7406 – تحضير صحيح البخاري
تحضير أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي وعبدالله المشجري وعبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾
٧٤٠٦ – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَيْسَرُ.»
——
الشرح
قال تعالى : وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ القصص /88.
للعلماء في تفسير هذه الآية قولان :
1- أن الوجه هنا بمعنى الصفة .
2- أو : أن المعنى ؛ إلا ما أريد به وجه الله .
قال “ابن عثيمين” في “شرح الواسطية” (1/ 285) : ” قوله : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ، أي : فان ، كقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن : 26].
وقوله : إِلاّ وَجْهَهُ : توازي قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ.
فالمعنى : كل شيء فان وزائل ، إلا وجه الله عز وجل ، فإنه باق ، ولهذا قل : لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص : 88] فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم.
وقيل في معنى الآية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ، أي : إلا ما أريد به وجهه. قالوا : لأن سياق الآية يدل على ذلك : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ [القصص : 88] ، كأنه يقول : لا تدع مع الله إلهاً آخر فتشرك به ، لأن عملك وإشراكك هالك ، أي : ضائع سدى ، إلا ما أخلصته لوجه الله ، فإنه يبقى ، لأن العمل الصالح له ثواب باقى لا يفنى في جنات النعيم.
ولكن المعنى الأول أسد وأقوى.
وعلى طريقة من يقول بجواز استعمال المشترك في معنييه ، نقول : يمكن أن نحمل الآية على المعنيين ، إذ لا منافاة بينهما ، فتحمل على هذا وهذا ، فيقال : كل شيء يفنى إلا وجه الله عز وجل، وكل شيء من الأعمال يذهب هباء ، إلا ما أريد به وجه الله.
وعلى أي التقديرين ، ففي الآية دليل على ثبوت الوجه لله عز وجل ” ، انتهى.
ثانيًا :
ما ذكره الإمام “ابن كثير” يلتئم مع ما ذكرناه ، وليس فيه نفي الصفة ، فإن الصفة أطلقت وأريد بها الذات ، فقد قال في “تفسيره” (2/ 261) : ” وَقَوْلُهُ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ : إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ الدَّائِمُ الْبَاقِي الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، الَّذِي تَمُوتُ الْخَلَائِقُ وَلَا يَمُوتُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ [الرَّحْمَنِ : 26 ، 27] ، فعبر بالوجه عن الذات ، وهكذا قوله ها هنا : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ أَيْ : إِلَّا إِيَّاهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ [كَلِمَةُ] لَبِيَدٍ :
أَلَا كلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي قَوْلِهِ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ أَيْ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ ، وَحَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَالْمُقَرِّرِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَيَسْتَشْهِدُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
أسْتَغْفِرُ اللهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ … رَبّ العبَاد ، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ …
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُنَافِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، فَإِنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ كُلِّ الْأَعْمَالِ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ ، إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُطَابِقَةِ لِلشَّرِيعَةِ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُقْتَضَاهُ : أَنَّ كُلَّ الذَّوَاتِ فَانِيَةٌ وَهَالِكَةٌ وَزَائِلَةٌ ، إِلَّا ذَاتَهُ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ” انتهى.
و”ابن كثير” يثبت وجه الله والنظر إليه ، قال في تفسير قوله تعالى : ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ، “يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ لِمَنْ أَحْسَنَ الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَبْدَلَهُ الْحُسْنَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ [الرَّحْمَنِ : 60] .
وَقَوْلُهُ : وَزِيَادَة هِيَ تَضْعِيفُ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ، وَيَشْمَلُ مَا يُعْطِيهِمُ اللَّهُ فِي الْجِنَانِ مِنَ القُصُور والحُور وَالرِّضَا عَنْهُمْ ، وَمَا أَخْفَاهُ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ .
وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْلَاهُ النظرُ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ، فَإِنَّهُ زِيَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ مَا أُعْطُوهُ ، لَا يَسْتَحِقُّونَهَا بِعَمَلِهِمْ ، بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ تَفْسِيرُ الزِّيَادَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَأَبُو مُوسَى وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أحاديثُ كَثِيرَةٌ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” .
وساق عددًا كبيرًا في “تفسيره” (4/ 262 – 263) ، فانظره .
——
أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الوجه ” ، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالقاعدة الشرعية هنا : أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الذات ” ، ولا تمثيل لها فنجعله كوجه أحدٍ من خلقه ، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية .
دليل هذه الصفة – ونكتفي بدليل واحد من الكتاب ودليل من السنَّة – :
أ. قوله تعالى ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 27 .
قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله – :
وقال عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) ، فأخبر أنَّ له وجهاً لا يفنى ولا يلحقه هلاك .
” الإبانة ” ( ص 77 ) .
وقال – أيضاً – :
فمَن سَأَلَنا فقال : أتقولون إنَّ لله سبحانه وجهاً ؟ قيل : نقول ذلك ، خلافاً لما قاله المبتدعون ، وقد دلَّ على ذلك قوله عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) .
” الإبانة ” ( ص 78 ، 79 ) .
وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله – :
يقول تعالى ذِكره : ” كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك ويبقى وجه ربك يا محمد ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) ، و ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) من نعت الوجه ، فلذلك رفع ( ذو ) وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله بالياء ” ذي الجلال والإكرام ” من نعتِ الربِّ وصفتِه .
” جامع البيان ” ( 27 / 134 ) .
وما نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه لا يصح عنه ، بل هي بالرفع إجماعاً .
قال الشيخ عبد الفتاح القاضي – رحمه الله – :
قرأ ابن عامر : ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) آخر السورة بالواو ، وقرأ غيره ( ذِي الْجَلَالِ ) بالياء ، وهو مرسوم بالواو في مصحف الشاميين ، وبالياء في مصحف غيرهم .
وأما قوله تعالى : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) فقد اتفقوا على قراءته بالواو , وقد رُسم بالواو في جميع المصاحف العثمانية .
” الوافي في شرح الشاطبية ” ( ص 366 ) .
وقال ابن القيم – رحمه الله – :
فتأمل رفعَ قولِه ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) عند ذكر ” الوجه ” ، وجرَّه في قوله ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 78 ، فـ ( ذو ) الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه ، و ( ذي ) المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم ، فتأمله .
” مختصر الصواعق ” ( ص 409 ) .
——
قال ابنُ مَندَه: (مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ التي وصَفَ بها نفْسَه قَولُه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَستعيذُ بوَجْهِ اللهِ من النَّارِ والفِتنِ كلِّها، ويَسألُ به…)، ثم سرَدَ أحاديثَ بسَنَدِه، ثمَّ قال: (بيانٌ آخَرُ يدلُّ على أنَّ العبادَ يَنظُرون إلى وَجْهِ ربِّهم عزَّ وجلَّ) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/36).
وقال البزدوي الحنفي: (وكذلك إثباتُ اليَدِ والوَجهِ حَقٌّ عِندَنا) يُنظر: ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي)) لعبد العزيز البخاري (1/ 60)
وقال البَغَويُّ: (كُلُّ ما جاء به الكِتابُ أو السُّنَّةُ مِن هذا القَبيلِ في صِفاتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى؛ كالنَّفْسِ، والوَجْهِ، والعَيْنِ، واليَدِ، والرِّجْلِ، والإتيانِ، والمجيءِ، والنُّزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، والاستواءِ على العَرْشِ… فهذه ونظائِرُها صِفاتٌ لله عَزَّ وجَلَّ، ورد بها السَّمعُ، يجِبُ الإيمانُ بها، وإمرارُها على ظاهِرِها، مُعرِضًا فيها عن التَّأويلِ، مجتَنِبًا عن التَّشبيهِ، مُعتَقِدًا أنَّ الباريَ سُبحانَه وتعالى لا يُشبِهُ شَيءٌ مِن صِفاتِه صِفاتِ الخَلْقِ، كما لا تُشبِهُ ذاتُه ذواتِ الخَلْقِ؛ قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] . وعلى هذا مضى سَلَفُ الأمَّةِ وعُلَماءُ السُّنَّةِ، تَلَقَّوها جميعًا بالإيمانِ والقَبولِ، وتجَنَّبوا فيها عن التَّمثيلِ والتَّأويلِ، ووكَلوا العِلمَ فيها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، كما أخبَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالى عن الرَّاسِخينَ في العِلمِ، فقال عَزَّ وجَلَّ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: 7] ) يُنظر: ((شرح السنة)) (1/ 168 – 171)
وقال ابنُ رُشدٍ: (لا اختِلافَ بينهم أيضًا في جوازِ إطلاقِ القَولِ بأنَّ للهِ يَدَين ووَجهًا وعينينِ؛ لأنَّ اللهَ وصَفَ بذلك نَفْسَه بكتابِه، فوجب إطلاقُ القَولِ بذلك، والاعتقادُ بأنَّها صفاتُ ذاتِه من غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تحديدٍ؛ إذ لا يُشبِهُه شيءٌ من المخلوقاتِ، هذا قَولُ المحقِّقين من المتكَلِّمين، وتوقَّف كثيرٌ من الشُّيوخِ عن إثباتِ هذه الصِّفاتِ الخَمسِ، وقالوا: لا يجوزُ أن يَثبُت في صفاتِ اللهِ ما لم يُعلَمْ بضرورةِ العَقلِ ولا بدليلِه، وتأوَّلوها على غيرِ ظاهِرِها، فقالوا: المرادُ بالوَجهِ الذَّاتُ، كما يقالُ: وَجهُ الطَّريقِ، ووَجهُ الأمرِ ذاتُه ونَفْسُه، والمرادُ بالعينين إدراكُ المرئيَّاتِ، والمرادُ باليَدَين النِّعْمتان، وقَولُه تعالى: ((بِيَدَيَّ))، أي: لِيَدَيَّ؛ لأنَّ حُروفَ الخَفضِ يُبدَلُ بَعضُها من بعضٍ، والصَّوابُ قَولُ المحَقِّقين الذين أثبَتوها صفاتٍ لذاتِه تعالى، وهو الذي قاله مالكٌ في هذه الرِّوايةِ) يُنظر: ((البيان والتحصيل)) (16/401)
وقال أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ: (ذِكْرُ إثباتِ وَجْهِ اللهِ عزَّ وجلَّ الذي وصَفَه بالجَلالِ والإكرامِ والبَقاءِ في قَولِه عزَّ وجلَّ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]) يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (1/199). ويُنظر: ((أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة)) للالكائي (3/412)، ((تفسير ابن جرير)) لقولِه تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وتفسير الآية نفْسها من ((أضواء البيان))، ويُنظر كلامُ البَغَويِّ في صِفة (الأصابع)، وكلامُ ابنِ كثيرٍ في صِفة (السمع).
وقال المقدسِيُّ: (من الصِّفاتِ التي نَطَق بها القُرآنُ، وصَحَّت بها الأخبارُ: الوَجهُ.
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وقال عَزَّ وجَلَّ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ فهذه صِفةٌ ثابتةٌ بنَصِّ الكِتابِ وخَبَر الصَّادقِ الأمينِ؛ فيجِبُ الإقرارُ بها والتسليمُ، كسائِرِ الصِّفاتِ الثَّابتةِ بواضِحِ الدَّلالاتِ) يُنظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 96، 98).
وقال ابنُ باز: (واجِبٌ على المؤمِنِ أن يؤمِنَ بكُلِّ ما أخبَرَ اللهُ عنه ورسولُه من أسماءِ اللهِ وصِفاتِه، ويَعرِفُها كما جاءت؛ لا يغَيِّرُ ولا يبَدِّلُ، ولا يزيدُ ولا يَنقُصُ، بل يَعرِفُها كما جاءت من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، بل تُثبَتُ كما أثبَتَها السَّلَفُ الصَّالحُ؛ فمِن ذلك الاستواءُ، والنُّزولُ، والوَجهُ، واليَدُ، والرَّحمةُ، والعِلمُ، والغَضَبُ، والإرادةُ، وغيرُ ذلك من صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فتُثبَت له سُبحانَه كما جاء في الكِتابِ العزيزِ، وكما جاء في السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، نُثبِتُها له كما أثبَتَها السَّلَفُ الصَّالحُ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، كما أثبتَتْها الرُّسُلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ) يُنظر: ((أصول الإيمان)) (ص: 59).
——
إلا أن إثبات صفة الوجه لله ثابتٌ بلا تمثيل ، ومن دلائل ذلك قوله سبحانه: “كل شيء هالك إلا وجهه” (القصص/88) وقوله ” وما تنفقون إلا ابتغاء وجـه الله ” (البقرة/272) وقوله: “والذين صيروا ابتغاء وجه ربهم” (الرعد/22) وحديث قصة الثلاثة الذين حُبِسوا في الغار وفيه: “اللهم إن كنت فعـلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحـن فيه ” البخـاري برقم : (2272) ومسلم برقم : (2743).
وإثبات ذلك هو ما عليه أهل الحديث، يقول عبد الواحد التميمي (ت: 410 هـ) في “معتقد الإمام أحمد” (ص/ 33) : “ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه: أن لله عز وجل وجهاً لا كالصور المصورة، والأعيان المخططة، بل وجه وصفة له بقوله “كل شيء هالك إلا وجهه” ومن غير معناه فقد ألحد عنه، وذلك عنده وجه في الحقيقة دون المجاز ، ووجه الله باق لا يبلى، وصفة له لا تفنى. ومن أدعى أن وجهه نفسه فقد ألحد، ومن غير معناه فقد كفر، وليس معنى وجه معنى جسم عنده ولا صورة ولا تخطيط، ومن قال ذلك فقد ابتدع” أ.هـ. وقال ابن جرير (ت: 310 هـ) في ” التبصير في معالم الدين” (ص 142): وله ]سبحانه[ يدان ويمين وأصابع ، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجهٌ لا كج وارح الخلق التي من لحم ودم ” أ.هـ. المراد وقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني (ت:449 هـ) في “عقيدة أصحاب الحديث” (ص/ 165) : ” وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ، ووردت به الأخبار الصحاح من : ” السمع ، والبصر ، والعين ، والوجه ، والعلم ، والقوة ، والقدرة 0 00 ” وقال البغوي (ت:516 هـ) في “شرح السنة ” (1/168): “والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل من صفات الله تعالى؛ كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا, والاستواء على العرش، والضحك، والفرح” أ.هـ.
مع أن احتمال الصفة في قوله : “ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” جَعَلَهُ جماعة دليلاً على صفة الوجه، ومنهم البيهقي في “الاعتقاد” (ص/89) حيث قال “وهذه صفات طريق إثباتها السمع، فَنُثْيِتُها لورود خير الصادق بها، ولا نكيفها قال الله تبارك وتعالى: “ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” فأضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: “ذو الجلال والإكرام” ولو كان ذكر الوجه صلة –]أي: زيادة[، ولم يكن للذات صفة لقال: ذي الجلال والإكرام. فلمـا قال: ذو الجلال والإكرام علمنا أنه نعت للوجه ، وهو صفة للذات” أ.هـ.
فائدة : قال ابن عطية في : “المحرر الوجيز” (15/333): “قرأ جمهور الناس: “ذو الجـلال” على صفة لفظـة الوجـه. وقرأ عبد الله بن مسعـود وأبي: “ذي الجلال” على صفات الرب”أ.هـ. وكذا قال جماعة. ولكن المعروف وجود الخلاف في قوله: “تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام”. قال أبو القاسم الشاطبي في “حرز الأماني”:
وآخرها يا ذي الجلال ابن عامر بـواو ورسـم الشام فيه تمثلا
قال الشيخ عبد الفتاح القاضي في :” الوافي في شـرح الشاطبية” (ص/366): “قرأ ابن عامر: (تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام) آخر السورة بالواو، وقرأ غيره (ذي الجلال) بالياء وهو مرسوم بالواو في مصحف الشاميين، وبالياء في مصحف غيرهم. وأما قوله تعالى: “ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” فقد اتفقوا على قراءته بالواو, وقد رُسم بالواو في جميع المصاحف العثمانية”أ.هـ. والله الموفق.
——
باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» رواه أبو داود١.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
[التعليق:]
باب: لا يرد من سأل بالله
وباب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
الباب الأول خطاب للمسئول:
وأنه إذا أدلى على الإنسان أحد بحاجة وتوسل إليه بأعظم الوسائل، وهو السؤال بالله، أن يجيبه احتراما وتعظيما لحق الله، وأداء لحق أخيه حيث أدلى بهذا السبب الأعظم.
والباب الثاني خطاب للسائل:
وأن عليه أن يحترم أسماء الله وصفاته، وأن لا يسأل شيئا من المطالب الدنيوية بوجه الله، بل لا يسأل بوجهه إلا أهم المطالب وأعظم المقاصد وهي الجنة بما فيها من النعيم المقيم، ورضا الرب والنظر إلى وجهه الكريم والتلذذ بخطابه، فهذا المطلب الأسنى هو الذي يسأل بوجه الله.
وأما المطالب الدنيوية والأمور الدنيئة وإن كان العبد لا يسألها إلا من ربه، فإنه لا يسألها بوجهه.
القول السديد شرح كتاب التوحيد ط الوزارة ١/١٨٩-١٩٠ — عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦)
——
فإن قيل: يلزم من إثبات صفة الوجه، واليد، والاستواء، ونحو ذلك مشابهة الخلق؟
فالجواب: أن وصفه بذلك لا يلزمه مشابهة الخلق، كما لم يلزم من وصفه بالسمع والبصر مشابهة الحوادث التي تسمع وتبصر؛ بل هو تعالى متصف بتلك الصفات المذكورة التي هي صفات كمال وجلال كما قال من غير مشابهة للخلق البتة فهي ثابتة له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما أن صفات المخلوقين ثابتة لهم حقيقة على الوجه المناسب لهم، فبين الصفة والصفة من تنافي الحقيقة ما بين الذات والذات.
فإن قيل: بينوا كيفية الاتصاف بها لنعقلها. قلنا: أعرفتم كيفية الذات المتصفة بها؛ فلا بد أن يقولوا: لا!
فنقول: معرفة كيفية الصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات فإن قال الخصم: هو ذات لا كالذوات، قلنا: وموصوف بصفات لا كغيرها من الصفات!
فسبحان من أحاط بكل شيء ولم يحط به شيء ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [سورة طه: ١١٠].
منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ١/٤٤-٤٥ — محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣)
——
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن في رواية النسفي لصحيح البخاري ، لفظة ( إِلَّا مُلْكَهُ ) منسوبة إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى ؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : ” قوله إلا وجهه إلا ملكه في رواية النسفي ، وقال معمر : فذكره ، ومعمر هذا : هو أبو عبيدة ، ابن المثنى وهذا كلامه في كتابه مجاز القرآن ، لكن بلفظ : إلا هو ” انتهى . ” فتح الباري ” ( 8 / 505 ) .
وعلى هذا يحتمل أن يكون البخاري ذكر هذا التفسير كاختيار له ، ويحتمل أنه ذكره كتفسير من التفاسير من غير أن يكون قد اختاره ، وقدمه على غيره من الأقوال الواردة في تفسير الآية . ثم إن التفسير ( إِلَّا مُلْكَهُ ) يستحيل أن يكون المقصود بملك الله أي : مخلوقات الله ، لأنه معلوم بطلان هذا المعنى لكل مسلم ؛ فالله تعالى قد نص أن مخلوقاته ستهلك . فيبقى أن يقال أنّ المقصود بالملك إذا صفة الملك لله تعالى ، إلا أنه يبقى هنا إشكال وهو : لماذا خصّ صفة الملك من بين باقي صفات الله تعالى ؟ وأقرب ما يمكن الجواب به أن يقال : إن شطرا كبيرا من سورة القصص : هو ذكر لقصة شخصين تجبرا وكفرا بسبب ملكهما ، وهما فرعون وقارون . قال الله تعالى في بداية قصة فرعون : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) القصص ( 4 ) . وقال الله تعالى في بداية قصة قارون : ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) القصص ( 76 ) . وذكر الله تعالى بين هاتين القصتين : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) القصص ( 58 ) . فناسب أن يقال : إن كل مالك ، وما يملك : سيهلك ، وستزول صفة الملك عنه ، ولا يبقى إلا الله تعالى ، فهو المالك على الحقيقة ؛ ولهذا يقول الله تعالى : ( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) غافر ( 16 ) . فيكون هذا التفسير : لا يراد به نفي الوجه ، وإنما هو تفسير للقرآن بالقرآن ، وهو تفسير للفظ ببعض ما يتعلق به من الصفات والمعاني ، مما يناسب سياق السورة ، لأن بقاء الوجه يلزم منه بقاء الله تعالى وصفاته ، ومنها صفة الملك . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ” فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسر من الأسماء ، أو بعض أنواعه ؛ ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى ، بل قد يكونان متلازمين … ” انتهى . ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 390 ).
والحاصل ؛ أنه مادام هنا اشكال وابهام قائم هل هذا التفسير للبخاري أم لمعمر ؟ ولماذا اختار لفظة ( إِلَّا مُلْكَهُ ) ؟ فنرجع لإزالة هذا الإشكال إلى عادة البخاري ومذهبه مع نصوص الصفات ، وننظر إلى تصرّف البخاري مع هذه الآية في مواضع أخرى ؛ لأن كلام العالم المجمل والمشكل يفسر على وفق عادة هذا العالم ومذهبه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ” فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا ، وتعرف ما عادته [ وما ] يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به ، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر ، فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه ، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده . وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه ، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه ، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضا ، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه ، كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه ، وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه ” انتهى من ” الجواب الصحيح ” ( 4 / 44 ) . وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : ” والكلمة الواحدة يقولها اثنان ، يريد بها أحدهما : أعظم الباطل ، ويريد بها الآخر : محض الحق . والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه ، وما يدعو إليه ويناظر عليه ” انتهى من ” مدارج السالكين ” ( 5 / 3954 ) . والبخاري معروف بأنه يثبت صفات الله تعالى ، ومنها صفة الوجه ، فإنه في كتاب التوحيد من صحيحه أجرى هذه الآية على ظاهرها ولم يؤولها . قال رحمه الله تعالى : ” بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص ( 88 ) . 7406 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ( قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) [ الأنعام: 65 ] ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ، فَقَالَ : ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) [ الأنعام: 65 ] ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ، قَالَ: ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ) [ الأنعام: 65 ] ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا أَيْسَرُ ) ” انتهى من ” فتح الباري ” ( 13 / 388 ) . قال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله تعالى : ” وأما قوله: ” إلا ملكه ” فهذا تأويل بعيد ، وهو مخالف لصنعه هنا ، حيث ذكر الآية ، ثم أتبعها بحديث جابر ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجهك ) . فهذا ظاهر جداً في أنه أراد إثبات الوجه صفة لله تعالى ” انتهى من ” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” ( 1 / 276 ) . ثالثا : من الأخطاء الشهيرة التي يقع فيها الناس كثيرا ، المثبت منهم والنافي : أنه إذا اعتقد إثبات صفة ، ظن أن كل نص ورد فيه ” لفظ ” هذه الصفة ، يلزم تفسيره بمعنى هذه الصفة ، والاستدلال به على إثباتها . وعكس ذلك النافي : إذا رأى في قول قائل من أهل العلم ، تفسير نص ، بما لا يدل على إثبات الصفة بهذا النص ؛ ظن منه أن هناك تلازما بين ذلك ، وبين نفي الصفة ، واستدل بذلك التفسير على أن القائل المعين من السلف : ينفي هذه الصفة المعينة ، أو ربما انتقل من ذلك إلى دعواه : أن يتأول باب الصفات بعامة . وكلا الأمرين خطأ واضح في الاستدلال ؛ فإنه لا يلزم من بطلان الدليل ، بطلان المدلول ، ولا يلزم من تأويل النص المعين ، تأويل الباب كله ، بل ولا نفي الصفة المعينة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وَأَمَّا قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ” قُرْبًا لَازِمًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ؛ وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ شَيْءٌ: فَهَذَا فِيهِ لِلنَّاسِ قَوْلَانِ. فَمَنْ يَقُولُ هُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَقُولُ بِهَذَا . وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهَذَا : لَهُمْ أَيْضًا فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا إثْبَاتُ هَذَا الْقُرْبِ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، يَقُولُونَ: هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ ، وَيُثْبِتُونَ هَذَا الْقُرْبَ. وَقَوْمٌ يُثْبِتُونَ هَذَا الْقُرْبَ؛ دُونَ كَوْنِهِ عَلَى الْعَرْشِ. وَإِذَا كَانَ قُرْبُ عِبَادِهِ مِنْهُ نَفْسَهُ ، وَقُرْبُهُ مِنْهُمْ : لَيْسَ مُمْتَنِعًا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ السَّلَفِ وَأَتْبَاعِهِمْ، مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ : لَمْ يَجِبْ أَنْ يُتَأَوَّلَ كُلُّ نَصٍّ فِيهِ ذِكْرُ قُرْبِهِ ، مِنْ جِهَةِ امْتِنَاعِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ : أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ قُرْبُهُ ، يُرَادُ بِهِ قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ ؛ بَلْ يَبْقَى هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ ، وَيُنْظَرُ فِي النَّصِّ الْوَارِدِ ؛ فَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا ، حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ . وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ ؛ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ قَدْ دَلَّ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ يَأْتِي ، فَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِعَذَابِهِ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ وقَوْله تَعَالَى فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا . فَتَدَبَّرْ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إذَا تَنَازَعَ الْنُّفَاةِ وَالْمُثْبِتَةُ فِي صِفَةٍ وَدَلَالَةٍ نُصَّ عَلَيْهَا ؛ يُرِيدُ الْمُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ – حَيْثُ وَرَدَ – دَالًّا عَلَى الصِّفَةِ ، وَظَاهِرًا فِيهَا ، ثُمَّ يَقُولُ النَّافِي : وَهُنَاكَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الصِّفَةِ ، فَلَا تَدُلُّ هُنَا. وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ: دَلَّتْ هُنَا عَلَى الصِّفَةِ ، فَتَكُونُ دَالَّةً هُنَاكَ . بَلْ لَمَّا رَأَوْا بَعْضَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ ، جَعَلُوا كُلَّ آيَةٍ فِيهَا مَا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى – إضَافَةَ صِفَةٍ – مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ؛ وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْغَلَطِ . فَإِنَّ الدَّلَالَةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ سِيَاقِهِ ، وَمَا يُحَفُّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ . وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ : يُرَادُ بِأَلْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنْهُمْ ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ : غَيْرُ الصِّفَاتِ. وَأَنَا أَذْكُرُ لِهَذَا مِثَالَيْنِ نَافِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : صِفَةُ الْوَجْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ الصفاتية، مِنْ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة ، وَكَانَ نَفْيُهَا مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّة ، مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَمَذْهَبَ بَعْضِ الصفاتية مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ = صَارَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ : كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْهِ ، جَعَلَهَا مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ ؛ فَالْمُثْبِتُ يَجْعَلُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُتَأَوَّلُ بِالصَّرْفِ ، وَالنَّافِي يَرَى أَنَّهُ إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ صِفَةً ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهَا. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، أَدْخَلَهَا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ طَوَائِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ حَتَّى عَدَّهَا ” أُولَئِكَ ” كَابْنِ خُزَيْمَة مِمَّا يُقَرِّرُ إثْبَاتَ الصِّفَةِ وَجَعَلَ ” النَّافِيَةَ ” تَفْسِيرَهَا بِغَيْرِ الصِّفَةِ حُجَّةً لَهُمْ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ. وَلِهَذَا لَمَّا اجْتَمَعْنَا فِي الْمَجْلِسِ الْمَعْقُودِ ، وَكُنْت قَدْ قُلْت: أَمْهَلْت كُلَّ مَنْ خَالَفَنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ السَّلَفِ يُخَالِفُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْته ، كَانَتْ لَهُ الْحُجَّةُ ، وَفَعَلْت وَفَعَلْت . وَجَعَلَ الْمُعَارِضُونَ يُفَتِّشُونَ الْكُتُبَ ، فَظَفِرُوا بِمَا ذَكَرَهُ البيهقي فِي كِتَابِ ” الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ” فِي قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ : أَنَّ الْمُرَادَ قِبْلَةُ اللَّهِ فَقَالَ أَحَدُ كُبَرَائِهِمْ – فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي – قَدْ أَحْضَرْت نَقْلًا عَنْ السَّلَفِ بِالتَّأْوِيلِ ؟ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا أَعَدَّ ، فَقُلْت: لَعَلَّك قَدْ ذَكَرْت مَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: الْمُرَادُ بِهَا : قِبْلَةُ اللَّهِ !! فَقَالَ: قَدْ تَأَوَّلَهَا مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَهُمَا مِنْ السَّلَفِ … قُلْت هَذِهِ الْآيَةُ : لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَصْلًا ، وَلَا تَنْدَرِجُ فِي عُمُومِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا تُؤَوَّلُ آيَاتُ الصِّفَاتِ. قَالَ: أَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْهِ ؟ فَلَمَّا قُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللَّهِ ، قَالَ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ؟ قُلْت: لَا ؛ لَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ ، فَإِنِّي إنَّمَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ – هُنَا – الْقِبْلَةُ ، فَإِنَّ ” الْوَجْهَ ” : هُوَ الْجِهَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، يُقَالُ: قَصَدْت هَذَا الْوَجْهَ ، وَسَافَرْت إلَى هَذَا ” الْوَجْهِ ” ، أَيْ: إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ ؛ وَهَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ . فَالْوَجْهُ : هُوَ الْجِهَةُ. وَهُوَ الْوِجْهة . كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ، أَيْ مُتَوَلِّيهَا، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا كَقَوْلِهِ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، كِلْتَا الْآيَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبَتَانِ ، وَكِلَاهُمَا فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ ، وَالْوَجْهِ ، وَالْوجِهَةِ : هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَتَيْنِ: أَنَّا نُوَلِّيهِ: نَسْتَقْبِلُهُ. قُلْت: وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا وَأَيْنَ مِنْ الظُّرُوفِ ، وَتُوَلُّوا أَيْ تَسْتَقْبِلُوا. فَالْمَعْنَى: أَيُّ مَوْضِعٍ اسْتَقْبَلْتُمُوهُ ، فَهُنَالِكَ وَجْهُ اللَّهِ . فَقَدْ جَعَلَ وَجْهَ اللَّهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ ، هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وَهِيَ الْجِهَاتُ كُلُّهَا ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْجِهَاتِ لَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ : إضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ؛ كَأَنَّهُ قَالَ : جِهَةُ اللَّهِ ، وَقِبْلَةُ اللَّهِ … وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: ” فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ ” : لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ الَّذِي يُنْكِرُهُ مُنْكِرُو تَأْوِيلِ آيَاتِ الصِّفَاتِ؛ وَلَا هُوَ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِمْ الْمُثْبِتَةُ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ ، وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى ثُبُوتِ صِفَةٍ ، فَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ ..” انتهى، من “مجموع الفتاوى” (6/15-17) .
——
[عن أبي موسى: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه -يعني: يخفض الميزان ويرفعه- يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفها -أي: لو كشف هذا الحجاب- لأحرقت سبحات وجهه) زاد عبد الله: (كل شيء أدركه بصره)]. فأثبت في هذا الحديث أن له وجهاً.
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: [(ما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)]، فإذا رفع هذا الحجاب رأى الناس ربهم تبارك وتعالى وذلك في الآخرة. أي المؤمنون.
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل عند البخاريومسلم في أبواب رؤية الرب تبارك وتعالى لأهل الإيمان.
إثبات السلف لصفة الوجه كسائر الصفات
أطبق سلفنا رضي الله عنهم وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب تبارك وتعالى، وإثباتها على ما يليق بالله، وهم لا يفسرونها ولا يؤولونها، وإنما يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها كما جاءت، وهذا مذهب سلفنا رضي الله عنهم في جميع الصفات الخبرية لله عز وجل، بل وفي جميع الصفات، فهم يؤمنون بها على ما وردت في النص دون أن يتعرضوا لها بالتأويل أو التحريف أو التمثيل أو التكييف، ولا يطلقون عليها شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة -أي: المعطلة أو المتأولون- مثل العضو أو الجزء.
المعطلة والمؤولة يقولون: الوجه لله عز وجل يلزم منه إثبات أنه كل يتجزأ. قالوا: فالوجه جزء من البدن والذات، فلو أننا قلنا: إن لله وجهاً للزم أن نقول: إن الله ذات مكون من أبعاض وأجسام وأجزاء.
وهذه هي شبهة الممثلة أو المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا بزعمهم الله تبارك وتعالى عن مشابهته للمخلوقين.
قالوا: ولو أننا أثبتنا الوجه للزم من ذلك أن نقول بالأبعاض أو الأجزاء للكل وللذات العلية، ولما كان هذا عندهم يتنافى مع تنزيه المولى تبارك وتعالى فقد قالوا: نحن لا نثبت له وجهاً؛ لأن إثبات الوجه يلزم منه أنه سبحانه وتعالى جسم.
وإن سلفنا رضي الله عنهم لم يذهبوا في هذه الصفة -كما لم يذهبوا في غيرها- إلى مثل هذه التأويلات، بل قالوا: نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، ونثبت له ما أثبته له رسوله من صفات الكمال، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله من صفات النقص، وإذا أثبتنا شيئاً لله تبارك وتعالى قد ورد في الكتاب والسنة فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله عز وجل، ولا نخوض فيه بتأويل أو تعطيل أو تحريف؛ لأننا لو عطلنا هذه الصفة وقلنا: ليس لله وجه فلابد وأن نكون مكذبين بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.
والله تبارك وتعالى أعلم بنفسه من خلقه، ونبيه أعلم به من بقية الخلق، وإذا كان الله تبارك وتعالى -وهو أعلم بذاته العلية- قد أثبت لنفسه الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا أثبت الرسل لله تبارك وتعالى الوجه فلم لا نثبته نحن؟
وإذا كنا متبعين غير مبتدعين فلم لا نتبع النبي عليه الصلاة والسلام فيما أمرنا؟ ولم لا ننته عما حذرنا منه؟ ولماذا نعطل الله تبارك وتعالى عن صفاته العلية وأسمائه الحسنى؟
وهنا أمر أكرره دائماً؛ لأنه في غاية الأهمية، وهو أن نعتقد معتقد السلف في صفات المولى تبارك وتعالى وفي أسمائه العلية، ولو نظرت الآن على وجه المعمورة والبسيطة لوجدت قلة قليلة جداً من أهل العلم -ولا أقول من طلاب العلم ولا من عامة الناس- يعتقدون معتقداً صحيحاً في الله عز وجل، وأما عامة أهل العلم فإنهم قد وقعوا فيما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وحذر منه أصحابه الكرام، فقد وقعوا في التأويل تارة، وفي التحريف تارة، وفي التعطيل تارة، وغير ذلك زعماً منهم أنهم ينزهون الله تبارك وتعالى.
شبهة نفاة صفة الوجه والرد عليهم
السلف لا يطلقون على هذه الصفات شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو، والجزء، والبعض، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفي هذه الصفة، بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار، فهم يقولون: لو أنكم أثبتم الوجه فلا بد أن تقولوا: إنه بعض من كل؛ لأن الوجه جزء من الجسم ومن البدن، فإذا أثبتنا لله عز وجل وجهاً فلابد وأنه جزء من ذاته، قالوا: كما أن إثبات اليد يستلزم أن تكون جزءاً من ذاته، وكذلك العين والساق، فهو إذاً: ذات مكونة من أبعاض وأجزاء وأجسام، وهذا كلام في غاية الإجرام في حق الله عز وجل.
والمخلوق مكون من أجزاء وأجسام وأبعاض، ولو سئلت: هل تقيس الخالق بالمخلوق؟ فلا بد وأنك ستقول: لا، فالذات تختلف عن الذات. أي: ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق.
وإذا كان هذا النافي أو المشبه يقول بهذا، فنقول له: اختلاف الذات عن الذات يستلزم اختلاف الصفات، وهذا يعني: أن نثبت الصفات، ولكن على الوجه اللائق بتلك الذات، فلما كانت الذات كاملة علية جليلة، فلابد وأن تكون الصفات كذلك، فنثبت لله تبارك وتعالى الوجه. وهم يقولون: الوجه هو الذات. فإذا سئلوا: لماذا تقولون إن الوجه هو الذات؟ لقالوا: اعتماداً على قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88].
ونحن نثبت لله تبارك وتعالى الساق والوجه واليد والعين والنفس، وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه، ولو قلنا بإثبات الوجه الحقيقي لله عز وجل لقال النفاة: يلزم من إثباتكم الوجه لله عز وجل: أن ذات الإله هالكة مع من يهلك، ولا ينج إلا وجهه، ويستشهدون بظاهر الآية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88].
رد ابن عثيمين على من أول الوجه بالذات
تعرض الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى لرد هذه الشبهة بكلام ممتع وجميل جداً فقال: فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات، فيخشى أن تكون حرفت -يعني: عطلت- فإذا قلت: إن هذا الوجه عبارة عن الذات فيكون المعنى: إنه ذات بلا وجه، كما قال أحد المفسرين: إن الله تبارك وتعالى ليس له وجه، فالله تبارك وتعالى يثبت أن له وجهاً، وهو يقول: ليس لله تبارك وتعالى وجه. وقال في قوله تعالى في سورة القصص: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، أي: إلا ذاته. لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فنفى الوجه عن الله تبارك وتعالى نفياً صريحاً، وقال: الوجه عبارة عن الذات حيث إنه لا وجه له؛ لأنه يلزمنا من إثبات الوجه أن نشبهه بالمخلوقين، ولما كان لا يشبه المخلوقين ولا يشبهه مخلوق يلزمنا نفي صفة الوجه.
ولذلك قال صراحة في قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]. أي: إلا ذاته؛ لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء.
وهذا الرجل الكبير هو فريد وجدي ، وتفسير فريد وجدي يقع في مجلد عظيم، وقد سلك فيه مسلك الأشاعرة في كل الصفات، وقد نفى عن الله تبارك وتعالى صفة الوجه التي أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.
يقول ابن عثيمين -رحمه الله- : إن قلت المراد بالوجه الذات فيخشى أن تكون حرفت، وهذا التحريف يستلزم التعطيل، وإن أردت بالوجه نفس الصفة -أي: صفة الوجه- وقعت في محذور، وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه.
يقول: والجواب: إن أردت بقولك إلا ذاته يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله، فهذا صحيح، ويكون هنا عبر بالوجه عن الذات لمن له وجه. أي: بذات لها وجه.
وإن أردت بقولك الذات: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه، فهذا تحريف وهو غير مقبول.
أي: أن ابن عثيمين مشى على قاعدة: أن السلف يثبتون الصفة ولازمها، فهو يقول: إذا أردت بالوجه الذات فلا بأس بهذا المراد إذا كنت تثبت أن هذه الذات لها وجه، وأما إذا قصدت أن الوجه هنا يعني الذات المجردة عن الصفة فهذا تحريف وتعطيل.
إذاً: لا بأس أن تقصد بالوجه الذات، ولكن مع الإيمان بأن هذه الذات لها وجه.
وهذا كلام جميل ومقبول، وإن كنت لا أستريح راحة كاملة لهذا التأويل، وهذا التفسير والبيان، ولكني أؤمن بالصفة كما جاءت هكذا، ولكن يلزمني أن أجيب عن السؤال، وأقول: من قال: إن الهلاك يلزم كل شيء إلا الوجه، وأن الله تبارك وتعالى يهلك فقد كفر.
ويكون معنى الآية: إن الله تبارك وتعالى يهلك كل عباده ولا يهلك هو؛ لأن الهلاك صفة عجز ونقص، وهذا لا يجوز على المولى تبارك وتعالى، بل تبقى ذاته ويبقى وجهه، وربما يكون هذا صياغة أخرى لكلام الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، ولذلك يقول: وعليه فنقول: إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء.
والفرق بين هذا القول وبين قول أهل التحريف: إن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات ولا وجه لهذه الذات. ونحن نقول: المراد بالوجه الذات المتصفة بأن لها وجهاً، فعبرنا به عن الذات. أي: فعبرنا بالوجه عن الذات رداً على هذه الشبهة.
وهناك أدلة أخرى في كتاب الله عز وجل تدل على إثبات هذه الصفة -أي: صفة الوجه لله- ومنها:
قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272].
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد:22].
ومن السنة: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لما قسم النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم يوم حنين قام إليه رجل وقال: يا محمد! إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله). فأثبت الوجه لله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟). يعني: إذا عم الظلم في الأرض فمن يعدل إلا الأنبياء والرسل؟
والشاهد من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على سياق هذا الكلام وفهمه وأن لله وجهاً، وهذا الرجل هو زعيم الخوارج، ولما ولى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليخرجن من ضئضئ هذا -أي: من صلبه وظهره- قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم. قال: فإذا لقيتموهم فاقتلوهم). وهم الخوارج.
فهذا إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام لفهم هذا الرجل أن لله تعالى وجهاً.
ومنها: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وقصتهم طويلة معروفة مشهورة، وقال كل واحد منهم: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه. والحديث في الصحيحين.
وحديث سعد بن أبي وقاص الطويل الذي فيه: (لما مرض سعد زاره النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله! إني رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بمالي؟ قال: لا. قال: أفأتصدق بشطره؟ -أي: بنصفه- قال: لا. قال: أفأتصدق بثلثه؟ قال: بالثلث، والثلث كثير).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وددت أن الناس نزلوا من الثلث إلى الربع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (والثلث كثير).
ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). أي: يمدون أكفهم للناس ويتسولون.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إنك لن تخلف -أي: لن تترك شيئاً خلفك- فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه). أو (إلا ازددت به درجة ورفعة).
تأويل أهل التحريف للوجه بالثواب والرد عليهم
أيضاً: فسر أهل التحريف وجه الله بالثواب، فقالوا: المراد بالوجه هنا: الثواب، فكل شيء يفنى إلا ثواب الله عز وجل فإنه لا يفنى.
وإذا قلنا: إن الوجه الثواب لزمنا أن نقول: إن الذات غير متصفة بالوجه. يعني: أنها ذات بلا وجه، وهذا تعطيل.
ففسروا الوجه الذي هو صفة كمال لله عز وجل بشيء مخلوق بائن عن الله قابل للعدم والوجود؛ لأن الثواب إذا شاء الله تبارك وتعالى أوجده وإذا شاء جعله هباء منثوراً، فالثواب بيد الله عز وجل، فهو يثيب عبداً ولا يثيب آخر، والثواب على هذا النحو مخلوق؛ لأنه حادث، فأنت لن تثاب إلا إذا عملت، فثواب الله تبارك وتعالى مخلوق حادث ومترتب على العمل، والعمل كذلك مخلوق وحادث، فإذا قلنا: إن الوجه في الآية المراد به الثواب فالثواب حادث، ووجه الله تبارك وتعالى ليس حادثاً، فلا يصح أن نقول: إن الوجه مقصود به الثواب، بل الذي يصح أن نثبت لله تبارك وتعالى وجهاً على المعنى الذي يليق بكماله وجلاله، فإذا فسر بالثواب صار من باب الممكن الذي يجوز وجوده وعدمه.
بيان أن كل الآيات التي ذكرت الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له
الأصل أن كل آية فيها إثبات الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له، كما في قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ[الأنعام:52].
وقوله: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:19-20]. وما أشبههما من الآيات، فالأصل أن المراد بالوجه المضاف إلى الله عز وجل وجه الله تبارك وتعالى، الذي هو صفة من صفاته.
اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وبيان الصحيح منها
اختلف المفسرون في آية واحدة، وهي قوله الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، فقال بعضهم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا أي: إلى أي مكان وليتم وجوهكم عند الصلاة، فَثَمَّ أي: فهناك وجه الله عز وجل.
ومنهم من قال: إن الوجه بمعنى الجهة، وإن معنى فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] أي: فثم الجهة التي وجهكم الله تعالى إليها، وهذا تأويل أيضاً، فأولوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] أي: فثم الجهة، فأولوا الوجه بالجهة، وقالوا: إن الوجه بمعنى الجهة؛ لقوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148]. فلم يقل: لكل وجه هو موليه، ولكن قال: لكل وجهة.
فالوجه عند هؤلاء هو الجهة، أي: فثم جهة الله التي يقبل الله صلاتكم إليها، قالوا: لأنها نزلت في حال السفر، فإذا صلى الإنسان النافلة فإنه يصلي حيث كان وجهه، أو إذا اشتبهت عليه القبلة، فإنه يتحرى ويصلي، سواء كان ذلك في الفرض أو في النافلة.
والصحيح أن المراد بالوجه هنا هو وجه الله تبارك وتعالى الحقيقي، أي: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله تبارك وتعالى؛ لأن الله محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله يقبل عليه بوجهه، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يبصق الرجل عن أمامه أو عن يمينه، ولكن إذا أراد أن يبصق فليبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، فإن الملائكة تلازم يمينه، وإن الله تبارك وتعالى من تلقاء وجهه.
فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة فيه واجتهدت وتحريت وصليت ثم بان أن القبلة خلفك فالله يكون قبل وجهك حتى في هذه الحال، ويقبل عليك بوجهه؛ لأنك قد بذلت ما في وسعك وتحريت ما أمكنك. وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية.
قال الراجحي : الأدلة على إثبات صفة الوجه من الكتاب
استدل المؤلف على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز ومن السنة المطهرة، قال الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88]، ففيها إثبات صفة الوجه.
وقال عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:27]، وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله عز وجل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضاً، وصفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله عز وجل، والأشاعرة يتأولونها، فمنهم من يؤولها بالذات كما في تفسير الجلالين، ففيه: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن:27] أي: ذاته، وقصده من ذلك تأويل صفة الوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات، وكذلك بعض الأشاعرة كـ الآمدي وغيره أولوا الوجه بالذات، وبعض الأشاعرة المحدثين -كـ البيهقي وغيره- فوضوا هذه الصفة، وكذلك ابن فورك والتفويض معناه: تفويض المعنى، فيقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة فنفوضها إلى الله، وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، والمفوضة شر من المعطلة، فهم الذين لا يثبتون معاني الصفات فيقولون: لا ندري ما معنى الاستواء، وما معنى اليدين، وما معنى الوجه، فيتعاملون معها كأنها حروف أعجمية لم نفهم معناها! وهذا غلط؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمر بتدبر القرآن كله، وليس آية دون أخرى، فقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17].
وأهل الحق أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها وفوضوا الكيفية، فالكيفية لا يعلمها إلا الله كما قال الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب.
” شرح الاقتصاد في الاعتقاد ”
قوله {فاينما تولوا فثم وجه الله} (5) البقرة 115، فان هذه الآية اختلف فيها هل هي من آيات الصفات أم لا وسواء حصل الاختلاف ام لا، فهل يصح ان يقال ذلك في بقية المواضع التي ذكر فيها الوجه؟ وقد اطال ابن القيم في مختصر الصواعق في بيان هذه المسألة من اثنين وعشرين وجهاً (6) وقد أورد الامام البخاري رحمه الله آية القصص في كتاب التفسير فقال (كل شيء هالك إلاّ وجهه) إلاّ ملكه ويقال: إلاّ ما أريد به وجه الله فهل أول البخاري هنا؟ أو هل رضي بالتأويل؟
والجواب: أن البخاري لا ريب ممن يثبت صفة الوجه لله تبارك وتعالى على الحقيقة ويدل على ذلك انه أوردها مبوباً لها في كتاب التوحيد وهو مظنة هذه الامور الاعتقادية، ثم اتبعها بحديث (أعوذ بوجهك) فلا إشكال في إثباته للوجه صفة لله، وأما قوله إلاّ ملكه أو ما أريد به وجه الله فقد أوردها في كتاب التفسير عند تفسير سورة القصص، ومعلوم انه يريد بذلك ان هذا من تفسيرها التي تفسر به والذي يلاحظ ان البخاري ينقل عن أئمة اللغة والسلف معاني التفسير خاصة الفراء وابي عبيدة معمر بن المثنى، وقد فهم بعض شراح البخاري ان هذا تأويل منه واحتج بان قوله إلاّ ملكه غير مستقيم لان معنى الآية يكون حينئذٍ (كل شيء هالك إلاّ كل شيء) فان كل شيء ملكه (7) ولكن البخاري هنا رحمه الله مشى على منهجه في كتاب التفسير وهو ايراد معاني الآية فان قوله (إلاّ ما اريد به وجهه) مروي عن ابن عباس ومجاهد وسفيان كما في الدرر المنثور (8) وذكر ابو عبيدة (9) في مجاز القرآن والفراء (10)
__________
مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري
اثبات صفة الوجه لله عز وجل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار: الوجه، قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
قال عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
وروى أبو موسى رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)].
من الصفات التي جاءت في القرآن العزيز وثبتت في السنة المطهرة: صفة الوجه لله عز وجل؛ ولهذا قال المؤلف: (ومن الصفات التي نطق بها القرآن) وهذا كقول الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ﴾ [الجاثية:٢٩] فنطق به القرآن، يعني: أثبتها الله تعالى في كتابه، قال: (وصحت بها الأخبار) أي: الأحاديث عن رسول الله ﷺ، (الوجه) أي: صفة الوجه.
٣ / ١٠
الأدلة على إثبات صفة الوجه من الكتاب
استدل المؤلف على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز ومن السنة المطهرة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ففيها إثبات صفة الوجه.
وقال عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله عز وجل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضًا، وصفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله عز وجل، والأشاعرة يتأولونها، فمنهم من يؤولها بالذات كما في تفسير الجلالين، ففيه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: ذاته، وقصده من ذلك تأويل صفة الوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات، وكذلك بعض الأشاعرة كـ الآمدي وغيره أولوا الوجه بالذات، وبعض الأشاعرة المحدثين -كـ البيهقي وغيره- فوضوا هذه الصفة، وكذلك ابن فورك والتفويض معناه: تفويض المعنى، فيقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة فنفوضها إلى الله، وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، والمفوضة شر من المعطلة، فهم الذين لا يثبتون معاني الصفات فيقولون: لا ندري ما معنى الاستواء، وما معنى اليدين، وما معنى الوجه، فيتعاملون معها كأنها حروف أعجمية لم نفهم معناها! وهذا غلط؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمر بتدبر القرآن كله، وليس آية دون أخرى، فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
وأهل الحق أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها وفوضوا الكيفية، فالكيفية لا يعلمها إلا الله كما قال الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب.
فنحن نعرف معنى العلم وأنه ضد الجهل، ونعرف معنى السمع وأنه ضد الصمم، ونعرف معنى البصر وأنه ضد العمى، فنثبت المعاني، وابن فورك يقول: ما نعرف معنى البصر، ولا ندري معنى السمع، ولا ندري معنى العلم، فيفوض معاني الصفات، وهذا باطل، فالمعاني معلومة، وإنما الذي لا يعلم هو الكيف، فكيفية صفة السمع، وكيفية صفة الاستواء، وكيفية صفة الوجه لا يعلمها إلا الله، أما المعنى فهو معلوم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (من الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار: الوجه) واستدل بآيتين من كتاب الله، الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وفيه إثبات صفة الوجه.
٣ / ١١
الأدلة على إثبات صفة الوجه من السنة النبوية
واستدل من السنة بأدلة منها حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الذي رواه الشيخان وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)، فقوله: (إلا رداء الكبرياء على وجهه) فيه إثبات الوجه، وفيه إثبات أن الله تعالى يُرى يوم القيامة، وفيه إثبات الكبرياء لله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧]، فهذا الحديث فيه إثبات ثلاث صفات: صفة الوجه، وصفة الرؤية، وصفة الكبرياء.
والرؤية سيتكلم عليها المؤلف رحمه الله بكلام خاص، فهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع.
قوله: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) هذا خاص بالمؤمنين، فالمؤمنون يرون ربهم سبحانه وتعالى في الجنة، وفي موقف القيامة يرونه أيضًا، وأما غير المؤمنين فقد اختلف العلماء في رؤيتهم لله في موقف القيامة، فمن العلماء من قال: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفرة.
ومن العلماء من قال: إنه لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، وجرت عليهم أحكام الإسلام، ويكونون معهم في الآخرة، ثم بعد ذلك ينفصل المؤمنون عن الكفار ويضرب بينهم بسور له باب.
وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يراه إلا المؤمنون وأما الكفار فإنهم يحجبون عن الله، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
والذين قالوا: إن الكفار يرونه يوم القيامة، قالوا: هذه الرؤية لا تفيدهم بل يزدادون بها عذابًا إذا حجبوا، مثل المسيء حينما يرى السلطان ثم يعاقبه فإنه لا يستفيد من هذه الرؤية إلا عقوبة.
وفيه إثبات الجنة وأن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم، فقوله: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) هذا للمقربين السابقين، وقوله: (وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) هذا لأصحاب اليمين كما قال الله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨].
﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠].
هذه للمقربين، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] هذه لأصحاب اليمين ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] فهي أربع جنات، والمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم في الجنة على حسب أعمالهم.
وفيه الرد على من أنكر وجود الجنة والنار من الجهمية والمعتزلة، ويقولون: إنهما لا توجدان إلا يوم القيامة، وأما الآن فهما عدم، وهذا من أبطل الباطل، فالله تعالى أخبر أن الجنة موجودة، والنار أعدت للكافرين، ويفتح للمؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب من النار يأتيه من حرها وعذابها، وأرواح المؤمنين تنعم في الجنة، وأرواح الكفار تعذب في النار، وفي الجنة الولدان والحور، وقول المعتزلة من أبطل الباطل، وكذلك الجهمية يقولون: إن الجنة والنار تفنيان جميعًا، وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله: [وروى أبو موسى قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بأربع فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل:٨]).
رواه مسلم].
هذا الحديث رواه الإمام مسلم كما قال المؤلف رحمه الله، ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والبيهقي في الأسماء والصفات.
وفي لفظ لـ مسلم قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه)، ففيه أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام؛ لأن النوم ضعف يحتاج إليه المخلوق الضعيف حتى يستريح، والله تعالى لا يتعب ولا يلحقه تعب، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] سبحانه وتعالى.
قوله: (يخفض القسط ويرفعه) القسط هو العدل.
قوله: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النار)، وفي لفظ: (حجابه النور)، (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)، وفي لفظ: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل:٨]).
هذا الحديث استدل به المؤلف على إثبات صفة الوجه والشاهد من الحديث قوله: (لأحرقت سبحات وجهه) ففيه إثبات الوجه لله تعالى.
وفيه أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا؛ لأنه احتجب عن خلقه سبحانه وتعالى بالنار أو بالنور، ولو كشف الحجاب لاحترق الخلق ولما استطاعوا أن يثبتوا لرؤية الله في الدنيا؛ ولهذا لما كلم الله موسى بدون واسطة من وراء حجاب طمع موسى عليه الصلاة والسلام في الرؤية فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لا تستطيع ولا تتحمل الرؤية، ولكن انظر إلى الجبل، وهو جبل صخر عظيم، قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: إن ثبت الجبل فأنت تستطيع أن تراني، وإلا فلا، فلما تجلى الله للجبل دُكَّ الجبل وساح وخر موسى صعقًا، أي: أغمي عليه، فلما أفاق موسى قال: سبحانك! تبت إليك وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك بشر في الدنيا إلا مات، ولا جبل إلا دُك؛ ولهذا كان الصواب أن نبينا ﷺ لم ير ربه في المعراج، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات من وراء حجاب، ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا لا من الأنبياء، ولا من الملائكة ولا من غيرهم، فقد احتجب الله من خلقه، بالنار أو النور، وجاء في آثار أنه احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وثلج، فلا يستطيع أحد أن يرى الله ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله في الدنيا، ولو كشف الحجاب لاحترقوا، ولكن يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون فيها رؤية الله، فينظر المؤمنون إلى ربهم يوم القيامة، فالمؤمنون ينشئون يوم القيامة نشأة قوية، فتتبدل الصفات والذات هي هي، الجسد هو الذي كان في الدنيا، يبلى كله في القبر إلا عجب الذنب، ثم يعيده الله إلى ما كان عليه، إلا أن الصفات تتبدل، فينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون بها رؤية الله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، ويدخل في هذا القول كل البشر، ومنهم النبي عليه الصلاة والسلام فإنه بشر كلمه الله من وراء حجاب، وهذا هو الصواب.
وقال بعض أهل العلم: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج ببصره وهذا خطأ، والصواب: أنه رآه بقلبه ولم يره بعين بصره، وهذا ما عليه المحدثون والصحابة وغيرهم.
فهذا الحديث فيه تنزيه الله عن النوم، وفيه أن الله احتجب من خلقه بالنار أو بالنور، وفيه أن الله لا يراه أحد في الدنيا لقوله: (لأحرقت سبحات وجهه كل شيء).
ومحمد ﷺ شيء، وفي اللفظ الآخر: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: جميع الخلق، ومحمد ﷺ من الخلق، فلم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه، ولكنه سمع كلام الله من دون واسطة من وراء حجاب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات].
صفة الوجه صفة ثابتة بنص الكتاب كما قال الله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وبخبر الصادق الأمين؛ لذلك يجب التسليم والإقرار بها، ويجب على كل مسلم أن يقر بصفة وجه الله عز وجل كسائر الصفات الثابتة، خلافًا لمن أنكر الصفات كالجهمية والمعتزلة، فقد قالوا: ليس لله وجه ولا علم ولا سمع ولا بصر، وخلاف الأشاعرة الذين تأولوها بالذات، وبعضهم فوضها كـ البيهقي.
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للراجحي 10/
وقال ابن القيم – رحمه الله – :
فتأمل رفعَ قولِه ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) عند ذكر ” الوجه ” ، وجرَّه في قوله ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 78 ، فـ ( ذو ) الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه ، و ( ذي ) المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم ، فتأمله .
” مختصر الصواعق ” ( ص 409 ) .
قال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله – :
فنحن وجميع علمائنا ، من أهل الحجاز ، وتهامة ، واليمن ، والعراق ، والشام ، ومصر ، مذهبنا : أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه ، نقرُّ بذلك بألسنتنا ، ونصدِّق ذلك بقلوبنا ، من غير أن نشبِّه وَجْه خالقنا بوَجْه أحدٍ من المخلوقين ، عزَّ ربُّنا أن يشبه المخلوقين ، وجلَّ ربُّنا عن مقالة المعطلين .
” كتاب التوحيد ” ( 1 / 18 ) .
قال ابن باز -رحمه الله-:
والسؤال بوجه الله لا ينبغي إلا إذا كان يسأل الجنة وما يُقرِّب إليها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة، والحديث في إسناده بعض الشيء، لكنه مُقاربٌ، تعظيمًا لله جل وعلا، وأنه لا يُسأل بوجهه إلا الشيء العظيم، وهو الجنة وما يُقرِّب إليها، كسؤال الثبات على الحق، والاستقامة على الهدى، وحُسن الختام، وأشباه ذلك؛ لأن هذا سؤال يؤدي إلى الجنة.
ومن هذا ما جاء في الحديث: أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة لما خرج من الطائف عليه الصلاة والسلام.
فالمقصود أنَّ سؤال الله بوجهه أو بنور وجهه إذا كان في الجنة وما يُقرِّب إليها فلا بأس. [مجموع الفتاوى]
قال شيخ الإسلام: «وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية فنقول: تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين، من أن المعنى كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه، فأنه ذَكر ذلك بعد نهيه عن الإشراك، وإن يدعو معه إلها آخر، وقوله لا إله إلا هو يقتضي أظهر الوجهين وهو أن كل شيء هالك إلا ما كان لوجهه من الإيمان والأعمال وغيرهما». بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (١/ ٥٨٠) (تحقيق: عبد الرحمن بن قاسم). وانظر مجموع الفتاوى (٢/ ٢٨ – ٣١).
٤٩ – قال الحافظ ابن حجر : ٨/ ٥٠٥:والمراد بالوجه الذات، والعرب تعبر بالأشرف عن الجملة .. «.
ــ التعليق ــ
قال بعض المشايخ في تعليقه على فتح الباري : إن أراد بذلك التفسير نفي حقيقة الوجه الموصوف بالجلال والإكرام وبالأنوار فهو باطل، وهو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ووافقهم على ذلك متأخرو الأشاعرة، لذلك يتأولون كل ما ورد في الوجه لله عزوجل ، ومن ذلك قولهم: المراد بالوجه الذات، وهذا هو الجاري على طريقة الحافظ في أكثر المواضع.
وإن أراد بهذا التفسير بيان أن المراد بالكلام إثبات وصف البقاء، وعدم الهلاك للرب سبحانه بذاته وصفاته، لا لخصوص الوجه، فتكون دالة على بقائه سبحانه، وعلى إثبات وجهه، فهذا هو الحق، وهو يستلزم بقاء ما أريد به وجهه، وسياق الآية يرشد إلى هذا المعنى، وذلك في قوله تعالى:»ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه”.
المخالفات العقدية في فتح الباري ٨/٥٠٥ — (معاصر)*
——-
قال محمد خليل هراس:
قَوْلُهُ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} إلخ، تضمَّنت هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِثْبَاتَ صِفَةِ الْوَجْهِ لِلَّهِ عز وجل.
وَالنُّصُوصُ فِي إِثْبَاتِ الْوَجْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تُحصى كَثْرَةً، وَكُلُّهَا تَنْفِي تَأْوِيلَ المعطِّلة الَّذِينَ يُفَسِّرُونَ الْوَجْهَ بِالْجِهَةِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الذَّاتِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ الْوَجْهَ صفةٌ غيرُ الذَّاتِ، وَلَا يَقْتَضِي إِثْبَاتُهُ كَوْنَهُ تَعَالَى مُرَكَبًّا مِنْ أَعْضَاءٍ، كَمَا يَقُولُهُ المجسِّمة، بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَلَا يُشْبِهُ وَجْهًا وَلَا يُشْبِهُهُ وَجْهٌ.
واستدلَّت المعطِّلة بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ؛ إِذْ لَا خُصُوصَ لِلْوَجْهِ فِي الْبَقَاءِ وَعَدَمِ الْهَلَاكِ.
وَنَحْنُ نُعَارِضُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ عز وجل وجهٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا جَاءَ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِي مَعْنَى الذَّاتِ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ.
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ مَجَازِهِمْ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْنَدَ الْبَقَاءَ إِلَى الْوَجْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الذَّاتِ؛ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ الذَّاتَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَقْلًا عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَضَافَ الْوَجْهَ إِلَى الذَّاتِ، وَأَضَافَ النَّعْتَ إِلَى الْوَجْهِ، فَقَالَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام} ؛ دلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْوَجْهِ [لَيْسَ بِصِلَةٍ] (1) ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام} صفةٌ لِلْوَجْهِ، وَالْوَجْهُ صفةٌ للذَّات.
وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْوَجْهِ بِالذَّاتِ أَوْ بِغَيْرِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ عليه السلام فِي حَدِيثِ الطَّائِفِ: ((أعوذُ بنورِ وجهِكَ الَّذِي أشرقتْ لَهُ الظُّلُمات … ))
إلَخْ (1) ، وَقَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: ((حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَات وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) (2) ؟!
[شرح العقيدة الواسطية – الهراس ص114]