2244 – تحضير سنن أبي داود
مجموعة: أحمد بن علي وعبدالله المشجري وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود
بَابٌ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، مَعَ مَنْ يَكُونُ الْوَلَدُ؟
2244 – حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ، أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شَبَهُهُ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْعُدْ نَاحِيَةً»، وَقَالَ لَهَا: «اقْعُدِي نَاحِيَةً»، قَالَ: «وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا»، ثُمَّ قَالَ «ادْعُوَاهَا»، فَمَالَتِ الصَّبِيَّةُ إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اهْدِهَا»، فَمَالَتِ الصَّبِيَّةُ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا
[حكم الألباني] : صحيح
——–
قال الخطابي:
في هذا بيان أن الولد الصغير إذا كان بين المسلم والكافر فإن المسلم أحق به، وإلى هذا ذهب الشافعي.
وقال أصحاب الرأي في الزوجين يفترقان بالطلاق والزوجة ذمية ان الأم أحق بأولادها ما لم تزوج ولا فرق في ذلك بين الذمية والمسلمة.اهـ
[معالم السنن 3/ 262]
قال أبو المعالي الجويني:
باب أي الوالدين أحق بالولد (1)
روى الشافعي رضي الله عنه في صدر الباب بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيَّر غلاماً بين أبيه وأمه (2).
10221 – الحضانة من الأحكام التي يجب صرف الاهتمام إليها، ويقلّ في العلماء من يستقلّ به (3)، فإنه جمع إلى غموض الأطراف انتشار المسائل، [والتفاف] (4) الكلام عند فرض الازدحام، واضطراب العلماء فيما يعتبر في التقديم والتأخير، ونحن بعون الله وحسن توفيقه [تقدّم] (5) قواعدَ في الحضانة ونذكرها أرسالاً، ومتواصلة، ثم نخوض في بيان الازدحام، وهو غمرة الباب.
فنقول: الحضانة حفظُ الولد، والقيامُ عليه بما يحفظه، ويقيه، ويستصلحه، وأول ما نبتدىء به أن الولد الرضيع والفطيم إلى أن يبلغ سنَّ التمييز إذا دار بين الأب والأم وهي بائنة عن الزوج، منعزلةٌ عنه، فالأم أولى بحق الحضانة إذا هي طَلبتْها، وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
ثم إنما تكون مستحِقة للحضانة إذا استجمعت أوصافاً: أحدها – الحرية. والثاني – الاستقلال بالعقل. والثالث – الأمانة. والرابع – الفراغ. والخامس – الإسلام إذا كان الولد مسلماً.
أما الحرية إنما شرطناها لتتفرغ إلى الحضانة؛ فإن الرقيقة مستوعَبَةُ المنافع، والحضانةُ ضرب من الولاية، وإن كانت المرأة تستحقها، والرقُّ يباين الولايات، وأما الاستقلال، فهو الأصل، وكذلك الأمانة.
10222 – وأما الفراغ، فالمعنيّ به أن لا تتزوج زوجاً غيرَ أب المولود، فإذا نكحت، بطل حقها من الحضانة وفاقاً، ولو رضي الزوج بأن تحتضنه، فلا يعود حقها لرضا الزوج باحتضانها، كما لا يثبت حق الحضانة للرقيقة [وإن] (1) رضي مولاها، فلو طلقها الزوج، نظر: فإن أبانها، عاد حقُّها في الحضانة، خلافاً لمالك (2) رضي الله عنه، فإنه قال: إذا بطل حقها من الحضانة بالنكاح، لم يعد بالإبانة، ولا خلاف أنها لو جُنت، ثم أفاقت، فحقها يعود بالإفاقة.
هذا إذا طلقها الزوج طلاقاً مبيناً، وأما إذا طلقها طلاقاً رجعياً، فالمنصوص عليه للشافعي رضي الله عنه أن حقها يعود بالطلاق الرجعي؛ فإن الرجعية تنعزل عن زوجها، وتتربص للاعتداد، فإذا انقطع عنها شغل مستمتع الزوج، كانت في الغرض المطلوب بمثابة البائنة.
وذهب المزني إلى أن حقها لا يعود؛ فإن سلطان الزوّج مطرد عليها: يرتجعها متى شاء، وهي في حكم الزوجات، فيبعد أن يعود حقها من الحضانة، وهي بعدُ على حكم الزوجية، وقد خرج ابن سريج وغيره قولاً موافقاًً لمذهب المزني، وهو منقاس حسن، ووجهه ما ذكرناه.
ثم مما يجب التنبّه له أن البائنة لو كانت في مسكن الزوج، وكانت تعتد فيه، فللزوج أن يمنعها من إدخال ذلك المسكن الولدَ، وكذلك لو كانت رجعية، ولو كان اتفق النكاح في مسكن المرأة، وكانت تعتد فيه، فحينئذ حكم عود الحضانة على ما ذكرناه، ولو كان المسكن للزوج ورضي بإدخال الولد المسكنَ، فحق الولد ثابت في الحضانة، وليس كما لو رضي بأن تحتضن الولد مع قيام الزوجية، فإن حقها لا يقوم فإن الزوجية رقٌ، وإذن الزوج كإذن المولى للرقيقة، وأما ما يتعلق بالمسكن والرضا بإدخال الولد إياه، فهذا محتمل، وهذا كما لو كانت المرأة استعارت مسكناًً، وكانت خليّة، فأخذت تحتضن الولد في الدار المستعارة، فلها حق الحضانة، وإن كان من الممكن أن يسترد المعير العارية، وإذ ذاك لا تتمكن من الحضانة، فلا نظر إلى أمثال هذا، والعلم عند الله تعالى… اهـ
[نهاية المطلب في دراية المذهب 15/ 542]
قال ابن قدامة:
1399 – مسألة؛ قال (1): (وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ، إذَا طَلُقَتْ)
وجملتُه أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا افتَرَقا، ولهما ولدٌ طفلٌ أو مَعْتُوهٌ، فأمُّه أوْلى الناسِ بكَفالَتِه إذا كَمَلَتِ الشَّرائِطُ فيها، ذكَرًا كان أو أنْثَى. وهذا قولُ يحيى الأنْصارىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم. والأصلُ فيه ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عمرِو بن العاصِ، أنَّ امرأةً قالتْ:
يا رسولَ اللَّه، إن ابْنِى هذا كان بَطْنِى له وِعاءً، وثَدْيِى له سِقاءً، وحِجْرِى له حِواءً، وإنَّ أباه طَلَّقَنِى، وأراد أن يَنْزِعَه مِنِّى. فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: “أنْتِ أحَقُّ بِهِ مَا لَم تَنْكِحِى”. روَاه أبو داودَ (2). ويُرْوَى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، حَكَمَ على عمرَ بن الخَطَّابِ بعاصمٍ لأُمِّه أُمِّ عاصِمٍ، وقال: رِيحُها وشمُّها ولُطْفُها، خَيْرٌ له منك. روَاه سعيدٌ، في “سُنَنِه” (3). ولأنَّها أقْرَبُ إليه، وأشْفَقُ عليه، ولا يُشارِكُها في القُرْبِ إلَّا أبُوه، وليس له مثلُ شَفَقَتِها، ولا يَتَولَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدْفَعُه إلى امرأتِه، وأُمُّه أوْلَى به من امْرأةِ أَبِيه.
فصل: فإن لم تكُنِ الأمُّ من أهْلِ الحَضانةِ، لِفُقْدانِ الشُّروطِ التي ذكرْنا فيها (4)، أو بعضِها، فهى كالمَعْدُومةِ، وتَنْتَقِلُ (5) إلى مَنْ يَلِيها في الاسْتِحْقاقِ. ولو كان الأبَوانِ مِن غيرِ أهلِ الحَضانةِ، انتقلتْ إلى من يَلِيهِمَا؛ لأنَّهما كالمَعْدُومَيْنِ.
فصل: ولا تثْبُتُ الحضانةُ إلَّا على الطِّفْل والمَعْتُوهِ (6)، فأمَّا البالغُ الرَّشِيدُ، فلا حضانةَ عليه، وإليه الخِيَرَةُ [في الإِقَامةِ] (7) عند مَنْ شاءَ من أبَوَيْه، فإن كان رَجُلًا، فله الانْفِرادُ بنَفْسِه، لِاسْتِغنائِه عنهما، ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْفَرِدَ عنهما، ولا يَقْطَعَ بِرَّه عنهما، وإن كانتْ جارِيةً لم يكُنْ لها الانْفرادُ، ولأَبِيها مَنْعُها منه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَدْخُلَ عليها مَنْ يُفْسِدُها، ويُلْحِقُ العارَ بها وبأهْلِها، وإن لم يكنْ لها أبٌ، فلِوَلِيِّها وأهْلِها مَنْعُها من ذلك.
1400 – مسألة؛ قال: (وَإذَا بَلَغ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا)
وجملتُه أنَّ الغلامَ إذا بَلَغ سَبْعًا، وليس بمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بين أبَوَيْه، إذا تنازَعا فيه، فمَن اختارَ (1) منهما، فهو أَوْلَى به. قضَى بذلك عمرُ، وعلىٌّ، وشُرَيْحٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُخَيَّرُ. لكنْ قال أبو حنيفةَ: إذا اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فأكَلَ بنَفْسِه، ولَبِسَ بنفسِه، واسْتَنْجىَ بنفسِه، فالأبُ أحَقُّ به. ومالكٌ يقول: الأمُّ أحَقُّ به حتى يُثْغِرَ (2)، وأمَّا التَّخْييرُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الغُلامَ لا قَوْلَ له، ولا يَعْرِفُ حَظَّه، وربَّما اختارَ مَنْ يَلْعَبُ عندَه ويَتْرُكُ تَأْدِيبَه، ويُمَكِّنُهُ من شَهَواتِه، فيُؤَدِّى إلى فَسادِه، ولأنَّه دُونَ البُلُوغِ، فلم يُخَيَّرْ، كمَن دُونَ السَّبْعِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ غُلامًا بين أبِيه وأُمِّه. روَاه سعيدٌ، بإسْنادِه، والشافعيُّ (3). وفى لفظٍ عن أبي هُرَيْرةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ زَوْجى يريدُ أن يَذْهَبَ بابْنِى، وقد سَقَانِى من بِئْرِ أبى عِنَبَةَ (4)، وقد نَفَعَنِى. فقال له النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: “هذَا أبُوكَ، وهذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أيِّهِمَا شِئْتَ”. فأخَذَ بيدِ أُمِّه، فانْطَلَقَتْ به. روَاه أبو داودَ (5)، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فرُوِىَ عن عمرَ، أنَّه خَيَّرَ غلامًا بين أبِيه وأُمِّه. روَاه سعيدٌ (6)، ورُوِىَ عن (7). عُمارةَ الجَرْمِىِّ، أنَّه قال: خَيَّرنِى علىٌّ بين عَمِّى وأُمِّى، وكنتُ ابنَ سَبْعٍ أو ثمانٍ (8). ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبي هُرَيرْةَ. وهذه قِصَصٌ في مَظِنَّةِ الشُّهْرةِ، ولم تُنْكَرْ، فكانت إجماعًا، ولأنَّ التَّقْديمَ في الحَضانةِ لِحَقِّ (9) الوَلدِ، فيُقَدَّمُ (10) مَنْ هو أشْفَقُ؛ لأنَّ حَظَّ الوَلَدِ عندَه أكثرُ، واعْتَبرْنا الشَّفقةَ بمَظِنَّتِها إذا لم يُمْكِنِ اعْتِبارُها بنَفْسِها، فإذا بَلَغ الغلامُ حَدًّا يُعْرِبُ عن نَفْسِه، ويُمَيِّزُ بينَ الإِكْرامِ وضِدِّه، فمالَ إلى أحدِ الأبَوَيْنِ، دَلَّ على أنَّه أرْفَقُ به، وأشْفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلك. وقَيَّدْناه بالسَّبْعِ؛ لأنَّها أوَّل حالٍ أمَرَ الشرعُ فيها بمُخَاطَبَتِه بالأمْرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّ الأُمَّ قُدِّمَتْ في حالِ الصِّغَرِ، لحاجَتِه إلى حَمْلِه، ومُباشَرةِ خِدْمَتِه، لأنَّها أعْرَفُ بذلك، وأقْوَمُ به، فإذا اسْتَغْنَى عن ذلك، تَساوَى والِدَاه، لقُرْبهِما منه، فرَجَّحَ باخْتِيارِه.
فصل: ومتى اخْتارَ أحَدَهما فسُلِّمَ إليه، ثم اختارَ الآخرَ، رُدَّ إليه، فإن عادَ فاختارَ الأوَّلَ، أُعِيدَ إليه، هكذا أبدًا كلَّما اخْتارَ أحَدَهُما صارَ إليه؛ لأنَّه اخْتِيارُ شَهْوةٍ، لحَظِّ نَفْسِه، فأُتْبِعَ ما يَشْتَهيه، كما يُتْبَعُ ما يَشْتَهِيهِ في المأْكولِ والمَشْروبِ، وقد يَشْتَهِى المُقامَ عند أحَدِهما في وقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وقتٍ، وقد يَشْتَهِى التَّسْوِيَةَ بينهما، وأن لا يَنْقَطِعَ عنهما. وإن خَيَّرناه، فلم يَخْتَرْ واحدًا منهما، أو اختارَهما معًا، قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعةِ؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما على حَضانَتِه، فقُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعةِ، فإذا قُدِّمَ بها، ثم اخْتارَ الآخَرَ، رُدَّ إليه؛ لأنَّنا قَدَّمْنا اخْتِيارَه الثاني على الأوَّلِ، فعلى القُرْعةِ التي (11) هي بَدَلٌ أَوْلَى.
فصل: فإن كان الأبُ مَعْدُومًا، أو من غيرِ أهْلِ الحَضانةِ، وحَضَرَ غيرُه من العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، قامَ مَقامَ الأبِ، فيُخَيَّرُ الغلامُ بين أُمِّه وعَصَبَتِه؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، خَيَّرَ عُمارةَ الجَرْمِىَّ بين أُمِّه وعَمِّه. ولأنَّه عَصَبةٌ، فأشْبَهَ الأبَ. وكذلك إن كانت الأُمُّ (12) مَعْدومةً، أو من غيرِ أهلِ الحَضانةِ، فسُلِّمَ (13) إلى الجَدَّةِ، خُيِّرَ الغلامُ بينها وبينَ أبِيه، أو مَنْ يقومُ مَقامَه من العَصَباتِ، فإن كان الأبَوانِ مَعْدومَيْنِ، أو من غيرِ أهلِ الحضانةِ، فسُلِّمَ إلى امْرأةٍ، كأُخْتِه أو عَمَّتِه (14) أو خالَتِه، قامتْ مقامَ أُمِّه، في التَّخْيِيرِ بينها وبينَ عَصَباتِه، للمعنى الذي ذكَرْناه في الأبوَيْنِ. فإن كان الأبوان رَقِيقَيْنِ، وليس له أحَدٌ من أقارِبه سِواهُما، فقال القاضي: لا حَضانةَ لهما عليه، ولا نفقةَ له عليهما، ونفَقَتُه في بيتِ المالِ، ويُسَلَّمُ إلى من يَحْضُنُه من المسلمين.
فصل: وإنَّما يُخَيَّرُ الغلامُ بشَرْطَيْنِ؛ أحدهما، أن يكوَنا جميعًا من أهلِ الحضانةِ، فإن كان أحَدُهما من غيرِ أهلِ الحضانةِ، كان كالمَعْدُومِ، ويُعَيَّنُ الآخرُ. الثاني، أن لا يكونَ الغلامُ مَعْتُوهًا، فإن كان مَعْتُوهًا كان عندَ الأُمِّ، ولم يُخَيَّرْ؛ لأنَّ المَعْتُوهَ بمنزلةِ الطِّفْلِ وإن كان كبيرًا، ولذلك كانت الأُمُّ أحَقَّ بكفالةِ ولَدِها المَعْتُوهِ بعدَ بُلُوغِه. ولو خُيِّرَ الصَّبِىُّ، فاختار أباه، ثم زال عَقْلُه، رُدَّ إلى الأُمِّ، وبَطَلَ اختيارُه؛ لأنَّه إنما خُيِّرَ حين اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فإذا زال اسْتِقْلالُه بنفسِه، كانت الأُمُّ أوْلَى؛ لأنَّها أشْفَقُ عليه، وأقْوَمُ بمَصالِحِه (15)، كما في حالِ طُفُولِيَّتِه.
1401 – مسألة؛ قال: (وَإذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ، فالْأبُ أحَقُّ بِهَا)
وقال الشافعيُّ: تُخَيَّرُ كالغلامِ؛ لأنَّ كلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فيه الغلامُ خُيِّرَتْ فيه الجارِيةُ، كسِنِّ البُلُوغِ. وقال أبو حنيفةَ: الأمُّ أحَقُّ بها، حتى تُزَوَّجَ أو تَحِيضَ. وقال مالكٌ: الأُمُّ أحَقُّ بها حتى تُزَوَّجَ ويَدْخُلَ (1) بها الزَّوجُ؛ لأنَّها لا حُكْمَ لِاخْتِيارِها، ولا يُمْكِنُ انْفِرادُها، فكانت الأمُّ أحَقَّ بها، كما قَبْلَ السَّبْعِ. ولَنا، أنَّ الغَرَضَ بالحضانةِ الحَظُّ، والحَظُّ للجاريةِ بعدَ السَّبْعِ في الكَوْنِ عند أبيها؛ لأنَّها تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ، والأبُ أوْلَى بذلك، فإنَّ الأُمَّ تحْتاجُ إلى مَنْ يَحْفَظُها ويَصُونُها، ولأنَّها إذا بَلَغَتِ السَّبْعَ، قارَبَتِ الصَّلَاحِيَةَ للتَّزْوِيجِ، وقد تزوَّجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عائشةَ، وهى ابنةُ سَبْعٍ (2). وإنَّما تُخْطَبُ الجارِيةُ من أبِيها؛ لأنَّه وَلِيُّها، والمالكُ لتَزْوِيجِها، وهو أعلمُ بالكَفاءةِ، وأقْدَرُ على البَحْثِ، فيَنْبَغِى أن يُقَدَّمَ على غيرِه، ولا يُصارُ إلى تَخْيِيرِها؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الغُلامِ؛ لأنَّه لا يحْتاجُ إلى الحِفْظِ والتَّزْويجِ، كحاجَتِها إليه، ولا على سِنِّ البُلُوغِ؛ لأنَّ قَوْلَها حينئذٍ مُعْتَبرٌ في إذْنِها، وتَوْكِيلِها، وإقْرارِها، واخْتيارِها، بخلافِ مسأَلَتِنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ ما بعدَ السَّبْعِ على ما قبلَها؛ لما ذكَرْنا في دَلِيلِنا.
فصل: إذا كانت الجاريةُ عندَ الأُمِّ أو عندَ الأبِ، فإنَّها تكونُ عندَه ليلًا ونهارًا؛ لأنَّ تَأْدِيبَها وتَخْرِيجَها في جَوْفِ البيتِ، من تَعْلِيمِها الغَزْلَ والطَّبْخَ وغيرهما (3)، ولا حاجةَ بها إلى الإِخْراجِ منه، ولا يُمْنَعُ أحَدُهما من زِيارَتِها عندَ الآخَرِ، من غيرِ أن يَخْلُوَ الزَّوْجُ بأُمِّها، ولا يُطِيلُ، ولا يتَبَسَّطُ؛ لأنَّ الفُرْقةَ بينهما تَمْنَعُ تَبَسُّطَ أحَدِهما في منزلِ الآخَرِ. وإن مَرِضَتْ، فالأُمُّ أحَقُّ بتَمْرِيضِها في بيتِها. وإن كان الغلامُ عندَ الأُمِّ بعدَ السَّبْعِ، لِاخْتِيارِه لها، كان عندَها ليلًا، ويأخذُه الأبُ نَهارًا ليُسَلِّمَه في مكتبٍ، أو في صناعةٍ؛ لأنَّ القَصْدَ حَظُّ الغُلامِ، وحَظُّه فيما ذكَرْناه. وإن كان عند الأبِ، كان عندَه ليلًا ونهارًا، ولا يُمْنَعُ من زِيَارةِ أُمِّه؛ لأنَّ مَنْعَه من ذلك إغْراءٌ بالعُقُوقِ، وقَطِيعةٌ للرَّحِمِ (4). وإن مَرِضَ، كانت الأُمُّ أحَقَّ بتَمْرِيضِه في بَيْتِها؛ لأنَّه صار بالمَرَضِ كالصغيرِ، في الحاجةِ إلى مَنْ يقومُ بأمْرِه، فكانت الأُمُّ أحَقَّ به كالصَّغيرِ. وإن مَرِضَ أحدُ الأبَوَيْنِ، والولدُ عندَ الآخَرِ، لم يُمْنَعْ من عِيادَتِه، وحُضُورِه عندَ مَوْتِه، سواءٌ كان ذكَرًا أو أُنْثَى؛ لأنَّ المَرَضَ يَمْنَعُ المَرِيضَ من المَشْىِ إلى ولَدِه (5)، فمَشْىُ ولَدِه إليه أَوْلَى. فأمَّا في حالِ الصِّحَّةِ، فإنَّ الغلامَ يَزُورُ أُمَّه؛ لأنَّها عَوْرَةٌ، فسَتْرُها أَوْلَى، والأمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما عورةٌ، تحْتاجُ إلى صِيانةٍ وسَتْرٍ، وسَتْرُ الجاريةِ أوْلَى؛ لأنَّ الأُمَّ قد تخَرَّجَتْ وعَقَلَتْ، بخلافِ الجارِيَةِ…. اهـ
[المغني لابن قدامة 11/ 413]
قال ابن القيم:
فصل
وقضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمِّه وقولُه: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» لا يستفاد منه عموم القضاء لكلِّ أمٍّ حتَّى يَقضيَ به للأمِّ وإن كانت كافرةً، أو رقيقةً، أو فاسقةً، أو مسافرةً، فلا يصحُّ الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه، فإذا دلَّ دليلٌ منفصلٌ على اعتبار الإسلام والحرِّيَّة والدِّيانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصًا ولا مخالفةً لظاهر الحديث.
وقد اشتُرِط في الحاضن ستَّة شروطٍ: اتِّفاقهما في الدِّين، فلا حضانة لكافرٍ على مسلمٍ لوجهين:
أحدهما: أنَّ الحاضن حريصٌ على تربية الطِّفل على دينه، وأن ينشأ عليه ويتربَّى عليه، فيصعُب بعد كبره وعقله انتقالُه عنه، وقد يُغيِّره عن فطرة الله الَّتي فطر عليها عباده، فلا يراجعها أبدًا، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، ويُنصِّرانه، ويُمجِّسانه». فلا يُؤمَن تهويدُ الحاضن وتنصيرُه للطِّفل المسلم.
فإن قيل: الحديث إنَّما جاء في الأبوين خاصَّةً.
قيل: الحديث خرج مخرجَ الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطِّفل بين أبويه، فإن فُقِد الأبوان أو أحدهما قام وليُّ الطِّفل من أقاربه مقامَهما.
الوجه الثَّاني: أنَّ الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفَّار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعضٍ، والكفَّار بعضهم من بعضٍ، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة الَّتي قطعها الله بين الفريقين.
وقال أهل الرَّأي وابن القاسم وأبو ثورٍ: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد. واحتجُّوا بما روى النَّسائيُّ في «سننه» من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدِّه رافع بن سِنان: أنَّه أسلم وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فأتت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فَطِيمٌ أو مُشبهة، وقال رافع: ابنتي، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقعُدْ ناحيةً»، وقال لها: «اقعدي ناحيةً»، وقال لهما: «ادعُواها»، فمالت الصَّبيَّة إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهمَّ اهْدِها»، فمالت إلى أبيها فأخذها.
قالوا: ولأنَّ الحضانة أمران: الرِّضاع وخدمة الطِّفل، وكلاهما يجوز من الكافرة.
قال الآخرون: هذا الحديث هو من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سِنان الأنصاري الأَوْسي، وقد ضعَّفه إمام العلل يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكان سفيان الثَّوريُّ يحمل عليه، وضعَّف ابن المنذر الحديث، وضعَّفه غيره. وقد اضطرب في القصَّة، فروى أنَّ المخيَّر كان بنتًا، وروى أنَّه كان ابنًا. وقال الشَّيخ في «المغني»: وأمَّا الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبِته أهل النَّقل، وفي إسناده مقالٌ، قاله ابن المنذر.
ثمَّ إنَّ الحديث قد يُحتجُّ به على صحَّة مذهب من اشترط الإسلام، فإنَّ الصَّبيَّة لمَّا مالت إلى أمِّها دعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لها بالهداية، فمالت إلى أبيها، وهذا يدلُّ على أنَّ كونها مع الكافر خلافُ هدى الله الذي أراده من عباده، ولو استقرَّ جعْلُها مع أمِّها لكان فيه حجَّةٌ، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله.
ومن العجب أنَّهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأيُّ فسقٍ أكبر من الكفر؟ وأين الضَّرر المتوقَّع من الفاسق بنشوء الطِّفل على طريقته إلى الضَّرر المتوقَّع من الكافر؟ مع أنَّ الصَّواب أنَّه لا تُشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شَرَطَها أصحاب أحمد والشَّافعيِّ وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد.
ولو اشتُرِطَ في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقَّة على الأمَّة، واشتدَّ العَنَتُ. ولم يزل من حينِ قام الإسلام إلى أن تقوم السَّاعة أطفال الفسَّاق بينهم لا يتعرَّض لهم أحدٌ في الدُّنيا، مع كونهم هم الأكثرين. ومتى وقع في الإسلام انتزاعُ طفلٍ من أبويه أو أحدِهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسرِ واستمرارِ العمل المتَّصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النِّكاح، فإنَّه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي، مع أنَّ أكثر الأولياء الذين يَلُون ذلك فسَّاقٌ. ولم يزل الفسوق في النَّاس، ولم يمنع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من أصحابه فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه مَوْلِيَّتَه، والعادة شاهدةٌ بأنَّ الرَّجل ولو كان من الفسَّاق فإنَّه يحتاط لابنته ولا يضيِّعها، ويَحرِص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّر خلاف ذلك. فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى المعتاد. والشَّارع يكتفي في ذلك بالباعث الطَّبيعيِّ. ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانةِ وولايةِ النِّكاح لكان بيان هذا للأمَّة من أهمِّ الأمور، واعتناء الأمَّة بنقله وتوارث العمل به مقدَّمًا على كثيرٍ ممَّا نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتِّصال العمل بخلافه؟ ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرِبَ أو أتى كبيرةً فُرِّق بينه وبين أولاده الصِّغار والتمس لهم غيره، والله أعلم.
نعم، العقل مشتَرَطٌ في الحضانة، فلا حضانة لمجنونٍ ولا معتوهٍ ولا طفلٍ؛ لأنَّ هؤلاء يحتاجون إلى من يحضُنُهم ويكفُلُهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم؟
وأمَّا اشتراط الحرِّيَّة، فلا ينهض عليه دليلٌ يركَنُ القلب إليه، وقد شرَطَه أصحاب الأئمَّة الثَّلاثة. وقال مالك في حرٍّ له ولدٌ من أمةٍ: إنَّ الأمَّ أحقُّ به إلا أن تُباع فتنتقل، فيكون الأبُ أحقَّ بها. وهذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُولَّه والدةٌ عن ولدها»، وقال: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّتِه يومَ القيامة». وقد قالوا: لا يجوز التَّفريق في البيع بين الأمِّ وولدها الصَّغير فكيف يفرِّقون بينهما في الحضانة؟ وعموم الأحاديث يمنع من التَّفريق مطلقًا في الحضانة والبيع. واستدلالُهم بكون منافعها مملوكةً للسَّيِّد، فهي مستغرقةٌ في خدمته، فلا تفرغ لحضانة الولد= ممنوعٌ، بل حقُّ الحضانة لها، تُقدَّم به في أوقات حاجة الولد على حقِّ السَّيِّد، كما في البيع سواء.
وأمَّا اشتراط خلوِّها من النِّكاح فقد تقدَّم. وهاهنا مسألةٌ ينبغي التَّنبيه عليها، وهي أنَّا إذا أسقطنا حقَّها من الحضانة بالنِّكاح ونقلناها إلى غيرها فاتَّفق أنَّه لم يكن له سواها= لم يسقط حقُّها من الحضانة، وهي أحقُّ به من الأجنبيِّ الذي يدفعه القاضي إليه، وتربيته في حجْرِ أمِّه ورَابِّه أصلح له من تربيته في بيت أجنبيٍّ محضٍ لا قرابةَ بينهما تُوجِب شفقته ورحمته وحُنوَّه، ومن المحال أن تأتي الشَّريعة بدفع مفسدةٍ بمفسدةٍ أعظمَ منها بكثيرٍ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكمًا عامًّا كلِّيًّا: أنَّ كلَّ امرأةٍ تزوَّجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال، حتَّى يكون إثبات الحضانة للأمِّ في هذه الحال مخالفةً للنَّصِّ.
وأمَّا اتِّحاد الدَّار، فإن كان سفر أحدهما لحاجةٍ ثمَّ يعود والآخر مقيمٌ فهو أحقُّ؛ لأنَّ السَّفر بالولد الطِّفل ولا سيَّما إن كان رضيعًا إضرارٌ به، وتضييعٌ له. هكذا أطلقوه، ولم يستثنوا سفر الحجِّ من غيره.
وإن كان أحدهما منتقلًا عن بلد الآخر للإقامة، والبلد وطريقه مَخُوفان، أو أحدهما، فالمقيم أحقُّ. وإن كان هو وطريقُه آمنين ففيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، إحداهما: أنَّ الحضانة للأب ليتمكَّن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه، وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وقضى به شُريحٌ. والثَّانية: أنَّ الأمَّ أحقُّ. وفيها قولٌ ثالثٌ: إنَّ المنتقل إن كان هو الأب فالأمُّ أحقُّ به، وإن كان الأمُّ فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النِّكاح فهي أحقُّ به، وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحقُّ، وهذا قول الحنفيَّة. وحكوا عن أبي حنيفة روايةً أخرى: أنَّ نَقْلَها إن كان من بلدٍ إلى قريةٍ فالأب أحقُّ، وإن كان من بلدٍ إلى بلدٍ فهي أحقُّ.
وهذه كلُّها أقوالٌ كما ترى لا يقوم عليها دليلٌ يسكن القلب إليه، فالصَّواب النَّظر والاحتياط للطِّفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة والنّقلة، فأيُّهما كان أنفعَ له وأصونَ وأحفظَ رُوعِي، ولا تأثيرَ لإقامةٍ ولا نقلةٍ. هذا كلُّه ما لم يُرِد أحدهما بالنّقلة مُضارَّةَ الآخر وانتزاعَ الولد منه، فإن أراد ذلك لم يُجَبْ إليه، والله الموفِّق.
[زاد المعاد ط عطاءات العلم 6/ 38]
قال ابن القيم:
فصل في الحضانة (٣)
قضى رسول الله ﷺ فيها خمس قضايا:
إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» (٤). فتضمن هذا القضاء أن الخالة مقام الأم في الاستحقاق، وأن [٢٤٨/أ] تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية (٥).
القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ولم تسلم الأم. فأجلس رسول الله ﷺ الأب هاهنا، وأجلس الأم هاهنا، ثم خير الصبي، وقال: «اللهم اهده». فذهب إلى أبيه (١). ذكره أحمد (٢).
القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ، وقالت: ابنتي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له (٣) رسول الله ﷺ: «اقعد ناحية»، وقال لها: «اقعدي ناحية». فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: «ادعواها». فمالت إلى أمها. فقال النبي ﷺ: «اللهم اهدها». فمالت إلى أبيها، فأخذها. ذكره أحمد (٤).
القضية الرابعة: جاءته امرأة، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني (٥) من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله ﷺ: «استهما عليه». فقال زوجها: من يحاقني (١) في ولدي؟ فقال النبي ﷺ: «هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. ذكره أبو داود (٢).
القضية الخامسة: جاءته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء. وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال لها: «أنت أحق به ما لم تنكحي». ذكره أبو داود (٣).
فعلى هذه القضايا الخمسة (٤) تدور الحضانة. وبالله التوفيق.
أعلام الموقعين عن رب العالمين – ط عطاءات العلم ٥/٣٨١-٣٨٣
قال ابن رسلان:
(رافع بن سنان) أبي الحكم الأنصاري الأوسي، له هذا الحديث فقط.
(أنه أسلم وأبتِ امرأتُه أن تسلِم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي) وقع عند الدارقطني أن هذِه البنت اسمها عميرة (2) (وهي فطيم أو شبهه وقال) زوجها (رافع) ابن سنان: بل هي (ابنتي) ورواية النسائي: فجاء ابن لها صغير ولم يبلغ (3). قال ابن الجوزي: رواية من روى أنه كان غلامًا أصح. قال ابن القطان: لو صح رواية من روى أنها بنت لاحتمل أن تكون قضيتين لاختلاف المخرجين (1).
(فقال له) أي: لرافع (النبي صلى الله عليه وسلم: اقعد ناحية) وللنسائي: فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب ها هنا (2) (وقال لها) أي للأم (اقعدي ناحية) أخرى (وأقعد الصبية بينهما، ثم قال) لأبيها وأمها (ادعواها) إليكما، فيه حذف تقديره: فدعواها (فمالت الصبية إلى أمها) وهي مُشرِكة.
استدل بهذا الحديث على أن المميز إذا افترق أبواه مع أهليتهما لكفالته ومقامهما في بلد واحد يكون الولد عند من يختار منهما سواء كان الولد غلامًا أو جارية، وقد استدل بهذِه الرواية ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي، على أن الأم الكافرة تلي حضانة المسلم (3)، ويخير المميز بين أمه الكافرة وأبيه المسلم، وقال مالك والشافعي وأحمد: لا حضانة للكافرة على المسلم، ولا يخير بينهما، بل المسلم أحق به (4).
قال البيهقي بعدما روى هذا الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد.
وفي هذا إثبات التخيير بين الأبوين وإن كان أحدهما غير مسلم، قال: وإليه ذهب أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا قال: وقد ألزم الشافعي الحنفية روايتهم هذا الحديث في التخيير لإنكارهم التخيير (5).
وأجاب الشافعي والقائلون أنه لا تخيير بين من أحد أبويه كافر؛ فإن في إسناده مقال كما قال ابن المنذر (1)، وعلى القول بالصحة يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها المسلم بدعوته: اللهم اهدها، فكان ذلك خاصًّا في حقه (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهدها) يعني: إلى جهة الإسلام (فمالت) فيه حذف تقديره: فهداها الله بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فمالت (إلى أبيها) المسلم (فأخذها) وقد يستدل به على أن الولد إذا مال إلى أحد أبويه ثم اختار الآخر سلم إليه سواء تسلمه من اختاره أولًا أو لم يتسلمه، فإن عاد واختار الأول أعيد إليه، وهكذا أبدًا كلما اختار أحدهما صار إليه.
قال الماوردي: وعلى هذا أبدًا كلما اختار واحدًا حول إليه (2)؛ لأنه اختار شهوة لحظ نفسه فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه في المأكول والمشروب بخلاف اختيار أحد الشخصين عند اشتباه يشبه بينهما حيثما لا يعود إلى الآخر إذا اختاره، وظاهر الحديث أنه إذا اختار أحدهما حول إليه وإن لم يطلبه ذلك الآخر، وظاهر نص الشافعي في “المختصر” أنه لا يسلم إليه إلا إذا اختاره (3).
قال في “المطلب”: وعليه جرى الأصحاب.اهـ
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 40]
قال العباد:
قوله: [باب إذا أسلم أحد الأبوين مع من يكون الولد؟].
أي: إذا أسلم أحد الأبوين ولهما ولد مع من يكون ذلك الولد؟ هل يكون مع أمه أو مع أبيه أو يكون مع من أسلم منهما؟
الجواب
أنه يكون مع من أسلم منهما؛ لأن الإسلام مقدم على غيره، وكونه يلحق بالمسلم حتى يكون مسلماً ويبقى على الإسلام أولى من أن يلحق بكافر فيلحقه بالكفر وينشئه على الكفر، كما جاء في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه) فهما ينقلانه عن الفطرة بدعوتهما الباطلة إلى الكفر والعياذ بالله.
فالحكم أنه إذا أسلم أحد الزوجين وبينهما ابن فإنه يكون تابعاً للمسلم منهما، إن كان المسلم هو الأب لحق به، وإن كان المسلم هي الأم لحق بها، ولا يلحق بالكافر.
أورد أبو داود حديث رافع بن سنان رضي الله عنه: أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، وكانت بينهما صبية في حال الفطام، فجعل كلاً من الأبوين في ناحية، وجعل الصبية بينهما، وطلب منهما أن يدعواها، فمالت إلى أمها، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدها) فمالت إلى أبيها، فدل هذا على أن من أسلم من الأبوين فهو الذي يلحق به ابنه، سواءً كان الأم أو الأب، ويُقدم الإسلام على غيره ليكون ذلك الصبي مسلماً ولا يكون كافراً.
والنبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا التخيير للصبية من أجل أن ينظر من تلحق به، ولكنه سأل الله عز وجل أن يهديها فهداها، فدل هذا على أن الابن يتبع المسلم ولا يتبع الكافر؛ لأنه لو كان المقصود أنه يكون مع أي منهما لترك الأمر على ما هو عليه؛ لكنه دعا لها بالهداية وهي صبية صغيرة لا تعقل، فوفقها الله عز وجل بأن تلحق بأبيها، فدل هذا على أن جانب الإسلام مرجح على غيره وأن الإلحاق به أولى من الإلحاق بغيره، ليحصل لهذا الطفل الإسلام ولا يحصل له الكفر بتنشئة ذلك الكافر له وتهويده أو تنصيره له إن كان ذلك الكافر يهودياً أو نصرانياً. اهـ
[شرح سنن أبي داود للعباد 257/ 17 بترقيم الشاملة آليا]
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :
وروى سعيدٌ والشافعي أن النبي ﷺ «خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه» (٢)، فإذا اختار أُمَّه، وقال: أريد أمي: لأنها تتركني ألعب كما أشاء، أمّا أبي فيجبرني على الدراسة، فهنا نجعل الحضانة لأبيه؛ لأنه لا يقر بيد من لا يصونه ويحفظه، وكذلك العكس لو كان اختار أباه؛ لأنه لا يهتم به، وأمه ترعى مصالحه وتحفظه القرآن، فإنه يُرَد إلى أمه.
تنبيه : حديث خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه قال محقق الشرح الممتع :
أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٧)، والنسائي في الطلاق/ باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد (٣٤٣٩)، وأبو داود في الطلاق/ باب من أحق بالولد (٢٢٧٧)، وابن ماجه في الأحكام/ باب تخيير الصبي بين أبويه (٢٣٥١)، والدارمي في الطلاق/ باب في تخيير الصبي بين أبويه (٢١٩١)، والشافعي في مسنده (٢٨٨)، وسعيد بن منصور في السنن (٢/ ١٤٠)، وانظر: التلخيص (٤/ ١٢)، والخلاصة (٢/ ٢٥٨)، وصححه الألباني كما في الإرواء (٧/ ٢٤٩).
الشرح الممتع على زاد المستقنع
—–
وهذا جواب فيه ترجيح ابن تيمية وابن القيم فب ابواب الحضانة
السؤال: توفيت أختي إثر حادث سير، وعندها ثلاث بنات، أكبرهن بعمر الخمس سنوات، لمَن الحضانة لأبيهم أو جدتهم لأمهم؟ علما أن الأب يطالب بالدليل الشرعي إذا كانت الحضانة لأم الأم، والبنات الآن مع جدتهم، والأب يطالب بهم،
الجواب: الحمد لله
أولا:
الحضانة هي حفظ صغير ونحوه عما يضره، وتربيته بما يصلحه.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أحق الناس بالحضانة بعد الأم إذا ماتت أو لم تكن أهلا للحضانة: أمهاتها المدليات بإناث، القربى فالقربى، أي جدة الطفل لأمه، وإن علت. وينظر: “المغني” (8/ 197)، “الموسوعة الفقهية” (15/ 122).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأب مقدم على أم الأم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
وقد بسط ابن القيم رحمه الله الكلام في هذه المسألة وبين سبب الخلاف فيها.
قال رحمه الله: “ولما كان النساء أعرف بالتربية، وأقدر عليها، وأصبر وأرأف وأفرغ لها، لذلك قدمت الأم فيها على الأب.
ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قدم الأب فيها على الأم، فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال، والنظر لهم، وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك.
إذا عرف هذا، فهل قدمت الأم لكون جهتها مقدمة على جهة الأبوة في الحضانة، فقدمت لأجل الأمومة، أو قدمت على الأب لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة والتربية من الذكور، فيكون تقديمها لأجل الأنوثة؟
ففي هذا للناس قولان وهما في مذهب أحمد، يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو بالعكس، كأم الأم، وأم الأب، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والخالة، والعمة، وخالة الأم، وخالة الأب، ومن يدلي من الخالات والعمات بأم، ومن يدلي منهن بأب، ففيه روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: تقديم أقارب الأم على أقارب الأب. والثانية وهي أصح دليلا، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: تقديم أقارب الأب، وهذا هو الذي ذكره الخرقي في “مختصره” فقال: “والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة، وخالة الأب أحق من خالة الأم، وعلى هذا فأم الأب مقدمة على أم الأم كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين”.
وقال: “والصواب: تقديم الأنثى مع التساوي، كما قدمت الأم على الأب لما استويا، فلا وجه لتقديم الذكر على الأنثى مع مساواتها له، وامتيازها بقوة أسباب الحضانة والتربية فيها”.
وقال رحمه الله: “وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية بضابط آخر. فقال: أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه الصفات وهم أقاربه يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدا، فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر، فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو أنثيين، قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما، وإن اختلفت درجتهما من الطفل، فإن كانوا من جهة واحدة، قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين … وإن كانوا من جهتين، كقرابة الأم وقرابة الأب مثل العمة والخالة، والأخت للأب، والأخت للأم، وأم الأب، وأم الأم، وخالة الأب، وخالة الأم قدم من في جهة الأب في ذلك كله على إحدى الروايتين فيه” انتهى من “زاد المعاد” (5/ 438 – 451).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “وهذا الترتيب الذي ذكره المؤلف ليس مبنيا على أصل من الدليل، ولا من التعليل، وفيه شيء من التناقض، والنفس لا تطمئن إليه، ولهذا اختلف العلماء في الترتيب في الحضانة على أقوال متعددة، ولكنها كلها ليس لها أصل يعتمد عليه، لذلك ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى تقديم الأقرب مطلقا، سواء كان الأب، أو الأم، أو من جهة الأب، أو من جهة الأم، فإن تساويا قدمت الأنثى، فإن كانا ذكرين أو أنثيين فإنه يقرع بينهما في جهة واحدة، وإلا تقدم جهة الأبوة …
هذا الضابط هو الذي رجحه ابن القيم رحمه الله، وقال: إنه أقرب الضوابط، فعلى هذا أم وجد تقدم الأم؛ لأنها أقرب، أب وجدة (أم أم) فيقدم الأب؛ لأنه أقرب، أم وأب تقدم الأم؛ لأنهما تساويا في القرب فتقدم الأنثى، جد وجدة تقدم الجدة، الخال والخالة تقدم الخالة، وعلى هذا فقس، جدة من جهة الأم وجدة من جهة الأب، فتقدم الجدة من جهة الأب على قاعدة شيخ الإسلام رحمه الله، خلافا لما مشى عليه المؤلف ” انتهى من ” الشرح الممتع” (13/ 536).
والحاصل: أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم، وينبغي أن يتفاهم الأب والجدة على ما فيه المصلحة والمنفعة للأطفال، فإن اختلفوا فالفصل في ذلك لجهة القضاء الشرعي.
——
ومن مركز سلف للبحوث والدراسات وجدت هذا البحث
شبهةٌ وجوابها “في مسألة حقّ المطلَّقة في حضانة الأولاد في الشريعة الإسلامية”
مقدمة:
تُثَار اليوم شبهات عديدةٌ حول المرجعية الشرعية للمجتمعات الإسلامية، وهذه الشبهات كثيرةٌ كثرَةَ سبل الخطأ، ومتشعبة تشعُّبَ أودية الانحراف، وهي تتوزع على أبواب الشريعة كلها من عقائد وعبادات وأخلاق وجنايات ومعاملات. ومن بين تلك الشبهات: شبهات تثار حول أحكام الأحوال الشخصية، مما يتطلب من أهل العلم السعي في رد تلك الشبهات ودحضها، وبيان الحق فيها، ومن بين تلك الشبهات: الشبهة التي بين أيدينا حول إسقاط حضانة المرأة المطلَّقة إذا تزوجت.
نص الشبهة:
ليس في القرآن الكريم ما يدلُّ على إسقاط حضانة المرأة المُطَلَّقَة إذا تزوَّجَت، بل إن هذا الحكم من اختراع الفقهاء؛ لأن الله تعالى عادلٌ ورحيمٌ، ولا يُمكِن أن يَحرِم المرأة من أطفالها.
الجواب:
أن هذه الشبهة تستبطن دعوى تحيُّز فقهاء المسلمين ضدَّ المرأة، والجواب عنها يتطلب منا النظرَ أولًا في أقوال فقهاء المسلمين في هذه المسألة، ثم بيان مستند الجمهور منهم من المنقول والمعقول في إسقاط حضانة المرأة إذا تزوجت.
ومن نافلة القول أن نذكر ابتداء أن ضمَّ الطفل لحضانة الأب أو الأم لا يعني بحالٍ في الشريعة منعَ الطرف الآخر منه؛ لما في ذلك من قطيعة الأرحام([1])، كما أنه «لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك، ولا ريب أنه لا يجب، بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة»([2]).
أولًا: عرض أقوال علماء المسلمين في مسألة سقوط حضانة المرأة إذا تزوجت:
اختلف العلماء في سُقُوط الحضانة بالنكاح على أقوال:
القول الأول: سقوط حضانة المرأة إذا تزوَّجَت، سواء كان المحضون ذكرًا أم أنثى.
وهذا قول أبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه، ونصَّ عليه في رواية حنبل([3])-، وقضى به شُرَيح والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحُكِي عليه الإجماع([4]). قال ابن جرير الطبري: «ولم يخالِف في ذلك من يجُوز الاعتراضُ به على الحجَّة فيما نعلَمُه»([5]).
القول الثاني: أنَّها لا تسقط بالتَّزويج بحالٍ، ولا فرق في الحضانة بين المرأة المُزوَّجَة وغير المُزَوَّجَة ، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصريِّ، وقضى به يحيى بن حمزة، وهو قول أبي محمَّد ابن حزمٍ([6]).
وقد ذكر ابن جرير الطبري أن مخالفة الحسن البصري وقضاء يحيى بن حمزة لا يقدحان في النقل المستفيض الذي تلزمُ به الحجة، قال ابن القيم: «يريدُ به الإجماع الذي لا ينقضه عنده مخالفة الواحد والاثنين، وهذا أصلٌ تفرَّد به، ونازعه فيه النَّاس»([7]).
فيقال هنا: لا يخلو إما أن تكون المسألةُ إجماعِيَّةً أو غيرَ إجماعِيَّةٍ. فإن كانت المسألةُ إجماعية فالأمر فيها واضح، ولا وجه إطلاقًا لذمّ الفقهاء المتَّفقين، بل الذّامّ لهم الطاعن فيهم أولى بالذمّ. وإن كانت المسألَةُ خلافية فلا وجه لذمّ جنس الفقهاء ونسبتهم إلى مخالفة القرآن ومقتضى العدل والحكمة الإلهية، فإن فيهم من لا يقول بهذا القول المستوجب للذم عند أصحاب هذه الشبهة.
فإن قالوا: إننا لا نذم جنس الفقهاء، وإنما نَذُمُّ من قال منهم بسقوط الحضانة.
قيل: إن ما قالوه دل عليه العقل والنقل، وذامُّهُم هو المستحقّ للذم، كما سنوضحه في الوجهين اللاحقين.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في المسألة قولين آخرين([8]):
القول الثالث: أنَّ الطِّفل إن كان بنتًا لم تسقط الحضانة بنكاح أمِّها، وإن كان ذكرًا سقطت. وهذا القول إحدى الرِّوايتين عن أحمد، قال القاضي أبو يعلى: «نص عليه في رواية مهنا -وقد سئل: إذا تزوجتِ الأم وابنها صغير-: أخذ منها صغيرًا كان أو كبيرًا، قيل له: فالجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية إذا تزوجت أمُّها تكون معها إلى سبع سنين. وقال بعضهم: تكون معها إلى أن تحيض»([9]). وقال ابن عبد القوي في ذكر هذه الرواية:
وعنهُ: له حضنُ ابنةٍ دون سبعةٍ سنينَ ولو من أجنبِيٍّ ومبعَدِ([10])
القول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها، قال ابن القيم بعد ذكره: «ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يكفي كونُه نسِيبًا فقط، مَحرَمًا كان أو غير محرم، وهذا ظاهر كلام أصحاب أحمد وإطلاقهم([11]).
الثاني: أنَّهُ يشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قول الحنفية([12]).
الثالث: أنَّهُ يُشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة بأن يكون جدًّا للطفل، وهذا قول بعض أصحاب أحمد([13]) ومالك([14]) والشافعي([15])»([16]).
وهذه كُلُّها عند التأمل إنما هي قيودٌ للقول الأول، والقائلون بها هم أصحاب القول الأول أنفسُهُم، أو بعض أتباعهم.
ثانيًا: مستند قول جمهور علماء المسلمين:
قول جمهور علماء المسلمين في سقوط حضانة المرأة إذا تزوجت مستنِدٌ إلى أدلة شرعية:
الدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إن ابني هذا كان بطني لَهُ وعاءً، وثَدْيي لَهُ سِقاءً، وحِجْرِي له حِواءً، وإن أباه طَلَّقَني، وأراد أن ينتَزِعَهُ مني، فقال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: «أنتِ أحقُّ بِهِ ما لم تَنكِحِي»([17]).
الدليل الثاني: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَخَطَبَهَا عَمُّ وَلَدِهَا، وَرَجُلٌ إِلَى أَبِيهَا، فَأَنْكَحَ الرَّجُلَ، وَتَرَكَ عَمَّ وَلَدِهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: أَنكَحَنِي أَبِي رَجُلًا لَا أُرِيدُهُ، وَتَرَكَ عَمَّ وَلَدِي، فَيُؤْخَذُ مِنِّي وَلَدِي؟ فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَاهَا، فَقَالَ: «أَنْكَحْتَ فُلَانًا فُلَانَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَنْتَ الَّذِي لَا نِكَاحَ لَكَ، اذْهَبِي فَانْكِحِي عَمَّ وَلَدِكَ»([18]).
فلم يُنكِر النبي صلى الله عليه وسلم أخذَ الولدِ منها لما تزوجت، بل أنكحها عمّ الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل، قاله ابن القيم([19]).
الدليل الثالث: عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: خَاصَمَتِ امْرَأَةُ عُمَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما وَكَانَ طَلَّقَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «هِيَ أَعْطَفُ، وَأَلْطَفُ، وَأَرْحَمُ، وَأَحْنَى، وَأَرْأَفُ، وَهِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَزَوَّج».
وعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرَيَّ يُحدَّثُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى عَلَى عُمَرَ فِي ابْنِهِ أَنَّهُ مَعَ أُمِّهِ، وَقَالَ: أُمُّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ([20]).
فهذا قضاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد وافقه عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا مخالف لهما من الصحابة البتة. وهو الحكم الذي قضى به شريح وسائر القضاة بعده في الأعصار والأمصار([21]).
وهؤلاء المثيرون لهذه الشبهة يطعنون بفقهاء المسلمين الآخذين بأقضية النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، فهم أولى بالطعن، وليس قولهم في هذه المسألة من جنس قول ابن حزمٍ، لاختلاف أصولهم عن أصول ابن حزم، فابن حزم مستنده نقلي، وهُوَ مُعظِّمٌ للسنة النبوية، مُحتَجٌّ بها في إثبات الأحكام، وأصحابُ هذه الشبهة أصولُهُم علمانية بدعيَّة؛ فهم لا يقولون بحجية السنة النبوية، ويقولون بجواز التوقف عن العمل بأحكام القرآن، ولمناقشتهم في أصولهم الفاسدة تلك موضعها.
ثالثًا: بيان وجه الحكمة والمصلحة في قول جمهور العلماء بإسقاط حضانة المرأة إذا تزوجت:
1- الحكمة في تقديم الأب على الأم في ولاية المال والنكاح، وتقديمها عليه في ولاية الحضانة والرضاع:
إن باب الحضانة من الأبواب الفقهية الدقيقة التي تتجلى فيها محاسن الشريعة الإسلامية وعدلها، ولذلك قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني رحمه الله: «الحضانة من الأحكام التي يجب صرف الاهتمام إليها، ويقلّ في العلماء من يستقلّ به، فإنه جمع إلى غموض الأطراف انتشار المسائل، والتفاف الكلام عند فرض الازدحام، واضطراب العلماء فيما يُعتَبَر في التقديم والتأخير»([22]).
وقد بين العلماء الحكمة في تقديم الرجل على المرأة في ولاية المال والنكاح، وتقديمها عليه في ولاية الحضانة والرضاع.
قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام: «والضابط في الولايات كلها أنا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، فيقدم الأقوم بأركانها وشرائطها على الأقوم بسننها وآدابها. وكذلك تقدم الأمهات على الآباء في الحضانة لمعرفتهن بها وفرط حنوهن على الأطفال، وإذا استوى النساء في درجات الحضانة فقد يقرع بينهن، وقد يتخير، والقرعة أولى. ويقدم الآباء على الأمهات في النظر في مصالح أموال المجانين والأطفال»([23]).
وقال الإمام ابن القيّم: «والولاية على الطفل نوعان:
نوعٌ يُقدَّمُ فيه الأب على الأم ومن في جهتها، وهي ولاية المال والنكاح.
ونوعٌ تُقدَّمُ فيه الأم على الأب، وهي ولاية الحضانة والرضاع.
وقُدِّم كُلٌّ من الأبوين فيما جُعِل له من ذلك لتَمَامِ مصلحةِ الوَلَد، وتوَقُّفِ مصلحته على من يلي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته.
ولما كان النساءُ أعرفَ بالتربية، وأقدَر عليها، وأصبر وأرأف وأفرغ لها؛ لذلك قدمت الأم فيها على الأب. ولما كان الرجال أقومَ بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البُضع، قدم الأب فيها على الأم. فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم، وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك»([24]).
ويظهر لك من هذا أن الولاية على الطفل -سواء كانت ولاية مال أو حضانة- منوطة بالأقدر على تحصيل مصلحة الطفل، وفقًا لمقوماته وطبيعته التي خلقه الله عليها، وليسَت عائدةً إلى تحيزٍ ضد المرأة، أو إلى نظرةٍ دونية تجاهها، كما تقدّم قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «هِيَ أَعْطَفُ، وَأَلْطَفُ، وَأَرْحَمُ، وَأَحْنَى، وَأَرْأَفُ، وَهِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَزَوَّج».
2- الحكمة في إسقاط حضانة المرأة إذا تزوجت بأجنبي:
ذَكَرَ العلماء في بيان وجه المصلحة في انتقال حضانة الأم إذا تزوجت علتين:
الأولى: منع الضرر الذي يلحق الطفل بسبب اشتغال الأم بحقوق الزوج الجديد، فتفرّط في حضانته، وإلا فيتنكَّدُ على زوجها الجديد عيشُه، ويتنغص عليه الاستمتاع المطلوب.
الثانية: منع الضرر الذي يلحق الطفل بسبب غيرةِ زوجِ أُمِّه منه؛ كالبغض والجفاء والمذلة والتقتير في النفقة، حتى قالوا: إن زوج الأم يطعمه نَزْرًا، وينظر إليه شَزْرًا.
وفي ما يأتي بعض نصوص الفقهاء في ذكر هاتين العلتين أو إحداهما:
قال أبو بكر القفال الشاشي الشافعي (ت: 365هـ): «وهكذا إذا نكحت أمُّه، فلا حق لها في إمساكه؛ لاشتغالها بخدمة الزوج، ومما يحتاج إليه أن تصنع نفسها له، حتى تكون مستعدة له، يجدها في أي وقتٍ أحب قضاء حاجته منها. والغالب أن زوج الأم لا يميل إليه مثل أبيه»([25]).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي (ت: 422هـ) في بيان علة سقوط حضانة المرأة بالزواج: «ولأن الصبي يلحقه ضرر [بتكرُّه] الزوج له، وتضجره به، ولأن الأم تدعوها الضرورة إلى التقصير في تعهده طلبًا لمرضاة الزوج، وكان ذلك الأب يضر بالصبي، فلذلك زال حقها من الحضانة»([26]).
وقال القاضي أبو الحسن الماوردي الشافعي (ت: 450هـ) في ذلك: «ولأن النكاح يمنع من مقصود الكفالة لاشتغالها بحقوق الزوج، ولأن الزوج منعها من التشاغل بغيره، ولأن على الولد وعصبته عار في المقام مع زوج أمه»([27]).
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي (ت: 543هـ): «واتفق العلماء على ذلك (أي” الحضانة)؛ لأن الآدمي محتاج في صغره إلى الكفالة، محتاج في كبره إلى النصرة والولاية، والأم على الكفالة أقدر وبها أبصر، فإنها التي تكفل الابن في معاشه وبينها وبين الولد علاقة في هذه الحالة ليست للوالد، وهو إذا كبِر واستقل بنفسه محتاج إلى النصرة، فهو سيأوي إليها إذا وجدها، ولذلك مهما عكفت الأم على الولد كانت به أحق، فإذا دخل بها زوجها الثاني سقط حقها بالنص وبالمعنى، وهو أن الضرر يلحق الولد باشتغالها بزوجها في حالة الكفالة، وانتهائها به في حالة المباضعة، وتعريض ولد الغير منه إلى الذلة فخزِل عنها»([28]).
وقال الشيخ علاء الدين الكاساني الحنفي (ت: 587هـ): «ولأن الصغير يلحقه الجفاء والمذلة من قبل الأب؛ لأنه يُبغِضُه لغَيْرته، وينظر إليه نظر المغشي عليه من الموت، ويقتِّرُ عليه النفقة فيتضرر به»([29]).
وقال الإمام الموفق ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ت: 620هـ) في ذلك: «ولأنها إذا تزوجت اشتغلت بحقوق الزوج عن الحضانة، فكان الأب أحظ له، ولأن منافعها تكون مملوكة لغيرها، فأشبهت المملوكة»([30]).
وقال الفقيه نجم الدين ابن الرِّفْعَة الشافعي (ت710هـ): «ولأن النكاح يشغلها بحق الزوج ويمنَعُها من الكفالة، ويتعيَّرُ به، ولا أثر لرضا الزوج؛ كما لا أثر لرضا السيد بحضانة الأمة»([31]).
وأنت إذا اطَّلَعت على هذه النصوص التي ذكرناهَا، وغيرَهَا الكثيرَ مما لم نَذْكُرْه، علمتَ أنَّ الفُقَهاء في إسقاطهم حق الأم في الحضانة إذا تزوجت إنما قصَدُوا أن ينقلوا الحضانة إلى الأقدر على القيام بمصلحة الطفل، بناء على قاعدة الشريعة في الولايات.
ولهذا قال كثير من الفقهاء -كما تقدم-: إن الزوج إذا كان نسيبًا للطفل لم يسقُطْ حَقُّ المرأة في الحضانة؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، والنسيب تحمله الشفقة على رعاية الطفل، فلا يسقط حق المرأة في الحضانة([32]).
كما نصّ الفقهاء على أنه إذا كان يحصل للطفل ضررٌ وهو في حضانة أبيه فإنه لا ينزع من أُمّهِ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بل كلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولايةَ له، بل إمّا أن يُرفَع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب؛ وإمَّا أن يُضمَّ إليه من يقوم معه بالواجب. فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين يَحصُل طاعةُ الله ورسوله في حقّه، ومع حصوله عند الآخر لا يَحصُل له؛ قُدِّم الأوَّلُ قطعًا. وإذا قُدِّر أن الأب تَزوَّج بضَرَّةٍ، وهو يتركُها (يعني الصبية المحضونة) عند ضرَّة أمها، لا تَعمل مصلحتَها بل تُؤذِيها أو تُقَصِّر في مصلحتها، وأمُّها تَعملُ مصلحتَها ولا تُؤذيها، فالحضانة هنا للأم قطعًا»([33]).
وقال بعض فقهاء الحنفية المتأخرين: «وأنتَ علِمتَ أنَّ سُقُوطَ الحَضَانَة بذلك لدفع الضرر عن الصغير، فينبغي للمُفتِي أن يكون ذا بصيرةٍ ليُراعي الأصلحَ للولد، فإنه قد يكون له قريبٌ مبغض له يتمنى موته، ويكون زوج أمه مشفقًا عليه يعز عليه فراقُه، فيريد قريبُه أخذه منها ليؤذيه ويؤذيها، أو ليأكل من نفقته أو نحو ذلك. وقد يكون له زوجة تؤذيه أضعاف ما يؤذيه زوج أمه الأجنبي. وقد يكون له أولاد يخشى على البنت منهم الفتنة لسكناها معهم. فإذا علم المفتي أو القاضي شيئًا من ذلك لا يحل له نزعه من أمه؛ لأن مدار أمر الحضانة على نفع الولد»([34]).
والخلاصة: أن قول جمهور الفقهاء بإسقاط حضانة المرأة إذا تزوجت من أجنبي مستنِد إلى أقضية النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على مرّ العصور، وليس من اختراعِ الفقهاء، ثم هو قول يُجلِّي محاسنَ الشريعة الإسلامية في مراعاة مصلحة الطفل المحضون، واحتياطها له غاية الاحتياط. «وكل حكم خالف حكم النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينفكّ عن جورٍ وفساد لا تأتي به الشريعة، فلا إشكال في حكمه صلى الله عليه وسلم، والإشكال كل الإشكال فيما خالفه»([35]).
والله تعالى أعلم، والحمد له رب العالمين.