7410 إلى 7415 – فتح الباري تحضير صحيح البخاري
مجموعة: أحمد بن علي وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأسامة والديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة.
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾
٧٤١٠ – حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، شَفِّعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى، عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ، عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الْخَيْرِ ذَرَّةً.»
٧٤١١ – حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ. وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ.»
٧٤١٢ – حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
٧٤١٣ – وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ»
٧٤١٤ – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ : «أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾» قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ.
٧٤١٥ – حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ : «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.»
——
قال ابن القيم رحمه الله :
اﻟﻮﺟﻪ اﻟﺤﺎﺩﻱ: ﻋﺸﺮ ﻟﻔﻆ اﻟﻴﺪ ﺟﺎء ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﻠﻰ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻧﻮاﻉ ﻣﻔﺮﺩا ﻭﻣﺜﻨﻰ ﻭﻣﺠﻤﻮﻋﺎ ﻓﺎﻟﻤﻔﺮﺩ ﻛﻘﻮﻟﻪ {ﺑﻴﺪﻩ اﻟﻤﻠﻚ} [ اﻟﻤﻠﻚ1]
ﻭاﻟﻤﺜﻨﻰ ﻛﻘﻮﻟﻪ {ﺧﻠﻘﺖ ﺑﻴﺪﻱ} [ ﺻ75]
ﻭاﻟﻤﺠﻤﻮﻉ ﻛﻘﻮﻟﻪ {ﻋﻤﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻨﺎ} [ ﻳﺲ71]
ﻓﺤﻴﺚ ﺫﻛﺮ اﻟﻴﺪ ﻣﺜﻨﺎﺓ ﺃﺿﺎﻑ اﻟﻔﻌﻞ ﺇﻟﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻀﻤﻴﺮ اﻹﻓﺮاﺩ ﻭﻋﺪﻯ اﻟﻔﻌﻞ ﺑﺎﻟﺒﺎء ﺇﻟﻴﻬﻤﺎ ﻓﻘﺎﻝ {ﺧﻠﻘﺖ ﺑﻴﺪﻱ}
ﻭﺣﻴﺚ ﺫﻛﺮﻫﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺃﺿﺎﻑ اﻟﻌﻤﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺪ اﻟﻔﻌﻞ ﺑﺎﻟﺒﺎء ﻓﻬﺬﻩ ﺛﻼﺛﺔ ﻓﺮﻭﻕ ﻓﻼ ﻳﺤﺘﻤﻞ {ﺧﻠﻘﺖ ﺑﻴﺪﻱ}
ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺎﺯ ﻣﺎ ﻳﺤﺘﻤﻠﻪ ﻋﻤﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻨﺎ ﻓﺈﻥ ﻛﻞ ﺃﺣﺪ ﻳﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ ﻋﻤﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻨﺎ ﻣﺎ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﻭﺧﻠﻘﻨﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﻔﻬﻢ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ {ﻓﺒﻤﺎ ﻛﺴﺒﺖ ﺃﻳﺪﻳﻜﻢ} [ اﻟﺸﻮﺭﻯ30]
ﻭﺃﻣﺎ ﻗﻮﻟﻪ {ﺧﻠﻘﺖ ﺑﻴﺪﻱ}
ﻓﻠﻮ ﻛﺎﻥ اﻟﻤﺮاﺩ ﻣﻨﻪ ﻣﺠﺮﺩ اﻟﻔﻌﻞ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺬﻛﺮ اﻟﻴﺪ ﺑﻌﺪ ﻧﺴﺒﺔ اﻟﻔﻌﻞ ﺇﻟﻰ اﻟﻔﺎﻋﻞ ﻣﻌﻨﻰ ﻓﻜﻴﻒ ﻭﻗﺪ ﺩﺧﻠﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﺒﺎء ﻓﻜﻴﻒ ﺇﺫا ﺛﻨﻴﺖ.
ﻭﺳﺮ اﻟﻔﺮﻕ ﺃﻥ اﻟﻔﻌﻞ ﻗﺪ ﻳﻀﺎﻑ ﺇﻟﻰ ﻳﺪ ﺫﻱ اﻟﻴﺪ ﻭاﻟﻤﺮاﺩ اﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻴﻪ ﻛﻘﻮﻟﻪ {ﺑﻤﺎ ﻗﺪﻣﺖ ﻳﺪاﻙ} [ اﻟﺤﺞ10]
{ﻓﺒﻤﺎ ﻛﺴﺒﺖ ﺃﻳﺪﻳﻜﻢ} [ اﻟﺸﻮﺭﻯ30]
ﻭﺃﻣﺎ ﺇﺫا ﺃﺿﻴﻒ ﺇﻟﻴﻪ اﻟﻔﻌﻞ ﺛﻢ ﻋﺪﻱ ﺑﺎﻟﺒﺎء ﺇﻟﻰ ﻳﺪﻩ ﻣﻔﺮﺩﺓ ﺃﻭ ﻣﺜﻨﺎﺓ ﻓﻬﻮ ﻣﺎ ﺑﺎﺷﺮﺗﻪ ﻳﺪﻩ ﻭﻟﻬﺬا ﻗﺎﻝ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﺨﻠﻖ ﺑﻴﺪﻩ ﺇﻻ ﺛﻼﺛﺎ ﺧﻠﻖ ﺁﺩﻡ ﺑﻴﺪﻩ ﻭﻏﺮﺱ ﺟﻨﺔ اﻟﻔﺮﺩﻭﺱ ﺑﻴﺪﻩ ﻭﺫﻛﺮ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻓﻠﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻴﺪ ﻫﻲ اﻟﻘﺪﺭﺓ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻬﺎ اﺧﺘﺼﺎﺹ ﺑﺬﻟﻚ ﻭﻻ ﻛﺎﻧﺖ ﻵﺩﻡ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﺑﺬﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺷﻲء ﻣﻤﺎ ﺧﻠﻖ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭﻗﺪ ﺃﺧﺒﺮ اﻟﻨﺒﻲ صلى الله عليه وسلم ﺃﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﻤﻮﻗﻒ ﻳﺄﺗﻮﻧﻪ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻓﻴﻘﻮﻟﻮﻥ ﻳﺎ ﺁﺩﻡ ﺃﻧﺖ ﺃﺑﻮ اﻟﺒﺸﺮ ﺧﻠﻘﻚ اﻟﻠﻪ ﺑﻴﺪﻩ ﻭﻧﻔﺦ ﻓﻴﻚ ﻣﻦ ﺭﻭﺣﻪ ﻭﺃﺳﺠﺪ ﻟﻚ ﻣﻼﺋﻜﺘﻪ ﻭﻋﻠﻤﻚ ﺃﺳﻤﺎء ﻛﻞ ﺷﻲء ﻓﺎﺷﻔﻊ ﻟﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻚ ﻓﺬﻛﺮﻭا ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻴﺎء ﻛﻠﻬﺎ ﺧﺼﺎﺋﺺ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﻭﺗﻔﻀﻴﻼ ﺑﻜﻮﻧﻪ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎ ﺑﺎﻟﻴﺪﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺃﻣﺮ ﺃﻥ ﻳﺴﺠﺪ ﻟﻪ ﻭﻓﻬﻢ ﺫﻟﻚ ﺃﻫﻞ اﻟﻤﻮﻗﻒ ﺣﻴﻦ ﺟﻌﻠﻮﻩ ﻣﻦ ﺧﺼﺎﺋﺼﻪ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺘﺴﻮﻳﺔ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﻗﻮﻟﻪ {ﺃﻭﻟﻢ ﻳﺮﻭا ﺃﻧﺎ ﺧﻠﻘﻨﺎ ﻟﻬﻢ ﻣﻤﺎ ﻋﻤﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻨﺎ ﺃﻧﻌﺎﻣﺎ} [ ﻳﺲ71]
ﺧﻄﺄ ﻣﺤﻀﺎ.
ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻗﻮﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﻓﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ اﻟﺼﺤﻴﺢ “ﻳﻘﺒﺾ اﻟﻠﻪ ﺳﻤﺎﻭاﺗﻪ ﺑﻴﺪﻩ ﻭاﻷﺭﺽ ﺑﺎﻟﻴﺪ اﻷﺧﺮﻯ” ﻭﻗﻮﻟﻪ “ﻳﻤﻴﻦ اﻟﻠﻪ ﻣﻸﻯ ﻻ ﻳﻐﻴﻀﻬﺎ ﻧﻔﻘﺔ ﺳﺤﺎء
اﻟﻠﻴﻞ ﻭاﻟﻨﻬﺎﺭ ﺃﺭﺃﻳﺘﻢ ﻣﺎ ﺃﻧﻔﻖ ﻣﻨﺬ ﺧﻠﻖ اﻟﺨﻠﻖ ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻐﺾ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻳﻤﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﺪﻩ اﻷﺧﺮﻯ اﻟﻘﺴﻂ ﻳﺨﻔﺾ ﻭﻳﺮﻓﻊ” ﻭﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ {ﻭﻗﺎﻟﺖ اﻟﻴﻬﻮﺩ ﻳﺪ اﻟﻠﻪ ﻣﻐﻠﻮﻟﺔ ﻏﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ ﻭﻟﻌﻨﻮا ﺑﻤﺎ ﻗﺎﻟﻮا ﺑﻞ ﻳﺪاﻩ ﻣﺒﺴﻮﻃﺘﺎﻥ}
الصواعق المرسلة
…..
[ اﻟﻤﺎﺋﺪﺓ64]
قال ابن تيمية رحمه الله:
«ﻓﺼﻞ ﻭﻗﺪ ﻭﺻﻒ اﻟﺒﺎﺭﺉ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﺑﺎﻟﻴﺪﻳﻦ، ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻟﻤﺎ ﺧﻠﻘﺖ ﺑﻴﺪﻱ}
[ ﺻ: 75]
ﻭﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﻗﺎﻟﺖ اﻟﻴﻬﻮﺩ ﻳﺪ اﻟﻠﻪ ﻣﻐﻠﻮﻟﺔ ﻏﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ ﻭﻟﻌﻨﻮا ﺑﻤﺎ ﻗﺎﻟﻮا ﺑﻞ ﻳﺪاﻩ ﻣﺒﺴﻮﻃﺘﺎﻥ ﻳﻨﻔﻖ ﻛﻴﻒ ﻳﺸﺎء}
[ اﻟﻤﺎﺋﺪﺓ: 64]
ﻗﺎﻝ: «ﻭﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺻﻔﺘﻴﻦ ﺫاﺗﻴﺘﻴﻦ ﺗﺴﻤﻴﺎﻥ ﻳﺪﻳﻦ» . ﻗﺎﻝ: «ﻭﺫﻫﺒﺖ اﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ ﻭﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ اﻷﺷﻌﺮﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ اﻟﻤﺮاﺩ ﺑﺎﻟﻴﺪﻳﻦ اﻟﻨﻌﻤﺘﻴﻦ، ﻭﺫﻫﺒﺖ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻨﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ اﻟﻤﺮاﺩ ﺑﺎﻟﻴﺪﻳﻦ ﻫﺎﻫﻨﺎ اﻟﻘﺪﺭﺓ» . ﻗﺎﻝ: «ﻭاﻟﺪﻻﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻛﻮﻧﻬﻤﺎ ﺻﻔﺘﻴﻦ ﺫاﺗﻴﺘﻴﻦ، ﺗﺰﻳﺪاﻥ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻌﻤﺔ ﻭﻋﻠﻰ اﻟﻘﺪﺭﺓ، ﺃﻧﺎ ﻧﻘﻮﻝ: اﻟﻘﺮﺁﻥ ﻧﺰﻝ ﺑﻠﻐﺔ اﻟﻌﺮﺏ، ﻭاﻟﻴﺪ اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻓﻲ ﻟﻐﺔ اﻟﻌﺮﺏ ﻭﻓﻲ ﻣﻌﺎﺭﻓﻬﻢ ﻭﻋﺎﺩاﺗﻬﻢ، اﻟﻤﺮاﺩ ﺑﻬﺎ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺻﻔﺔ ﺫاﺗﻴﺔ ﻟﻠﻤﻮﺻﻮﻑ، ﻟﻬﺎ ﺧﺼﺎﺋﺺ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﺼﺪ ﺑﻪ، ﻭﻫﻲ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ، ﻛﻤﺎ ﺛﺒﺖ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﺭﻓﻬﻢ اﻟﺼﻔﺔ اﻟﺘﻲ ﻫﻲ اﻟﻘﺪﺭﺓ، ﻭاﻟﺼﻔﺔ اﻟﺘﻲ ﻫﻲ اﻟﻌﻠﻢ، ﻛﺬﻟﻚ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﺼﻔﺎﺕ ﻣﻦ اﻟﻮﺟﻪ ﻭاﻟﺴﻤﻊ ﻭاﻟﺒﺼﺮ ﻭاﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ، ﻭﻫﺬا ﻫﻮ اﻷﺻﻞ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﺼﻔﺔ، ﻭﺃﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﻨﺘﻘﻠﻮﻥ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﻣﻤﺎ ﻳﻘﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻤﺠﺎﺯ ﺇﻻ ﺑﻘﺮﻳﻨﺔ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ، ﻓﺄﻣﺎ ﻣﻊ اﻹﻃﻼﻕ ﻓﻼ، ﻭﻟﻬﺬا ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻟﻔﻼﻥ ﻋﻨﺪﻱ ﻳﺪ. ﻓﻴﺮاﺩ ﺑﺬﻟﻚ ﻣﺎ ﻳﺼﻞ ﻣﻦ اﻹﺣﺴﺎﻥ ﺑﻮاﺳﻄﺔ اﻟﻴﺪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻓﻬﻢ ﺫﻟﻚ ﺑﺈﺿﺎﻓﺔ اﻟﻴﺪ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻟﻪ «ﻋﻨﺪﻱ» ….. ثم طول في تقرير ذلك ورد الشبه ” بيان تلبيس الجهمية”
قال الميموني: قال الإمام أحمد: من زعم أن يداه: نعماه، كيف يصنع بقوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، مشددة؟ !
قال الميموني: فقلت: وحين خلق آدم بقبضته -يعني: من جميع الأرض- والقلوب بين أصبعين.
«إبطال التأويلات» ١/ ١٦٩
قال المروذي: وقرئ عليه -أي: أحمد- ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
قال: مشددة، مخالفة على الجهمية.
«بدائع الفوائد» ٣/ ٩٦
الجامع لعلوم الإمام أحمد – العقيدة ٣/٣٦١
وَقَوْلُهُ لِإِبْلِيسَ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ تَأْكِيدُ يَدَيْهِ لَا تَأْكِيدُ خَلْقِ آدَمَ، وَمَا كَانَ حَاجَةُ إِبْلِيسَ إِلَى أَنْ يُؤَكِّدَ اللهُ لَهُ خَلْقَ آدَمَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الخَلْقِ بِآدَمَ؟ رَآهُ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوح طِينًا مُصَوَّرًا مَطْرُوحًا بِالأَرْضِ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَمَا نُفِخَ
فِيهِ الرُّوحُ، ثُمَّ كَانَ مَعَه فِي الجنَّة، حتى وَسْوَسَ إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ يَرَاهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَإِنَّمَا أَكَّدَ الله لَهُ مِنْ أَمْرِ آدَمَ مَا لَمْ يَرَ، لا مَا رَأَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ ير يَدي الله وهما تَخْلُقْنَاهُ .
نقض الدارمي على المريسي – ت الشوامي ١/٨٠ — عثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠)
وفي الصفات الإلهية لمحمد أمان الجامي :
الصفة الخامسة عشرة: صفة اليد
وهذه الصفة -كالتي قبلها من الصفات الخبرية- قد طاشت فيها سهام الخلف عن إصابة الهدف، وأخذوا يفسرونها تفسيراً يساير عقيدتهم، فسروها مرة بالقدرة، ومرة أخرى بالنعمة فارّين – في زعمهم – من التشبية والتجسيم – يا سبحان الله- {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ} ٢، يقول الله في كتابه المبين: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ٣، ويقول تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ٤، فهل من الجائز أن يقال: لما خلقت (بنعمتي) ؟
الجواب: (لا) بالإجماع، لأن الذي يؤمن به جميع المؤمنين – والخلف منهم- أن نعم الله لا تعد ولا تحصى، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} ٥، وهذا أولاً.
وهل من الجائز ثانياً أن يقال: لما خلقت (بقدرتي) ؟
الجواب: لا، إجماعاً أيضاً – فيما أعتقد – لأن الذي ندين به نحن وإياهم – فيما أعلم- أن لله قدرة واحدة وباهرة {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ١، لعدم الدليل على التعدد، هكذا يتضح الصواب في المسألة بإذن الله.
وما ذكرناه في تفسير آية (المائدة) يقال في تفسير آية (ص) فإذاً هما يدان تليقان بالله تعالى لا القدرة، لأن القدرة صفة أخرى غير اليد كما علمنا، ولا النعمة لما شرحنا، ولا الجارحة، لأن الجارحة للمخلوق. ولا تشبه يده يد المخلوق. إذ ليس كمثله شيء.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري – وهو يناقش تفسير الخلف لآية (ص) -: “فلو كان الله عز وجل عنى بقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، القدرة لم يكن لآدم عليه السلام على إبليس في ذلك ميزة، والله عز وجل أراد أن يُرى أن لآدم على إبليس فضلاً إذ خلقه بيده دونه، ولو كان خالقاً لإبليس بيديه كما خلق آدم عليه السلام بيديه لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، وكان إبليس يقول محتجاً على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم بهما، فلما أراد الله عز وجل تفضيله عليه بذلك، قال له موبخاً لاستكباره على آدم أن يسجد له {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ} ؟!! فدل على أنه ليس معنى الآية القدر، إذ أن الله عز وجل خلق الأشياء جميعها بقدرته، وإنما أراد إثبات يدين لم يشارك إبليس آدم عليه السلام في أن خلق بهما، وليس يخلو قوله عز وجل: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أن يكون معنى ذلك إثبات يدين (نعمتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين (جارحتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين (قُدرتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين، لا يوصفان إلا كما وصف الله عز وجل. فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين، لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيديّ وهو يعني نعمتيّ، ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين ولا يجوز عند خصومنا أن نعني قدرتين١.
وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع، وهو أن معنى قوله (بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين، لا يوصفات إلا بأن يقال: بأنهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت”٢ اهـ.
هذا كلام واضح غني عن التعليق إلا أن الذي ينبغي التنبيه عليه أن اليد في غير هذا السياق قد تأتي بمعنى (النعمة) وتجمع على أيادي يقال: لفلان عليَّ يد أو أيادٍ. ولكن السياق الذي في الآيتين: يأبى هذا المعنى كما ناقش الإمام أبو الحسن رحمه الله.
أما اليد بمعنى القدرة لا أعلم ثبوت هذا المعنى في اللغة، اللهم إلا إذا كان من باب الكناية، والله أعلم، وأما قوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ٣، فليس لفظ (أيد) هنا جمع يد كما قد يتوهم، وإنما هو مصدر (آد الرجل يئيد أيداً) أي قوي، هكذا قال المفسرون٤.
هذا وقد وردت في صفة اليد عدة أحاديث صحاح وحسان ولكننا نرى أن نقتصر على ذكر حديث واحد اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث احتجاج آدم وموسى عليهم السلام، ومحل الشاهد منه: “فقال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده قال ابن بطال عند تفسير قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} في هذه الآية إثبات يدين لله تعالى وهما صفتان من صفات ذاته، وليستا بجارحتين١ اهـ. ثم لو استقرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن لفظ (اليد) جاء في القرآن على ثلاثة أنواع:
١- جاء مفرداً كقوله تعالى {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} ٢.
٢- جاء مثنى كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ٣.
٣- جاء جمعاً كقوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ٤.
وإذا راجعنا هذه الاستعمالات الثلاثة للبد نجد أن الله إذا ذكر اليد مثناة يضيف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد ويتعدى الفعل بالباء إليهما أي إلى اليدين {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} .
وإذا ذكرها بصيغة الجمع أضاف العمل إلى اليد والفعل يتعدى بنفسه لا بالباء {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} .
وأما في حالة الجمع يكون معنى عملت أيدينا أي عملنا نحن، وهو يساوي عملنا وخلقنا ورزقنا …
وقال :
وأما النسبة بين القدرة واليد فمن باب العموم والخصوص المطلق يجتمعان في خلق آدم، وما ذكر معه لأنه خلقه بقدرته وصنعه بيده سبحانه كما كتب التوراة بيده وغرس جنة الفردوس بيده أيضاً، وتنفرد القدرة في سائر مخلوقاته التي لم يباشر خلقها بيده ولكن قال لها: كوني فكانت، والله أعلم.
الصفات الإلهية الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله
—- اليدان
صِفةٌ ذاتيَّةٌ للهِ عزَّ وجلَّ، نُثبتُها كما نُثبِتُ باقيَ صِفاتِه؛ مِن غيرِ تَحريفٍ ولا تَعطيلٍ، ومن غيرِ تَكييفٍ ولا تَمثيلٍ، وهي ثابتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تَعالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: 64] .
2- قَولُه: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((إنَّ اللهَ تعالى يَبسُطُ يَدَه باللَّيلِ؛ ليتوبَ مُسيءُ النَّهارِ، ويَبسُط يدَه بالنَّهارِ؛ ليتوبَ مسيءُ اللَّيلِ، حتى تَطلُعَ الشمسُ مِن مغربِها )) . أخرجه مسلم (2759).
2- حديثُ الشَّفاعةِ عن أبي هُريْرةَ رضي الله عنه مرفوعًا، وفيه: ((… فيأتونَه فيَقولُون: يا آدَمُ، أنتَ أبو البَشَرِ، خلقَكَ اللهُ بِيَدِه، ونفَخ فيكَ مِن رُوحِه… )) . أخرجه البخاري (3340) واللفظ له، ومسلم (194).
3- حديثُ أبي هُريْرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: ((يدُ اللهِ ملْأَى لا يَغيضُها نفقةٌ… وبيَدِه الأخرى الميزانُ يَخفِضُ ويَرفَعُ )) . أخرجه البخاري (7411). وأخرجه مسلم (993) بلفظ: ((يمين اللهـ))
قال الشافعيُّ: (لِلهِ تبارَك وتعالى أسماءٌ وصِفاتٌ جاءَ بها كِتابُه، وأخبَر بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه… أنَّه سميعٌ، وأنَّ له يَدينِ بقَولِه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، وأنَّ له يمينًا بقَولِه: وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ…) . يُنظر: ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (1/282).
وقال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: (((قَلبُ العَبدِ بين أُصبُعَين)) ، ((وخَلَق آدَمَ بيَدِهـ)) ، وكلَّما جاء الحديثُ مِثلُ هذا قُلْنا به) . يُنظر: ((إبطال التأويلات)) لأبي يعلى (ص: 45).
وقال ابنُ جرير: (القَولُ فيما أُدرِكَ عِلمُه مِن صِفاتِ الصَّانِعِ خَبرًا لا استدلالًا… وذلك نحوُ إخبارِ اللهِ تعالى ذِكْرُه إيَّانا أنَّه سميعٌ بصيرٌ، وأنَّ له يَدَينِ بقَولِه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] ) . يُنظر: ((التبصير في معالم الدين)) (ص: 132).
وقال ابنُ خُزيمةَ: (بابٌ: ذِكرُ إثباتِ اليدِ للخَالقِ البارئِ جلَّ وعلا، والبيانُ أنَّ اللهَ تعالى له يَدانِ كما أعْلَمَنا في مُحكَم تَنْزيلِه…)، وسرَدَ جُملةً مِن الآياتِ تدلُّ على ذلِك، ثمَّ قال: (بابٌ: ذِكرُ البيانِ مِن سُنَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على إثباتِ يدِ اللهِ جلَّ وعلا، مُوافقًا لِمَا تَلَوْنا من تَنْزيلِ ربِّنا لا مخالفًا، قدْ نَزَّه اللهُ نبيَّه وأعْلى درجتَه ورفَع قَدْرَه عن أن يَقولَ إلَّا ما هو موافقٌ لِمَا أنزلَ اللهُ عليه مِن وحيِهـ) . يُنظر: ((كتاب التوحيد)) (1/118).
وقال أبو الحسنِ الأشعريُّ: (أجمَعوا على أنَّه عزَّ وجلَّ يَسمَعُ ويرى، وأنَّ له تعالى يَدينِ مَبسوطتَينِ) . يُنظر: ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص: 225).
وقال أيضًا: (قد سُئِلْنا: أتقولون إنَّ للهِ يَدَينِ؟ قيل: نقولُ ذلك بلا كيفٍ، وقد دَلَّ عليه قَولُه تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وقَولُه تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، وقال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، وجاء عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: (كلتا يَدَيه يمينٌ)، وقال تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) . يُنظر: ((الإبانة عن أصول الديانة)) (ص: 125).
وقال البربهاريُّ: (واللهُ تبارك وتعالى سميعٌ بصيرٌ، سميعٌ عليمٌ، يداه مبسوطتانِ) . يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 86).
وقال أبو بكرٍ الإسماعيليُّ: (خَلَقَ آدَمَ عليه السَّلَامُ بِيَدِه، ويَداهُ مبسوطتانِ يُنفِقُ كيفَ يَشاءُ، بلا اعتقادِ كيفَ يداه؛ إذ لم يَنطِقْ كِتابُ اللهِ تعالى فيه بكَيفٍ) . يُنظر: ((اعتقاد أئمة الحديث)) (ص: 51).
وقال ابنُ بطَّةَ: (بابُ الإيمانِ بأنَّ للهِ عَزَّ وجَلَّ يدَينِ، وكِلْتا يَدَيه يمينانِ) . يُنظر: ((الإبانة الكبرى)) (7/ 295).
وقال ابنُ أبي زيد القَيرواني: (ممَّا أجمَعَت عليه الأئمَّةُ مِن أُمورِ الدِّيانةِ، ومِنَ السُّنَنِ التي خِلافُها بِدعةٌ وضَلالةٌ… أنَّ يَدَيه مَبسوطتانِ، والأرضُ جميعًا قَبْضَتُه يومَ القيامةِ والسَّمَواتُ مَطويَّاتٌ بيَمينِه… وكُلُّ ما قَدَّمْنا ذِكْرَه فهو قَولُ أهلِ السُّنَّةِ وأئمَّةِ النَّاس ِفي الفِقهِ والحديثِ، على ما بَيَّنَّاه، وكُلُّه قَولُ مالكٍ؛ فمنه منصوصٌ مِن قَولِه، ومنه معلومٌ مِن مَذهَبِهـ) . يُنظر: ((الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ)) (ص: 107-117).
وبوَّبَ اللَّالَكَائيُّ بقَولِه: (سِياقُ ما دلَّ مِن كِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وسُنَّةِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أنَّ مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ: الوَجهَ، والعَينَينِ، واليَدينِ) . يُنظر: ((أصول الاعتقاد)) (3/412).
وقال أبو نَصرٍ السجزي: (أهلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقون على أنَّ لله سبحانه يدينِ، بذلك ورَدَ النَّصُّ في الكتابِ والأثَرِ، قال اللهُ تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وكِلْتا يَدَيِ الرَّحمنِ يمينٌ )) . يُنظر: ((رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص: 263).
وقال أيضًا في مَعرِضِ بيانِه لخطَأِ طريقةِ المتكَلِّمين: (كُلُّ حديثٍ جاء في الصَّحيحِ ممَّا يتعَلَّقُ بالصِّفاتِ، عَدَلوا به إلى معنًى غيرِ الصِّفةِ؛ منها: حديثُ ابنِ مَسعودٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قَولِه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] فقال: ((يحمِلُ السَّمَاواتِ على إصبَعٍ، والأرَضِينَ على إصبَعٍ )) ، ومنها حديثُه الثابتُ عنه عليه السَّلامُ: ((قلوبُ العبادِ بين أُصبُعَين من أصابعِ الرَّحمنِ )) … وعند أهلِ الأثَرِ أنَّها صفاتُ ذاتِه، لا يُفَسَّرُ منها إلا ما فَسَّره النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو الصَّحابيُّ، بل نُمِرُّ هذه الأحاديثَ على ما جاءت، بعد قَبولِها، والإيمانِ بها، والاعتقادِ بما فيها بلا كيفيَّةٍ) . يُنظر: ((رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص: 264-268).
وقال البزدوي الحنفي: (وكذلك إثباتُ اليَدِ والوَجهِ حَقٌّ عِندَنا) . يُنظر: ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي)) لعبد العزيز البخاري (1/ 60).
وقال ابنُ رُشدٍ: (لا اختِلافَ بينهم أيضًا في جوازِ إطلاقِ القَولِ بأنَّ للهِ يَدَين ووَجهًا وعينينِ؛ لأنَّ اللهَ وصَفَ بذلك نَفْسَه بكتابِه، فوجب إطلاقُ القَولِ بذلك، والاعتقادُ بأنَّها صفاتُ ذاتِه من غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تحديدٍ؛ إذ لا يُشبِهُه شيءٌ من المخلوقاتِ، هذا قَولُ المحقِّقين من المتكَلِّمين، وتوقَّف كثيرٌ من الشُّيوخِ عن إثباتِ هذه الصِّفاتِ الخَمسِ، وقالوا: لا يجوزُ أن يَثبُت في صفاتِ اللهِ ما لم يُعلَمْ بضرورةِ العَقلِ ولا بدليلِه، وتأوَّلوها على غيرِ ظاهِرِها، فقالوا: المرادُ بالوَجهِ الذَّاتُ، كما يقالُ: وَجهُ الطَّريقِ، ووَجهُ الأمرِ ذاتُه ونَفْسُه، والمرادُ بالعينين إدراكُ المرئيَّاتِ، والمرادُ باليَدَين النِّعْمتان، وقَولُه تعالى: ((بِيَدَيَّ))، أي: لِيَدَيَّ؛ لأنَّ حُروفَ الخَفضِ يُبدَلُ بَعضُها من بعضٍ، والصَّوابُ قَولُ المحَقِّقين الذين أثبَتوها صفاتٍ لذاتِه تعالى، وهو الذي قاله مالكٌ في هذه الرِّوايةِ) . يُنظر: ((البيان والتحصيل)) (16/401).
وقال أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ: (فصْلٌ: في إثباتِ اليدِ للهِ تعالى صِفةً لهـ)، ثمَّ أورد بعضَ الآياتِ التي تدلُّ على ذلك، ثمَّ قال: (ذِكرُ البيانِ مِن سُنَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على إثباتِ اليدِ مُوافقًا للتَّنْزيلِ) يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (1/185) ، ثمَّ أوردَ أحاديثَ بسَنَدِه تدلُّ على ذلك.
وقال المقدسيُّ: (من صِفاتِه سُبحانَه الواردةِ في كِتابِه العزيزِ، الثَّابتةِ عن رَسولِه المصطفى الأمينِ: اليَدانِ) . يُنظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 112).
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّ للهِ تعالى يَدينِ مُختصَّتَينِ به، ذاتيَّتَينِ له، كما يَليقُ بجلالِهـ) . يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/263). ويُنظر: ((أصول الاعتقاد)) للالكائي (3/412).
وقال محمود الألوسي: (السَّلَفُ يقولون: اليَدُ مُفردةٌ وغيرُ مُفردةٍ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجَلَّ على المعنى اللَّائِقِ به سبحانَه، ولا يقولونَ في مِثلِ هذا الموضِعِ إنَّها بمعنى القُدرةِ والنِّعمةِ) . يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (12/ 216).
——
تأويل اليد بالرحمة أو بالقدرة –مع كونه بدعة- تبطله التثنية أيضا؛ لأن الله لا يوصف بأن له رحمتين أو قدرتين، إجماعا.
قال الباقلاني رحمه الله: “”يقال لهم: هذا باطل لأن قوله “بيديَّ”: يقتضي إثبات يدين هما صفة له، فلو كان المراد بها القدرة، لوجب أن يكون له قدرتان.
وأنتم لا تزعمون أن لله سبحانه قدرة واحدة؛ فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟
وقد أجمع المسلمون، من مثبتي الصفات والنافين لها: على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان، فبطل ما قلتم.
وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى.
ولأن القائل: لا يجوز له أن يقول: رفعت الشيء بيدي، أو وضعته بيدي، أو توليته بيدي، وهو يعني نعمته.
وكذلك لا يجوز أن يقال: “لي عند فلان يدان”، يعني “النعمتين”؛ وإنما يقال: “لي عنده يدان بيضاوان”، لأن القول: “يد” لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة للذات.
ويدل على فساد تأويلهم أيضاً: أنه لو كان الأمر على ما قالوه، لم يغفل عن ذلك إبليس، وعن أن يقول: “وأي فضل لآدم عليّ يقتضي أن أسجد له؟ وأنا أيضاً بيدك خلقتني التي هي قدرتك، وبنعمتك خلقتني”.
وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه: دليل على فساد ما قالوه” انتهى من “تمهيد الأوائل” ص297
——
قال ابن عثيمين -رحمه الله-:
من قال أن المراد بها القدرة أو القوة فقوله باطل من عدة أوجه الوجه الأول إجماع السلف على خلاف هذا القول فإن قال قائل : أين اجماع السلف ؟ قلنا : إن الصحابة يتلون كتاب الله ويؤمنون بمقتضى اللغة العربية فإذا لم يرد عنهم نقل في مخالفة مقتضى اللغة العربية علمنا علم اليقين أنهم أرجوا النص على ظاهره ….
——
قال احد المعاصرين: لفظ الجارحة في صفات الله تعالى لفظ محدث؛ فلم يرد في الكتاب والسنة نفيه، ولا إثباته، ولهذا أهل السنة يثبتون اليدين والعينين ونحوهما من الصفات لله تعالى، ويقولون: إن ذلك حقيقة، ولا تماثل صفات المخلوقين، ولا يقولون في هذه الصفات إنها ليست جارحة؛ لأنه لفظ محدث ومجمل .. اهــ.
——
ولما ظهرت البدع ، ووجد من يقول : إن هذه الصفات ليست على الحقيقة ، بل على المجاز ، كما هو قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تكلم السلف والأئمة بما يبين أنها على الحقيقة لا على المجاز ، وكلامهم في ذلك مستفيض مشهور ، ونحن ننقل جملة من كلامهم ، فمن ذلك :
1- قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله (280 هـ): ” ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دُلسة وأُغلوطة على الجهال ، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات ، غير أنا نقول : لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب ، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب ، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب ، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فنصرف معانيها بعلة المجازات ” انتهى من “نقض الدارمي على بشر المريسي” (2/855).
2- وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله (310 هـ) : ” فإن قال لنا قائل : فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت ، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه ، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) إلى أن قال : ” فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات ، وننفي عنه التشبيه فنقول : يسمع جل ثناؤه الأصوات ، لا بخرق في أذن ، ولا جارحة كجوارح بني آدم . وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم. وله يدان ويمين وأصابع ، وليست جارحة ، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق ، لا مقبوضتان عن الخير ، ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم. ونقول : يضحك إلى من شاء من خلقه ، لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب ، ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا ” انتهى من “التبصير في معالم الدين” ص (141-145) .
3- وقال الإمام أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب رحمه الله (360هـ) في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة 433 هـ ووقَّع على التصديق على ما فيه علماء ذلك الوقت ، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان. قال: ” لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز ، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها ، ولقيل : معنى البصر كذا ، ومعنى السمع كذا ، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام ، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل ، علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن ” انتهى نقلا عن ” المنتظم” لابن الجوزي في المنتظم في حوادث سنة 433هـ ، “سير أعلام النبلاء” (16/213).
4- وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ) في إثبات صفة اليدين لله تعالى: ” باب ذكر قول الله عز وجل : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) و ذكر ما يُستدل به من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أن الله جل وعز خلق آدم عليه السلام بيدين حقيقة “. وقال في إثبات الوجه لله تعالى: ” باب قول الله جل وعز : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) ، وقال الله عز وجل : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال ) ، وذكر ما ثبت عن النبي مما يدل على حقيقة ذلك ” انتهى من “الرد على الجهمية” ص 68، 94
5- وقال الإمام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ) : ” ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته ، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك ، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم . ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات ، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين ، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم ، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه “. وقال ناقلاً إجماع أهل السنة على ذلك : ” أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة محصورة ، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه ، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود . والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله ” انتهى من “التمهيد” (7/ 131، 145).
6- وقال الإمام الحافظ الذهبي ، بعد نقل كلام القصاب السابق : ” ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز ، لبطل أن تكون صفات لله ، وإنما الصفة تابعة للموصوف ، فهو موجود حقيقة لا مجازاً ، وصفاته ليست مجازاً ، فإذا كان لا مثل له ولا نظير : لزم أن تكون لا مثل لها “.
وقال في تعليقه على كلام ابن عبد البر السابق : ” صدق والله ، فإن من تأول سائر الصفات ، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام ، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب ، وأن يشابه المعدوم ، كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال : مثل الجهمية كقوم قالوا : في دارنا نخلة . قيل: لها سعف؟ قالوا : لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا : لا. قيل : لها رطب وقنو؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة ” انتهى من “العلو” ص 239، 250. والنقول في ذلك كثيرة ،
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله موضحا هذا المعنى : ” قوله تعالى : ( يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح : 10] وهذه أيضاً على ظاهرها وحقيقتها ؛ فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين ؛ لأن يده من صفاته ، وهو سبحانه فوقهم على عرشه ؛ فكانت يده فوق أيديهم ، وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته ، وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه سلم مبايعة لله عز وجل ، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم ، ألا ترى أنه يقال : السماء فوقنا مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا ، فيد الله عز وجل فوق أيدي المبايعين لرسوله صلى الله عليه وسلم مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم ” انتهى من “القواعد المثلى” ضمن مجموع فتاوى الشيخ (3/ 331).
وقوله تعالى : ( فإنك بأعيينا) : فسره بعض السلف بمرأى منا ، وهو تفسير باللازم ، فتكون الآية مثبة للرؤية وللعين . قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في “شرح الواسطية” : ” فإن قيل : بماذا تفسرون الباء في قوله: ( بِأَعْيُنِنَا ) ؟ قلنا : نفسرها بالمصاحبة ، إذا قلت: أنت بعيني، يعني: أن عيني تصحبك وتنظر إليك ، لا تنفك عنك ، فالمعنى : أن الله عز وجل بقول لنبيه : أصبر لحكم الله، فإنك محوط بعنايتنا وبرؤيتنا لك بالعين حتى لا ينالك أحد بسوء. ولا يمكن أن تكون الباء هنا للظرفية ؛ لأنه يقتضي أن يكون رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في عين الله، وهذا محال. وأيضًا فإن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -خوطب بذلك وهو في الأرض، فإذا قلتم: إنه كان في عين الله كانت دلالة القرآن كذبًا . وقال قبل ذلك : ” فإن قيل : إن من السلف من فسر قوله تعالى: ( بِأَعْيُنِنَا ) ، بقوله : بمرأى منا. فسره بذلك أئمة سلفيون معروفون، وأنتم تقولون: إن التحريف محرم وممتنع، فما الجواب؟ فالجواب : أنهم فسروها باللازم، مع إثبات الأصل، وهي العين، وأهل التحريف يقولون : بمرأى منا، بدون إثبات العين، وأهل السنة والجماعة يقولون: ( بِأَعْيُنِنَا ) : بمرأى منا، ومع إثبات العين ” انتهى . ضمن مجموع فتاوى الشيخ (8/ 264).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله : ” ( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) يعني فإنك بمرأى منا وبصر ، وعناية ورعاية ، وكلاءة وحفظ . وهذا التفسير هو تفسير السلف لذلك ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بعين الله التي هي صفته ، وإنما هو عليه الصلاة والسلام بأعين الله ، الذي هو أثر اتصافه بـ (العينين) . ولهذا أهل السنة حين يفسرون بهذا يعدون هذا من باب (التضمن) ، والتضمن أحد دلالات اللفظ ، لأن اللفظ : له دلالة بالمطابقة ، وله دلالة بالتضمن ، وله دلالة باللزوم . فقالوا : معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم بمرأى وبصر ، وكلاءة ورعاية وحفظ من الله جل وعلا . وذلك لأنه مضمون قوله ( بِأَعْيُنِنَا ) . فإذن ليس هذا من باب التأويل كما زعمه من لم يفقه ، بل هذا من باب التضمن . والتضمن دلالة عربية واضحة من اللفظ . قال السلف هذا مع إثبات صفة العينين ، فإن السلف قد يفسرون بالتضمن ، وقد يفسرون باللازم ، ويظن الظان أن هذا من التأويل وهذا غلط . فإن التضمن شيء ، واللزوم شيء ، هذا من دلالة اللفظ . وأما التأويل فهو محوٌ لدلالة اللفظ . ” انتهى باختصار من “شرح الواسطية”.
———
الكف والأصابع والأنامل من صفات الله تعالى الذاتية الخبرية
من صفات الله تعالى الذاتية الخبرية: الكف والأصابع والأنامل، كما دلت عليه السنة الصحيحة، واتفق عليه أهل السنة.
روى مسلم (1014) عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ .
وروى مسلم (2654) عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ .
وثبتت الأنامل في حديث اختصام الملأ الأعلى، والأنامل أطراف الأصابع.
روى أحمد (22109) والترمذي (3235) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: ” احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا: عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ، ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَدَاةَ: أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَتَوَضَّأْتُ ، فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي ، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ . قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَهَا ثَلَاثًا ” . قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ ، وَعَرَفْتُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ، قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا .
قال الترمذي: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ” سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ”.
قال الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله في “كتاب التوحيد” (1/ 187): “باب إثبات الأصابع لله عَزَّ وجَلَّ” وساق الأحاديث.
وقال قِوام السُّنَّة الأصبهاني رحمه الله: ” وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَا يضارع هَذِهِ الصِّفَات، كَقَوْلِه تَعَالَى: لما خلقت بيَديوَقَوله: بل يَدَاهُ مبسوطتان وَقَوله: وَيبقى وَجه رَبك. وَقَول النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: (حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه) وَقَوله: (إِن أحدكُم يَأْتِي بِصَدَقَتِهِ فَيَضَعهَا فِي كف الرَّحْمَن) وَقَوله: (يضع السَّمَاوَات عَلَى أصْبع، وَالْأَرضين، عَلَى أصْبع) ، وأمثال هَذِهِ الْأَحَادِيث؛ فَإِذا تدبره متدبر، وَلم يتعصب : بِأَن لَهُ صِحَة ذَلِكَ ، وَأَن الْإِيمَان وَاجِب، وَأَن الْبَحْث عَن كَيْفيَّة ذَلِكَ بَاطِل” انتهى من “الحجة في بيان المحجة” (2/ 275).
وقال في (2/ 279): ” وللكف معَان، وَلَيْسَ يحْتَمل الحَدِيث شَيْئا من ذَلِكَ ، إِلَّا مَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب ؛ فَهُوَ مَعْلُوم بِالْحَدِيثِ ، مَجْهُول الْكَيْفِيَّة.
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْأصْبع، والأصبع فِي كَلَام الْعَرَب تقع عَلَى النِّعْمَة والأثر الْحسن، وَهَذَا الْمَعْنى لَا يجوز فِي هَذَا الحَدِيث، فيكون الْأصْبع مَعْلُوما بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكيفيته مَجْهُولَة، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جَمِيع الصِّفَات : يجب الْإِيمَان بِهِ، وَيتْرك الْخَوْض فِي تَأْوِيله، وَإِدْرَاك كيفيته” انتهى.
وقال البغوي رحمه الله في “شرح السنة” (1/ 168): ” وَالإِصْبَعُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَالنَّفْسِ، وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالإِتْيَانِ، وَالْمَجِيءِ، وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَالضَّحِكِ، وَالْفَرَحِ” انتهى.
وقال صِديق حسن خان رحمه الله في “قطف الأثر” ص70: ” ومن صفاته سبحانه: اليد واليمين والكف” انتهى.
وقال شيخ الإسلام في بيان “تلبيس الجهمية” (7/ 388) في رده على الرازي: ” فقوله: (وجدت برد أنامله) : معناه وجدت أثر تلك العناية.
يقال له: أثر تلك العناية كان حاصلاً على ظهره ، وفي فؤاده وصدره ؛ فتخصيص أثر العناية بالصدر: لا يجوز، إذ عنده لم يوضع بين الكتفين شيء قط، وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه ، فكان يجب أن يبين أن أثر تلك العناية متعلق بما يعمُّ ، أو بأشرف الأعضاء ، وما بين الثديين كذلك.
بخلاف ما إذا أقر الحديث على وجهه، فإنه إذا وضعت الكف على ظهره ، نَفَذَ بردها إلى الناحية الأخرى وهو الصدر، ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس.
وأيضًا فقول القائل: وضع يده بين كتفي ، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي : نص لا يحتمل التأويل، والتعبير بمثل هذا اللفظ عن مجرد الاعتناء ، أمر يُعلم بطلانه بالضرورة من اللغة، وهو من غث كلام القرامطة والسوفسطائية…
أنه صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أشياء حيث قال: (فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها) وفي رواية: (برد أنامله على صدري فعلمت ما بين المشرق والمغرب) ؛ فذكر وضع يده بين كتفيه، وذكر غاية ذلك : أنه وجد برد أنامله بين ثدييه، وهذا معنى ثان، وهو وجود هذا البرد عن شيء مخصوص ، في محل مخصوص، وعقَّب ذلك بأثر الوضع الموجود؛ وكل هذا يبين أن أحد هذه المعاني ، ليس هو الآخر” انتهى.