393 جامع الأجوبة الفقهية ص 429
شارك ناصر الريسي وأحمد بن علي وأحمد بن خالد وأسامة وعمر الشبلي وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——-
بلوغ المرام
مسألة: هل تجب الصلاة على المغمى عليه وتلزمه الصلاة إذا أفاق؟
صورة المسألة:
تتعلق هذه المسألة بحكم الصلاة على المغمى عليه، فإذا فقد شخص وعيه بسبب الإغماء لفترة زمنية معينة، ثم أفاق بعد ذلك، فهل يجب عليه قضاء الصلوات التي فاتته أثناء فترة الإغماء، أم تُسقط عنه ولا تلزمه؟ وقد اختلف العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب قضاء جميع الصلوات التي فاتته أثناء الإغماء، وقال بهذا القول الشافعية وبعض من فقهاء الحنابلة. وهؤلاء يرون أن الإغماء لا يُسقط وجوب قضاء الصلاة، باعتبار أن الإغماء أقل من الجنون من حيث انعدام الوعي، ويمكن أن يكون الشخص في حكم المكلف.
القول الثاني: سقوط قضاء الصلاة إذا طالت مدة الإغماء، ووجوب القضاء إن كانت المدة قصيرة، وهذا قال به الحنفية واختاره الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمة الله على الجميع، وهؤلاء يفرقون في مدة الإغماء؛ فإن كانت مدته طويلة بحيث تتجاوز خمس صلوات، تسقط عنه الصلوات، وإن كانت قصيرة، أي لا تتجاوز خمس صلوات، فعليه قضاؤها.
القول الثالث: سقوط قضاء جميع الصلوات عن المغمى عليه، مهما طالت مدة الإغماء، وهذا قول المالكية وبعض من فقهاء الحنابلة. يعتمد أصحاب هذا القول على أن الإغماء يُفقد الوعي تمامًا، ويُصبح فيه المغمى عليه في حكم غير المكلف، وبالتالي تسقط عنه الصلاة كما تسقط عن المجنون.
أدلة القول الأول (وجوب القضاء):
الأول قياس الإغماء على النوم:
استدل الشافعية بأن الإغماء يُشبه النوم، فهو فقدان مؤقت للوعي لا يزيل التكليف، وعليه، يلزم المغمى عليه قضاء ما فاته من الصلوات عند استيقاظه، قياسًا على حكم النائم.
الثاني دليل العزيمة:
قالوا إن الصلاة لا تسقط عن المسلم إلا بالجنون الكامل، والإغماء ليس جنونًا، فهو لا يزيل العقل بالكامل، مما يقتضي وجوب القضاء عند الإفاقة.
واستدل الحنابلة:بما أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٦٨: أن عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق نصف الليل فقضاهن. وعن سمرة بن جندب أنه قال: «المغمى عليه يترك الصلاة؛ يصلي مع كل صلاة مثلها حتى يقضيها، قال عمران بن حصين: ليصليهن جميعا» رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر، وقالوا أيضا: إن الصلاة لا تسقط بالإغماء كسائر العبادات؛ لأنه لا ينقطع به التكليف، بدليل جوازه على الأنبياء.
(شرح الزركشي ١/ ٤٩٧).
أدلة القول الثاني (التفريق بين طول مدة الإغماء وقصرها):
الأول تحديد القضاء بالمدة:
استند الحنفية إلى أن الإغماء إن طال، فقد زال معه تكليف الصلاة لأن الإغماء الطويل يُشبه الجنون المؤقت، بينما الإغماء القصير لا يُفقد المكلف حكم الصلاة.
الثاني رعاية المشقة:
قالوا إن إلزام المغمى عليه بقضاء صلوات عديدة في حالة الإغماء الطويل فيه مشقة كبيرة، لذلك يُعفى من القضاء إذا كانت المدة طويلة.
قال الإمام مالك:
بَابُ: صَلاةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
278 – أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلاةَ» ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَوْ أَقَلَّ قَضَى صَلاتَهُ
279 – بَلَغَنَا، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَضَاهَا» ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدِينِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ
جاء في المدونة:
[الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَجْنُونِ وَالذِّمِّيِّ يُسْلِمُ]
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا ثُمَّ يُفِيقُ، وَالْحَائِضُ تَطْهُرُ وَالذِّمِّيِّ يُسْلِمُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ، قَضَوْا صَلَاةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّيْلِ قَضَوْا صَلَاةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَقْضِي صَلَاةً وَاحِدَةً قَضَوْا الْآخِرَةَ مِنْهُمَا. قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِينَ يَنْهَدِمُ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الصَّلَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ النَّهَارُ كُلُّهُ ثُمَّ يَخْرُجُونَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَقْضُوا كُلَّمَا فَاتَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ عُقُولَهُمْ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قَالَ: فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إلَّا فِي وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَحْدَهَا مِنْ حِينِ انْفَجَرَ الصُّبْحُ إلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى ذَهَبَ وَقْتُهَا ظُهْرًا كَانَتْ أَوْ عَصْرًا وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَقْتُهُمَا إلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَقْتُهُمَا اللَّيْلُ كُلُّهُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْتَ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَصَلَّى النَّاسُ صَلَاةَ الصُّبْحِ إلَّا أَنَّهُ وَقْتُ الصُّبْحِ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَيَقْضِي الصُّبْحَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَا يَقْضِي الصُّبْحَ.
[المدونة 1/ 184]
أدلة القول الثالث (سقوط القضاء مطلقًا):
الأول قياس الإغماء على الجنون:
قاس المالكية وبعض الحنابلة الإغماء على الجنون، إذ إن الإغماء الكامل يُفقد الوعي، فيُصبح المغمى عليه في حكم غير المكلف، ويُعامل مثل المجنون الذي تسقط عنه الصلاة.
الثاني رفع التكليف لغياب الوعي:
استدلوا بحديث رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، وقالوا إن المغمى عليه لا يعي، فيُصبح في حكم من رُفع عنه التكليف.
واستدلوا : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في المغمى عليه: «ليس من ذلك قضاء، إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصليها» رواه الدار قطني والبيهقي. والحديث ضعيف؛ إذ في إسناده: الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي، قال أحمد: أحاديثه موضوعة (التعليق المغني ٢/ ٨٢، ولسان الميزان ٢/ ٤٠٥).
أما قياس المغمى عليه على المجنون بجامع زوال العقل. ونوقش: بالفارق بأن الجنون تتطاول مدته غالبا، ولا يلزم بشيء من التكاليف، ولا يجوز على الأنبياء، وتثبت الولاية عليه، بخلاف المغمى عليه.
واستدلوا أنه ورد عن جمع من الصحابة أنه أغمي عليهم، ولم يقضوا؛ كابن عمر، وأنس، وروى أثر ابن عمر عبد الرزاق، وروى أثر أنس ابن المنذر في الأوسط واستدل الحنفية: بما روي عن علي: «أنه أغمي عليه أربع صلوات فقضاهن». ونوقش: بأنه ليس بثابت وغير معروف في كتب الحديث (العناية على الهداية ٢/ ١٠). واستدلوا أيضا: «أن عمارا أغمي عليه يوما وليلة؛ فقضاهن». رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والبيهقي، وضعفه في الجوهر النقي (١/ ٣٨٧). وبما روي عن ابن عمر: «أنه أغمي عليه ثلاثة أيام ولياليهن فلم يقض» رواه البيهقي والدار قطني. ونوقش: أنه ورد عنه أنه أغمي عليه يوما وليلة فلم يقض. رواه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي.
—-
قال الإمام النووي في المجموع (3/67): “اتفق أصحابنا على أن المغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي فاتته إذا أفاق، لأنه فقد الوعي مؤقتًا، ولا يُعذر بذلك كالنائم”. انتهى
قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/70): “إذا أفاق المغمى عليه، فإن كان إغماؤه لا يزيد على خمس صلوات قضى ما فاته، وإن زاد فلا قضاء عليه؛ لأن طول الإغماء كالجنون المؤقت”. انتهى
قال الدردير في الشرح الكبير (1/272): “المغمى عليه لا يقضي ما فاته من الصلوات أثناء الإغماء؛ لأن غياب الوعي الكامل يُسقط التكليف، فلا قضاء عليه مطلقًا”. انتهى
قال ابن قدامة في المغني (2/68): “اختلف في المغمى عليه، فبعضهم أوجب القضاء مطلقًا، وبعضهم أسقطه مطلقًا. والصحيح أنه إذا طال الإغماء سقط عنه القضاء، وإن كان الإغماء قصيرًا فإنه يلزمه القضاء”. انتهى
وقال ابن قدامة :
وتجب الصلاة على المغمى عليه لمرض، أو شرب دواء، وعلى السكران؛ لأن عمارًا أغمي عليه فقضى ما فاته، ولأن مدته لا تتطاول، ولا تثبت
الولاية عليه، فوجبت عليه كالنائم.
الكافي في فقه الإمام أحمد ١/١٧٦ — ابن قدامة
قال الشيخ ابن باز في مجموع الفتاوى (12/246): “المغمى عليه لا يجب عليه قضاء الصلاة إذا طال إغماؤه؛ لأنه في حكم المجنون. أما إذا كانت فترة الإغماء قصيرة، فإنه يلزمه القضاء”. انتهى
وفي فتوى للشيخ ابن باز :
[حكم قضاء الصلاة على المغمى عليه من جراء حوادث السيارات]
١٦ – يتعرض البعض من جراء حوادث السيارات ونحوها لارتجاج في المخ لمدة أيام، أو الإغماء. فهل يجب على هؤلاء قضاء الصلاة إذا أفاقوا؟
الجواب: إن كانت المدة قليلة مثل ثلاثة أيام أو أقل وجدت القضاء لأن الإغماء في المدة المذكورة لله النوم فلم يمنع القضاء وقد روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أصيبوا ببعض الإغماء لمدة أقل من ثلاثة أيام فقضوا.
أما إن كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ
والصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق» والمغمى عليه في المدة المذكورة يشبه المجنون بجامع زوال العقل. والله ولي التوفيق.
تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام ١/٧٤ — ابن باز
قال الشيخ ابن عثيمين في نور على الدرب (4/121): “إذا أُغمي على الشخص بسبب مرض أو غيره، فإن كان الإغماء يسيرًا، أي في حدود يوم أو يومين، فإنه يقضي ما فاته، وإن طال فلا قضاء عليه”. انتهى
والله أعلم…
جاء في فتوى اللجنة الدائمة:
صلاة المغمى عليه والمريض الذي ترك الصلاة
الفتوى رقم (2259)
س: والدي البالغ من العمر اثنين وتسعين عاما قد صدمته في رجله سيارة ودخل المستشفى، وسبعة عشر يوما وهو ما صلى فلما أفاق يسأل ويريد أن يقضيها أفيدونا؟
جـ: إذا كان عقله معه في مدة الترك فإنه يقضيها على حسب استطاعته قائما أو جالسا أو على جنب أو مستلقيا يرتبها بالنية والعمل فيصلي صلوات اليوم الأول منها على حسب ترتيبها يبدأ من أول فرض تركه فالذي بعده وهكذا ثم اليوم الثاني ثم الثالث حتى تنتهي أما إذا كان قد اختل عقله حينذاك فلا قضاء عليه.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى 6/ 19]