن التحديث بعد أن شرطه عليه أوّلًا وأجابه إليه.
[تنبيه]: قال الخطابيّ رحمه الله: تمسك بهذا الحديث من استجاز أخذ الأجرة على التحديث، وهو تمسك باطل؛ لأن هؤلاء اتخذوا التحديث بضاعة، وأما الذي وقع بين عازب وأبي بكر فإنما هو على مقتضى العادة الجارية بين التجار بأن أتباعهم يحملون السلعة مع المشتري، سواء أعطاهم أجرة أم لا.
قال الحافظ: كذا قال، ولا ريب أن في الاستدلال للجواز بذلك بُعْدًا؛ لتوقفه على أن عازبًا لو استمرّ على الامتناع من إرسال ابنه لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث، والله أعلم. انتهى [«الفتح» ٨/ ٣٢٣].
(قَالَ: نَعَمْ أَسْرَيْنَا) قال في «العمدة»: سرى وأسرى لغتان بمعنى السير في الليل، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ [الفجر: ٤]. (لَيْلَتَنَا كُلَّهَا) زاد في رواية البخاريّ: «ومن الغد»؛ يعني: سرينا ليلًا، وذلك حين خرجا من الغار، وكانا لبثا في الغار ثلاث ليال، ثم خرجا، وقوله: «ومن الغد»؛ أي: بعض الغد
(حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ)؛ أي: حتى انتصف النهار، وسمي قائمًا؛ لأن الظل لا يظهر حينئذ، فكأنه واقف، ووقع في رواية إسرائيل: «أسرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا»؛ أي: دخلنا في وقت الظهر.
انتهى [«مرقاة المفاتيح» ١١/ ٤].
(فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ) هذا إشعار بزيادة الاهتمام في الخدمة.
(ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً)؛ قال النوويّ رحمه الله: المراد: الفروة المعروفة التي تُلْبَس، هذا هو الصواب، وذكر القاضي أن بعضهم قال: المراد بالفروة هنا الحشيش، فإنه يقال له: فروة، وهذا قول باطل . انتهى [»شرح النوويّ«١٨/ ١٤٨].
وقال القاري: «وأنا أنفض ما حولك» بضم الفاء؛ أي: أتجسس الأخبار، وأتفحص عن العدوّ، وأرى هل هناك مؤذٍ من عدوّ وغيره، من النقض الذي هو سبب النظافة، من نحو الغبار، وفي «النهاية»، أي: أحرسك، وأطوف هل أرى طلبًا، يقال: نفضت المكان: إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتحِ الفاء، وسكونها، والنفيضة: قوم يبعثون متجسسين، هل يرون عدوًّا أو خوفًا؟ انتهى [»مرقاة المفاتيح” ١١/ ٤].
وفي هذا: عناية أبي بكر رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم . [توفيق الرب المنعم].
ويؤيد النفض بمعنى الحراسة قوله في رواية إسرائيل: «ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحدًا. ( فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ) »إذا« هنا للمفاجأة؛ أي: ففاجأني وجود راعي غنم، قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على تسميته، ولا على تسمية صاحب الغنم، إلا أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود شيء تمسَّك به من زعم أنه الراعي، وذلك فيما أخرجه أحمد، وابن حبان من طريق عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن. . .» الحديث، وهذا لا يصلح أن يفسر به الراعي في حديث البراء؛ لأن ذاك قيل له: «هل أنت حالب؟ فقال: نعم»، وهذا أشار بأنه غير حالب، وذاك حلب من شاة حافل، وهذا من شاة لم تُطرَق، ولم تَحْمِل، ثم إن في بقية هذا الحديث ما يدل على أن قصته كانت قبل الهجرة، لقوله فيه: «ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علّمني من هذا القول»، فإن هذا يُشعر بأنها كانت قبل إسلام ابن مسعود، وإسلام ابن مسعود كان قديمًا قبل الهجرة بزمان، فبطل أن يكون هو صاحب القصة في الهجرة، والله أعلم. انتهى [«الفتح» ٨/ ٣٢٣].
(فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) هكذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاريّ: «لرجل من أهل المدينة، أو مكة»، قال الحافظ: هو شك من الراوي أيّ اللفظين قال، وكأن الشك من أحمد بن يزيد، فإن مسلمًا أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أعين، عن زهير، فقال فيه: «لرجل من أهل المدينة»، ولم يشك، ووقع في رواية خَديج: «فسمى رجلًا من أهل مكة» ولم يشك، والمراد بالمدينة: مكة، ولم يُرِدْ بالمدينة النبوية؛ لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة، وإنما كان يقال لها: يثرب، وأيضًا فلم تَجْرِ العادة للرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة.
ووقع في رواية إسرائيل: «فقال: لرجل من قريش، سمّاه، فعرفته»، وهذا يؤيد ما قررته؛ لأن قريشًا لم يكونوا يسكنون المدينة النبوية إذ ذاك. انتهى.
(قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟) بفتح اللام، والباء، يعني: اللبن المعروف، هذه الرواية المشهورة، وروى بعضهم: لُبْنٌ بضم اللام، وإسكان الباء، أي: شياه وذوات ألبان [«شرح النوويّ» ١٨/ ١٤٩].
وقال في «العمدة»: «لبن» بفتح اللام، والباء الموحدة، وحَكَى عياض أن في رواية «لُبَّن» بضم اللام، وتشديد الباء الموحدة، جمع لابن؛ أي: هل في غنمك ذوات لبن. انتهى [«عمدة القاري» ١٦/ ١٤٨].
(قَالَ: نَعَمْ) فيها لبن، (قُلْتُ: أَفتَحْلُبُ لِي؟) بضم اللام، ويجوز كسرها، على ما في «القاموس»، [«مرقاة المفاتيح» ١١/ ٤].
وقال في «الفتح»: قوله: «أفتحلب. . . إلخ» الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام: أمعك إذن في الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة؟ وبهذا التقرير يندفع الإشكال، وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم؟ وَيَحْتَمِل: أن يكون أبو بكر لمّا عرفه عرف رضاه بذلك، بصداقته له، أو إذنه العام لذلك. انتهى [ «الفتح» ٨/ ٣٢٣].
وقال النوويّ رحمه الله: وهذا الحديث مما يُسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟
وجوابه من أوجه:
أحدها: أنه محمول على عادة العرب، أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه.
والثاني: أنه كان لصديق لهم، يُدْلون عليه، وهذا جائز.
والثالث: أنه مال حربيّ، لا أمان له، ومثل هذا جائز.
والرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود. انتهى [«شرح النوويّ» ١٨/ ١٤٩].
وفي توفيق الرب المنعم: “قول النووي رحمه الله: إن هذا مال حربي هذا يكون بعد شرعية الجهاد، والجهاد شُرِع بعد ذلك بمدة، والأقرب في مثل هذا: الجواب الأول، وهو: أن الرعاة كان معهم إذن عام من أسيادهم في ذلك”. انتهى.
وفي رواية إسرائيل: «وأمرته، فاعتقل شاة»؛ أي: وضع رجلها بين فخذيه، أو ساقيه يمنعها من الحركة، (مِنَ الشَّعَرِ، وَالتُّرَابِ، وَالْقَذَى) بفتحتين؛ أي: الوسخ
(قَالَ) أبو إسحاق: (فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ) رضي الله عنه، (يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى) حال كونه (يَنْفُضُ) الضرع؛ أي: إنما فعل ذلك، ليريهم كيفيّة النفض، (فَحَلَبَ لِي) وفي رواية للبخاريّ: «فأخذت قدحًا، فحلبت»، ويُجمع بأنه تجوّز في قوله: «فحلبت»، ومراده: أمرت بالحلب، (فِي قَعْبٍ مَعَهُ) بفتح القاف، وسكون العين؛ أي: في قدح من خشب مُقَعّر. (كثْبَةً مِنْ لَبَنٍ) بضم الكاف، وسكون المثلثة، وفتح الموحدة؛ أي: قدر قدح، وقيل: حلبة خفيفة، ويطلق على القليل من الماء واللبن، وعلى الجرعة تبقى في الإناء، وعلى القليل من الطعام والشراب، وغيرهما، من كل مجتمع [«الفتح» ٨/ ٣٢٣]. (قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، وهي ما يُعمل من جلد، يستصحبه المسافر، وقال النوويّ: معنى «يرتوي فيها»: جعل القدح آلة للريّ، والسقي، ومنه الراوية للإبل التي يُستقى عليها الماء. انتهى، فعلى هذا يكون «في» بمعنى الباء. انتهى [«مرقاة المفاتيح» ١١/ ٤].
(فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ)، “يعني: كان أبو بكر رضي الله عنه معه سقاء من جلد يضع فيه شيئًا من الماء، ويتوضأ منه، فلما حلب هذا الغلام اللبن وكان اللبن حارًّا؛ لأنه في وقت شدة الحر أخذ الصديق رضي الله عنه هذه الكثبة وصب عليها من القربة الصغيرة التي معه حتى بردت
(فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) كناية عن كثرة الماء، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ)، أي: طاب خاطري
(ثمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم : («ألَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟») من أنى يأني: إذا دخل وقت الشيء، والمعنى: ألم يدخل وقت الرحيل؟ (فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: من وسط السماء، وحصل برد الهواء، (وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ) بضم السين، (ابْنُ مَالِك) بن جُعشم الْمُدْلِجيّ الكنانيّ، كان ينزل قُديدًا، ويُعدّ في أهل المدينة، روى عنه جماعة، وكان شاعرًا، مجيدًا، وكان من مُسلمة الفتح، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة أربع وعشرين، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في «الحج» ١٧/ ٢٩٤٣.
وفي رواية إسرائيل: «فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا غير سراقة بن مالك بن جعشم».
[تنبيه]: ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى قصّة اتباع سراقة للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: وحدّثني الزهريّ أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه، عن أبيه، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: لمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرًا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن ردّه عليهم. قال: فبينما أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت ثلاثة مروا عليّ آنفًا، إني لأراهم محمدًا وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني أن اسَكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلًا، ثم قمت، فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فَقِيْدَ لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأُخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم لها، ثم انطلقت، فلبست لَأُمتي، ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره». قال: وكنت أرجو أن أرده على قريش، فآخذ المئة الناقة. قال: فركبت على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره». قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟، قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره «لا يضره»، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم، ورأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «قل له: وما تبتغي منا؟» قال: فقال ذلك أبو بكر، قال: قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك، قال: «اكتب له يا أبا بكر»، قال: فكاتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت، فلم أذكر شيئًا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة. قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يوم وفاء وبرّ، ادْنُهْ»، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئًا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فما أذكره إلا أني قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: «نعم، في كل ذات كبد حَرَّى أجر». قال: ثم رجعت إلى قومي، فَسُقْت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي. انتهى [«سيرة ابن هشام» ١/ ٤٨٩ – ٤٩٠].
وجاء في قصة اتباع سراقة للنبي صلى الله عليه وسلم : «جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ، دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ، أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وَفُلانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ، أَمْ لا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلَامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ- سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا
عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ، أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي، وَلَمْ يَسْأَلانِي، إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) [أخرجه البخاري (٣٩٠٦)].
“وهذا من حماية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه، حيث جاء سراقة بن مالك معاديًا طالبًا لهما، وفي آخر الأمر رجع مسالمًا رادًّا عنهما.
وقوله: «كتاب أمن» أي: كتاب موادعة ومصالحة وعلامة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا دوعه للنبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين”. قاله [توفيق الرب المنعم].
ومما قاله سراقة رضي الله عنه يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [من الطويل]:
أَبَا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ
عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ
عَلَيْكَ بِكَفِّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّنِي … أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا سَيَبْدُو مَعَالِمُهْ
بِأَمْرٍ يَقُودُ النَّاسَ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ … فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا تُسَالِمُهْ
وروى سفيان بن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» قال: فلما أُتي عمر بسواري كسرى، ومنطقته، وتاجه دعا سراقة بن مالك، فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلًا أزبّ كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيّ رجل من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته [«الاستيعاب في معرفة الأصحاب» لابن عبد البرّ ٢/ ٥٨١].
(قَالَ) أبو بكر: (وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ) بفتحتين، أي: صُلب (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ)، أي: غاصت قوائمها كما تصوغ في الرمل (إِلَى بَطْنِهَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: أظنّ، والشك من الراوي، البراء، أو من دونه
قال الطيبيّ: الفاء في «فالله» تقتضي ترتّب ما بعدها عليه، فالتقدير: ادعوا لي بأن أتخلص مما أنا فيه، فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أرد عنكما الطلب، ويؤيد هذا التقدير ما في «شرح السُّنَّة». «والله» على القسم؛ أي: أقسم بالله لكما على أن أرد المطلب عنكما.
وحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
[٧٤٨٣] (. . .) – الحديث
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير إسرائيل.
وقوله: (وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا)، أي: لتكون علامة عندك تريها أهلي، فيعلمون بها أنك لقيتني، وأنني أذنت لك في أن تأخذ من مالي ما شئت، ووقع في حديث سُراقة عند البخاريّ في «المناقب»: «… وعرضت عليهم الزاد، والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخْفِ عنا»، وفيه كمال استغناء النبيّ صلى الله عليه وسلم عن متاع الدنيا مع حاجته إليه في السفر، وتوفّره له بطريق حلال [راجع: «التكملة» ٦/ ٥٣٣] .
وقوله: (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ) قد بيّن ابن هشام هذا التنازع في «سيرته» حيث أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال: حدّثني رجال من قومي، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وتوقعنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا، ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلًّا دخلنا، وذلك في أيام حارة. حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنّا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضي الله عنه في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، ثم رحل، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلى عندهم.
فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله. أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» لناقته، فخلّوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة، تلقاه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، في رجال من بني بياضة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، في رجال من بني ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد بن الربيع، وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة، في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار، وهم أخواله دنيا – أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو، إحدى نسائهم – اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن النجار، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ مِربد لغلامين يتيمين من بني النجار، ثم من بني مالك بن النجار، وهما في حِجر معاذ بن عفراء، سهل وسهيل ابني عمرو. فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت، وزمّت، ووضعت، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأل عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدًا. انتهى [«سيرة ابن هشام» ١/ ٤٩٥].
وقوله: «فَقَالَ: أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ»، “وكان هاشم قد تزوج امرأة من بني النجار، فولدت عبد المطلب؛ فلذلك كانوا أخواله، وفيه: أن الرجل العظيم إذا نزل في بلد وله أقارب ينزل على أقاربه؛ يكرمهم بذلك”. [توفيق الرب المنعم].
وقوله: (فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ. . . إلخ) قال القاضي عياض رحمه الله: وفي هذا إظهار ما وضع الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم من المحبّة في القلوب، وخصّ الله تعالى به الأنصار رضي الله عنه من التكرمة والخير في إعزازهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونصرته.
[تنبيه]: رواية إسرائيل عن أبي إسحاق هذه ساقها أبو يعلى رحمه الله في «مسنده» بسند المصنّف، فقال:
(١١٦) – حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: اشترى أبو بكر من أبي رَحْلًا بثلاثة عشر درهمًا، فقال: مُر البراء يحمله إلى رحلي، فقال: لا حتى تخبرني كيف خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فقال: ارتحلنا، فاحتسبنا يومنا وليلتنا، حتى قام ظهرًا، أو قال: قام قائم الظهيرة …. انتهى [«مسند أبي يعلى» ١/ ١٠٧]. [البحر المحيط الثجاج، مع إضافات يسيرة].
وقوله: «فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»:
هذا خير عظيم ساقه الله عزوجل إلى أهل المدينة، فصار الغلمان ينادون، والجواري ينادين من فوق السطوح: قدم محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما إنشاد البيتين التاليين:
طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا … مَا دَعَا للهِ دَاعْ [أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٠٦)]
فهو وهم من بعض الرواة، كما نبه على ذلك ابن القيم، وقال: (لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام) [زاد المعاد (٣/ ١٠)] وسند القصة معضل كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [فتح الباري]
فلعل ذلك في قدومه من تبوك.
كل ذلك فرحًا وسرورًا بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا قال أنس رضي الله عنه: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَقَالَ: مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا». [أخرجه أحمد (١٣٨٣٠)، والترمذي (٣٦١٨)، وابن ماجه (١٦٣١)] [توفيق الرب المنعم].
* فوائد الحديث:
1 – (منها): هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصِّديق رضي الله عنه من مكة إلى المدينة، وذلك لما اشتد الأذى من كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة.
2 – (ومنها): إثبات الصحبة الخاصة للصديق رضي الله عنه، فالصحابة رضي الله عنهم لهم شرف الصحبة العامة، والصديق رضي الله عنه له شرف الصحبة الخاصة بالإضافة إلى الصحبة العامة.
3 – (ومنها): إثبات معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي استجابة دعائه في الحال، فحينما دعا أولًا على سراقة بن مالك ارتطمت ساق الفرس إلى بطنها في الحال، وكذلك خروج الفرس ونجاتها بعد أن أجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم في الحال.
4 – (ومنها): حماية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأوليائه الصالحين.
5 – (ومنها): إثبات المعية لله عزوجل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا».
والمعية نوعان:
الأولى: معية عامة للمؤمن، والكافر، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾.
الثانية: معية خاصة بالمؤمنين، وتأتي في سياق المدح والثناء، ومقتضاها: الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد، كقوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾، وقوله تعالى- لموسى وهارون-: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله تعالى: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾، فهذه الآيات تدل على المعية الخاصة.
6 – (ومنها): فضل الصديق رضي الله عنه، وأن من توكل على الله حق التوكل كفاه الله ما أهمه، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أي: كافيه”. [توفيق الرب المنعم، تصرف يسير].
7 – (ومنها): “أن فيه خدمةَ التابع الحرّ للمتبوع في يقظته، والذبّ عنه في نومه.
8 – (ومنها): شدة محبة أبي بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأدبه معه، وإيثاره له على نفسه.
9 – (ومنها): استصحاب آلة السفر، كالإداوة، والسفرة، ولا يقدح ذلك في التوكل.
10 – (ومنها): استحباب التنظيف لِمَا يؤكل ويشرب.
11 – (ومنها): فضل التوكل على الله تعالى، وأن الرجل الجليل إذا نام يدافع عنه”. [البحر المحيط الثجاج].
12 – (ومنها): بيان حرص الصحابة على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وتيسير الأمور له أثناء الهجرة.
13 – (ومنها): مشروعية البيع والشراء بما فيه تعاون وتقدير.
14 – (ومنها): أهمية الاستفسار عن أحداث السيرة النبوية لنقلها بدقة للأجيال.
15 – (ومنها): استخدام الأسلوب الحواري في نقل العلم مما يسهل فهم الأحداث.
16 – (ومنها): الولاء والبراء يكون لله تعالى.
—-
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
المطلب الأول:
(المسألة الأولى): مضامين الحديث:
1) فضل الهجرة وأحداثها:
الحديث يبرز الجهد المبذول في الهجرة وحرص الصحابة على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم .
تنبيه: سبق الحديث عن الهجرة وأنواعها.
2) الحرص على طلب العلم:
طلب عازب من أبي بكر أن يُحدّثه عن ليلة الهجرة دليل على اهتمام الصحابة رضي الله عنه بمعرفة التفاصيل المهمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
تنبيه: سبق الحديث عن العلم وآدابه في الأبواب السابقة، وفي غيرها.
3) حكم أخذ الأجرة على التحديث:
أشار الخطابي رحمه الله تعالى إلى أن هذا الحديث قد يُستدل به على جواز أخذ الأجرة على التحديث، وأن هذا الاستدلال بعيد؛ لأن ما وقع بين عازب وأبي بكر رضي الله عنهما كان ضمن أعراف التجارة.
قال الخطابيّ رحمه الله: تمسك بهذا الحديث من استجاز أخذ الأجرة على التحديث، وهو تمسك باطل؛ لأن هؤلاء اتخذوا التحديث بضاعة، وأما الذي وقع بين عازب وأبي بكر فإنما هو على مقتضى العادة الجارية بين التجار بأن أتباعهم يحملون السلعة مع المشتري، سواء أعطاهم أجرة أم لا.
وقال الحافظ: كذا قال، ولا ريب أن في الاستدلال للجواز بذلك بُعْدًا؛ لتوقفه على أن عازبًا لو استمرّ على الامتناع من إرسال ابنه لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث، والله أعلم. انتهى [«الفتح» ٨/ ٣٢٣].
المطلب الثاني، وفيه تسعة مسائل:
(المسألة الأولى): الروايات
سبق إيراد الروايات المتعلقة بالهجرة في الشرح، وسيأتي بعض ذلك إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): «رأيت في المنام أني أهاجر …»
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى، فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا، وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ بَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ»). [صحيح مسلم، ٤٤ – (كتاب الرؤيا)← (٥) (باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم )، [٥٩١٩] (٢٢٧٢)].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «رأيت في المنام أني أهاجر … إلخ» هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت له، وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله، وحال أصحابه يوم أُحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يثبّتهم بعد ذلك، ويجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية، وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى [“المفهم” ٦/ ٣٥].
(المسألة الثالثة): إِنّ الله قد أذن لي في الخروج
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: «لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لَأَمْرٌ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ». [صحيح البخاري، (٢١٣٨)].
عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضى الله عنها زَوْجَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ قَطُّ، إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَىِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِىَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ – وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ – فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْرَجَنِى قَوْمِى فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِى الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّى. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ…فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِى عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَىَّ ذِمَّتِى، فَإِنِّى لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّى أُخْفِرْتُ فِى رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّى أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ. وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ». وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّى أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِى». قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِى أَنْتَ قَالَ «نَعَمْ». فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. [صحيح البخاري، (٢٢٩٧)].
فيه: بيان لسبب الهجرة، وما كان يعاني منه أهل الإيمان في دينهم من أهل مكة.
وقَوْلُهَا «فَلَمَّا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ» بِضَمِّ التَّاءِ، أَيْ: اُمْتُحِنُوا بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ وَأَصْلُ الِابْتِلَاءِ الِامْتِحَانُ، وَالِاخْتِبَارُ، وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَعًا وَمِنْهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلَيْهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ يُقَالُ مِنْ الْخَيْرِ أَبْلَيْته أُبْلِيَهُ إبْلَاءً وَمِنْ الشَّرِّ بَلَوْته أَبْلُوهُ بَلَاءً قَالَ فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الِابْتِلَاءَ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَعًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلَيْهِمَا. [طرح التثريب في شرح التقريب، (7/ 270)].
قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «أُخْرِجَ مَنْ عِنْدَك» سَبَبُهُ شِدَّةُ التَّحَرُّزِ فِي أَمْرِ الْهِجْرَةِ لِئَلَّا يَعُوقَ عَنْهَا عَائِقٌ فَإِنَّ فُشُوَّ السِّرِّ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَفْسَدَةِ فَلَمَّا أَعْلَمَهُ الصِّدِّيقُ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إفْشَاءُ السِّرِّ بِقَوْلِهِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُك تَكَلَّمَ بِمَا عِنْدَهُ. [طرح التثريب، (7/ 275)].
(المسألة الرابعة): أهم الأسباب التي دعت إلى هجرة الرسول والمسلمين من مكة إلى المدينة المنورة:
1) عدم تقبُّل مكَّة للإسلام ابتداءً، وتكذيب قريش للنبي صلى الله عليه وسلم.
2) وقوع البلاء على المسلمين في مكة.
3) مخافة الفتنة في الدين.
4) وجود حماية للدعوة بعد بيعة العقبة الثانية.
5) نشر الدعوة الإسلامية خارج مكة.
(المسألة الخامسة): مِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِن أحَادِثِ الهِجْرَةِ:
1) الشَّجَاعَةُ وَالبُطُولَةُ وَالتي تجَلَّتْ في مَوْقِفِ عَلِيّ، وَهْوَ شِبْهُ صَبيّ الصَّدَاقَةُ الصَّادِقَة.
2) الصَّدَاقَةُ الصَّادِقَةُ وَالإِخَاء، وَالإِخْلاَصُ النَّادِرُ وَالوَفَاء، في جَمِيعِ مَوَاقِفِ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه التي وَقَفَهَا، وَالمَشَاهِدِ التي شَهِدَهَا.
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنهَا قَالَتْ:
«فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ – أَيْ يَوْمَ بُشِّرَ بِالصُّحْبَة – ثم قال يا نبي الله: إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أرقط: رجلاَ من بني الدئل بن بكر وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهم لميعادهما ٠٠٠٠ إِلخ» ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١١/ ٣]
وَرَوَى ابْنُ هِشَامٍ عَنِ الحسن البصري رحمه الله أَنَّهُ قال: «انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلاَ فدخل أبو بكر رضي الله عنه قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَسَ الغَارَ ليَنظرَ أَفيه سَبع أَو حَيَّة يَقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه» ٠٠!! [السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٢/ ٣]
[٠٠٠] عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَال: قُلْتُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا في الغَار: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا ٠٠ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» ٠
[٠٠٠] رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٣٦٥٣ / فَتْح) ٠
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَتْ: “لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْر؛ احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مَالَهُ كُلَّهُ مَعَهُ [خَمْسَةَ آلافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةَ آلافِ دِرْهَم]، وَانْطَلَقَ بِهَا مَعَه، فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَقَال: وَاللهِ إِني لأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ، قُلْتُ كَلاَّ يَا أَبَتِ؛ إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرَا؛ فَأَخَذْتُ أَحْجَارَا فَتَرَكْتُهَا فَوَضَعْتُهَا في كُوَّةِ الِبَيْت؛ كَانَ أَبي يَضَعُ فِيهَا مَالَه، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا ثمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْت: يَا أَبَتِ؛ ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا المَال، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَال: لا بَأْس، إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَن، وَفي هَذَا لَكُمْ بَلاَغ، قَالَتْ أَسْمَاءُ رضي الله عنها وَعَنْ وَالِدَيْهَا: لا وَاللهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئَا، وَلَكِنيِّ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُسْكِنَ الشَّيْخَ بِذَلِك ” ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيب الأَرْنَؤُوطُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٧٠٠٢، وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم] ٠ انْظُرِ» المُسْتَدْرَك «بِرَقْم: (٤٢٦٧)،
3) أَنَّ المُؤْمِنَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَكِيمَا وَدَقِيقَا، عِنْدَمَا يخْتَارُ رَفِيقَا؛ فَكَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم : “النَّاسُ مَعَادِن “!
4) جَوَازَ اسْتِئْجَارِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ في كَفَاءَتهِ مِنَ المُسْلِمِين.
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَني الدِّيلِ ثمَّ مِنْ بَني عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيَا خِرِّيتَا – الخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَة – قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْش، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلاَث، فَارْتَحَلاَ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ – أَيْ خَادِمُ أَبي بَكْرٍ – وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيّ، فَأَخَذَ بهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِل ” ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢١٠٣]
5) وَنَتَعَلَّمُ بِرَّ أَسْمَاءَ بِوَالِدِهَا أَبي بَكْر، وَتَضْحِيَتُهَا في الدَّعْوَةِ كَمَا سَيَأْتي وَشَقُهَا لِنِطَاقِهَا في سَبِيلِ الله ٠
فعن أَسْمَاءَ رضي الله عنها، قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بَيْتِ أَبي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلى المَدِينَة، فَلَمْ نجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلاَ لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِه؛ فَقُلْتُ لأَبي بَكْرٍ وَاللهِ مَا أَجِدُ شَيْئَا أَرْبِطُ بِهِ إِلاَ نِطَاقِي ٠٠!؟
قَالَ فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالآخَرِ السُّفْرَة، فَفَعَلْتُ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ»!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢٧٥٧]
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عن أسْماء بنت أبي بكر رضي الله عنه أنها قالت:
” لَمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا بنت أبي بكر ٠٠؟
قلت لاَ أدري والله أين أبي؛ فرفع أبو جهل يده – وكان فاحشا خبيثا – فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاَث ليال وما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٤/ ٣]
وَبَيْنَمَا قُرَيْشٌ تجُوسُ بِكُلِّ دَار؛ بحْثَا عَنِ النَّبي المخْتَار: إِذْ سَمِعَتْ صَوْتَا يَقُولُ هَذِهِ الأَشْعَار:
جَزَى الله رَبُّ النَّاسِ خَيرَ جَزَائِهِ * رَفِيقَينِ حَلاَّ خَيْمَتي أُمَّ مَعْبَدِ
همَا نَزَلاَ بِالبِرِّ ثُم تَرَوَّحَا * فَأَفْلَحَ مَن أَمْسَى رفِيقَ محمَّدِ
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٤/ ٣]
تنببه : حكم بعض الأئمة على قصة أم معبد بالوضع
6) وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام. روى القرطبي عن ابن العربي: « قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ رحمهم الله الذَّهَابَ فِي الْأَرْضِ قِسْمَيْنِ: هَرَبًا وَطَلَبًا، فَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إِلَى سِتَّةِ أقسام: الأول: الهجرة وهي الخروج من دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ هِيَ الْقَصْدُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ كَانَ، فَإِنْ بَقِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَصَى، وَيَخْتَلِفُ فِي حَالِهِ» [تفسير القرطبي: ٥/ ٣٥٠].
7) الولاء والبراء لله تعالى، ووجوب نصرة المسلمين بعضهم لبعضهم، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكنا.
قال ابن العربي رحمه الله عن قول الله تعالى: {إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: ٧٣]
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَطَعَ اللَّهُ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، وَجَعَلَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، يَتَنَاصَرُونَ بِدِينِهِمْ، وَيَتَعَامَلُونَ بِاعْتِقَادِهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ كَمِثْلِ الْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الْمِيرَاثِ؛ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ».
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].
وَقَالَ بَعْد هَذَا: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٧٣]: يَعْنِي بِضَعْفِ الْإِيمَانِ وَغَلَبَةِ الْكُفْرِ؛ وَهَذِهِ هِيَ الْفِتْنَةُ وَالْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا أَمْرٌ بِالْخُرُوجِ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ. [أحكام القرآن لابن العربي، (2/ 441)].
(المسألة السادسة): إشكال الذي أورده النووي رحمه الله تعالى
سبق في الحديث ذكر ذلك.
(المسألة السابعة): أنواع المعية
سبق في الحديث ذكر ذلك.
(المسألة الثامنة): ما قيل في الأبيات التي قيلت في دخول النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة
طلع البدر علينا
ورواه في موضع آخر من (الدلائل) في باب: تلقي الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قدم من غزوة تبوك، ثم قال: قلت: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، وقد ذكرناه عنده، لا أنه لما قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه أيضًا ها هنا» [«الدلائل» باب تلقي الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من غزوة تبوك (٥/ ٢٦٦)].
وأعلّه الحافظ العراقي بكونه معضلًا [تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، دار العاصمة، الطبعة الأولى (٣/ ١٣٢٧)]؛ لأن راوي القصة عبيد الله بن عائشة (وهو من شيوخ الإِمام أحمد) مات سنة ٢٢٨ هـ. فبينه وبين القصة مفاوز.
وقد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن محمَّد قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد: «أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك». [كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر (٨/ ١٢٦ فتح)].
قال الحافظ ابن حجر: «
قَوْلُهُ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ هُوَ مَوْصُولٌ وَلَكِنْ بَيَّنَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً الْغِلْمَانَ وَمَرَّةً الصِّبْيَانَ وَهُوَ بِالْمَعْنَى ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ فأنكر الداودي هذا وتبعه ابن القيم وقال: ثنية الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك، بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال: إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة، والثنية ما ارتفع من الأرض. وقيل: الطريق في الجبل.
قلت: لا يمنع كونها جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر إلى الشام من جهتها، وهذا واضع كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة. وقد روينا بسند منقطع في (الحلبيات ([كذا في الأصل وهو خطأ مطبعي، والصواب: الخلعيات]» قول النسوة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: »طلع البدر علينا من ثنيات الوداع «فقيل: كان ذلك عند قدومه في الهجرة، وقيل: عند قدومه من غزوه تبوك». [فتح الباري (٨/ ١٢٨، ١٢٩)]
كذا نسب الحافظ ابن حجر إلى ابن القيم أنه قال: ثنية الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك: وكلام ابن القيم مخالف لذلك تمامًا، فقد قال رحمه الله: “فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، خرج الناس تلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجّه للشام ..” [زاد المعاد (٣/ ٥٥١) الطبعة السادسة، ١٤٠٥]». انتهى من كتاب
ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية ١/٨٨ — محمد بن عبد الله العوشن (معاصر)
وجاء سبب تسمية ثنية الوداع بذلك وأنها من جهة تبوك في حادثة أخرى، في تحريم نكاح المتعة:
قال الحافظ ابن حجر: «وأخرجه الحازمي من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، حتى إذا كناّ عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة كناّ تمتعنا بهن يطفن برحالنا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فغضب وقام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ فسميت ثنية الوداع. [فتح الباري (٨/ ١٦٩)]». والحديث «لا يصح فإنه من طريق عباد بن كثير، وهو متروك. [فتح الباري (٨/ ١٧٠). والتلخيص الحبير (٣/ ١٧٨)]».
قال الشيخ الألباني-رحمه الله: «على أن القصة برمّتها غير ثابتة ». [سلسة الأحاديث الضعيفة (٢/ ٦٣) الطبعة الثالثة، ١٤٠٦].
ومما يدل على ضعف هذه القصة:
أن الروايات الصحيحة في دخوله صلى الله عليه وسلم طيبة عند هجرته إليها لم تذكر ولو إشارة ما يستشهد به لذلك، بل نقلت تلك الروايات ما قاله أهل المدينة عند وصوله إليها، فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه في (باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة) حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه: «فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله .. [كتاب مناقب الأنصار، رقم ٣٩١١]» وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: «.. ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم [البخاري، رقم ٣٩٢٥] برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم » وفي رواية: “فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان والخدم في الطُرق ينادون: يا محمد، يا رسول الله. يا محمد، يا رسول الله» [أخرجه مسلم، برقم (٧٥٢٢) [٢٠٠٩]].
فائدة: نقل الصالحي رحمه الله تعالى عن المقريزي أنّ هذا النشيد قيل لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر. فهذا قول ثالث، وسبق أن النشيد لا يصح.
وأخرى: رغم عناية ابن إسحاق رحمه الله بالسيرة، وتتبعه لأحداثها، فإنه لم يورد هذا النشيد في سيرته.
(المسألة التاسعة): الفتاوى
[1] حكم الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية الشريفة:
سئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى عن ذلك، ونص السؤال:
س: ما حكم الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية الشريفة، وجميع المناسبات الإسلامية العظيمة، كالإسراء والمعراج وليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، أثابكم الله وحفظكم للإسلام والمسلمين؟
فأجاب رحمه الله:
القاعدة الشرعية أن العبادات توقيفية، ليس لأحد أن يحدث عبادة لم يأذن بها الشرع، والله جل وعلا؛ يقول سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ويقول تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من أحدث في أمرنا هذا (يعني الإسلام) ما ليس منه فهو رد» [أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم ٢٦٩٧، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، برقم ١٧١٨]، يعني: فهو مردود، متفق على صحته. ويقول صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». [أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم ١٧١٨] يعني: مردود، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وعلقه البخاري رحمه الله في الصحيح جازما به،
فالاحتفالات يتعبد بها، فلا يجوز منها إلا ما دل عليه الدليل، فالاحتفال بليلة القدر، في الليالي العشر من رمضان، أمر مشروع، شرع الله لنا أن نعظم هذه الليالي، وأن نقيم ليلها بالعبادة والذكر، والطاعة والقراءة ونصوم نهارها؛ لأنه من رمضان فهذه الليالي العشر، فيها ليلة القدر ومشروع للمسلمين أن يعظموها بالصلاة، والعبادة في المساجد وفي البيوت للنساء أيضا …، ثم ذكر أمثلة على بعض الاحتفالات المحدثة، ثم قال رحمه الله:
فهذه الاحتفالات من البدع التي أحدثها الناس، وليست مشروعة وإن فعلها كثير من الناس في كثير من الأمصار، فإنها لا تكون سنة بفعل الناس، وليس في الإسلام بدعة حسنة، بل كل البدع منكرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كل بدعة ضلالة»[صحيح مسلم الجمعة (٨٦٧)، سنن النسائي صلاة العيدين (١٥٧٨)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (٢٩٥٤)، سنن ابن ماجه المقدمة (٤٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣١١)، سنن الدارمي المقدمة (٢٠٦)]، وكان يخطب يوم الجمعة صلى الله عليه وسلم، ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»[أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم ٥٠٦٣، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم ١٤٠١]، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، زاد النسائي رحمه الله بإسناد صحيح، «وكل ضلالة في النار»[النسائي صلاة العيدين (١٥٧٨)] فالبدع كلها ضلالة، وإن سمى بعض الناس بعض البدع بدعة حسنة، فهو قول اجتهادي لا دليل عليه، ولا يجوز أن يعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، بقول أحد من الناس فالرسول صلى الله عليه وسلم ، حكم على البدع بأنها ضلالة، فليس لنا أن نستثني شيئا من هذا الأمر إلا بدليل شرعي، لأن هذه جملة عامة محكمة: «كل بدعة ضلالة»[صحيح مسلم الجمعة (٨٦٧)، سنن النسائي صلاة العيدين (١٥٧٨)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (٢٩٥٤)، سنن ابن ماجه المقدمة (٤٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣١١)، سنن الدارمي المقدمة (٢٠٦)]
وهكذا الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وبليلة النصف من شعبان، والاحتفال بالهجرة النبوية، أو بفتح مكة أو بيوم بدر، كل ذلك من البدع، لأن هذه الأمور موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يحتفل بها، ولو كانت قربة إلى الله لاحتفل بها صلى الله عليه وسلم، أو أمر بها الصحابة أو فعلها الصحابة بعده، فلما لم يكن شيء من هذا علمنا أنها بدعة وأنها غير مشروعة، وهذه الاحتفالات، لا يبرر فعلها أن فلانا وفلانا فعلها، أو فعلها البلد الفلاني كل ذلك لا يبرر، إنما الحجة ما قاله الله ورسوله، أو أجمع عليه سلف الأمة أو فعلها الخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم. انتهى المقصود. [السؤال السادس من الشريط رقم ١٠٩، فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر، لابن باز (ت ١٤٢٠) رحمه الله تعالى].
المسألة العاشرة : كلام الأئمة في فضائل الهجرة وأنواعها
قال ابن القيم :
الهجرة إلى الله ورسوله:
الهجرة إلى الله ورسوله، فرض عين على كل أحدٍ في كلِّ وقت، ولا انفكاك لأحدٍ من وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد، إذ الهجرة هجرتان:
هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المراد الكلام فيها.
والهجرة الثانية هجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا. وهذه هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة تتضمن (من) و (إلى) فيهاجرُ بقلبه من محبة غير الله إلى محبته.
ومن عبودية غيره إلى عبوديته.
ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه.
ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذُّلِّ له والاستكانة له إلى دعاء ربه وسؤاله والخضوع له والذلِّ والاستكانة له.
وهذا هو بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: }ففروا إلى الله{ [الذاريات:50] فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.
وهذه الهجرة تقوى وتضعف بحسب قوة داعي المحبة وضعفه، فكلما كان داعي المحبة في قلب العبد أقوى كانت هذه الهجرة أقوى وأتمّ وأكمل، وإذا ضعُف الداعي ضعُفت الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علماً، ولا يتحرك بها إرادة.
وعن هاتين الهجرتين يُسأل كلُّ عبد يوم القيامة وفي البرزخ، ويُطالب بهما في الدنيا، فهو مطالب بهما في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ. ودار القرار. مقتطفات من الرسالة التبوذكية لابن القيم
—
قال السعدي :
﴿وَمَن يُهاجِر في سَبيلِ اللَّهِ يَجِد فِي الأَرضِ مُراغَمًا كَثيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفورًا رَحيمًا﴾ [النساء: 100]
هذا في بيان الحثِّ على الهجرة والترغيب وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أنَّ من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاتِهِ أنه يَجِدُ مراغَمًا في الأرض وسعة؛ فالمراغَم مشتملٌ على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا، وذلك أنَّ كثيرًا من الناس يتوهَّم أنَّ في الهجرة شتاتًا بعد الألفة وفقرًا بعد الغنى وذلاًّ بعد العزِّ وشدَّة بعد الرخاء، والأمر ليس كذلك؛ فإنَّ المؤمن ما دام بين أظهر المشركين؛ فدينُهُ في غاية النقص؛ لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدِّية كالجهاد بالقول والفعل وتوابع ذلك؛ لعدم تمكُّنه من ذلك، وهو بصدد أن يُفْتَنَ عن دينِهِ، خصوصًا إن كان مستضعفًا؛ فإذا هاجر في سبيل الله؛ تمكَّن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم؛ فإنَّ المراغمة اسم جامعٌ لكلِّ ما يحصُلُ به إغاظةٌ لأعداء الله من قول وفعل وكذلك يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى.
واعْتَبِرْ ذلك بالصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله؛ كمل بذلك إيمانهم، وحصل لهم من الإيمان التامِّ والجهاد العظيم والنصرِ لدين الله ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كلُّ مَن فَعَلَ فعلَهم؛ حَصَلَ له ما حَصَلَ لهم إلى يوم القيامة.
ثم قال: ﴿ومن يخرج من بيتِهِ مهاجرًا إلى الله ورسولِهِ﴾؛ أي: قاصدًا ربَّه ورضاه ومحبَّته لرسوله ونصرًا لدين الله لا لغير ذلك من المقاصد. ﴿ثم يدرِكْه الموتُ﴾: بقتل أو غيره، ﴿فقد وَقَعَ أجرُهُ على الله﴾؛ أي: فقد حَصَلَ له أجرُ المهاجر الذي أدرك مقصودَه بضمان الله تعالى، وذلك لأنَّه نوى وجَزَمَ وحصل منه ابتداءٌ وشروعٌ في العمل؛ فمن رحمة الله به وبأمثاله أنْ أعطاهم أجْرَهم كاملًا، ولو لم يُكْمِلوا العمل، وَغَفَرَ لهم ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها، ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، فقال: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾: يغفر للمؤمنين ما اقترفوه من الخطيئاتِ، خصوصًا التائبين المنيبين إلى ربهم، رحيمًا بجميع الخلق رحمةً أوجدتهم وعافتْهم ورزقتْهم من المال والبنين والقوَّة وغير ذلك، رحيمًا بالمؤمنين؛ حيث وفَّقهم للإيمان، وعلَّمهم من العلم ما يحصُلُ به الإيقان، ويَسَّرَ لهم أسبابَ السعادة والفلاح، وما به يدركونَ غايةَ الأرباح، وسيرون من رحمته وكرمِهِ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله أن لا يحرِمَنا خيره بشرِّ ما عندنا.
تفسير السعدي