97 – فتح رب البرية بينابيع الحكمة من أقوال الأئمة
جمع طلاب علم
وتنسيق أحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
(3241): ﴿وَالَّذينَ إِذا فَعَلوا فاحِشَةً أَو ظَلَموا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاستَغفَروا لِذُنوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَم يُصِرّوا عَلى ما فَعَلوا وَهُم يَعلَمونَ﴾ [آل عمران: 135]
تيسير الكريم الرحمن (السعدي):
ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم فقال:
﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾؛ أي: صدر منهم أعمال سيئة كبيرة أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم وما توعد به العاصين، ووعد به المتقين فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، فلهذا قال: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾.
______
(3242): *لماذا يجترئ عليك الإنس والجن وغيرهما من المخلوقات؟*
قال ابن القيم -رحمه الله-:
ومن عقوباتها -أي المعاصي- : أنّها تُجرّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات. فيجترئ عليه الشياطين بالأذى ، والإغواء، والوسوسة، والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما مصلحتُه في ذكره،
ومضرّتُه في نسيانه؛ فتجترئ عليه الشياطين حتّى تؤزه إلى معصية الله أزًا.
ويجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره. ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه، حتّى الحيوان البهيم! قال بعض السلف: إنّي لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابّتي. وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله . وكذلك تجترئ عليه نفسُه، فتتأسد عليه، وتستصعب عليه ، فلو أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تنقَدْ له. وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.
الداء والدواء ٢١٢/١
______
(3243): *موافقة الإخوان*
ومنها قلة مخالفة الإخوان في أسباب الدنيا، لأنها أقل خطرًا من أن يخالف فيها أخ من الأخوان. قال يحيى بن معاذ الرازي: *(الدنيا بأجمعها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم طول عمرك وقطع إخوانك بسببها، مع قلة نصيبك منها!!)*.
آداب العشرة ٣٨/١
______
(3244): قال الهيثم بن جمّار:
كانت لي امرأة لا تنام اللّيل، وكنت لا أصبر معها على السّهر، فكنت إذا نعست ترشّ عليّ الماء في أثقل ما أكون من النّوم، وتنبّهني برجلها، وتقول: ما تستحي من الله! لِمَ هذا الغطيط، فوالله إن كنت لاستحي ممّا تصنع.
[موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٢].
______
(3245): قال ابن القيم رحمه الله:
من عفا عفا الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه الله في إساءته، ومن أغضى وتجاوز تجاوز اللهُ عنه، ومن استقصىٰ استقصىٰ اللهُ عليه.
فالله عزّ وجلّ يُعامِلُ العبدَ في ذنوبه بمثل ما يعامِلُ به العبدُ النَّاسَ في ذنوبهم.
مفتاح دار السعادة (٢/ ٨٢٦-٨٢٧) .
______
(3246): قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله:
فإذا أخبر المعصوم ﷺ بنزوله – ﷻ – إلى السماء الدنيا، فما عذر المؤمن إذا لم يعتقد ما أخبر به ﷺ، وأنه ليس كمثله شيء فهو ينزل كيف شاء مع كمال علوه، فإن علوه من صفاته الذاتية، ونزوله وإتيانه من أفعاله الاختيارية التابعة لقدرته ومشيئته.
[فتح الرحيم الملك العلام 62]
______
(3247): قال ابن القيم رحمه الله :
لَا تَصِحُّ لَكَ دَرَجَةُ التَّوَاضُعِ حَتَّى تَقْبَلَ الْحَقَّ مِمَّنْ تُحِبُّ وَمِمَّنْ تُبْغِضُ
مدارج السالكين (٢/٣٢١)
______
(3248): قال عَليٌّ رَضِيَ الله عنه :
كُنْ من خمسةٍ على حَذَرٍ:
– من لئيمٍ إذا أكرَمْتَه
– وكريمٍ إذا أهَنْتَه
– وعاقِلٍ إذا أحرَجْتَه
– وأحمَقَ إذا مازَحْتَه
– وفاجرٍ إذا مازَجْتَه
((الآداب الشرعية)) لابن مفلح (1/311).
______
(3249): قالَ سَهل بن عبدالله التّستري رَحِمَهُ ٱلله:
الصَّلاة على النَّبيّ مُحَمَّد ﷺ أفضَلُ العبادات؛ لأنَّ اللهَ تعالى توَلّاها هو ومَلائكَتُه، ثُمَّ أمرَ بها المُؤمِنين، وسائِر العبادات ليسَ كذلك.
تفسير القرطبي (٢١٨/١٧).
______
(3250): سُئل العلامة ابن باز رحمه الله:-
كيف يتخلص الإنسان من قسوة القلب ؛وماهي أسبابه؟
أسباب قسوة القلب الذنوب والمعاصي؛ وكثرة الغفلة؛ وصحبة الغافلين والفساق، كل هذه الخلال من أسباب قسوة القلوب، ومن لين القلوب وصفائها وطمأنينتها؛ طاعة الله جل وعلا وصحبة الأخيار، وحفظ الوقت بالذكر وقراءة
القرآن ،والاستغفار، ومن حفظ وقته بذكر الله وقراءة القرآن وصحبة الأخيار والبعد عن صحبة الغافلين والأشرار يطيب قلبه ويلين قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَينُ الْقُلُوبُ} .
مج ٢٤٤/٥…
______
(3251): فائدة في فضل الصيام :
قال العلامة العثيمين رحمه الله :
… إذا كان يوم القيامة، وكان على الإنسان الصائم مظالم للعباد، فإنه يُؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه شيء، لأنه لله عزَّ وجلَّ وليس للإنسان، وهذا معنى جيد، أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه ولا يُؤخذ منه لمظالم الخَلْق شيء، كما ورد ذلك عن بعض العلماء في معنى اختصاص الله تبارك وتعالى لعبادة الصيام
( شرح رياض الصالحين : ص ٢٦٦ )
______
(3252): قال العلامة الألباني :
إذا صام الصائم ولم يتغيَّر وضعه عما كان عليه قبل الصيام، فهذا الصيام ناقص ولا شك .
(جامع تراث الألباني في الفقه17/309)
______
(3253): هل يصح صيام من تستعمل الحبوب التي تقطع الدم في أيام الحيض والنفاس؟
قال ابن باز رحمه الله:
إذا استعملت المرأة ما يقطع الدم من حبوب أو إبر فانقطع الدم بذلك واغتسلت، فإنها تعمل كما تعمل الطاهرات، وصلاتها صحيحة، وصومها صحيح. مجموع الفتاوى (15/ 200)
ما حكم استعمال المرأة الحبوب التي تقطع الدم في أيام الحيض والنفاس لكي تصوم ؟
قال ابن باز رحمه الله:
لا أرى في هذا بأسا إذا كان لا يضرهن ذلك، ولا أعلم في ذلك حرجا؛ لأن لهن في هذا مصلحة كبيرة في الصيام مع الناس ولعدم القضاء بعد ذلك .
مجموع الفتاوى (15/ 201)
______
(3254): هل يحتاج الصائم الى تجديد النية في كل ليلة؟
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية كما في ” مجموع الفتاوى” ( ٢٥/ ٢١٥):
*كل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى صومه سواء تلفظ بالنية أو لم يتلفظ*.
وهذا فعل عامة المسلمين كلهم ينوي الصيام.
و قال ابن عثيمين رحمه الله : القول الراجح أن نية صيام رمضان في أوله كافية لا يحتاج إلى تجديد النية لكل يوم، اللهم إلا أن يوجد سبب يبيح الفطر، فيفطر في أثناء الشهر، فحينئذ لابد من نية جديدة للصوم.
مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد التاسع عشر – كتاب الصيام.
______
(3255): أخرج البيهقي (٢/ ٤٦٦) بإسناد صحيح عن ابن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع، والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، أيعذبني الله على الصلاة؟
قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. اهـ.
قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني -رَحِمَهُ اللهُ- في “الإرواء” (٢/ ٢٣٦): “وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وهو سلاحٌ قويٌّ على المبتدعة الذين يَسْتَحْسِنُونَ كثيرًا من البدع باسم أنها ذِكرٌ وصلاة، ثم ينكرون على أهل السنة انكار ذلك عليهم، ويتَّهِمُونَهُم بأنهم ينكرون الذِّكرَ والصلاة!! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذكر والصلاة ونحو ذلك” اهـ.
______
(3256): ٤٧٥٥ – عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي رِيَاحٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُكَرِّرُ الرُّكُوعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ»
المصنف – عبد الرزاق – ت الأعظمي ٣/٥٢ — عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١)
روى عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان عن أبي رباح عن سعيد بن المسيب وذكره، ورواه البيهقي في سننه الكبرى، والظاهر أن معنى تكرير الركوع والسجود المذكور في رواية عبد الرزاق، وإكثار الركوع والسجود الوارد في رواية البيهقي، هو تكثير الركعات فيصلي أكثر من ركعتين بعد طلوع الفجر، وقد ورد في النهي عن ذلك حديث في صحته خلاف بين أهل العلم، وهذا المعنى الذي ذكرناه هو الذي حمله عليه البيهقي في المعرفة فقد قال ما عبارته:
وروينا في حديث صحيح عن حفصة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين. وروينا عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر. ورويناه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن سعيد، أنه نهى عن ذلك، فقيل: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة ؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. انتهى.
معرفة السنن والآثار ٣/٤٤٣ — أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨)
ويؤيد هذا أثر سعيد: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي رَبَاحٍ شَيْخٌ مِنْ آلِ عُمَرَ قَالَ: ” رَأَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ الرَّكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ، فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ: أَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ اللَّهُ بِخِلَافِ السُّنَّةِ»
[تعليق المحقق] إسناده جيد
مسند الدارمي – ت حسين أسد ١/٤٠٤ — الدارمي، أبو محمد (ت ٢٥٥)
______
(3257): ﴿وَلَا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا لَمۡ یُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقࣱۗ وَإِنَّ ٱلشَّیَـٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤىِٕهِمۡ لِیُجَـٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]
قال العلامة السعدي رحمه الله:
…ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم، لا تدل –بمجردها على أنها حق، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله. فإن شهدا لها بالقبول قبلت، وإن ناقضتهما ردت، وإن لم يعلم شيء من ذلك، توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب، لأن الوحي والإلهام، يكون الرحمن ويكون من الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين، حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله.
تفسير السعدي
______
(3258): مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ وَرَّاقٌ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ قَالَ رجل لمَالِك من أَيْن قَالَ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا قَالَ فَإِنْ زِدْتُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ قَالَ وَمَا فِي هَذَا مِنَ الْفِتْنَةِ إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذين يخالفون﴾ الْآيَة قَالَ وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا قَالَ وَأَيُّ فِتْنَةٍ أعَظْمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ أَصَبْتَ فَضْلًا قَصَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ تَرَى أَنَّ اخْتِيَارَكَ لِنَفْسِكَ خَيْرٌ مِنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ واخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ذم الكلام وأهله ٣/١١٥
* * *
______
(3259): قال السعدي -رحمه الله-:
فوالله لترك كل شهوة ولذة وإن عسر تركها على النفس في هذه الدار أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح..
تيسير الكريم الرحمن ١/١٢٨
______
(3260): قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: من غریب وعجيب ما حكي عن “محمد بن منصور” أنه باع دابة له لرجل.. وبعد أيام جاءه ذلك الرجل.. فقال له : يا سيدي إن الدابة التي اشتريتها منك لا تأكل عندي شيئا، فنظر إليه الشيخ فقال: ما تعاني من الصنائع؟ – يعني ماذا تعمل في مهنتك وصنعتك ؟ – فقال له : رقّاص ..! فقال له الشيخ :
” إن دابتنا لا تأكل الحرام، ودخل منزله فأعطاه دراهمه واسترد دابته. ”
البداية والنهاية (456/17).
______
(3261): قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رحمه الله: وَقَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم خَلْقٌ كَثِيرٌ فَمِنْهُمْ مَنْ عَدَلَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ فِيمَا يَجِبُ لِلَّهِ عز وجل عَلَيْهِ وَأَسْرَفَ، وَقَدْ وَرَدَ الْجَمِيعُ إِلَى اللَّهِ عز وجل وَهُوَ أَحْكُمُ الْحَاكِمِينَ، وَقَدْ أَمَرَنَا نَحْنُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَبِالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ، وَبِالْجِهَادِ مَعَهُمْ، وَبِالْحَجِّ مَعَهُمْ، مَعَ الْبَرِّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ، وَالْعَدْلِ مِنْهُمْ وَالْجَائِرِ، وَلَا نَخْرُجُ عَلَيْهِمْ، وَالصَّبْرِ ⦗١٧٠٩⦘ حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عز وجل، قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مَا تَقُولُ فِي أُمَرَائِنَا هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْحَسَنُ: «مَا عَسَى أَنْ أَقُولَ فِيهِمْ، هُمْ لِحَجِّنَا، وَهُمْ لِغَزْوِنَا، وَهُمْ لِقَسْمِ فَيْئِنَا، وَهُمْ لِإِقَامَةِ حُدُودِنَا، وَاللَّهِ إِنَّ طَاعَتَهُمْ لَغَيْظٌ، وَإِنَّ فُرْقَتَهُمْ لَكُفْرٌ، وَمَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِمْ أَكْثَرُ مِمَّا يُفْسِدُ» وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ خَارِجِيًّا خَرَجَ بِالْحَرِيبَةِ، فَقَالَ: «الْمِسْكِينُ رَأَى مُنْكَرًا فَأَنْكَرَهُ، فَوَقَعَ فِيمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ»
الشريعة للآجري ٤/١٧٠٨ — الآجري (ت ٣٦٠)
______
(3262): إِنَّ اللَّهَ عز وجل قَالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعَبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ-رحمه الله- *فَقَدْ وَاللَّهِ أَنْجَزَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ، جَعَلَهُمُ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَكَّنَهُمْ فِي الْبِلَادِ، وَفَتَحُوا الْفُتُوحَ، وَغَنِمُوا الْأَمْوَالَ، وَسَبَوْا ذَرَارِيَّ الْكُفَّارِ، وَأَسْلَمَ فِي خِلَافَتِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَاتَلُوا مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَجْلَوْهُمْ، وَرَجَعَ بَعْضُهُمْ، كَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه فَكَانَ سَيْفُهُ فِيهِمْ سَيْفَ حَقٍّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَةُ الرَّابِعُ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه كَانَ سَيْفُهُ فِي الْخَوَارِجِ سَيْفَ حَقٍّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَأَعَزَّ اللَّهُ الْكَرِيمُ دِينَهُ بِخِلَافَتِهِمْ، وَأَذَلُّوا الْأَعْدَاءَ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، وَسَنُّوا لِلْمُسْلِمِينَ السُّنَنَ الشَّرِيفَةَ، وَكَانُوا بَرَكَةً عَلَى جَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.*
الشريعة للآجري ٤/١٧٠٢
______
(3263): ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقونَ﴾ [النور: 55]
تيسير الكريم الرحمن (السعدي):
هذا من أوعاده الصادقةِ التي شوهِدَ تأويلُها ومَخْبَرُها؛ فإنَّه وعد مَنْ قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة أن يَسْتَخْلِفَهم في الأرض، يكونونَ هم الخلفاءَ فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكِّن ﴿لهم دينَهُمُ الذي ارتضى لهم﴾، وهو دينُ الإسلام الذي فاقَ الأديانَ كلَّها، ارتضاه لهذه الأمة لفضلِها وشرفِها ونعمتِهِ عليها بأن يتمكَّنوا من إقامتِهِ وإقامةِ شرائعِهِ الظاهرةِ والباطنةِ في أنفسهم وفي غيرِهم؛ لكونِ غيرِهم من أهل الأديان وسائرِ الكفَّار مغلوبينَ ذليلينَ، وأنَّه يبدِّلُهم [أمنًا] ﴿من بعدِ خوفِهم﴾؛ الذي كان الواحد منهم لا يتمكَّنُ من إظهار دينِهِ وما هو عليه إلاَّ بأذى كثيرٍ من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلينَ جدًّا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهُم أهلُ الأرض عن قوسٍ واحدةٍ، وبَغَوْا لهم الغوائلَ، فوعَدَهم الله هذه الأمورَ وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلافَ في الأرض والتمكينَ فيها والتمكينَ من إقامةِ الدين الإسلاميِّ والأمنَ التامَّ بحيثُ يعبُدون الله ولا يشرِكون به شيئًا ولا يخافون أحدًا إلاَّ الله، فقام صدرُ هذه الأمة من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقُ على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد، وفُتِحَتْ مشارقُ الأرض ومغاربُها، وحصل الأمنُ التامُّ والتمكين التامُّ؛ فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزالُ الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح؛ فلا بدَّ أن يوجَدَ ما وَعَدَهُم الله، وإنَّما يسلِّطُ عليهم الكفار والمنافقين ويُديلُهم في بعض الأحيان بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح. ﴿ومَن كَفَرَ بعد ذلك﴾: التمكين والسلطنة التامَّة لكم يا معشرَ المسلمينَ، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾: الذين خرجوا عن طاعة الله وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكنْ فيهم أهليَّةٌ للخير؛ لأنَّ الذي يَتْرُكُ الإيمانَ في حال عزِّه وقهرِهِ وعدم وجودِ الأسباب المانعة منه يدلُّ على فساد نيَّته وخُبث طويَّته؛ لأنَّه لا داعي له لترك الدين إلاَّ ذلك.
ودلت هذه الآية أنَّ الله قد مكَّن مَنْ قبلَنا واستخلَفَهم في الأرض؛ كما قال موسى لقومه: ﴿ويَسْتَخْلِفكُم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كيف تعملونَ﴾، وقال تعالى:
﴿ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استُضْعِفوا في الأرض [ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين] ونمكِّنَ لهم في الأرض﴾.
______
(3264): ٧٨٧ – قال الإمام الترمذي ﵀ (ج ٧ ص ٣٩٥): حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ يَحْيَى عَنْ [ص: ٦١٤] أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ ثُمَّ الْحُبُلِيِّ قَال سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «إِنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَقَالَ فَإِنَّكَ لَا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيْءٌ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ أخبرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَامِرِ بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ بمعناه، وَالْبِطَاقَةُ الْقِطْعَةُ.
هذا حديث صحيحٌ.
والحديث أخرجه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٤٣٧).
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين ١/٦١٣
______
(3265): قال التابعي الجليل محمد بن واسع رحمه الله :
ما بقِيَ فِي الدُّنْيا شَيْءٌ أُلَذُّ بِهِ ،
إِلاَّ الصَّلاَةَ جَماعَةً وَلُقَى الإِخْوَان
[«عبد الله في زوائد الزهد»(١٨٤٧)]
______
(3266): قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
”الفرق بين أهل السُّنَّة وأهل البدع، أهل السُّنَّة يتركون أقوال الناس لأجل السُّنَّة، وأهل البدع يتركون السُّنَّة لأجل أقوال الناس”.
الصواعق المرسلة (٤ / ١٦٠٣).
______
(3267): قال العلامة ابن باز رحمه الله:
فينبغي للمؤمن الحذر من الكبائر، بل يجب عليه الحذر من كبائر الذنوب ؛ لأنها تمنع المغفرة إلا لمن تاب منها، و يجتهد في أنواع الخير، لما فيها من الحسنات العظيمة، وإطلاق اللسان بالذكر والبعد عن مشابهة الغافلين.
شرح رياض الصالحين ( 4/ 134).
______
(3268): ﴿أُولئِكَ الَّذينَ يَدعونَ يَبتَغونَ إِلى رَبِّهِمُ الوَسيلَةَ أَيُّهُم أَقرَبُ وَيَرجونَ رَحمَتَهُ وَيَخافونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحذورًا﴾ [الإسراء: 57]
تيسير الكريم الرحمن (السعدي):
ثم أخبر أيضًا أنَّ الذين يعبُدونهم من دون الله في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه؛ فقال: ﴿أولئك الذين يَدْعونَ﴾: من الأنبياء والصالحين والملائكة، ﴿يَبْتَغون إلى ربِّهم الوسيلةَ أيُّهم أقربُ﴾؛ أي: يتنافسون في القرب من ربِّهم، ويبذُلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة المقرِّبة إلى الله تعالى وإلى رحمتِه، ﴿ويخافون عذابَه﴾: فيجتنبون كلَّ ما يوصِلُ إلى العذاب. ﴿إنَّ عذاب ربِّك كان محذورًا﴾؛ أي: هو الذي ينبغي شدَّة الحذر منه والتوقِّي من أسبابه. وهذه الأمور الثلاثةُ الخوف والرجاء والمحبَّة التي وَصَفَ الله بها هؤلاء المقرَّبين عنده هي الأصل والمادَّة في كلِّ خير؛ فمن تَمَّتْ له؛ تَمَّتْ له أموره، وإذا خلا القلبُ منها؛ ترحَّلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور.
*وعلامة المحبَّة ما ذَكَرَهُ الله أن يجتهد العبدُ في كلِّ عَمَلٍ يقرِّبُه إلى الله، وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلِّها لله، والنُّصح فيها وإيقاعها في أكمل الوجوه المقدور عليها؛ فمن زعم أنه يحبُّ الله بغير ذلك؛ فهو كاذب.*
[٢٢/٢، ٩:٢١ ص] عمر الشبلي عمان: وفي هذه الآيات دليلٌ على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنَّه [ينبغي له أن] لا يزال متملِّقًا لربِّه أن يثبته على الإيمان ساعيًا في كلِّ سبب موصل إلى ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ – وهو أكمل الخلق – قال الله له: ﴿ولولا أن ثَبَّتْناك لقد كِدت تَرْكَنُ إليهم شيئًا قليلًا﴾؛ فكيف بغيره؟!
تفسير السعدي
______
(3269): قال ابن تيمية – رحمه الله – :
معاشرة الرجل الأجنبي للنسوةِ ومخالطتُهنَّ من أعظم المنكرات التي تأباها بعضُ البهائم ، فضلاً عن بني آدم.
|[ جامع المسائل (219/5) ]|
______
(3270): قال ابن القيم رحمه الله :
النعم ثلاثة :
نعمة حاصلة يعلم بها العبد .
ونعمة منتظــرة يرجـوهـــا .
ونعمة هو فيها لا يشعر بهـا .
[ الفوائد (٢٥٢/١ )].
______
(3271): قال ابن القيم رحمه الله :
القلوب المتعلقةُ بالشهوات محجوبةٌ عن الله بقدر تعلُّقها بها.
[الفوائد(١٤٢/١)].
______
(3272): قال ابن القيم رحمه الله :
العفيفُ على وجهِه حَلاوة، وفِي قَلبِه أُنْس، ومَن جالسَه استَأنسَ به.
[روضة المحبين(٤٩٦)].
______
(3273): ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ وَلَو كانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدوا فيهِ اختِلافًا كَثيرًا﴾ [النساء: 82]
يأمر تعالى بتدبُّر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه وتحديق الفكر فيه وفي مبادئِهِ وعواقبه ولوازم ذلك؛ فإنَّ في تدبُّر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يُسْتَنْتَجُ كلُّ خير وتستخرجُ منه جميعُ العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسَخُ شجرته؛ فإنَّه يعرِّف بالربِّ المعبود وما له من صفات الكمال وما يُنَزَّهُ عنه من سماتِ النقص، ويعرِّف الطريقَ الموصلة إليه وصِفَةَ أهلها وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدوَّ الذي هو العدوُّ على الحقيقة والطريقَ الموصلة إلى العذاب وصفة أهلها وما لهم عند وجود أسباب العقاب. وكلَّما ازداد العبد تأمُّلًا فيه؛ ازداد علمًا وعملًا وبصيرةً، لذلك أمر الله بذلك وحثَّ عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿كتابٌ أنزلناه إليك مُبارَكٌ ليدَّبَّروا آياتِهِ وليتذكَّرَ أُولو الألبابِ﴾؛ وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قُلوبٍ أقفالُها﴾.
ومن فوائدِ التدبُّر لكتاب الله أنَّه بذلك يصل العبدُ إلى درجة اليقين والعلم بأنَّه كلام الله؛ لأنَّه يراه يصدِّق بعضُه بعضًا، ويوافق بعضُه بعضًا، فترى الحِكَمَ والقصةَ والإخبارات تُعاد في القرآن في عِدَّة مواضع، كلُّها متوافقة متصادقة، لا ينقُض بعضُها بعضًا؛ فبذلك يُعلم كمال القرآن، وأنَّه من عند مَن أحاط علمُهُ بجميع الأمور؛ فلذلك قال تعالى: ﴿ولو كانَ مِن عندِ غيرِ الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾؛ أي: فلما كان من عند الله، لم يكن فيه اختلافٌ أصلًا.
تيسير الكريم الرحمن..
______
(3274): قال ابن منده -رحمه الله-:
وَالْعِبَادُ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ عَلَى قَدْرِ تَعْظِيمِ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْإِجْلَالِ لَهُ، وَالْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ.
الإيمان ١/٣٠٠
______
(3275): قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (١٣٣٠) عن شيخ الإسلام: «وكان إذا أُثنِي عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدِّد إسلامي كلَّ وقت، وما أسلمتُ بعد إسلامًا جيدًا».
______
(3276): ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أَنزَلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]
تيسير الكريم الرحمن (السعدي):
﴿الحمد﴾: هو الثناء عليه بصفاته التي هي كلُّها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينيَّة والدنيويَّة، وأجلُّ نعمه على الإطلاق إنزالُه الكتاب العظيم على عبده ورسوله محمدٍ ﷺ، فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشادُ العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم. ثم وَصَفَ هذا الكتاب بوصفين مشتملين على أنَّه الكامل من جميع الوجوه، وهما: نفي العِوَج عنه، وإثباتُ أنَّه مقيمٌ مستقيمٌ: فنفي العِوَج يقتضي أنَّه ليس في أخباره كذبٌ، ولا في أوامره ونواهيه ظلمٌ ولا عَبَثٌ. وإثبات الاستقامة يقتضي أنَّه لا يخبر ولا يأمر إلاَّ بأجلِّ الإخبارات، وهي الأخبار التي تملأ القلوب معرفةً وإيمانًا وعقلًا؛ كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدِّمة والمتأخِّرة، وأنَّ أوامره ونواهيه تزكِّي النفوس وتطهِّرها وتنمِّيها وتكمِّلها؛ لاشتمالها على كمال العدل والقِسْط والإخلاص والعبوديَّة لله ربِّ العالمين وحده لا شريكَ له. وحقيقٌ بكتابٍ موصوفٍ بما ذُكِر أن يَحْمَدِ الله نفسَه على إنزالِهِ، وأن يتمدَّح إلى عباده به.
______
(3277): قال أبو بكر الدينوري :
“قال بعْضُ الحُكَمَاءِ: مَنْ حَدَّثَ نَفْسَه بطول البَقَاءِ، فَليُوَطِّنْ نَفسَهُ عَلَى المصائب،ِ ومع الغفلة استِلاب النِّعم، وما أصغر المصيبة اليوم مع عِظَم الفتنة غدًا”
المجالسة وجواهر العلم (٢٧٤٦)
______
(3278): قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُنَاذِرٍ:
«كُنْتُ أَمْشِي مَعَ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ فَانْقَطَعَ شِسْعِي فَخَلَعَ نَعْلَهُ، فَقُلْتُ: مَا تَصَنْعُ؟ قَالَ: أُوَاسِيكَ فِي الْحَفَاءِ»
مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ١/٩٤ — ابن أبي الدني