(2493) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، وعبد الله الديني ، ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ)، ١٥ – باب: التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم
٧١ – (٢٤٩٣) حدثنا هارون بن معروف. حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام، عن أبيه، قال: كان أبو هريرة يحدث ويقول:
اسمعي يا ربة الحجرة! اسمعي يا ربة الحجرة! وعائشة تصلي. فلما قضت صلاتها قالت لعروة: ألا تسمع إلى هذا ومقالته آنفا؟ إنما كان النبي ﷺ يحدث حديثا، لو عده العاد لأحصاه.
٧٢ – (٣٠٠٤) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛
أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قال «لا تكتبوا عني. ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وحدثوا عني، ولا حرج. ومن كذب علي – قال همام أحسبه قال – متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: (“[(١٥)] – (بَابُ التَّثَبُّتِ في الْحَدِيثِ، وَحُكْمِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ)”).
وقال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٤٧٨] (٢٤٩٣) (١) – الحديث
شرح الحديث:
(اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ)، أي: صاحبة البيت، (اسْمَعِيِ يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ) كرّره للتأكيد، وغرض أبي هريرة رضي الله عنه من ذلك تقوية أحاديثه بسماع عائشة رضي الله عنها، وتقريرها عليه، وقد حصل ذلك، فإنها ما أنكرت من حديثه شيئًا، وإنما أنكرت سَرْده الحديث فقط.
(وَعَائِشَةُ)؛ أي: والحال أن عائشة رضي الله عنها (تُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا)؛ أي: فرغت منها، وسلّمت (قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا) تريد أبا هريرة، (إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا)؛ أي: مرتّلًا، ومفصّلًا، لا يشتبه على من سمعه بحيث (لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ)؛ أي: أحصاه المحصي بالعدد، (لأَحْصَاهُ)؛ أي: لو عدّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك، وبلغ آخرها، والمراد بذلك: المبالغة في الترتيل والتفهيم.
وفي رواية البخاريّ: «لم يكن يسرد الحديث كسردكم»؛ أي: لم يكن يتابع الحديث استعجالًا؛ أي: كان يتكلم بكلام متتابع مفهوم واضح على سبيل التأني؛ لئلا يلتبس على المستمع، وفي رواية الإسماعيليّ عن ابن المبارك، عن يونس: «إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلًا فهمًا تفهمه القلوب»، واعتُذر عن أبي هريرة رضي الله عنه بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر، فتزدحم القوافي عليّ [«عمدة القاري» ١٦/ ١١٥].
وكذلك كثير من طلابه من المغتربين الذين يأتون المدينة مدة يسيرة ويريدون سماع أحاديث كثيرة
والحاصل: أنه صلى الله عليه وسلم يُحدّث بأحاديث قليلة، وتكون مفصّلةً، ويكررها ثلاث مرّات، كما في حديث أنس رضي الله عنه، «عن النبيّ ﷺ: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا»، رواه البخاريّ، فهذا هو وجه إنكارها، والله تعالى أعلم.
وحديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج].
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» [أخرجه مسلم (٨٦٩)]؛ لأن الكلام الكثير يُنسي بعضه بعضًا، فكأنها رضي الله عنها كانت ترى عدم الإكثار، وأبو هريرة رضي الله عنه له وجهة نظر وهي انتهاز الفرصة؛ ليبلِّغ ما عنده.
لكن إذا دعت الحاجة إلى التطويل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل، كما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك: ما رواه عمرو بن أخطب رضي الله عنه: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ، وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا»[أخرجه مسلم (٢٨٩٢)]. [توفيق الرب المنعم، (8/ 444 – 445)].
فهنا بعضهم حفظ ذلك . وجابر حفظ حجة النبي صلى الله عليه وسلم ورواها بطولها
والمتلقون يختلفون بعضهم يقول للرسول علمني ولا تكثر علي.
وقال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٤٧٩] (٣٠٠٤) -الحديث
شرح الحديث:
قال القرطبيّ رحمه الله: كان هذا النهي متقدمًا، وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لمّا أُمن من ذلك أبيحت الكتابة، كما أباحها النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي شاهٍ في حجَّة الوداع حين قال: “اكتبوا لأبي شاهٍ”، فرأى علماؤنا هذا ناسخًا لذلك.
قال: ولا يبعد أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما نهاهم عن كَتْب غير القرآن؛ لئلا يتّكلوا على كتابة الأحاديث، ولا يحفظوها، فقد يضيع المكتوب، ولا يوجد في وقت الحاجة، ولذلك قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط، قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب الحديث؟ قال: لا. انتهى [«المفهم» ٦/ ٧٠٣ – ٧٠٤].
وقال ابن حبّان بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم رحمه الله: زَجْره صلى الله عليه وسلم عن الكتابة عنه، سوى القرآن، أراد به الحثّ على حفظ السنن، دون الاتكال على كتابتها، وتَرْك حفظها، والتفقه فيها، والدليل على صحة هذا إباحته صلى الله عليه وسلم لأبي شاه كتابة الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذنه صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بالكتابة. انتهى [«صحيح ابن حبان» ١/ ٢٦٥ – ٢٦٦].
(فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ») جواب الشرط؛ أي: فليتّخذ مكانًا يجلسه في النار خالدًا مخلّدًا فيها، إن استحلّ الكذب؛ لأنه يكفر به، وإلا فبقدر ذنبه، وجريمته؛ لأنه تحت المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والله تعالى أعلم.
وحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
قال الراجحي:
قوله ﷺ: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ
لذن كُتب عنه عليه الصلاة السلام كتاب في الصدقات، والديات، فعملت به الأمة، ولم ينكره أحد، وقد أمر صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ، فإذا هي لم تكتب ذهب العلم.
وثبت أن عليًّا رضي الله عنه كانت عنده صحيفة فيها: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وأسنان الإبل [أخرجه البخاري (١١١)].
فكل هذا يدل على جواز الكتابة، وأن النهي منسوخ.
وقيل: إن النهي محمول على من يثق بضبطه وحفظه، وأما من كان حفظه ضعيفًا ولا يثق بحفظه فله أن يكتب.
وقيل: إن النهي عن الكتابة في صحيفة واحدة مع القرآن، أما إذا كان القران في صحيفة، والحديث في صحيفة أخرى فلا بأس.
والقول بإن النهي كان خشية أن يلتبس القرآن بالحديث، ثم بعد ذلك رَخَّص النبي ﷺ بالكتابة هو الصواب.
وقوله ﷺ: «وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ»: فيه: إباحة الحديث عنه، وتبليغ ما سمع منه، وأما قوله ﷺ: «وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ»[أخرجه البخاري (٣٤٦١)]، فإنه يعني: في الأمور التي لا تخالف الشرع، أما ما يخالف شرعنا فهذا لا يُحدَّث به عنهم.
وقوله: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ- قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»: فيه: وعيد شديد على من يتعمد الكذب، وأنه من كبائر الذنوب، بل بالغ بعضهم فقال: إن من تعمد الكذب على النبي ﷺ صار مرتدًّا [الصارم المسلول، لابن تيمية (ص ١٧١)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٠٢)]، والمشهور عند العلماء: أن الكذب على النبي ﷺ من كبائر الذنوب العظيمة. [توفيق الرب المنعم، (8/ 445 – 556)].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: في أقوال أهل العلم في هذا الحديث، واختلافهم في كتابة الحديث:
قال الحافظ في «الفتح» ما خلاصته:
والجمع بينهما: أن النهي خاصّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها، مع أنه لا ينافيها،
وقيل: النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمن منه ذلك،
ومنهم من أعلّ حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وَقْفه على أبي سعيد، قاله البخاريّ وغيره.
قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لمّا قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم دوّنوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهريّ على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد. انتهى [«الفتح» ١/ ٣٦٣ – ٣٦٤].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: قد ذكرت هذه الأقوال في «ألفية العلل»،
[البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
————————————–
فقه وفوائد الحديث:
1 – (ومنها): مشروعية كتابة القرآن والسنة وغيرهما من العلم.
2 – (منها): النهي عن كتابة الحديث النبوي منسوخ أو هو محمول على كتابته مع القرآن في صحيفة واحدة لكيلا يحصل خلط بينهما أو أنه خاصّ بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره.
قال النووي: كان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة.
3 – (ومنها): إباحة الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم-، وتبليغ ما سمع منه، وقد جاءت الآثار بالحض على التبليغ والأمر به.
4 – (ومنها): انعقد الإجماع على جواز كتابة كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
5 – (ومنها): الدَّعوةُ إلى حِفظِ حَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتبليغه.
6 – (ومنها): التحذير من التساهل عند الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- مما لم يتحقق منه، والتنبيه على التحرز في ذلك لئلا يقع في الكذب.
7 – (ومنها): التَّحذيرُ مِن سُوءِ عاقبةِ الكذِبِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
8 – (ومنها): الوعيد الشديد على من كذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- متعمدًا.
————————————————–
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
معالم في تدوين السنة والرد على الشبهات:
“نص الشبهة:
قالوا: لم يكن للمسلمين حتى منتصف القرن الثاني كتاب مدون سوى القرآن، فلم تسلم السنة من التحريف؛ لأنها رويت شفاها من صدور الرجال حتى وصلت إلى عصر التدوين في منتصف هذا القرن. [دائرة المعارف الإسلامية (٢/ ٧٥٠)، وأول من قال بذلك جولد زيهر، ثم تبعة المستشرقون، حتى غالى في هذى الدعوة جوزيف شاخت – المستشرق الألماني المتعصب – حتى قال: إنه لا صحة لأي حديث منسوب للنبي ﷺ، وأن المجموعة الأولى المعمول عليها من الأحاديث النبوية، التي تعرف بأحاديث الأحكام، قد نشأت في منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا. أصول الفقه المحمدي له ترجمة. الأستاذ الصديق بشير مجلة كلية الدعوة بليبيا (١١/ ٦٥٢)].
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تعريف التدوين، وذكر الفرق بينه وبين الكتابة.
الوجه الثاني: حفظ السنة على أنواع.
الوجه الثالث: حفظ السنة عند الصحابة.
الوجه الرابع: كتابة الصحابة للسنة.
الوجه الخامس: الرد على شبهة كتابة الحديث.
الوجه السادس: كتابة التابعين للسنة، وضوابط ذلك.
الوجه السابع: وجود ضوابط وأسس حتى تقبل هذه الروايات.
وإليك التفصيل:
الوجه الأول: تعريف التدوين، وذكر الفرق بينه وبين الكتابة.
المراد بتدوين السنة هو: جمعها وترتيبها مكتوبة.
جاء في لسان العرب: الديوان مجتمع الصحف. [لسان العرب (١٣/ ١٦٦)].
فالفرق واضح وهو: أن الكتابة خط الشيء وكتابته، وإن لم يكن مجموعًا.
والتدوين: جمع الكتب، فالتدوين مرحلة تالية للكتابة، وعلى هذا يفهم إطلاق الأئمة قولهم: أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري [وذلك نحو قول الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٢٥١ – ١١٣): وأول من دون الحديث: ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد. فقد ميز الحافظ بين ثلاث مراحل:
١ – بداية التدوين بمعنى الجمع.
٢ – تتابع الناس في الجمع والتدوين، كثرة التدوين
٣ – تصنيف ذلك المدون وتميز بعضه عن بعض في أبواب]، وهو أن مرادهم: أول من جمعه مصنفًا مرتبًا ابن شهاب، وليس معناه: أول من كتبه، كما سيأتي ذلك واضحًا جليًا – وسيتضح منها:
١ – إذن النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة.
٢ – أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة بعض مسائل العلم، وإرسالها إلى الأمصار.
٣ – أمر النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة بالكتابة وتقييد العلم.
٤ – كتابة عدد من الصحابة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم .
٥ – شيوع كتابة الحديث في التابعين.
٦ – أن كتابة السنة كان لها ضوابط تقبل على أساسها الصحف المكتوبة.
٧ – أن جمع السنة اعتمد على الرواية الشفوية، والصحف المكتوبة.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (الجمعة: ٢ – ٤).
قال ابن كثير: وذلك أن العرب كانوا قديمًا متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه، وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرَّفوها، وغيَّروها وأوَّلوها، فبعث الله محمدًا ﷺ بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله. [تفسير ابن كثير (٨/ ١١٦)].
وكان مما أعد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن عوض الله هذه الأمة الأمية عن القراءة والكتابة بالحفظ، فكان العرب حفاظًا طبعًا وسليقة، وليس تكلفًا . وقد كان كلامه كما قال هو صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: «وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ». [مسلم (٥٢٣)، وانظر: شرحه للنووي].
والمعنى كما قال الهروي رحمه الله: أن كلامه كان قليل اللفظ، كثير المعاني.
وكما قالت عائشة زوجه رضي الله عنها: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، إنما كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ العاد لَأَحْصَاهُ [البخاري (٣٥٦٧)، (٣٥٦٨)، ومسلم (٢٤٩٣)].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ: «كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ». [البخاري (٩٤)، كتاب العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه].
ولذلك فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحفظون كلامه وأفعاله، وكان ذلك أمرًا يسيرًا عليهم، وكان من الصحابة من يكتب ما يسمعه من رسول الله ﷺ: كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، إلا أنَّ غالب الصحابة كانوا يحفظون ولا يكتبون.
الوجه الثاني: حفظ السنة على أنواع:
اعلم أن حفظ السنة قام على أمرين أساسيين:
الأول: حفظ الصدر. الثاني: حفظ الكتاب.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على كلا الأمرين فمن ذلك:
قوله ﷺ: «نَضَّرَ الله امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» [رواه الترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٣٢)، وأحمد ١/ ٤٣، وصححه الألباني (٦٧٦٤)].
فدعا صلى الله عليه وسلم بالنضرة لمن سمع شيئًا – فبلغه على وجهه كما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم حث السامع على تبليغه والعمل به بقوله: «فرب مبلغ أوعى من سامع» ففي هذا النص حث على حفظ الصدر، وضبطه ضبطًا صحيحًا حتى يؤديه كما سمعه، وحث على رواية الحديث؛ نشرا للعلم.
٢ – وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شيء أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شيء تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضبِ وَالرِّضَا؛ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: “اكتُبْ فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ”. [أخرجه أحمد (٢/ ١٦٢)، وأبو داود (٣٦٤٦)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٣٢)].
ففيه حث للصحابة على حفظ الحديث بالكتاب، وبث ذلك في الناس، وذلك في كل الأحوال، حال الرضا وحال الغضب، وفي ذلك أيضا دلالة على أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كله مدون معروف، بل إن الله تعالى حث أمهات المؤمنين رضي الله عنهن على بث سنته الخاصة في تعامله في بيوته صلى الله عليه وسلم ، فهذه لا يطلع عليها إلا زوجاته، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤).
وكلا الأمرين كان معروفًا في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: «ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثًا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب». [رواه البخاري (١١٣)].
الوجه الثالث: حفظ السنة عند الصحابة:
من مظاهر حفظ السنة عند الصحابة رضي الله عنهم: الحرص على سماعها، وروايتها، وكتابتها، وذلك يتجلى في أمور منها:
1 -قوله لوفد عبد قيس حين علمهم العلم «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم». [رواه البخاري (٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦) ومسلم (١٧)].
2 – إعادته للحديث ثلاثًا؛ حتى يحفظ عنه ويفهم، فمن ذلك قول أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : “أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم؛ سلم عليهم ثلاثًا». [رواه البخاري (٩٥)].
3 – بيانه صلى الله عليه وسلم أن ما بعث به هو العلم وحثه على أخذه، وبيان أن مقادير الناس عند الله تتباين بأخذهم لذلك العلم، وذلك شيء كثير في سنته، فمنه قوله صلى الله عليه وسلم : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم …… الحديث». [رواه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢)].
4- تحذيره من الجهل، وأنه من أشراط الساعة، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «من أشراط الساعة: أن يقل العلم ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيّم الواحد». [رواه البخاري (٨١)، ومسلم (٢٦٧١)].
5 – تخولهم بالموعظة والعلم، وتخير الأوقات المناسبة لذلك؛ حتى لا ينفروا، فمن ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا. [رواه البخاري (٦٤١١)، ومسلم (٢٨٢١)].
6 – تفرغ الصحابة لسماع العلم من النبي ﷺ، وهذا على ضربين:
الأول: التفرغ الكامل ومن هؤلاء أبو هريرة رضي الله عنه، يقول عن نفسه: «إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون». [رواه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (٦٥٥٥)].
الثاني: التفرغ الجزئي، بأن يفرغ قدرًا من وقته لسماع العلم من النبي ﷺ، ثم يسأل الصحابة الحاضرين عما فاته، وهو ما يسمى بـ (التناوب في طلب العلم)، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه: «كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ….) [رواه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩)].
7 – حرص الصحابة على فهم الحديث قبل بثه في الناس، فمن ذلك قول ابن أبي مليكة: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه؛ حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حوسب عذّب”، قالت عائشة: فقلت: أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (الانشقاق: ٨) قالت: فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك. [رواه البخاري (٦٥٣٧)، ومسلم (٢٨٧٦)].
8 – تثبت الصحابة عند رواية الحديث، ولذلك مظاهر منها: الإقلال من الرواية، والحرص على أداء الألفاظ دون تغيير؛ حرصًا منهم على عدم الوقوع في الإثم، فمن ذلك قول أنس رضي الله عنه: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي ﷺ قال: «من تعمد عليّ كذبا؛ فليتبوأ مقعده من النار». [رواه البخاري (١٠٨)، ومسلم (٢)].
وقول الزبير رضي الله عنه حين سأله ابنه عبد الله: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يُحدث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: «مَن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار». [رواه البخاري (١٠٧)].
ولذلك تجد التخصص في رواية السنة محصور في عدد قليل من الصحابة، في حين أنهم عدد كبير، حتى قال أبو زرعة الرازي: شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وكان معه بتبوك سبعون ألفا، وقُبض ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة [الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (٢/ ٥٠٦)، وانظر الجامع للخطيب (١٨٩٤)، وفتح المغيث (٤/ ١٠٩)، طبقات ابن سعد (٢/ ٣٧٧)، الإصابة (١/ ٤، ٣)]، ومجموع تراجم الصحابة التي في الإصابة (١٢٢٧٩).
في حين أن عدد مسانيد الصحابة الرواة في مسند بقي بن مخلد – وهو من أهم مصادر السنة – (١٣٠١).
قال ابن حزم: مسند (بقي) روى فيه عن ألف وثلاث مئة صاحب ونيف، رواة الآلاف منهم سبعة، وهم على الترتيب: أبو هريرة، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة أم المؤمنين، ثم عبد الله بن عباس، ثم جابر بن عبد الله، ثم أبو سعيد الخدري رضي الله عنهم. [الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٥٢)].
وقد تتبع العلماء الرواة من الصحابة، وما لكل واحد منهم، ومن ذلك: ما فعله ابن الجوزي في: (تلقيح فهوم أهل الأثر) [تلقيح فهوم أهل الأثر (١٨٤)]، وابن حزم في: (الرسالة الثانية من جوامع السيرة)، تحت عنوان: أسماء الصحابة الرواة، وما لكل واحد من العدد، وقد عد ابن حزم مسانيد الصحابة فيه (١٠١٠).
قال ابن حزم: هذا باب في ذكر مَن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم حديثًا فما فوقه، ممن نُقل الحديث عنهم على مراتبهم في ذلك:
أصحاب الألوف وما زاد منهم، ثم أصحاب الألفين وما زاد، ثم أصحاب المائتين وشيء، ثم أصحاب المائة وشيء، ثم أصحاب العشرات وشيء، ثم أصحاب العشرين وشيء، ثم أصحاب التسعة عشر ثم، أصحاب الثمانية عشر، ثم أصحاب السبعة عشر، ثم كذلك نقص واحد واحد إلى أصحاب الإفراد.
وبهذا يتبين لك أن الصحابة الرواة على طبقات:
١ – الطبقة الأولى: رواة الآلاف إلى الألف، وعددهم سبعة أصحاب.
٢ – الطبقة الثانية: من روى أقل من الألف إلى خمس مئة حديث، وعددهم أربعة أصحاب.
٣ – الطبقة الثالثة: من روى أقل من خمس مئة حديث إلى مئة حديث، وعددهم سبع وعشرون صحابيًا.
٤ – الطبقة الرابعة: من روى أقل من مئة حديث إلى عشرة أحاديث، وعددهم ستة وخمسون ومئة صاحب.
٥ – الطبقة الخامسة: من روى أقل من عشرة أحاديث إلى خمسة أحاديث، وعددهم ثماني عشرة ومئة صاحب.
٦ – الطبقة السادسة: من روى أقل من خمسة أحاديث إلى حديثين اثنين فقط، وعددهم تسعة وأربعون ومائتا صاحب.
٧ – الطبقة السابعة: من ليس له سوى حديث واحد فقط، وعددهم تسعة وأربعون وأربع مئة.
فأنت ترى بوضوح من خلال هذا:
أن الصحابة كانوا يتوقون الرواية، وأن الرواة منهم كانوا أهل تخصص في نشر سنة النبي ﷺ.
أن الصحابة كانوا لا يروون إلا ما تثبتوا منه؛ حرصًا على أداء الألفاظ والمعاني دون تغيير.
أن إقلال الصحابة من الرواية نسبي فأنس رضي الله عنه من المكثرين ومع ذلك يقول: (إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا …..).
أن بعض الصحابة أقل من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ اكتفاء بمن قام بالبلاغ كما في حديث الزبير رضي الله عنه، وخوفًا من عدم الضبط.
أن الصحابة كانوا يتوقون رواية الحديث بالمعنى؛ خوفًا من عدم الإتقان، فمن ذلك: (أن عبدالله بن مسعود حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتعد وارتعدت ثيابه ثم قال: أو نحو هذا ..) [المستدرك (١/ ١١١)، قال الذهبي: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وله شواهد فيه عن عبد الله].
أن الصحابة كانوا يتذاكرون الحديث؛ خشية نسيانه، فمن ذلك: قول عبد الله بن مسعود: (تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته) [المستدرك (١/ ١٩٣، ٣٧٦) ومعرفة علوم الحديث (١٤٠، ١٤١)].
وما جاء عن أبي سعيد رضي الله عنه: (تذاكروا الحديث؛ فإن الحديث يهيج بعضه بعضًا). [المستدرك (١/ ١٧٣ – ٣٢٣)، الدارمي (١/ ١٥٥ – ٥٩٥)].
وما جاء عن علي رضي الله عنه: (تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يندرس). [المستدرك (١/ ١٧٣ – ٣٢٤)].
تثبت الصحابة رضي الله عنه عند سماع الحديث، حتى كان بعضهم يستحلف الراوي، أو يطلب شاهدًا آخر، أو نحو ذلك، وقد مرّ شيء من هذا. [في أول باب السنة].
وإنما كانوا يفعلون ذلك توقيًا من الخطأ في الرواية وتثبتًا من المسموع.
وخلاصة ما مرّ: أن سنة النبي ﷺ سواء رواها الصحابة شفاهًا، أو دوّنوها في صحف فإنهم كانوا يتثبتون في روايتها غاية التثبت قبل روايتها.
– فلم يرو منهم غير المتقن.
– ولم يرو المتقن منهم غير ما أتقنه.
– وأن السامع لما رواه الأثبات من الصحابة كان يتثبت من المروي، دون تكذيب للراوي، أو اتهام له بالخطأ؛ حرصًا منهم على الإتقان.
الوجه الرابع: كتابة الصحابة للسنة:
أولا اقتصر على كتابة ما ينزل من القرآن شيئًا فشيئًا، ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه، تبقى عند الذي كتبها، وفي صحيح البخاري وغيره، من حديث زيد بن ثابت -في قصة جمعه القرآن بأمر أبي بكر- قال: (فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (التوبة: ١٢٨) حتى خاتمة سورة براءة.
وفي فتح الباري: أن العسب: جريد النخل، واللخاف: الحجارة الرقاق، وإنه وقع في رواية: القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل، ووقع في روايات أخر: ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلقن بعض أصحابه ما شاء الله من القرآن، ثم يلقن بعضهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملة في صدورهم ومحفوظًا بالكتابة في قطع مفرقة عندهم.
وقد الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر: ٩)، وتكفله سبحانه بحفظ لا يعفي المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا – بتوفيقه لهم – في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان رضي الله عنهم.
وأما السنة فقد تكفل الله بحفظها أيضا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه، وهو السنة، وحفظ لسانه، وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة، والهداية باقية، بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، بل دل على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة: ١٩).
فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعين، حتى كتبت ودونت –
فلا يتوهم بعض الناس أن الصحابة لم يكن لهم كتاب يتضمن علمًا غير كتاب الله – وهذا خطأ بيّن – بل قد كتب الصحابة عن النبي ﷺ حديثه، ودوّنوه في كتبهم بإذنه، كما مرّ في حديث أبي شاه، وحديث عبد الله بن عمرو، وبإقراره لهم كما مرّ أيضًا في حديث عبد الله بن عمرو، بل وبأمره بتقييد العلم حتى لا يندرس.
أقول: وكان هذا التقييد للعلم وتدوينه على نوعين:
الأول: جمع الأحاديث مدونة في كتاب، كيفما اتفق، بلا تأليف ولا ترتيب بينها، وهذا غالب جمعهم.
الثاني: جمع باب بعينه.
فمن الصنف الأول:
١ – كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن، وقد تضمن أحكامًا كثيرة، وكان عند عمرو بن حزم [النسائي كتاب القسامة (٨/ ٥٧) رقم ٤٨٥٣ – ٤٨٥٩، الأموال لأبي عبيد (٣٥٨ – ٣٦٢)].
٢ – كتاب عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وكان يُسمي صحيفته الصادقة، وقد مر.
٣ – كتاب عند أنس بن مالك رضي الله عنه، كان يقول فيه: سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرضته عليه [المستدرك (٣/ ٥٧٤)].
٤ – كان لسمرة بن جندب رضي الله عنه صحيفة كتب فيها ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، يرويها عنه الحسن البصري [كيف تبحث أحوال الرواة المعلمي (٢٧)]، وقد أثنى عليها محمد بن سيرين فقال: في رسالة سمرة إلى ابنه علم كثير.
٥ – كان لابن عباس رضي الله عنهما صحيفة يكتب فيها أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ، أخذها عن أبي رافع رحمه الله [الطبقات الكبرى (٢/ ١٢٣)، تقييد العلم للخطيب حققه يوسف العش (٩١، ٩٢)].
٦ – وكان لجابر رضي الله عنه مشهورة، عرفت عند الحدثين باسمه، أخرج منها مسلم نحوًا من ثلاثين حديثًا في الحج.
٧ – كانت عند علي بن أبي طالب صحيفة ذكرها البخاري وغيره، وجمع ابن حجر في فتح الباري قطعًا منها [كيف تبحث أحوال الرواة للمعلمي (٢٦)].
٨ – كتب عبد الله بن أوفى رضي الله عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأرسله إلى بعض أصحابه [صحيح البخاري (٤/ ٦٢) نقلًا عن توثيق السنة (٥٢)].
٩ – صحيفة سعد بن عبادة رضي الله عنه وهي في سنن الترمذي.
ومن الصنف الثاني:
١ – كتاب أبي بكر في فريضة الله في الصدقة، الذي كتبه عنه أنس بن مالك رضي الله عنهما، قال في أوله: (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين) [صحيح البخاري (١٤٤٨، ١٤٥٤)].
وفي رواية عند الحاكم (كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قُبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض …) [المستدرك (٣/ ١٥٠)] وذكر الكتاب.
٢ – ومن ذلك كتاب علي رضي الله عنه فقد كان يجمع أبوابًا من العلم منها: فكاك الأسير، الديات، لا يُقتل مسلم بكافر، وقد مر.
٣ – ومن ذلك الرسالة الطويلة التي كتبها زيد بن ثابت رضي الله عنه في أحكام المواريث، وفي سنن البيهقي قطع كثيرة منها [انظر على سبيل المثال: سنن البيهقي كتاب الفرائض باب من لا يرث من ذوي الأرحام (٦/ ٣٥٠)].
—-
الوجه الخامس: الرد على شبهة النهي عن كتابة الحديث:
وللعلماء فما الجمع بين هذه الأحاديث أقوال:
الأول: الأحاديث إما مختلف في صحتها، وإما متفق على ضعفها [الأنوار الكاشفة (١/ ٣٣)].
قال الشيخ المعلمي:
أما الأحاديث إما مختلف في صحتها، وإما متفق على ضعفها.
فالأول: حديث مسلم وغيره، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا «لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [صحيح مسلم (٣٠٠٤)].
والجواب من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أنه موقوف على أبي سعيد.
قال ابن حجر: ومنهم من أعل حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره [فتح الباري (١/ ٢٠٨)]. أي الصواب أنه من قول أبي سعيد نفسه، وغلط بعض الرواة فجعله عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أورد ابن عبد البر قريبًا من معناه، موقوفًا، عن أبي سعيد، من طرق لم يذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم .
الوجه الثاني: المراد بهذا الحديث الوارد في النهي هو: من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه.
الوجه الثالث: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك.
الوجه الرابع: أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما.
الوجه الخامس: أن النهي متقدم، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس [هذه الوجوه من شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٣٠)، فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٨)].
وممن قال بهذا القول: ابن شاهين في (الناسخ والمنسوخ)، وابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث)، والخطابي في (معالم السنن)، والنووي في (شرح مسلم)، وابن الصلاح، والبيهقي، كما حكى ذلك عنهما: ابن كثير في (اختصار علوم الحديث)، وابن القيم في (زاد المعاد)، و(تهذيب سنن أبي داود)، وابن حجر في (فتح الباري) [الناسخ والمنسوخ (٤٠٦)، تأويل مختلف الحديث (٢٨٦)، معالم السنن (٤/ ١٧٠)، شرح صحيح مسلم (٩/ ١٣٠)، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (٢/ ٣٧٨)، زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٤٥٧)، تهذيب السنن (٥/ ٢٤٥)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (١/ ٢٥١)].
وقال ابن القيم: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، يعني: خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها، وأَذِنَ لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها (الصادقة)، ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا؛ لمحاها عبد الله لأمر النبي ﷺ بمحو ما كُتبَ عنه غير القرآن، فلمَّا لم يحها وأثبتها؛ دَلَّ على أنَّ الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله [تهذيب السنن ١٠/ ٥٥].
قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. [شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٩)].
قال الحافظ ابن حجر: الإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم [فتح الباري (١/ ٢٠٨)].
وقد أجمع المسلمون على جواز كتابة الحديث وتسويغه [نقل الإجماع ابن الصلاح، وابن كثير في اختصار علوم الحديث الباعث (٢/ ٣٧٩) والقاضي عياض في الإلماع (١٤٩)، والكرماني في شرحه على البخاري (٢/ ١٢٤)، والأبي في شرحه على مسلم (٣/ ٤٥٤)].
قال المعلمي: أما البخاري فقال في صحيحه: (باب: كتابة العلم)، ثم ذكر قصة الصحيفة التي كانت عند علي رضي الله عنه، ثم خطبة النبي ﷺ زمن الفتح وسؤال رجل أن يكتب له، فقال النبي ﷺ: (اكتبوا لأبي فلان)، وفي غير هذه الرواية (لأبي شاه) ثم قول أبي هريرة رضي الله عنهم: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب [صحيح البخاري (٢٣٠٢)].
ثم حديث ابن عباس في قصة مرض النبي ﷺ، وقوله: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده»، وفي بعض روايات حديث أبي هريرة في شأن عبد الله بن عمرو:
«استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له» [فتح الباري (١/ ١٨٥)، المستدرك (١/ ١٠٤). قال ابن حجر: (إسناده حسن، وله طريق أخرى …) وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو نفسه جاء من طرق].
وقد اشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو التي كتبها عن النبي ﷺ، وكان يغتبط بها ويسميها (الصادقة)، وبقيت عند ولده يروون منها [تهذيب التهذيب (٨/ ٤٤)].
أما ما زعمه أن صحيفة عبد الله بن عمرو إنما كانت فيها أذكار وأدعية فباطل قطعًا، وأما زيادة ما انتشر عن أبي هريرة من الحديث عما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ فلأن عبد الله لم يتجرد للرواية تجرد أبي هريرة، وكان أبو هريرة بالمدينة وكانت دار الحديث لعناية أهلها بالرواية، ولرحلة الناس إليها لذلك، وكان عبد الله تارة بمصر، وتارة بالشام، وتارة بالطائف، مع أنه كان يكثر من الأخبار عما وجده من كتب قديمة باليرموك، وكان الناس لذلك كأنهم قليلو الرغبة في السماع منه، ولذلك كان معاوية وابنه قد نهياه عن التحديث.
فهذه الأحاديث – وغيرها مما يأتي – إن لم تدل على صحة قول البخاري وغيره: إن حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبي ﷺ، فإنها تقضي بتأويله، وقد ذكر في فتح الباري أوجها للجمع، والأقرب ما يأتي:
قد ثبت في حديث زيد بن ثابت في جمعه القرآن (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف) [صحيح البخاري (٤٧٠١)]، وفي بعض رواياته ذكر القصب وقطع الأديم، وهذه كلها قطع صغيرة، وقد كانت تنزل على النبي ﷺ الآية والآيتان، فكان بعض الصحابة يكتبون في تلك القطع فتتجمع عند الواحد منهم عدة قطع، في كل منها آية أو آيتان أو نحوها، وأن هذا هو المتيسر لهم، فالغالب أنه لو كتب أحدهم حديثا؛ لكتبه في قطعة من تلك القطع، فعسى أن يختلط عند بعضهم القطع المكتوب فيها الأحاديث بالقطع المكتوب فيها الآيات، فنهوا عن كتابة الحديث سدًّا للذريعة.
– أما قول بعضهم (هذا سبب لا يقتنع به عاقل عالم … اللهم إلا إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة، وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه).
فجوابه:
أن القرآن إنما تحدى أن يؤتى بسورة من مثله، والآية والآيتان دون ذلك، ولا يشكل على هذا الوجه صحيفة علي، لأنه جمع فيها عدة أحكام، وكان علي لا يخشى عليه الالتباس.
ولا قصة أبي شاه، لأن أبا شاه لم يكن ممن يكتب القرآن، وإنما سأل أن تكتب له تلك الخطبة.
ولا قوله ﷺ في مرض موته: ائتوني بكتاب … الخ؛ لأنه لو كتب لكان معروفًا عند الحاضرين، وهم جمع كثير.
ولا قضية عبد الله بن عمرو، فإنه فيما يظهر حصل على صحيفة فيها عدة أوراق، فاستأذن أن يكتب فيها الأحاديث فقط.
وكذلك الكتب التي كتبها النبي ﷺ لعماله، وفيها أحكام الصدقات وغيرها، وكان كلها أو أكثرها مصدرًا بقوله: «من محمد رسول الله … الخ» هذا كله على فرض صحة حديث أبي سعيد.
أما على ما قاله البخاري وغيره من عدم صحته عن النبي ﷺ؛ فالأمر أوضح، وسيأتي ما يشهد لذلك.
الثاني: حديث «دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، وأمر إنسانًا أن يكتبه فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، فمحاه». [أخرجه أحمد (٥/ ١٨٢)، وأبو داود (٣٦٤٧) من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فذكره، وهذا إسناد ضعيف.
المطلب بن عبد الله لم يسمع من زيد بن ثابت.
قال البخاري: لا أعرف للمطلب بن حنطب عن أحد من الصحابة سماعًا، إلا قوله حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ. قال الترمذي: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن -يعني الدارمي- يقول مثله.
وقال أبو حاتم: المطلب بن حنطب عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ إلا سهل بن سعد، وأنسًا، وسلمة بن الأكوع، أو من كان قريبًا منهم، ولم يسمع من جابر، ولا من زيد بن ثابت، ولا من عمران بن حصين، وقال مرة أخرى: لم يدرك عائشة ويشبه أن يكون أدرك جابرًا، وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون سمع من عائشة، وقال الترمذي عقيب حديثه عن جابر “صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يصاد = = لكم” المطلب لا نعرف له سماعا من جابر، والله أعلم. جامع التحصيل (١/ ٢٨١)، وضعف إسناده الألباني في ضعيف أبي داود (١/ ٣٦٢)].
الثالث: ما روي عن عائشة قالت: «جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ، فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب … فلما أصبح قال: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك»، زاد الأحوص بن المفضل في روايته: أو يكون قد بقى حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر [الخبر ليس بصحيح، ففي التذكرة عقبه (فهذا لا يصح)، قال ابن كثير: هذا غريب من هذا الوجه جدًّا، وعلي بن صالح أحد رجال سنده لا يعرف، والأحاديث عن رسول الله ﷺ أكثر من هذا المقدار بألوف. وانظر: كنز العمال (١٠/ ٥٠٣). قال الذهبي: فهذا لا يصح، والله أعلم، توفي الصديق رضي الله عنه لثمان بقين من جمادي الآخرة من سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة. تذكرة الحفاظ (١/ ٥)].
أقول: لو صح هذا لكان حجة على ما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما كتب أبو بكر، وأما الإحراق فلسبب أو سببين آخرين، كما رأيت.
الرابع: ما روي عن عروة: «أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك -ورواية البيهقي: فاستشار- فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرًا، ثم أصبح يومًا، وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا- ورواية البيهقي: لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا» [رواه ابن عبد البر (١٢/ ٤٩)، والبيهقي في المدخل (١/ ٢١)، الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمرًا].
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمر.
الوجه الثاني: أن هذا -إن صح- فهو حجة لما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا؛ لما هم بها عمر ولما أشار عليه الصحابة بها، وأما عدوله عنها فلسبب آخر، كما رأيت.
الوجه الثالث: أنه – إن صح – أيضًا؛ فإنما كانت تلك الخشية في عهد عمر، ثم زالت، وقد قال عروة نفسه: «وكنا نقول لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي، وإن كتاب الله قد استمرت مريرته». [تهذيب التهذيب (٥/ ٣٧)]، يعني قد استقر أمره، وعلمت مزيته، وتقرر في أذهان الناس أنه الأصل، والسنة بيان له، فزال ما كان يخشى من أن يؤدي وجود كتاب للحديث؛ إلى أن يكب الناس عليه، ويدعوا القرآن.
الخامس: وما روي عن يحيى بن جعده: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء؛ فليمحه [أقول: وهذا منقطع أيضًا، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر، وعروة أقدم منه وأعلم، وزيادة يحيى منكرة، ولو كتب عمر إلى الأمصار لاشتهر ذلك، وعنده علي وصحيفته، وعند عبد الله بن عمرو صحيفة كبيرة مشهورة].
السادس: ما روى عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملى على أحاديث، فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا. [رواه ابن سعد (٧/ ١٢٤) أقول: وهذا منقطع أيضًا إنما ولد القاسم بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة].
السابع: ما روي عن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه؛ فإنما هلك الناس حين تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم) [أقول ذكره ابن عبد البر من طريق شعبة عن جابر، ولم أجد لجابر بن عبد الله بن يسار ذكرا وقد استوعب صاحب التهذيب مشايخ شعبة في ترجمته ولم يذكر فيهم من اسمه جابر إلا جابر بن يزيد الجعفي، فلعل الصواب (جابر عن عبد الله بن يسار) وجابر الجعفي ممقوت كان يؤمن برجعة على إلى الدنيا، وقد كذبه جماعة في الحديث منهم أبو حنيفة، وصدقه بعضهم في الحديث خاصة بشرط أن يصرح بالسماع. ولم يصرح هنا، وعبد الله بن يسار لا يعرف. وقد كان عند علي نفسه صحيفة فيها أحاديث عن النبي ﷺ كما مر].
والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: الأثر لا يصح؛ فلا يحتج به.
الوجه الثاني: أنه إن صحت هذه الحكاية؛ فإنما قال: (أحاديث علمائهم) ولم يقل: (أحاديث أنبيائهم)، وكلمة (حديث) بمعنى: (كلام)، واشتهارها فيما كان عن النبي ﷺ اصطلاح متأخر، وقد كان بعض الناس يثبتون كلام علي في حياته، وفي مقدمة صحيح مسلم، عن ابن عباس ما يعلم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضاء علي، منها ما عرفه ابن عباس، ومنها ما أنكره، ولفظه: «فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل».
ثم ذكر عن طاوس قال: «أتى ابن عياش بكتاب فيه قضاء علي …».
فإن صحت هذه الحكاية؛ فكأن بعض الناس كتب شيئًا من كلام علي، أو غيره من العلماء، فتناقله الناس، فبلغ عليًا ذلك؛ فقال ما قال.
الوجه السادس: كتابة التابعين للسنة وحفظها، وضوابط ذلك:
وأما تدوين السنة في عصر التابعين، فكل تابعي له صحيفة، أو كتاب يرويه عن الصحابة، لكن كانت الأحاديث تجمع بلا تأليف ولا ترتيب، ومن ذلك:
١ – صحيفة همام بن منبه اليماني عن جبل السنة أبي هريرة رضي الله عنه، وقد جاء منها في مسند أحمد [مسند أحمد (٢/ ٣١٢، ٣١٩)]، نحوًا من أربعين ومئة حديث، وهي مفرقة في الصحيحين، وغيرهما من كتب السنة.
٢ – صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص.
٣ – صحيفة وهب بن منبه عن جابر رضي الله عنه [وقد حدث بصحيفة جابر أيضًا قتادة، والحسن البصري].
٤ – صحيفة الحسن البصري عن سمرة رضي الله عنه.
٥ – ومن ذلك: كتب عروة بن الزبير التي احترقت يوم الحرة [وقعة الحرة كانت سنة ٦٣ في خلافة يزيد]، وكان يقول: وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي [المحدث الفاصل (٣٧٦) رقم ٣٥٣، تقييد العلم (٦٠)، جامع بيان العلم (١/ ١٥٣)].
٦ – ومن ذلك كتب عبد الرحمن بن الزناد كان يقول: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه؛ علمت أنه أعلم الناس [تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٢٢)، تاريخ دمشق (٥٨) رقم ٥٨].
٧ – ومن ذلك كتب صالح بن كيسان قال: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ [الطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٨)، المعرفة والتاريخ (١/ ٦٣)، الحلية (٣/ ٣٦)، تاريخ دمشق (٦٢)].
٨ – ومن ذلك كتب الحسن البصري يقول الحسن: إن لنا كتبًا نتعاهدها [الجامع لأخلاق الراوي (١٠٤)، الحدث الفاصل (٣٧١)، تقييد العلم (١٠٠، ١٠١)، جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٥٢)].
٩ – ومن ذلك كتب الشعبي التي دوّن فيها السنن، حتى قال: الكتاب قيد العلم [المحدث الفاصل (٣٥) رقم ٣٥، تقييد العلم (٩٩) جامع بيان العلم (١/ ١٥٣)].
١٠ – ومن ذلك كتب سعيد بن جبير، حتى بلغ من حرصه أنه كان إذا جالس ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم فيسمع منهما الحديث، فيكتبه في واسطة الرحل فإذا نزل نسخه [سنن الدارمي (١/ ١٣٨، ٤٩٥)، تقييد العلم ١/ ١٣٠. جامع بيان العلم (١/ ١٤)].
– وابن عقيل، ومحمد بن الحنفية، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن يزيد الجرمي، وقتادة بن دعامة السدوسي، وخلق كثير [انظر: على سبيل المثال: كتاب تقييد العلم للخطيب (٩٩ – ١٠٨) على أن الدكتور محمد مصطفى الأعظمي أحصى في كتابه «دراسات في الحديث النبوي» أكثر من خمسين ومائة تابعي (١٥٠) ممن دوّن السنة، ولم يزعم بعمله هذا أنه استقصى، أو أراد الاستقصاء في البحث فلله درّهم].
فأنت ترى بوضوح: أن الزعم بأن السنة لم تكن مكتوبة مدونة سوى في منتصف القرن الثاني للهجرة، وأن المسلمين لم يكن لهم كتاب مكتوب سوى القرآن، دعوى عارية من الصحة، بعيدة عن الصواب «وشر المطية زعموا».
قال ابن رجب:
اعلم أن العلم المتلقى عن النبي ﷺ -من أقواله وأفعاله- كان الصحابة رضي الله عنهم في زمن نبيهم ﷺ يتداولونه بينهم، حفظًا له ورواية، ومنهم من كان يكتب، ثم بعد وفاة النبي ﷺ كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم عنه، وبعضهم لا يرخص في ذلك، ودرج التابعون أيضًا على هذا الاختلاف، والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتبًا مبوبًا، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صنف التصانيف [فتح الباري (١/ ٣٦ – ٣٧)].
وقد كانت تصانيفهم تجمع أحاديث الرسول ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين، وكان من أوائل من صنف من أتباع التابعين على ما ذكر العلماء: ابن جريج بمكة، ومالك بن أنس بالمدينة، والربيع بن صبيح، وحماد بن سلمة، وسعيد بن أبي عروية بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، ومعمر باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، وجرير بن عبد الحميد بالرِّي [انظر مقدمة فتح الباري (٨)، وشرح علل الترمذي (١/ ٣٧ – ٣٨ – ٣٩)، وتدريب الراوي (١/ ٨٩)].
قال العراقي وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد فلا ندري أيهم أسبق [تدريب الروي (١/ ٨٩)].
وقد وصل إلينا من مصنفات أتباع التابعين، كتاب (الموطأ) لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (٩٣ – ١٧٩ هـ).
قال الشافعي عنه: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس [أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٧٧). وقال ابن الصلاح: إنما قال الشافعي ذلك قبل وجود كتابي: البخاري ومسلم. وقال ابن حجر: إنَّ الشافعي إنَّما أطلق على الموطأ أفضلية الصحة بالنسبة إلى الجوامع الوجودة في زمنه: كجامع سفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة، وغير ذلك، وهو تفضيل مُسلَّم لا نزاع فيه. مقدمة فتح الباري (١٢)].
وكتاب (الموطأ) مشهور شهرة عظيمة، وقد طُبع ما لا يحصى من المرات، وقد رواه عن مالك خلق كثير، ولكن أشهر رواية له هي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي.
وكذلك وصل إلينا كتاب (الجامع) لمعمر بن راشد الصنعاني (ت ١٥٤ هـ)، وقد طُبع مع مصنف عبد الرزاق في آخر ملحق به [المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية (١٤٠٣ هـ)].
وكذلك وصل إلينا جزء من (الجامع الصغير) للإمام العلم: سفيان بن سعيد الثوري، ولسفيان الثوري جامعان: (الجامع الصغير)، وهو آثار كله، كما قال أبو العرب القيرواني في (طبقاته)، و(الجامع الكبير في الفقه والاختلاف)، وهذا الكتاب اشتمل بالإضافة إلى الآثار على أقوال كثيرة لسفيان الثوري وفتاويه [استفدنا هذا من تحقيق الدكتور عاصم حسن صبري لكتاب الزهد للمعافى بن عمران الموصلي (ت ١٨٥ هـ)، وهو أحد رواة (الجامع) عن سفيان].
ووصل إلينا أيضًا مصنفات لعبد الله بن المبارك (١١٨ – ١٨١ هـ) ككتاب (الزهد) وكتاب (الجهاد)، وكلاهما مطبوع.
وقال ابن حجر: ثم تلا المذكورين -أي أتباع التابعين الذين بدأوا التصنيف- كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعضُ الأئمة أن تفرد أحاديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف مُسَدَّد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا، ثم اقتفى الأئمة آثارهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة [تدريب الراوي، للسيوطي (١/ ٨٩)، نقلًا عن ابن حجر].
والمسند هو:
كتاب يجمع فيه صاحبه ما رواه كل صحابي على حدة، فيبدأ مثلًا بما رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ﷺ، ثمَّ ما رواه عمر، ثم ما رواه عثمان، ثم ما رواه علي، وهكذا، ولا يكون ترتيبًا على الأبواب الفقهية.
وقد صنف المسند بالإضافة إلى من ذكرهم ابن حجر:
– أبو داود الطيالسي (١٣٣ – ٢٠٤ هـ)، بل قال الحاكم، والخليلي في (الإرشاد): أنَّ أولَّ من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالبصرة: أبو داود الطيالسي، وبالكوفة عبيد الله بن موسى [الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليل بن عبد الله بن الخليل الخليلي القزويني (١٤٩).
وقول الحاكم نقله عنه ابن رجب في شرح علل الترمذي (١/ ٤٠)].
– وكذلك صنف الحميدي (ت ٢١٩ هـ)، وهو من شيوخ البخاري مسندًا، وكثير من هذه المسانيد مطبوعة ومتداولة.
ثم دخل القرن الثالث للهجرة، وهو العصر الذهبي لتدوين السنة النبوية الشريفة، وما انخرم هذا القرن إلا والسنة النبوية قد دُونت بالكامل تقريبًا، فما من إمام من أئمة الحديث الحفاظ إلا وصنف كتابًا يجمع فيه أحاديث النبي ﷺ، التي سمعها بالأسانيد إلى رسول الله ﷺ.
وكان من أبرز وأشهر من دون السنة في هذا العصر: إمام المحدثين، وجبل الحفظ وقدوة العلماء، العالم الرباني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ – ٢٥٦ هـ).
ورأى أن يفرد صحيح الأحاديث بكتاب، فصنف كتابه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) [ذكر هذا الاسم ابن حجر في مقدمة فتح الباري (١٥)، وذكر النووي في (تهذيب الأسماء واللغات) (١/ ٧٣)، أن اسمه (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)]، وهو المشهور بـ (صحيح البخاري)، وكان مَمَّا قوَّى عزمه على تأليف هذا الكتاب: أنه كان يومًا عند شيخه إسحاق بن راهويه، فقال إسحاق: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ.
قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع (الجامع الصحيح) [مقدمة فتح الباري (٩)].
قال الإمام النسائي: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل [مقدمة فتح الباري (١٢)].
ثم تلاه صاحبه وتلميذه: الإمام الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (٢٠٤ – ٢٦١)، وسار على دربه، ونسج على منواله، وأفرد الأحاديث الصحيحة بكتاب، وهو المشهور بـ (صحيح مسلم)، ولكن البخاري ومسلم -كلاهما- لم يستوعبا الصحيح كله. فعن إبراهيم بن معقل قال: سمعتُ البخاري يقول: ما أدخلتُ في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح لحال الطول [أخرجه الحافظ المزي في تهذيب الكمال (٢٤، ٤٤٢)].
وكذلك مسلم لم يستوعب كل الصحيح، قال النووي:
اتفق العلماء على أنَّ أصح الكتب بعد القرآن العزيز: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أنَّ مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنَّه ليس له نظير في علم الحديث [شرح صحيح مسلم للنووي (١، ١٤)].
وقال ابن كثير: أول من اعتنى بجمع الصحيح: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه مسلم بن الحجاج، فهما أصح كتب الحديث [الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (١٠٢ – ١٠٣)].
وصنف أيضًا -مع البخاري ومسلم في هذا العصر- أصحاب السنن الأربعة سننهم، وهي: (سنن أبي داود) لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢ – ٢٧٥)، و(سنن الترمذي) أو (جامع الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٢١٠ – ٢٧٩)، و(سنن ابن ماجه) لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (٢٠٩ – ٢٧٣)، المعروف بابن ماجه، و(سنن النسائي) لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وقد اختصره ابن السُّنِّي وهو تلميذ النسائي وسمَّاه (المجتبى) كما قال الذهبي [سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٥٦)].
وهذه الكتب الأربعة جمعت الصحيح والضعيف، ويطلق عليها: كتب السنن، ويطلق عليها مع الصحيحين: الكتب الستة، وهي أشهر كتب السنة، بالإضافة إلى (موطأ) مالك، ومسند أحمد بن حنبل.
وممن صنف أيضًا في هذا العصر الذهبي غير أصحاب الكتب الستة:
– الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (١٨١ – ٢٥٥)، وكتابه معروف بـ (سنن الدارمي).
– وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي (٢١٠ – ٣٠٧)، وكتابه معروف بـ (مسند أبي يعلى).
– وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (٢٢٣ – ٣١١)، وكتابه معروف بـ (صحيح ابن خزيمة).
– وتبعه تلميذه: أبو حاتم محمد بن حبان التميمي السجستاني (ت ٣٥٤ هـ)، وكتابه يُعرف بـ (صحيح ابن حبان).
لكن قال العلماء: إنَّ كتابهما لا يبلغان مبلغ البخاري ومسلم، فقد اشترطا الصحة ولكنهما تساهلا في الحكم بالصحة على أحاديث كثيرة.
وصنف خلق كثير غير هؤلاء في هذا العصر، ثم تبعهم أئمة حفاظ آخرون.
فمنهم الطبراني (٢٦٠ هـ-٣٦٠ هـ)، فقد صنف معاجمه الثلاث: (المعجم الكبير)، و(المعجم الأوسط)، و(المعجم الصغير)، وغير ذلك من الكتب.
والدارقطني (٣٠٦ – ٣٨٥ هـ)، وكتابه معروف (بسنن الدارقطني).
ثم صنف أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بالحاكم (ت ٤٠٥ هـ) (المستدرك على الصحيحين).
وتبعه تلميذه: أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ – ٤٥٨ هـ)، وصنف (السنن الكبرى)، و(السنن الصغير)، وغير ذلك كثير من الكتب، وهذه هي أشهر كتب السنة التي جمعت حديث رسول الله ﷺ، وهناك مئات أخرى من الكتب ما بين مسانيد ومعاجم، وسنن وصحاح، وجوامع وأجزاء حديثية لا يتسع المجال لذكرها، والحمد لله رب العالمين.
وبهذا يتبين بجلاء من خلال هذه المراحل اتصال النقل إلى النبي ﷺ، فلم يُنْقل كلام عنه إلا بإسناد، ووضع العلماء القواعد لتمييز الأسانيد، صحيحها من سقيمها، وبهذا اختصت هذه الأمة بأنها أمة الإسناد، فليس بينها وبين نبيها سقط أو انقطاع، والحمد لله رب العالمين.
الوجه السابع: وجود ضوابط وأسس حتى تقبل بها الروايات، ومنها:
١ – المعارضة: وهي مقابلة المكتوب -بالسماع من الشيخ المروي عنه- مرة أخرى مع الشيخ، بأن يقرأ عليه ما كتب؛ حتى يُجيزه الشيخ به، وتلك سنة أخذها المحدثون من النبي ﷺ حتى قال في مرض موته: «إن جبريل كان يُعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي …..». [رواه البخاري (٢٤٥٠)، والمعارضة: القابلة في القراءة عن ظهر قلب].
بل إن أنس بن مالك رضي الله عنه كان له كتاب عن النبي ﷺ كتبه عنه، وعرضه عليه، كما في مستدرك الحاكم، وقد مر منذ قليل.
حتى عقد الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع قال فيه [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ١٥٤)، وانظر: التقييد والإيضاح (١/ ٢٢٠)]: باب وجوب المعارضة بالكتاب لتصحيحه، وإزالة الشك والارتياب، ثم قال: يجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يُعارض نسخته بالأصل، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع.
ثم روى بسنده عن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: كتبت؟ قال: قلت: نعم، قال عارضت؟ قلت: لا، قال: فلم تكتب!
٢ – حفظ الكتاب، وذلك بأمرين: الأول: صيانته ألا تصل له يد، وقد مر أن عبد الله بن عمرو كان له صندوق له حلق يحفظ فيه كتابه، وكان علي يحفظ كتابه في قراب سيفه، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًا يتخذ لكتابه عرى وأزرارًا؛ حفظًا له [تذكرة الحفاظ (١/ ٩٣)، توثيق السنة (٦٢)].
الثاني: حفظه حفظ الصدر، فقد كان قتادة يحفظ صحيفة جابر رضي الله عنه.
أقول: ثم كان بعد ذلك أول جمع للسنة يُراد به الاستقصاء؛ خوفًا من أن يندرس العلم ويضيع، وذلك في سنة مئة أو نحوها، حيث بعث عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بأمر لابن شهاب الزهري أن يدون سنة النبي ﷺ، وبعث به إلى كل أرض له عليها سلطان. [فتح الباري (١/ ٢٥١، ١١٣)].
وبعثه لأبي بكر بن حزم الأنصاري: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ﷺ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا [البخاري ١/ ٤٩، والدارمي في المقدمة (١/ ١٣٧)، والخطيب في تقييد العلم (١/ ١٠٥، ١٠٦)].
خلاصة ما مر:
١ – كتابة السنة كانت موجودة في عصر الصحابة والتابعين، وقلَّ تابعي لم يكن له كتاب.
٢ – تدوين السنة بمعنى جمعها وتصنيفها بدأ في نهاية القرن الهجري الأول.
٣ – أن التدوين المعني في الفقرة السابقة هو: التأليف والترتيب، وذلك ما عناه علماء الإسلام بقولهم: أول مَن دوّن السنن ابن شهاب الزهري، ولذا قال الحافظ في الفتح: وأول مَن دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير [فتح الباري ١/ ٢٠٨].
٤ – أن جمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قام على أسس الرواية الشفاهية، وهذا الجمع الذي جمعه الصحابة والتابعون. [موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام ، (7/ 77 – 106)، بتصرف يسير].
فائدة:
– المسلمون لديهم أقوى الأسانيد وأحفظها، ومما يوضح هذه الجملة ما جاء في كتاب موجود في التراث اطلعت عليه: (جهود علماء المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها)
– وأما أهل الكتاب فأقرب سند عندهم فيه سقط ثلاثون رجلاً
تميز هذه الأمة بالإسناد والرواية عن غيرها من أهل الكتاب والأهواء والبدع
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مُتَمَيِّزًا بِنَفْسِهِ – لِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْإِعْجَازِ الَّذِي بَايَنَ بِهِ كَلَامَ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ وَكَانَ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ – لَمْ يَطْمَعْ أَحَدٌ فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَحُرُوفِهِ؛ وَلَكِنْ طَمِعَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُدْخِلَ التَّحْرِيفَ وَالتَّبْدِيلَ فِي مَعَانِيهِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، وَطَمِعَ أَنْ يُدْخِلَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ النَّقْصِ وَالِازْدِيَادِ مَا يُضِلُّ بِهِ بَعْضَ الْعِبَادِ. فَأَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَهَابِذَةَ النُّقَّادَ أَهْلَ الْهُدَى وَالسَّدَادِ، فَدَحَرُوا حِزْبَ الشَّيْطَانِ، ….. وللمحدثين مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، وَالتَّضْعِيفِ وَالتَّصْحِيحِ مِنْ السَّعْيِ الْمَشْكُورِ وَالْعَمَلِ الْمَبْرُورِ مَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الدِّينِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ إحْدَاثِ الْمُفْتَرِينَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ، مِنْهُمْ الْمُقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَالدِّرَايَةِ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ فِيهِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَعَانِيهِ. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ مَنْ شَهِدَ لِمَنْ غَابَ، وَدَعَا لِلْمُبَلِّغِينَ بِالدُّعَاءِ الْمُسْتَجَابِ، فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً؛ وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ؛ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ﴾ . وَقَالَ أَيْضًا فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ﴿أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ﴾ . وَقَالَ أَيْضًا: ﴿نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ؛ ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ . وَفِي هَذَا دُعَاءٌ مِنْهُ لِمَنْ بَلَّغَ حَدِيثَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا وَدُعَاءٌ لِمَنْ بَلَّغَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ أَفْقَهَ مِنْ الْمُبَلِّغِ؛ لِمَا أُعْطِيَ الْمُبَلِّغُونَ مِنْ النَّضْرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: لَا تَجِدُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ؛ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ: نَضَرَ وَنَضُرَ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يُعَظِّمُونَ نَقَلَةَ الْحَدِيثِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا رَأَيْت رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَكَأَنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَقَامِ الصَّحَابَةِ مِنْ تَبْلِيغِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا أَهْلُ الْحَدِيثِ حَفِظُوا فَلَهُمْ عَلَيْنَا الْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا لَنَا اهـ.
مجموع الفتاوى ١/٦ – ١١
[تنبيه]:
سبق الحديث عن السنة وحجيته وخدمته والرد على بعض الشبه في فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند (1223).