7393 إلى 7401 تحضير صحيح البخاري
تحضير أحمد بن علي وحسين البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
صحيح البخاري
كتاب التوحيد
بَابُ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا
٧٣٩٣ – حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» تَابَعَهُ يَحْيَى وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَزَادَ زُهَيْرٌ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ.
٧٣٩٤ – حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.»
٧٣٩٥ – حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.»
٧٣٩٦ – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا.»
٧٣٩٧ – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ، قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَأَمْسَكْنَ فَكُلْ، وَإِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْ.»
٧٣٩٨ – حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثًا عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ، لَا نَدْرِي: يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ
عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللهِ وَكُلُوا» تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ.
٧٣٩٩ – حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ.»
٧٤٠٠ – حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ : «أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ.»
٧٤٠١ – حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ.»
——
في شرح ابن عثيمين :
القارئ : باب السؤال في أسماء الله تعالى والاستعاذة بها.
الشيخ : السؤال بأسماء الله دل عليه قوله تعالى : (( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها )) وسبق لنا أن معنى قوله تعالى : (( فادعوه بها )) يتضمن شيئين الأول : أن تتعبد لله عز وجل بمقتضى هذه الأسماء فيكون الدعاء في قوله : (( فادعوه بها )) بمعنى العبادة والثاني : أن تجعلها وسيلة لك في الدعاء بأن تذكرها بين يدي الدعاء أو أن تختم الدعاء بها فتقول يا غفور اغفر لي ويا سميع اجعل لي سامعا وما أشبه ذلك. فلقوله تعالى : (( فادعوه بها )) معنيان المعنى الأول : التعبد لله بمقتضاها لأن الدعاء يأتي بمعنى العبادة (( وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين )) والثاني : سؤال الله بها أي تجعلها وسيلة لك في الدعاء سواء جعلتها بين يدي الدعاء أو ختمت بها الدعاء. أما الاستعاذة بها فظاهر تقول : اللهم إني أعوذ باسمك الأعظم أعوذ بكلمات الله التامات يعني تعوذ بأسماء الله وصفات الله
شرح ابن عثيمين على البخاري
قال ابن تيمية :
٧٩٦- وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ، ولم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو الصحيح.
٧٩٧- وكذلك لا يستعاذ بالمخلوقات، بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته، ولهذا احتج السلف -كأحمد وغيره- على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به بقول النبي ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامات» قالوا: فقد استعاذ بها، ولا يستعاذ بمخلوق.
قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ١/٢٩٦ — ابن تيمية
قال ابن تيمية :
ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺮﻑ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻦ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻒ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ اﻻﺳﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ؛ ﺑﻞ ﻫﺬا ﻗﺎﻟﻪ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻨﺘﺴﺒﻴﻦ ﺇﻟﻰ اﻟﺴﻨﺔ ﺑﻌﺪ اﻷﺋﻤﺔ ﻭﺃﻧﻜﺮﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻋﻠﻴﻬﻢ. ﺛﻢ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﻣﺴﻚ ﻋﻦ اﻟﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻧﻔﻴﺎ ﻭﺇﺛﺒﺎﺗﺎ؛ ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻹﻃﻼﻗﻴﻦ ﺑﺪﻋﺔ ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻩ اﻟﺨﻼﻝ ﻋﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺤﺮﺑﻲ ﻭﻏﻴﺮﻩ؛ ﻭﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻩ ﺃﺑﻮ ﺟﻌﻔﺮ اﻟﻄﺒﺮﻱ ﻓﻲ اﻟﺠﺰء اﻟﺬﻱ ﺳﻤﺎﻩ ” ﺻﺮﻳﺢ اﻟﺴﻨﺔ ” ﺫﻛﺮ ﻣﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭاﻟﺮﺅﻳﺔ ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭاﻟﻘﺪﺭ ﻭاﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ. ﻭﺫﻛﺮ ﺃﻥ ” ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﻠﻔﻆ ” ﻟﻴﺲ ﻷﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻼﻡ؛ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﻟﻢ ﻧﺠﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻼﻣﺎ ﻋﻦ ﺻﺤﺎﺑﻲ ﻣﻀﻰ ﻭﻻ ﻋﻦ ﺗﺎﺑﻌﻲ ﻗﻔﺎ ﺇﻻ ﻋﻤﻦ ﻓﻲ ﻛﻼﻣﻪ اﻟﺸﻔﺎء ﻭاﻟﻐﻨﺎء ﻭﻣﻦ ﻳﻘﻮﻡ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻣﻘﺎﻡ اﻷﺋﻤﺔ اﻷﻭﻟﻰ ” ﺃﺑﻮ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ” ﻓﺈﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ: اﻟﻠﻔﻈﻴﺔ ﺟﻬﻤﻴﺔ. ﻭﻳﻘﻮﻝ: ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﻟﻔﻈﻲ ﺑﺎﻟﻘﺮﺁﻥ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﻓﻬﻮ ﺟﻬﻤﻲ ﻭﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﻏﻴﺮ ﻣﺨﻠﻮﻕ ﻓﻬﻮ ﻣﺒﺘﺪﻉ. ﻭﺫﻛﺮ ﺃﻥ اﻟﻘﻮﻝ ﻓﻲ اﻻﺳﻢ ﻭاﻟﻤﺴﻤﻰ ﻣﻦ اﻟﺤﻤﺎﻗﺎﺕ اﻟﻤﺒﺘﺪﻋﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻓﻴﻬﺎ ﻗﻮﻝ ﻷﺣﺪ ﻣﻦ اﻷﺋﻤﺔ ﻭﺃﻥ ﺣﺴﺐ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ {ﻭﻟﻠﻪ اﻷﺳﻤﺎء اﻟﺤﺴﻨﻰ}
ﻭﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﻘﻮﻝ ﺑﺄﻥ اﻻﺳﻢ ﻟﻠﻤﺴﻤﻰ. ﻭﻫﺬا اﻹﻃﻼﻕ اﺧﺘﻴﺎﺭ ﺃﻛﺜﺮ اﻟﻤﻨﺘﺴﺒﻴﻦ ﺇﻟﻰ اﻟﺴﻨﺔ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﻭﻏﻴﺮﻩ.
ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﻗﺎﻟﻮا اﻻﺳﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻨﺘﺴﺒﻴﻦ ﺇﻟﻰ اﻟﺴﻨﺔ: ﻣﺜﻞ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ ﻭﺃﺑﻲ اﻟﻘﺎﺳﻢ اﻟﻄﺒﺮﻱ ﻭاﻟﻻﻟﻜﺎﺋﻲ ﻭﺃﺑﻲ ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺒﻐﻮﻱ ﺻﺎﺣﺐ ” ﺷﺮﺡ اﻟﺴﻨﺔ ” ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ؛ ﻭﻫﻮ ﺃﺣﺪ ﻗﻮﻟﻲ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺃﺑﻲ اﻟﺤﺴﻦ اﻷﺷﻌﺮﻱ اﺧﺘﺎﺭﻩ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺑﻦ ﻓﻮﺭﻙ ﻭﻏﻴﺮﻩ.
ﻭ (اﻟﻘﻮﻝ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻭﻫﻮ اﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ اﻟﺤﺴﻦ ﺃﻥ اﻷﺳﻤﺎء ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻗﺴﺎﻡ ﺗﺎﺭﺓ ﻳﻜﻮﻥ اﻻﺳﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﻛﺎﺳﻢ اﻟﻤﻮﺟﻮﺩ. ﻭ ” ﺗﺎﺭﺓ ” ﻳﻜﻮﻥ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﻛﺎﺳﻢ اﻟﺨﺎﻟﻖ. ﻭ ” ﺗﺎﺭﺓ ” ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻮ ﻭﻻ ﻏﻴﺮﻩ ﻛﺎﺳﻢ اﻟﻌﻠﻴﻢ ﻭاﻟﻘﺪﻳﺮ.
ﻭﻫﺆﻻء اﻟﺬﻳﻦ ﻗﺎﻟﻮا: ﺇﻥ اﻻﺳﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﻟﻢ ﻳﺮﻳﺪﻭا ﺑﺬﻟﻚ ﺃﻥ اﻟﻠﻔﻆ اﻟﻤﺆﻟﻒ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﻭﻑ ﻫﻮ ﻧﻔﺲ اﻟﺸﺨﺺ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑﻪ؛ ﻓﺈﻥ ﻫﺬا ﻻ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﻋﺎﻗﻞ. ﻭﻟﻬﺬا ﻳﻘﺎﻝ: ﻟﻮ ﻛﺎﻥ اﻻﺳﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﻟﻜﺎﻥ ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ” ﻧﺎﺭ ” اﺣﺘﺮﻕ ﻟﺴﺎﻧﻪ. ﻭﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﻳﻈﻦ ﺃﻥ ﻫﺬا ﻣﺮاﺩﻫﻢ ﻭﻳﺸﻨﻊ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﻫﺬا ﻏﻠﻂ ﻋﻠﻴﻬﻢ؛ ﺑﻞ ﻫﺆﻻء ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: اﻟﻠﻔﻆ ﻫﻮ اﻟﺘﺴﻤﻴﺔ ﻭاﻻﺳﻢ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ اﻟﻠﻔﻆ؛ ﺑﻞ ﻫﻮ اﻟﻤﺮاﺩ ﺑﺎﻟﻠﻔﻆ؛ ﻓﺈﻧﻚ ﺇﺫا ﻗﻠﺖ: ﻳﺎ ﺯﻳﺪ ﻳﺎ ﻋﻤﺮ ﻓﻠﻴﺲ ﻣﺮاﺩﻙ ﺩﻋﺎء اﻟﻠﻔﻆ؛ ﺑﻞ ﻣﺮاﺩﻙ ﺩﻋﺎء اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﻠﻔﻆ ﻭﺫﻛﺮﺕ اﻻﺳﻢ ﻓﺼﺎﺭ اﻟﻤﺮاﺩ ﺑاﻻﺳﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ. ﻭﻫﺬا ﻻ ﺭﻳﺐ ﻓﻴﻪ ﺇﺫا ﺃﺧﺒﺮ ﻋﻦ اﻷﺷﻴﺎء ﻓﺬﻛﺮﺕ ﺃﺳﻤﺎﺅﻫﺎ ﻓﻘﻴﻞ: {ﻣﺤﻤﺪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ}
{ﻭﺧﺎﺗﻢ اﻟﻨﺒﻴﻴﻦ}
{ﻭﻛﻠﻢ اﻟﻠﻪ ﻣﻮﺳﻰ ﺗﻜﻠﻴﻤﺎ}
ﻓﻠﻴﺲ اﻟﻤﺮاﺩ ﺃﻥ ﻫﺬا اﻟﻠﻔﻆ ﻫﻮ اﻟﺮﺳﻮﻝ ﻭﻫﻮ اﻟﺬﻱ ﻛﻠﻤﻪ اﻟﻠﻪ.
((مجموع الفتاوى وللتفصيل اكثر يراجع الكتاب))
وقال:
ﻭﺃﻣﺎ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﺇﻥ ” اﻻﺳﻢ ﻟﻠﻤﺴﻤﻰ ” ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﺃﻛﺜﺮ ﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻓﻬﺆﻻء ﻭاﻓﻘﻮا اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭاﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻤﻌﻘﻮﻝ ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﻟﻠﻪ اﻷﺳﻤﺎء اﻟﺤﺴﻨﻰ}
ﻭﻗﺎﻝ: {ﺃﻳﺎ ﻣﺎ ﺗﺪﻋﻮا ﻓﻠﻪ اﻷﺳﻤﺎء اﻟﺤﺴﻨﻰ}
. ﻭﻗﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ” {ﺇﻥ ﻟﻠﻪ ﺗﺴﻌﺔ ﻭﺗﺴﻌﻴﻦ اﺳﻤﺎ}
” {ﻭﻗﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺇﻥ ﻟﻲ ﺧﻤﺴﺔ ﺃﺳﻤﺎء: ﺃﻧﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﻭﺃﺣﻤﺪ ﻭاﻟﻤﺎﺣﻲ ﻭاﻟﺤﺎﺷﺮ ﻭاﻟﻌﺎﻗﺐ}
” ﻭﻛﻼﻫﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﺼﺤﻴﺤﻴﻦ. ﻭﺇﺫا ﻗﻴﻞ ﻟﻬﻢ: ﺃﻫﻮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺃﻡ ﻏﻴﺮﻩ؟ ﻓﺼﻠﻮا؛ ﻓﻘﺎﻟﻮا: ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻧﻔﺲ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﻭﻟﻜﻦ ﻳﺮاﺩ ﺑﻪ اﻟﻤﺴﻤﻰ؛ ﻭﺇﺫا ﻗﻴﻞ ﺇﻧﻪ ﻏﻴﺮﻩ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺒﺎﻳﻨﺎ ﻟﻪ ﻓﻬﺬا ﺑﺎﻃﻞ
((مجموع الفتاوى))
قال الراجحي :
اختلاف أهل العلم في كون الاسم هو المسمى أو غيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: أحدها: أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال الرازي -وهو محمد بن عمر المعروف بـ ابن خطيب الري – في مقدمات تفسيره: قالت: الحشوية والكرامية والأشعرية الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية].
المقصود بالحشوية: أهل السنة، فيسمونهم حشوية، فهؤلاء والكرامية ذهبوا إلى أن الاسم هو نفس المسمى وهو غير التسمية، وهذا هو القول الأول.
القول الثاني: الاسم غير المسمى، وهو نفس التسمية.
القول الثالث: أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، وهو ما اختاره الرازي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا كلام الرازي، ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا كلفظة المعدوم].
أي: أن الاسم موجود والمسمى غير موجود، كقولك الجنة بين السماء والأرض مثلًا، فالاسم موجود والمسمى معدوم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعددة كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى، وأيضًا فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتًا ممكنة أو واجبة بذاتها].
وهذا كلام الرازي كذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك، ولا يقوله عاقل].
أي: لو كان الاسم هو المسمى لوجد من يقول: النار حر النار بلسانه، ومن قال: الثلج، ويجد برد الثلج بلسانه؛ لأن الاسم هو المسمى، لكن الاسم غير المسمى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال النبي ﷺ (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى وأيضًا فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] أضافها إليه، كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤]، ونحو ذلك، فالإضافة تقتضي المغايرة، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: فادعو الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره.
واحتج من قال: الاسم هو المسمى بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، والمتبارك: هو الله تعالى].
ما زال هذا الكلام تابع لكلام الرازي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [
والجواب
أن الاسم معظم؛ لتعظيم الذات المقدسة، وأيضًا فإذا قال الرجل: زينب طالق -يعني: امرأته- طلقت، ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق].
وهذه أيضًا حجة من قال: إن الاسم هو المسمى، والأولى: حجة من قال: إن الاسم غير المسمى، ولو كان الاسم هو المسمى لوجد لافظ النار حرها والثلج بردها.
واحتج من قال بأن الاسم هو المسمى، بأن الرجل إذا قال المرأة فلانة طالق لطلقت، فدل على أن الاسم هو المسمى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [
والجواب
أن المراد: أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق.
قال الرازي: وأما التسمية فإنها جعْل الاسم معينًا لهذه الذات، فهي غير الاسم أيضًاَ، والله أعلم]، وفي بعض النسخ: [وأما التسمية فإنها فعل الاسم معينًا لهذه الذات فهي غير الاسم].
والأقرب: جعل.
وهذا هي الحقيقة، فالبحث واضح لا يحتاج إلى كلام كثير؛ لأنه إن أريد بالاسم اللفظ كأن يقال مثلًا: الله اسم عربي، فالاسم غير المسمى، وإن أريد بالاسم الذات المسماة بهذا الاسم فليس هو المسمى.
شرح تفسير ابن كثير – الراجحي ٨/٤
——
يقول ابن القيم : ” إذ ظهور هذه الصفات والأسماء: تستلزم مَحالَّ وتعلقاتٍ تتعلق بها ، ويظهر فيها آثارها ، وهذا أمر ضروري للصفات والأسماء، إذ العلم لابد له من معلوم ، وصفة الخالقية ، والرازقية ، تستلزم وجود مخلوق ومرزوق، وكذلك صفة الرحمة ، والإحسان ، والحلم ، والعفو ، والمغفرة ، والتجاوز ؛ تستلزم …
فإن الكون – كما هو محل الخلق والأمر ، ومظهر الأسماء والصفات – فهو بجميع ما فيه: شواهدُ وأدلة وآيات، دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها ، والاستدلال بها على وجود الخالق ، والاعتبار بما تضمنته من الحكم والمصالح والمنافع، على علمه وحكمته ورحمته وإحسانه ، وبما تضمنته من العقوبات على عدله ، وأنه يغضب ويسخط ، ويكره ويمقت ، وبما تضمنته من المثوبات والإكرام على أنه يحب ، ويرضى ويفرح، فالكون – بجملة ما فيه – آيات وشواهد وأدلة …
هذا ولم يخلقها سبحانه عن حاجة منه إليها، ولا توقفا لكماله المقدس عليها ، فلم يتكثر بها من قلة ، ولم يتعزز بها من ذِلَّة ، بل اقتضى كماله أن يفعل ما يشاء ، ويأمر ويتصرف ويدبر كما يشاء ، وأن يحمد ويعرف ، ويذكر ويعبد ، ويعرف الخلق صفات كماله ونعوت جلاله ، ولذلك خلق خلقًا يعصونه ويخالفون أمره ، لتعرف ملائكته وأنبياؤه ورسله ، وأولياؤه كمال مغفرته ، وعفوه ، وحلمه وإمهاله ، ثم أقبل بقلوب من شاء منهم إليه ، فظهر كرمه في قبول توبته ، وبره ولطفه في العود عليه بعد الإعراض عنه ، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – «لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم».
فلمن كانت تكون مغفرته، لو لم يخلق الأسباب التي يعفو عنها ويغفرها؟ والعبد الذي له يغفر؟ فخلق العبد المغفور له ، وتقدير الذنب الذي يغفر ، والتوبة التي يغفر بها هو نفس مقتضى العزة والحكمة ، وموجب الأسماء الحسنى، والصفات العلا”، “مدارج السالكين” (3/ 369 – 370).
——
قال الإمام الطحاوي رحمه الله : ” ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه ، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته ، وكما كان بصفاته أزليّاً ، كذلك لا يزال عليها أبديّاً ” .
انتهى من ” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 124) .
يقول الشيخ “ابن عثيمين” رحمه الله: ” فالله عز وجل ليس محتاجاً إلى الخلق بمعنى أنه لو لم يوجد هذا الخلق لفات كماله، وليس هناك ضرورة إلى وجودهم من باب أولى.
فأفعال الله التي يفعلها؛ لا يفعلها لحاجته إليها، ولا لضرورته إليها، ونحن نفعل الأفعال لحاجتنا إليها، فنتكسب لنزداد من المال وهذه حاجة، ونتكسب لننقذ أنفسنا من الهلاك وهذه ضرورة.
لكن الله عز وجل يفعل بلا حاجة، ولا اضطرار، لأن الله عز وجل يقول (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: الآية 15) ، فهو غني عن كل أحد، حميد على كل فعل، وعلى كل صفة، فلا يفعل لحاجة ولا يفعل لضرورة ” .. “.
فالله سبحانه وتعالى يفعل الفعل لحاجة الخلق إليه، لا لحاجته هو إلى الفعل، فهو كامل على كل حال، لكن الخلق هم الذين يحتاجون إلى ما يكون به كمالهم، ودفع ضرورتهم، ولذلك لا ينتفع بأفعال الله إلا الخلق، فهم يستدلون بها على آياته، وعلى فضله، وعلى عدله، وعلى عقابه وانتقامه، وغير ذلك.
فالحاجة إذاً للخلق، وليست للخالق، أما الخالق عز وجل فإنه يفعل بلا حاجة، ولا اضطرار.
أما الدليل النظري: – على أن الله يخلق لغير حاجة ولا اضطرار – أن العقل يدل على كمال الخالق، والكامل لا يحتاج إلى مكمل”، “شرح السفارينية” (321 – 322).
وقال “صالح آل الشيخ” : “الرب – عز وجل – أَوَّلٌ بصفاته ، وصفاته سبحانه وتعالى قديمة ، يعني هو أوَّلٌ سبحانه وتعالى بصفاته .
وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ .
وأنّ صفات الرب – عز وجل – لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.
والرب – عز وجل – له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق: أنْ يكون ما أراد سبحانه وتعالى.
فما أراده كوناً، لابد أن يكون.
ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر: أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعاً من المخلوقات وأنواعاً من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.
فجنس مخلوقات الله – عز وجل – أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله – عز وجل – وأفناها، ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته – عز وجل -.
فإنَّ أسماء الرب – عز وجل – وإنّ صفات الرب – عز وجل – لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.
فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} (1) ، فما أراده سبحانه كان “، انتهى ، “شرح الطحاوية” صالح آل الشيخ (61).
——
دلت الأحاديث النبوية على مشروعية الاستعاذة بصفات الله تعالى؛ كالكلام والعزة والقدرة؛ ومن ذلك:
عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، قال: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ) رواه مسلم (2708).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ) رواه البخاري (3371).
وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ أَنَّهُ قَالَ: ” أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (امْسَحْ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ)، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ”. رواه مسلم (2202)، والترمذي (2080) واللفظ له، وقال: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ”.
وهذا دليل على أن صفاته، ككلامه وعزته وقدرته: ليست مخلوقة؛ لأنه لا يستعاذ بالمخلوق.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ” باب ما كان النبي يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره.
وقال نعيم: لا يستعاذ بالمخلوق، ولا بكلام العباد والجن والإنس، والملائكة.
وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق، وأن سواه مخلوق ” انتهى من”خلق أفعال العباد” (2 / 232).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ” والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، قالوا: والاستعاذة لا تكون بمخلوق ” انتهى من”اقتضاء الصراط المستقيم” (2 / 323).
والمستعيذ بالصفة المضافة لله: مستعيذ بالله تعالى؛ لأن الصفة ملازمة لذات الله تعالى لا تنفك عنها.
قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى:
” فإذا قلت: أعوذ بالله، فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة، التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه.
وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ بغير الله، وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن (ذات) في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذاتُ وجودٍ، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى غير ذلك من الصفات، فذات كذا، بمعنى صاحبة كذا، تأنيث ذو، هذا أصل معنى الكلمة.
فعُلم أن الذات لا يُتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ). ولا يَعوذ صلى الله عليه وسلم بغير الله” انتهى من”شرح الطحاوية” (ص 126- 127).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
” ولهذا كان أهل السنة والجماعة والحديث هم المتبعين لكتاب الله، المعتقدين لموجب هذه النصوص، حيث جعلوا كل محدث من الأعيان والصفات والأفعال، المباشرة والمتولدة، وكل حركة طبعية أو إرادية أو قسرية؛ فإن الله خالق كل ذلك، جميعه، وربه ومالكه ومليكه ووكيل عليه…
وأما صفة الله تعالى: فهي داخلة في مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة؛ فإذا قلت: عبدت الله ودعوت الله و( إياك نعبد )؛ فهذا الاسم لا يخرج عنه شيء من صفاته، من علمه ورحمته وكلامه وسائر صفاته؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقد ثبت عنه: (الحلف بعزة الله) والحلف بقوله: (لعمر الله)؛ فعلم أن ذلك ليس حلفا بغير الله، فأعطوا هذه الآيات المنصوصة حقها في اتباع عمومها الذي قد صرحت به، في أن الله خالق كل شيء؛ إذ قد عُلم أن الله ليس هو داخلا في المخلوق، وعلم أن صفاته ليست خارجة عن مسمى اسمه” انتهى من “مجموع الفتاوى”(12/ 329-330).
——-
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” هل قول الإنسان: “يا رحمة الله ” يدخل في دعاء الصفة الممنوع؟
فأجاب: إذا كان مراد الداعي بقوله: “يا رحمة الله” الاستغاثة برحمة الله – تعالى – ؛ يعني أنه لا يدعو نفس الرحمة، ولكنه يدعو الله – سبحانه وتعالى – أن يعمه برحمته: كان هذا جائزًا، وهذا هو الظاهر من مراده، فلو سألت القائل: هل أنت تريد أن تدعو الرحمة نفسها، أو تريد أن تدعو الله – عز وجل – ليجلب لك الرحمة؟ لقال: هذا هو مرادي.
أما إن كان مراده دعاء الرحمة نفسها، فقد سبق جوابه ضمن جواب السؤال السابق ” انتهى من “مجموع فتاوى ابن عثيمين” (2/164).
وكان قد بيَّن حكم دعاء الصفة في السؤال السابق (2/164) فقال رحمه الله:
“عبادة الإنسان لصفة من صفات الله ، أو دعاؤه لصفة من صفات الله من الشرك ، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، لأن الصفة غير الموصوف بلا شك وإن كانت هي وصفه…
وكذلك دعاء الصفة من الشرك مثل أن تقول: يا مغفرة الله اغفري لي، يا عزة الله أعزيني، ونحو ذلك” انتهى.
﴿وَلِلَّهِ الأَسماءُ الحُسنى فَادعوهُ بِها وَذَرُوا الَّذينَ يُلحِدونَ في أَسمائِهِ سَيُجزَونَ ما كانوا يَعمَلونَ﴾ [الأعراف: 180]
تفسير السعدي:
هذا بيانٌ لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى؛ أي: له كل اسم حسن، وضابطه أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى؛ فإنها لو دلَّت على غير صفة، بل كانت علمًا محضًا؛ لم تكن حسنى، وكذلك لو دلَّت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح؛ لم تكن حسنى؛ فكلُّ اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُقَّ منها، مستغرقٌ لجميع معناها، وذلك نحو: ﴿العليم﴾ الدال على أنَّ له علمًا محيطًا عامًّا لجميع الأشياء فلا يخرج عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، و ﴿الرحيم﴾ الدال على أن له رحمة عظيمة واسعة لكلِّ شيء، و ﴿القدير﴾ الدال على أن له قدرة عامَّة لا يُعْجِزُها شيء … ونحو ذلك. ومن تمام كونها حسنى أنَّه لا يُدعى إلا بها، ولذلك قال: ﴿فادعوه بها﴾: وهذا شاملٌ لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فيُدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلًا: اللهمَّ! اغفر لي، وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم. وتب عليَّ يا توَّاب! وارزقني يا رزاق! والطفْ بي يا لطيف! ونحو ذلك.
وقوله: ﴿وَذَروا الذين يُلحِدون في أسمائِهِ سيُجْزَوْن ما كانوا يعملون﴾؛ أي: عقوبة وعذابًا على إلحادهم في أسمائه. وحقيقة الإلحاد: الميلُ بها عما جُعِلَتْ له، إمَّا بأن يسمَّى بها من لا يستحقُّها؛ كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبِّه بها غيرها؛ فالواجب أن يُحذر الإلحاد فيها ويُحذر الملحدون فيها. وقد ثبت في الصحيح عن النبيِّ ﷺ: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة».
قال ابن تيمية :
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ – تَعَالَى – عَلَى طَرِيقَتَيْنِ، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّ أَسْمَاءَهُ سَمْعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَلَا يُسَمَّى إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، فَإِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ وَالِاتِّبَاعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا صَحَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، وَكَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا لَهُ، لَمْ يَحْرُمْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَفْوًا. وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ؛ وَهُوَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يُدْعَى بِالْأَسْمَاءِ أَوْ يُخْبَرَ بِهَا عَنْهُ. فَإِذَا دُعِيَ لَمْ يُدْعَ إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا قَالَ – تَعَالَى -:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ فَهُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ؛ فَإِذَا احْتِيجَ فِي تَفْهِيمِ الْغَيْرِ الْمُرَادَ إِلَى أَنْ يُتَرْجَمَ أَسْمَاؤُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمٍ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا.
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٥/٨
دعاؤه بها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادعُوهُ بِهَا﴾.
وهو مرتبتان:
إحداهما: دعاء ثناءِ وعبادةٍ.
والثاني: دعاء طلب ومسألة.
فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يُسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم.
فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى ١/٣١ — ابن القيم
بيان عدم جواز دعاء الصفة وجواز الاستعاذة بها
السؤال
قوله في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامة) هل هو دعاء بصفة من صفات الله؟
الجواب
هذه استعاذة والاستعاذة لا شيء فيها، فمثل هذه الاستعاذة واردة، أي: (أعوذ بكلمات الله من شر ما خلق)، وكذلك ورد في الحديث: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وورد كذلك: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك) هذا كله دعاء نبوي، فالاستعاذة بالصفة لا بأس بها، وإنما الممنوع دعاء الصفة نفسها، كقولك: يا رحمة الله، ويا وجه الله، ويا قدرة الله، فمثل هذا ممنوع، وكذلك القسم والحلف بعزة الله، وكلام الله أيضًا لا بأس به، وكذلك لا يسأل بوجه الله، والحديث الوارد في ذلك ضعيف.
شرح الاقتصاد في الاعتقاد – الراجحي ٤/٢٨
قال محمد أمان الجامي :
فهي عبادة عظيمة، فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما استعاذ بها ﷺ ولما علّم أمته، لأنه عليه الصلاة والسلام ينهى عن ذلك، بل يعده نوعًا من الإشراك بالله.
ما يستفاد من هذه الاستعاذة:
ثم إن هذه الاستعاذة المباركة تدلنا على الأمور التالية:
أولًا: جواز الاستعاذة بأسمائه وصفاته كما يستعاذ بذاته، ويؤيد ما قلنا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ١.
ثانيًا: أن كلمات الله ليست مخلوقة إذ لو كانت مخلوقة لما استعاذ بها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما تقدم.
ثالثًا: إن كلام الله ليس معنى واحدًا يقوم بالذات، ليس بحرف، ولا صوت، كما تزعمه الأشاعرة المتأخرة، بل كلمات الله لا حد لها، لأنها من كمالاته، فكمالاته سبحانه لا تنتهي، ومما يزيد المقام بيانًا قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه ١/٢٧٤ — محمد أمان الجامي (ت ١٤١٥)
قال صالح آل الشيخ :
والعلم بها على مراتب، منها: أن يعلمها إثباتا، يعني: أن يثبت ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، فيؤمن أن هذا الاسم من أسماء الله، وأن هذه الصفة من صفات الله جل وعلا.
والثاني: أن يسأل الله- جل وعلا- بأسمائه وصفاته بما يوافق مطلوبه؛ لأن الأسماء والصفات نتعبد لله- جل وعلا- بها، بأن ندعوه بها كما جاء في هذه الآية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
والثالث من الإيمان بالأسماء والصفات: أن ينظر إلى آثار أسماء الله وصفاته في الملكوت، فإذا نظر إلى آثار الأسماء والصفات في الملكوت وتأمل ذلك علم أن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن الحقيقة أن الحق الثابت اللازم هو الله- جل وعلا- وأما ما سوى الله فهو باطل، وزائل، وآيل إلى الهلاك ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] [القصص: ٨٨] .
قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] اللام في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] هي لام الاستحقاق، يعني: الأسماء الحسنى البالغة في الحسن نهايته مستحقة لله- جل وعلا- والله مستحق ذلك.فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] يعني: إذا علمتم أن الله هو المستحق لذلك، وآمنتم به، فادعوه بها، وهذا أمر، والدعاء هنا فسر بالثناء والعبادة، وفسر بالسؤال والطلب، وكلاهما صحيح؛ فإننا ندعو الله بها، أي: نحمده، ونثني عليه بها، فنعبده متوسلين إليه بالأسماء الحسنى، وما اشتملت عليه من الصفات العلى، وكذلك أن نسأله بها، يعني: إذا كان لنا مطلوب نتوجه إلى الله، فنسأله بتلك الأسماء بما يوافق المطلوب، فإذا سألنا الله المغفرة نأتي بصفات الجمال، وإذا سألنا الله- جل وعلا- النصرة نأتي بصفات الجلال، وهكذا فيما يناسب، وهناك تفصيلات أيضا لهذا الأمر.
والمقصود أن قوله- جل وعلا- ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] يعني: اسألوه بها، أو اعبدوه، واثنوا عليه بها- جل وعلا-، فيشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
والباء في قوله ﴿بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] هي باء الوسيلة، أي: ادعوه متوسلين بها.
قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] يعني: اتركوا، وهذا يوجب على المسلم أن يبتعد عن حال الذين يلحدون في أسماء الله- جل وعلا-. والإلحاد في أسماء الله هو: الميل والعدول بها عن حقائقها إلى ما لا يليق بالله -جل وعلا-.
التمهيد لشرح كتاب التوحيد ١/٥٠٧ — صالح آل الشيخ
قال الشيخ بكر أبو زيد :
“لا تشرع الاستعاذة بين يدي كلام محبوب غير قراءة القرآن العظيم ؛ لهذا فبدء بعض المتسننة عند بدء حديث أو كلام وعظ ، ونحوه ، بالاستعاذة ، لا أصل له ، هذا مقتضى ما نَبَّه عليه ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق فوائد الاستعاذة ؛ إذ قال : (ومنها : أن الاستعاذة قبل القراءة إعلام بأن المأتي به بعدها القرآن ؛ ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدي كلام غيره ، بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة ، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعد لسماع كلام الله تعالى ، ثم شُرع ذلك للقارئ ، وإن كان وَحْدَه ؛ لما ذكرنا من هذه الحكم وغيرها)” انتهى .
“تصحيح الدعاء” (ص273)
——
وفي كتاب الرد على البكري :
الأسماء والصفات يشتركان في جواز الاستعاذة والحلف، ويفترقان في الدعاء والتعبيد
يشرع للعبد أن يستعيذ بأسماء الله وصفاته، الاستعاذة بالأسماء مثل أعوذ بالله، لفظ الجلالة الله، أعوذ بالعزيز بالسميع بالجبار، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18].
هل يجوز الاستعاذة بصفاته؟
الجواب: نعم، لأن الأدلة قد وردت بذلك، أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك [مسلم: 486]، أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر [مسلم: 2202]، أعوذ بعزة الله وقدرته[أبو داود: 3893، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 3453]، عزة الله صفة، قدرة الله صفة، معافاة الله، فإذاً يجوز الاستعاذة بصفاته.
الحلف أقسم بالله، أقسم بالجبار، مثلاً تالله بالله والله، والعزيز الحكيم، أقسم بالعزيز الحكيم.
الحلف بالصفة: أقسم بعزة الله، فالاستعاذة والحلف جائزان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
أما الدعاء والتعبيد فلا يكونان إلا بالأسماء فقط، فنقول في التعبيد: إذا أردنا التسمية مثلاً عبد الرحمن، عبد الله، عبد الحميد، ولا نقول: عبد الرحمة، عبد العزة، عبد القدرة، ولا نسمي عبد كرم الله، كذلك الدعاء، فإننا ندعوه بأسمائه الحسنى: يا رحمن ارحمني، يا حي يا قيوم، ولا يجوز لنا أن ندعو بالصفة، فلا يجوز أن نقول: يا رحمة الله ارحمينا، يا مغفرة الله اغفري لنا، وهنا لا بد أن نفرق بين أمرين مهمين، التفريق بينهما يزيل لبسًا عظيمًا، هناك فرق كبير بين دعاء الصفة، والدعاء بالصفة:
فالمراد بدعاء الصفة أن تكون الصفة هي المدعوة، ومعنى ذلك كأنها شيء آخر غير الله، وهذا باطل؛ لأن صفات الله لا تنفك عنه، ولا عن ذاته، فعندما ينادي الصفة وحدها فإن هذا معناه أن الصفة قائمة وحدها بمعزل، وهذا لا يجوز باطل فإن قول القائل: يا رحمة الله ارحميني، ويا عزة الله أعزيني، ويا قوة الله قويني، معناها أنه يعتقد أن الصفة منفصلة عن الموصوف، وأن الصفة تغفر وحدها، وترحم وحدها، وتغني وحدها، وتقوي وحدها، فجعل الصفة إلهًا معبودًا، وهذا كفر باتفاق العلماء، لأن صفات الله ملازمة لله، ملازمة لذاته لا تنفك عنه، قائمة بها غير منفصلة عنه.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اتفاق العلماء على أن دعاء صفاته وكلماته كفر، حيث قال: “وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين، فهل يقول مسلم: يا كلام الله اغفر لي، وارحمني، وأغثني، وأعني، أو يا علم الله، أو يا قدرة الله، أو يا عزة الله، أو يا عظمة الله، ونحو ذلك” هذا في كتاب الرد على البكري [79].
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن قول القائل: يا وجه الله.
فقال: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يدعو صفات الله عند جميع أهل العلم، كأن يقول: يا وجه الله، أو يا علم الله، أو يا رحمة الله، أو ما أشبه ذلك، وإنما الواجب أن يدعوه سبحانه بأسمائه الحسنى لقول الله عزوجل : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180]، فيقول: يا الله يا رحمن يا رحيم ونحو ذلك، ماذا يقصد إذاً بهذا الذكر الذي في الصباح والمساء، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق [مسلم: 2708].
هذا دعاء بالصفة، وليس دعاء الصفة، فأنت لا تقول: يا كلمات الله أعوذ بك، لا لأن هذا يوهم أن الكلمات مستقلة، ومنفصلة عن الذات، لكن أعوذ بكلمات الله، هذه استعاذة بصفاته، أعوذ بكلمات الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر [أبو داود:3893، وصححه الألباني صحيح الترغيب:3453]، إذاً هذه الفرق بين دعاء الصفة والدعاء بالصفة.
بعض الناس قد يفهم من كلامه أنه لم يرد الوجه وحده، بل يريد ذات الله وصفات الله، فنقول: إذاً نيتك وعقيدتك ومفهومك صحيح، لكن صحح اللفظ اخرج عن الوهم، اخرج عن الشبهة لا تتلفظ بكلام موهم، قد يكون المقصود منه حقًا، وقد يكون المقصود باطلاً، اخرج عن الإيهام بين وضح، الكلام عن الله ينبغي فيه الدقة، والتحري، والتوقي، اخرج عن قضية الالتباس، الدعاء بالصفة من قبيل التوسل بالمشروع، وقد ثبت من مأثور الأدعية: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث [الترمذي: 3524، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 227]، معناه: أسألك يا الله برحمتك، أعوذ بعزة الله، هذا السؤال لله بعزته، وكذلك قوله: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك [البخاري: 1162]، اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: “ويستحب التوسل بصفات الله، فيقول: اللهم إني أسألك بأنك عظيم، أو بقدرتك العظيمة، أو أسألك بحلمك، ونحو ذلك. [مجموع فتاوى ابن باز: 28/403].
قال ابن القيم:
ثُمَّ قَالَ: بَابُ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعَاذُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا يُسْأَلُ بِهِ
[اجتماع الجيوش الإسلامية 2/ 237 ت المعتق]
قال ابن عثيمين في التعليق على البخاري:
على أي شيء يدل الاسم؟ نقول : كل اسم من أسماء الله فإنه يدل على شيئين : على الذات المقدسة، وعلى الصفة التي اشتق منها. فكلمة الله تدل على الرب عز وجل وعلى الصفة التي اشتق منها وهي الألوهية.
الرحمن تدل على ذات الله عز وجل وعلى الصفة التي اشتق منها وهي الرحمة. هذه قاعدة كل اسم من أسماء الله يدل على شيئين أولا الذات والثاني الصفة وإن شئت الوصف الذي اشتق منه هذا الاسم وهل يدل على أكثر من ذلك ؟ الجواب : نعم. ربما يدل على أكثر من صفة باللزوم لا بالتضمن، مثال ذلك : قوله تبارك وتعالى : (( هو الله الخالق البارئ )) دلت الخالق على ذات الله ، وعلى وصفه بالخلق ودلت على علمه وعلى قدرته.
كيف دلت على علمه وقدرته، وهي ليس فيها علم ولا قدرة ؟ نقول : لأن من لازم الخلق العلم والقدرة إذ مع الجهل لا يكون أن يخلق، ومع العجز لا يمكن أن يخلق، فكل اسم من أسماء الله يتضمن شيئين : أولا الذات ،والثاني الوصف الذي اشتق منه ذلك الاسم ،ثم قد يدل على صفة أخرى ثانية وثالثة ورابعة عن طريق اللزوم.
ثانيا : كل أسماء الله حسنى ولهذا قال الله : (( فله الأسماء الحسنى ))، والحسنى : اسم تفضيل يقابله في المذكر أحسن ، ويقال رجل أحسن وامرأة حسنى، وهنا قال : الحسنى ، فجعل الوصف وصف مؤنث ؛ لأن الأسماء جمع ، والجمع يوصف بالمؤنث، إلا جمع العاقل ، فيوصف بحسب ما يقتضيه المعنى، إذا كان للذكور جمع مذكر سالم، وإن كان إناثا جمع مؤنث سالم، أما غير العاقل فإنه يجمع وصفه على جمع المؤنث، إذن أسماء الله تعالى كلها حسنى، والحسنى : هي المشتملة على أكمل وجوه الحسن فهي حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، فيفهم من هذه القاعدة أنه لا يوجد في أسماء الله اسم يحتمل معنيين، معنى حسن ومعنى غير حسن، انتبهوا لهذا كل أسماء الله لا بد أن تكون حسنى ، أي بالغة الكمال في الحسن، فلا يمكن أن يوجد اسم يحتمل معنيين حسن ومعنى غير حسن، ولهذا لم يكن من أسماء الله المتكلم ولا من أسمائه المريد، مع أنه متكلم ومريد، قال العلماء: لأن المتكلم من قام به الكلام ، والكلام : قد يكون حسنا وقد يكون سيئا، وكذلك الارادة ، ولهذا لا يصح أن يسمى الله عز وجل بالمتكلم ، ولا يسمى الله بالمريد، لكن يوصف بأنه متكلم ، وأنه مريد ؛ لأن باب الاخبار أوسع من باب التسمية؛ لأن التسمية إنشاء ، تنشئ اسما للمسمى الذي تريد أن تسميه، لكن الإخبار مجرد خبر ليس بإنشاء ولذلك قالوا : الإخبار أوسع من الانشاء فقد يخبر عن الشيء والشيء لا يسمى به، مثل المتكلم، وحينئذ يمكن أن نقسم ما يضاف إلى الله عز وجل إلى أربعة أقسام:
ما تضمن كمال الحسن ، فهذا يكون من أسمائه وما كان حسنا من وجه دون وجه فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به.
وما كان محمودا في حال دون حال ، فهذا يوصف به في الحال الذي يكون فيها محمودا، ولا يسمى به على الاطلاق مثل المكر ، والخداع ، والاستهزاء والكيد هذه أوصاف إن ذكرت في مقابل من يعامل بهذه الأوصاف صارت أوصافا محمودة ووصف الله بها وإلا فلا، فمثلا المكر : وصف الله نفسه بأنه يمكر لكن وصفا مقيدا بمن يمكر بهم، فقال : (( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )) فلا يصح أن تقول : أن الله ماكر، وهذا فرق بين هذا وبين قولنا : إن الله متكلم لأنه يجوز أن تقول : أن الله متكلم على وجه الإطلاق، لكن لا يجوز أن تقول: إن الله ماكر إلا إذا قيدته بمن يمكر به، لأن المكر لا يكون مدحا ، إلا حيث كان مقابل مكر آخر ليتبين به أن قوة الله عز وجل أقوى من قوة هذا الماكر، وكذلك نقول في الخداع (( يخادعون الله وهو خادعهم )) فلا يصح أن نصف الله أنه خادع أو مخادع على وجه الإطلاق قل خادع من يخادعه، تخادعون الله وهو خادعهم، كذلك المستهزئ، لا يصح أن نقول على سبيل الاطلاق، بل نقول بمن يستهزئ به، وكذلك الكيد : نقول : إن الله لا يكيد على أحد إلا من كاد عليه (( إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا )).
القسم الرابع : ما لا يصح أن ينسب لله اطلاقا وهو ما تضمن نقصا مطلقا فهذا لا يصح أن يضاف إلى الله إطلاقا ، مثل الخائن والعياذ بالله، هذا لا يمكن ان تصف الله به مطلقا، وقول العامة : خان الله من يخون، خطأ فادح وغلط، ولهذا لما ذكر الله خيانة أعدائه لم يذكر خيانته لهم فقال: (( ذلك بأنهم خانوا الله من قبل فأمكن منهم )) ولم يقل خانهم، لكن في الخداع قال : (( يخادعون الله وهو خادعهم )) .
فإذا قال قائل : ما الفرق بين الخيانة والخداع ؟ قلنا : الفرق بينهما ظاهر، الخيانة : أن تخون الأمانة فيمن ائتمنك والخداع : أن تخادع من خادعك وبينهما فرق يظهر بالمثال. يقال أن الحرب خدعة، والحرابة في مقابلة من يريد أن يخدعك ، فإذا خدعته كان هذا مدحا ، لكن الخيانة لا يمكن أن تخون من ائتمنك، إذا خنته فأنت أتيت ما يقدح فيك، لأن الذي ائتمنك لا يريد بك سوءا ، بخلاف المحارب، لهذا يحرم علينا إذا استأمننا أحد من المشركين، يحرم علينا أن نخون أمانته بل يجب علينا حمايته، يذكر أن علي ابن أبي طالب أراد أن يبارزه عمرو بن ود وتعرفون المبارزة، المبارزة : إذا التقى الصفان للحرب طلب الشجعان في هؤلاء وهؤلاء أن يبرز بعضهم لبعض ، وفائدة المبارزة : أنه إذا قتل أحدهما الآخر، صار في هذا قوة وتشجيع لأصحاب القاتل وانهزام لأصحاب المقتول، فلهذا كان يستعملون هذا في الحرب لما خرج عمرو بن ود إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه صاح به وقال: ما خرجت لأبارز رجلين، وهذا صحيح ولا غير صحيح ؟ ما خرج ليبارز رجلين فظن عمرو بن ود أنه لحقه رجل آخر يتبعه ، فالتفت فضربه علي حتى أبان رأسه عن جسده هذا خداع ، لكنه خداع جائز ولا غير جائز ، لأن عمرو بن ود خرج ليقتل عليا فخدعه ، فهذا الخداع يعتبر مدحا وثناء، فهؤلاء المنافقون الذين يخادعون الله ، خدعهم الله عز وجل، فيعتبر هذا الخداع مدحا، لكن الخيانة :ليست بمدح لأن الخيانة خديعة في محل الأمانة وهذا ذم فلا تجوز على الله عز وجل.
فصار ما ينسب إلى الله عز وجل أربعة أقسام. أسماء وهذه كلها متضمنة لأحسن الكمالات.
والثاني : أوصاف يخبر عنها ولا يسمى بها.
والثالث : أوصاف يوصف بها مقيدة.
والرابع : أوصاف لا يوصف بها مطلقا .
فإن وصف بها كان ذلك عدوانا وظلما، اليهود قالوا : إن الله فقير، هل يصح أن يوصف الله بالفقر ؟! لا، قالوا : يد الله مغلولة ، بخيل، وهذا لا يمكن أن يوصف به لأنه نقص بكل حال.
فيه بعد واحد استشكل دلالة المطابقة والتضمن والالتزام . وقد ذكرنا أمس أن الاسم يدل على الذات والصفة كل اسم من أسماء الله يدل على ذات وصفة دلالته على الأمرين تسمى دلالة مطابقة ودلالة على واحد منهما تسمى دلالة تضمن يعني هذا اللفظ تضمن هذا وليس معناه الكامل، ودلالة الالتزام تدل على أمر لا يدل عليه اللفظ من حيث المادة لكن يدل عليه المعنى بحيث يلزم من كذا كذا وكذا عرفتم. طيب المثال نمثل بمعقول ومحسوس من أسماء الله تعالى الخالق، فالخالق دل على ذات الرب جل وعلا وعلى صفة الخلق دل على أن هناك خالق وأن هناك خلق، كما قلت قائم فإنه يدل على أن شخصا قائم وعلى القيام. الخالق تدل على الرب عز وجل وعلى صفة الخلق، دلالته على الذات والصفة دلالة مطابقة ؛ لأن اللفظ طابق المعنى وصار مساويا له، كالطبق على الصحن يساويه مطابقة، دلالته على واحد منها تضمن ، مثل : الخالق تضمن في الدلالة على الرب عز وجل ، وتضمنت الدلالة على الخلق الذي هو الصفة ، هل يمكن أن يكون خلق بلا علم ولا قدرة ؟ الجواب : لا، من أين عرفنا أن الخالق يدل على صفتي العلم والقدرة ؟ عن طريق اللزوم. من اللازم أن يكون خالقا أن يكون عالما وقادرا إذ الجاهل لا يمكن أن يخلق والعاجز لا يمكن أن يخلق، هذا مثال معقول.
المثال المحسوس : قلت : هذا قصر فلان. كلمة قصر تشتمل على كل هذه البناية على بما فيها من غرف، وحجر ، وساحات ، وغير ذلك ولا لا تدل على ذلك بالمطابقة. قصر متضمن لكل ما فيه، تدل عليه كل غرفة منه ، أو حجرة منه ،أو ساحة منه ، تدل عليه بالتضمن، أي من ضمن هذا القصر غرفة، من ضمنه حجرة، من ضمنه ساحة، تدل على أن هناك بانيا بنى هذا القصر باللزوم، لأنه من لازم القصر المبني القائم أن يكون له باني عرفتم ، دلالة المطابقة والتضمن غالب الناس يفهمها ولا تستشكل عليهم لكن دلالة اللزوم هي التي يختلف فيها العلماء اختلافا كبيرا ، بحسب ما أعطاهم الله تعالى من الفهم ، لأن كونك تعرف أنه يلزم من كذا كذا أو كذا، هذا لا يدركه إلا الجهابذة ، ولهذا نقول كل اسم من أسماء الله يدل على ذات وصفة وقد يدل على أكثر من صفة عن طريق اللزوم.
من قواعد الأسماء : أن أسماء الله تعالى متباينة ، مترادفة باعتبارين : فما هو التباين وما هو المترادف ؟ المتباين : أن يكون كل شيء غير الآخر، والمترادف : أن يكون الشيء هو الشيء الآخر. أسماء الله تعالى متباينة مترادفة فباعتبار دلالتها على الذات فقط مترادفة ؛ لأن السميع العليم ، العزيز ، الحكيم ،كلها لمسمى واحد فهي مترادفة ، وباعتبار دلالة كل واحد منها على معناه الخاص متباينة لأن السميع غير البصير ، والعزيز غير الحكيم يعني معنى العزيز غير معنى الحكيم ، ومعنى السميع غير معنى البصير ، وعلى هذا يتبين بطلان مذهب المعتزلة الذين يقولون : أن أسماء الله مترادفة، فالعليم ، والسميع والبصير كلها واحد ، لا يدل السميع على غير ما يدل عليه البصير ، ولا البصير يدل على معنى غير ما يدل عليه السميع ، لأن هذا القول يكذبه كل لغات العالم تكذب هذا إذ أن المشتق من السمع ليس هو المشتق من البصر، فإذن أسماء الله متباينة مترادفة ، فلو قيل لك هل أسماء الله متباينة ؟ إن قلت نعم أخطأت ،وإن قلت :لا أخطأت وإن فصلت أصبت.
ومما يتعلق بالأسماء هل أسماء الله سبحانه وتعالى محصورة بعدد معين أم هي لا حصر لها ؟ قال بعض أهل العلم إنها محصورة بتسعة وتسعين اسما لأن الله وتر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ). وقال بعض العلماء : إن أسماء الله ليست محصورة بعدد واستدل هؤلاء بالحديث الصحيح حديث ابن مسعود حديث الهم والغم أن الإنسان إذا أصابه هم أو غم أو حزن دعا به وفيه : ( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) الشاهد من هذا الحديث : ( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) لأن ما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن إدراكه لو أمكن إدراكه لم يكن مستأثرا به، وإذا لم إدراكه ،فإنه لا يحصر بتسعة وتسعين ، وهذا هو القول الراجح ، وهو أن أسماء الله غير محصورة، وليست كلها معلومة لنا ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) .
تبقى الحاجة إلى الجواب عن قوله : ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ) فنقول الجواب : أن هذا الحديث جملة واحدة ، إن لله تسعة وتسعين اسما موصوفة لأن من أحصاها دخل الجنة يعني وهناك أسماء أخرى لا علاقة لها بهذا الحكم.
ومما يتعلق بالأسماء أيضا والصفات أن الصفة أوسع من الاسم، الصفات أوسع من الأسماء، كيف ذلك ؟ كل اسم متضمن الصفة كما علمتم وبهذه القضية تتساوى الأسماء والصفات أليس كذلك ؟ كل اسم متضمن لصفة وعليه بناء على القاعدة الكلية تتساوى الأسماء والصفات لكن ليس كل صفة يشتق منها اسم، وبهذا تكون الصفات أوسع من الأسماء ولهذا من صفات الله أنه متكلم ، مريد صانع، وجائي ونازل وما أشبه ذلك من الصفات الكثيرة التي لا تحصى لكن لا يسمى الله تعالى بشيء دلت عليه هذه الصفة فكانت هذه الصفات أوسع من الأسماء لهذا السبب، (( إنه هو يبدئ ويعيد ))، لا يمكن أن تشتق من يبدئ ويعيد اسما فتقول المبدئ والمعيد لكن تخبر لا بأس فتقول الله مبدئ ومعيد لقوله : (( إنه هو يبدئ ويعيد ))، القابض والباسط هل هي من أسماء الله ؟ لولا الحديث لقلنا جزمنا إنها ليست من أسماء الله لأنه لم يأت في القرآن إلا بلفظ الفعل يبسط ، ويقبض، ولكن جاء في الحديث : ( إن الله هو القابض الباسط ) فهل نقول إن القابض الباسط من أسماء الله لقوله : ( إن الله هو القابض الباسط ) أو نقول إن الحديث ورد على قضية معينة وهي التسعير لما طلب الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسعر حين غلا السعر فقال: ( إن الله هو القابض الباسط المسعر ) فيكون القابض الباسط في الرزق وهو الذي يقبض ويبسط وهو الذي يقدر الغلاء والرخص فيكون هذا من باب الصفة لا من باب الاسم والأمر محتمل، لكن القاعدة التي فهمنا الآن ما هي ؟ أن الصفات أوسع من الأسماء ووجهه أن كل اسم متضمن لصفة وليس كل صفة متضمنة لاسم أو ليس كل صفة يمكن أن يشتق منها اسم، هذا ما يتعلق بالأسماء مما حضرني الآن وربما يكون هناك أشياء تأتي فيما بعد.
السائل: ما الفرق بين الاسم والصفة:
الشيخ : الاسم ما كان لازما له والصفة ما كان من أفعاله هذا هو الفرق.
فيستفاد من هذا الحديث أن الرحمن من أسماء الله له حكم يتعلق به وهو ما يطلق عليه بعض العلماء الأثر، وذلك أن أسماء الله تعالى قسمان، قسم لازم، ومتعدي، فاللازم يدل على الاسم والصفة فقط، مثل الحي، الحي ليس له متعلق بائن عن الله عز وجل بل هو صفة لازمة، الحي معناه ذو الحياة، العظيم ذو العظمة، الجليل ذو الجلال وما أشبهها ، هذه الأسماء لازمة يتم الإيمان بها بإثبات الاسم وإثبات الصفة. هناك أسماء متعدية يعني لها تعلق بالمخلوق هذه لا بد للإيمان بها من الايمان بالاسم والصفة والحكم المترتب على هذا الاسم وهذه الصفة وبعضهم يقول الأثر مثل الرحمن يدل على الاسم والصفة وهي الرحمة ويدل على الحكم وهو أنه يرحم كما في الحديث : ( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) وكما في القرآن الكريم : (( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء )) السميع من أي القسمين ؟ من الأول أو من الثاني يعني من الذي له حكم أو من الذي لا يتعدى حكمه ؟ له حكمه بدليل قول الله تعالى : (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما )) طيب الحكيم يعني متعدي ولا غير متعدي ؟ نقول أما من الحكمة هو غير متعدي أما من الحكم فهو متعدي قال تعالى : (( ذلكم حكم الله يحكم بينكم )) طيب البخاري رحمه الله أتى بهذا الحديث والله أعلم للإشارة إلى أن الرحمن اسم متعدي يتعلق بالمخلوقين وفي الحديث الحث على الرحمة وأنه ينبغي للإنسان أن يكون رحيما بالخلق. طيب هل الرحمة تتعلق بالناس فقط أو حتى بالبهائم ؟ حتى البهائم فالإنسان الذي يجد من قلبه رحمة للناس وللبهائم فليبشر بالخير أنه ممن يرحمهم الله عز وجل، فالجنة رحمة الله وأهلها الرحماء : ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) وإذا وجدت من قلبك غلظة على من يستحق الرحمة فيجب عليك أن تعالج هذه الغلظة وأن تحولها إلى رحمة وأسباب الرحمة كثيرة : منها الفقر،ومنها الصغر، ومنها المرض، ومنها القرابة، يعني لها أسباب كثيرة كونك ترحم هذا لأنه صبي صغير يرحم لأنه يتيم ترحم هذا الرجل لأنه فقير، لأنه مريض، فإذا وجدت من نفسك رحمة لمن يستحق الرحمة فاعلم أنك موفق إن شاء الله.
مسألة
سؤال منكر ونكير، الميتُ إذا ماتَ تدخل الروح في جسده ويجلس ويُجاوِب منكر ونكير، فيحتاج موتًا ثانيًا؟
الجواب
عودُ الروح في بدن الميت في القبر ليس مثل عَودِها إليه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان ذاك قد يكون أكملَ من بعض الوجوه، كما أن النشأة الآخرة ليست مثلَ هذه النشأة وإن كانت أكملَ منها، بل كل موطنٍ في هذه الدار وفي البرزخ والقيامة له حكم يَخُضُّه.
ولهذا أخبر النبي ﷺ أن الميت يُوَسَّع له في قبرِه ويُسْألَ ونحو ذلك، وإن كان التراب قد لا يتغير. فالروح تُعادُ إلى بدن الميت وتُفارِقُه، وهل يُسَمَّى ذلك موتًا؟ فيه قولان:
قيل: يُسمَّى ذلك موتًا، وتأوَّلوا على ذلك قولَه (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) (١). قيل: إن الحياة الأولى في هذه الدنيا، والحياة الثانية في القبر، والموتة الثانية في القبر.
والصحيح أن هذه الآية كقوله (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (١). فالموتة الأولى قبل هذه الحياة، والموتة الثانية بعد هذه الحياة، وقوله (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) بعد الموت. قال: (*مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥» (٢)، وقال: (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥» (٣).
فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله، وتُفارقه متى شاء الله، لا يتوقَّتُ ذلك بمرّةٍ ولا مرَّتين، والنومُ أخو الموت، ولهذا كان النبي ﷺ يقول إذا أَوَى إلى فراشِه: «باسمك اللهمَّ أموتُ وأحيَا». وكان إذا استيقظ يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النُّشُور» (٤). فقد سمَّى النومَ موتًا والاستيقاظَ حياةً.
وقد قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢» (٥)، فبيَّن أنه يتوفَّى الأنفسَ على نوعين، فيتوفاها حينَ الموت، ويتوفّى الأنفس التي لم تَمُتْ بالنوم، ثمَّ إذا ناموا فمن مات في منامِه أمسكَ نفسَه، ومن لم يَمُتْ أرسلَ نفسَه. ولهذا كان النبي ﷺ إذا أَوَى إلى فراشِه قال: «باسمك ربّي وضعتُ جَنْبي، وبك أرفعُه، فإن أمسكتَ نفسي فارحمْها، وإن أرسلتَها فاحفظْها بما تحفَظُ به عبادك الصالحين» (١).
والنائمُ يَحصُلُ له في منامِه لذّةٌ وألمٌ، وذلك يحصلُ للروح والبدن، حتى إنه يحصلُ له في منامِه من يَضْرِبُه، فيُصبِحُ والوجَعُ في بدنِه، ويَرى في منامِه أنه أطعِمَ شيئًا طيبًا، فيُصْبِحُ وطَعْمُه في فمِه، وهذا موجود، فإذا كان النائم يَحْصُل لروحِه وبدنِه من النعيم والعذاب ما يُحِسُّ به والذي إلى جَنْبِه لا يُحِسُّ به، حتى قد يَصِيح النائمُ من شِدَّةِ الألم والفزع الذي يحصُل له ويسمع اليقظان صياحَه، وقد يتكلَّم إمّا بقراَن وإمّا بذكرٍ وإمّا بجواب، واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينُه مُغْمَضَة، ولو خُوطِب لم يَستَمعْ، فكيف يُنكَرُ حالُ المقبور الذي أخبرَ الرسولُ بأنه يَسمعُ قرعَ نعالِهم، وقال: «ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم» (٢).
والقلبُ يُشبَّه بالقبر، ولهذا قال ﷺ لما فاتته صلاةُ العصر يومَ الخندق: «مَلأَ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا» (٣)، وفي لفظ: «قلوبهم وقبورهم نارًا»، وفرّق بينها في قوله: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠» (٤).
وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك، ولا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلُ ما يجده النائمُ في منامِه، بل ذلك النعيم والعذاب أكملُ وأبلغُ وأتمُّ، وهو نعيمٌ حقيقي وعذابٌ حقيقي، ولكن يُذكَر هذا المثل لبيان إمكانِ ذلك إذا قال السائل: الميتُ لا يتحرك في قبرِه، أو الترابُ لا يتغير، ونحو ذلك. مع أن هذه المسألة لها بسط يطولُ وشرح لا يحتمل هذه الورقة. والله أعلم.
جامع المسائل لابن تيمية
قال الشيخ عبدالرزاق البدر:
فهذا الوقتُ الذي دخل فيه أبو وائل – رحمه الله – ومَن معه على عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه وقتٌ مبارَكٌ وثمينٌ للغاية، وهو وقتُ ذِكرٍ لله وجدٍّ ونشاط وهمَّة في الخير، إلاَّ أنّ كثيرًا من الناس يُهملونه ويفرِّطون فيه ولا يعرفون له مكانتَه وقدرَه، فهو ضائعٌ إمّا في النّوم، أو في الكَسَل والفتور، أو بشغله في التوافه من الأمور، مع أنّ أوَّلَ اليوم بمنْزلة شبابه، وآخرَه بمنزلة شيخوخته١، ومَن شبَّ على شيءٍ شاب عليه، ولهذا فإنّ ما يكون من الإنسان في باكورة اليوم وأوَّله ينسحب على بقيَّة يومه، إن نشاطًا فنشاطٌ، وإن كسلًا فكسل، ومَن أمسك بزمام اليوم وهو أوَّلُه سلم له يومُه كلُّه بإذن الله وأُعين فيه على الخير، وبُورِك له فيه، وقد قيل: «يومُك مثل جملك إن أمسكتَ أوَّلَه تبِعَك آخرُه»، وهذا المعنى مستفادٌ من أثر ابن مسعود المتقدِّم، فإنّه رضي الله عنه لَمّا تحقَّق له حفظُ أوَّل اليوم بالذِّكر قال: «الحمدُ لله الذي أقالَنا يومَنا هذا ولم يهلكنا بذنوبنا».
بل إنّ المحافظةَ على الذِّكرِ في هذا الوقت يُعطي الذّاكرَ هِمَّةً وقوَّةً ونشاطًا في يومِه كلِّه، يقول ابن القيم رحمه الله: «حضرتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية مرَّةً صلّى الفجرَ، ثم جلس يذكرُ اللهَ تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفتَ إليَّ وقال: هذه غدوتِي، ولو لَم أتغذَّ هذا الغِذاءَ سقطت قوَّتِي، أو كلامًا قريبًا من هذا». اهـ٢.
فقه الأدعية والأذكار ٣/٤٥ — عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر (معاصر)
قال صديق حسن خان:
والإلحاد (في أسمائه) سبحانه يكون على ثلاثة أوجه.
إما بالتغيير كما فعله المشركون فإنهم أخذوا اسم اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان قاله ابن عباس ومجاهد.
أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها قال أهل المعاني: هو تسميته بما لم يسم به نفسه ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة، لأن أسماءه كلها توقيفية فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع بل يدعوه بأسمائه التي وردت في الكتاب والسنة على وجه التعظيم(٣).
أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض ولا يسميه باسم لا يعرف معناه ولا باسم فيه من الغرابة والمعنى أتركوهم لا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم. وعلى هذا المعنى فالآية منسوخة بآيات القتال وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً) وقوله: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) وهذا أولى لقوله: (سيجزون ما كانوا يعملون) فإنه وعيد لهم بنزول العقوبة وتحذير للمسلمين أن يفعلوا كفعلهم.
وقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين أن هذه الآية نزلت في رجل من المسلمين كان يقول: في صلاته يا رحمن يا رحيم فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين حكى ذلك القرطبي(٤).
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)
——
نقل المحقق : قال ابن العربي: ” فحذار منها، ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة، وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا ما سواها، ولا يقولن أحدكم اختار دعاء كذا وكذا، فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم. (ذكره القرطبي في 7/ 321).
فتح البيان للقنوجي
قال ابن القيم رحمه الله:
فَمَنْ تَأَمَّلَ سَرَيَانَ آثَارِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي الْعَالَمِ، وَفِي الْأَمْرِ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَصْدَرَ قَضَاءِ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ مِنَ الْعَبِيدِ، وَتَقْدِيرُهَا: هُوَ مِنْ كَمَالِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ. وَغَايَاتُهَا أَيْضًا: مُقْتَضَى حَمْدِهِ وَمَجْدِهِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ.
فَلَهُ فِي كُلِّ مَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْآيَاتُ الْبَاهِرَةُ، وَالتَّعَرُّفَاتُ إِلَى عِبَادِهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَاسْتِدْعَاءُ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَذِكْرِهِمْ لَهُ، وَشُكْرِهِمْ لَهُ، وَتَعَبُّدِهِمْ لَهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، إِذْ كَلُّ اسْمٍ فَلَهُ تَعَبُّدٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَحَالًا، وَأَكْمَلُ النَّاسِ عُبُودِيَّةً الْمُتَعَبِّدُ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ، فَلَا تَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمٍ آخَرَ، كَمَنْ يَحْجُبُهُ التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ الْقَدِيرِ عَنِ التَّعَبُّدِ بِاسْمِهِ الْحَلِيمِ الرَّحِيمِ، أَوْ يَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ الْمُعْطِي عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمِهِ الْمَانِعِ، أَوْ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ الرَّحِيمِ وَالْعَفُوِّ وَالْغَفُورِ عَنِ اسْمِهِ الْمُنْتَقِمِ، أَوِ التَّعَبُّدُ بِأَسْمَاءِ التَّوَدُّدِ، وَالْبِرِّ، وَاللُّطْفِ، وَالْإِحْسَانِ عَنْ أَسْمَاءِ الْعَدْلِ، وَالْجَبَرُوتِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْكُمَّلِ مِنَ السَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنْ قَلْبِ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وَالدُّعَاءُ بِهَا يَتَنَاوَلُ دُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ، وَدُعَاءَ الثَّنَاءِ، وَدُعَاءَ التَّعَبُّدِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ يَدْعُو عِبَادَهُ إِلَى أَنْ يَعْرِفُوهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيُثْنُوا عَلَيْهِ بِهَا، وَيَأْخُذُوا بِحَظِّهِمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهَا.
وَهُوَ سُبْحَانُهُ يُحِبُّ مُوجَبَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
فَهُوَ عَلِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ، جَوَّادٌ يُحِبُّ كُلَّ جَوَّادٍ، وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ وَأَهْلَهُ، حَيِّيٌّ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَأَهْلَهُ، بَرٌّ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ، شَكُورٌ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ، صَبُورٌ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، حَلِيمٌ يُحِبُّ أَهْلَ الْحِلْمِ، فَلِمَحَبَّتِهِ سُبْحَانَهُ لِلتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ خَلَقَ مَنْ يَغْفِرُ لَهُ، وَيَتُوبُ عَلَيْهِ وَيَعْفُو عَنْهُ، وَقَدَّرَ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الْمَكْرُوهِ وَالْمَبْغُوضِ لَهُ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمَحْبُوبُ لَهُ الْمُرْضِي لَهُ، فَتَوَسُّطُهُ كَتَوَسُّطِ الْأَسْبَابِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَحْبُوبِ.
مدارج السالكين – ط الكتاب العربي ١/٤٢٠-٤٢١