687 ، 688 689 ، 690 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي
وأسامة الحميري وعدنان البلوشي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ فِي إِحْصَاءِ هِلَالِ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ
687 – حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ»: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ»، وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ»، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو اللَّيْثِيِّ
[حكم الألباني] : حسن
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهِلَالِ وَالإِفْطَارَ لَهُ
688 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.: «حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ»
[حكم الألباني] : صحيح
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
689 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَا صُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ» وَفِي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ. أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ»
[حكم الألباني] : صحيح
690 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
[حكم الألباني] : صحيح
——
قال القاضي عياض:
وقوله: ” لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له “: أى قدروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يوماً، يقال: قدرت الشىء أقدره، وأقدره وقدَّرته وأقدرته بمعنى، وقال ابن قتيبة: معناه: أى قدّروه بالمنازل، وحكاه الداودى. قال الإمام: ذهب بعض [أهل العلم] (1) إلى أن الهلال إذا التبس يُحْسَب له بحساب المنجمين، وزعم أن هذا الحديث يدل على ذلك، … قال: ” فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين ” معناه: أن الشهر مقطوع بأن لابد أن يكون تسعاً وعشرين، فإن ظهر الهلال وإلا فيطلب (9) أعلى العدد الذى هو ثلاثون، وهو نهاية عدده.
قال القاضى: لم يحك (1) مذهب الصوم بتقدير النجوم والمنازل إذا غم الهلال، إلا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين، بل من المخضرمين (2). قال ابن سيرين: وليته لم يفعل، وحكى ابن شريح، عن الشافعى مثله، والمعروف من مذهب الشافعى والموجود فى كتبه خلاف هذا، وموافقة (3) جميع علماء المسلمين من أن معنى ” اقدروا له ” فى الأيام عِدَّة الشهر ثلاثين كما فسره به عليه السلام فى حديثه الآخر بقوله: ” فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين “، وفى الحديث الآخر: ” فكملوا العدة ثلاثين ” (4)، ولهذا أدخل مالك فى موطئه (5) هذا الحديث المبين إثر الأول ليكون كالمفسر له، والرافع لإشكاله؛ تهذيباً للتأليف، وإتقاناً للعلم، وقفا البخارى أثره فى ذلك (6)، ولو كلف الأمة حساب النجوم والمنازل لشق عليهم، ولبين ذلك عليه السلام كما بين لهم أوقات الصلوات.
وقوله: ” فأكملوا العدة ثلاثين ” تنبيهٌ على مراعاة هلال شعبان؛ لأنه إذا لم يراع ويحقق فعلى ما يكمل ثلاثون، وقد ذكر الترمذى وغيره فى هذا من رواية أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم إحصاء هلال شعبان لرمضان لكن للحديث عِلة ذكرها أبو عيسى (9).
وقوله: ” صُوموا لرؤيته “، قال الإمام: إذا ثبت الهلال عند الخليفة لزم سائر الأمصار الرجوع إلى ما عنده، وإن كان ذلك عند أهل مدينة، هل يلزم غيرهم ما ثبت عندهم؟ ففيه قولان، فأما الحديث فهو يحتمل أن يريد بقوله: ” صوموا لرؤيته ” [أى لرؤية] (1) من كان أو لرؤيتكم أنتم. ويحتج من لا يوجب الصوم بما ذكره مسلم من حديث كريب [حين] (2) قدم من الشام وصام لرؤيته ليلة الجمعة هناك، وأنه أعلم ابن عباس [بذلك] (3)، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا نكتفى برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام: والفرق بين الخليفة وغيره: أن سائر البلدان لما كانت بحكمه فهى كبلد واحد، ويحتج للزوم الصوم من جهة القياس بأنه: كما يلزم الرجوع إلى بعض أهل المصر فكذلك يرجع أهل مصر إلى أهل مصر؛ إذ العلة حصول الخبر بذلك.
قال القاضى: قال شيوخنا: إذا كان المخبر عن بلد عن رؤية شائعة [ذائعة] (1) فإنه يلزم غيرهم الصوم برؤيتهم، ويخبر المخبر عنهم، وإنما الخلاف المذكور إذا كان [ثبت] (2) عندهم بالشهادة، وفيهم يحتاج التفريق بين كونه عند الخليفة وغيره عند من فرق، وعلى هذا التنزيل وقعت أقوالهم، وهى رواية المدنيين عن مالكٍ وقولهم، وذهب إسحاق أن لكل قومٍ رؤيتهم، وهو (3) قول القاسم، وسالم وابن عباسٍ، وهكذا ترجم البخارى (4) على حديث كريب، وحكى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على أنه لا يراعى الرؤية فيما بعدُ من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيته، إلا من (5) كان كالمصر الكبير، وما تقارب أقطاره من بلدان المسلمين (6).
قال القاضى: وهذا على ما ذكره – إن صح – فإن الأقاليم تختلف، فقد تصح رؤيته فى إقليم ولا يرى فى آخر، بحكم البُعد من مغاربه، والقرب منها، والله أعلم. وظاهر هذا الكلام مخالف لما ذكره غيره مما تقدم.
قال الإمام: الرؤية إذا كانت فاشية صِيم بغير خلاف [وإن كان الغيم قبل فيه الشهادةُ بغير خلاف] (7) وإن كان الصحو والمصر كبير، ففى قبول الشهادة مع ذلك قولان، وهو خلاف فى حال هل ذلك تهمة (1) أم لا؟ وما الذى يُقبل فى ذلك؟ أما الفطر فمالك، وأبو حنيفة، والشافعى يقولون: لا يقبل الواحد، وقبله أبو ثور. وأما الصوم فاتفق هؤلاء على قبول الواحد فيه إلا مالكاً خاصة -، وأجاز أبو حنيفة فيه شهادة المرأة والعبد. وسبب الخلاف: هل ذلك من باب الشهادة أم من باب الإخبار؟ [وكأنَّ ما] (2) طريقه الشياع (3) يُقبل فيه الواحد كالخبر عن النبى عليه السلام بحكم من الأحكام، وما كان يخص بعض الأشخاص – كالقول لهذا عند هذا وشبهه – فيطلب فيه اثنان. واعتمد من يجيز شهادة الواحد فى الصوم بحديث الأعرابى (4)، وحديث ابن عمر: ” شهدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الحديث (5)، ويصح أن يحتج فى ذلك بقوله عليه السلام: ” فكلوا واشربوا حتى ينادى (6) ابن أم مكتوم ” فأمرهم عليه السلام بالإمساك عن الأكل بخبره، وهم فى زمان يحل لهم الأكل [فيه] (7)، فكذلك إذا أخبر رجل عن رؤية الهلال.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/ 7]
وتكلم عن صيام الشك وسبق
قال باحث في رسالة علمية:
المطلب الأول الحكم إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان
ذهب الطحاوي إلى أن تقدير الهلال بالحساب إذا غُمّ ليلة الثلاثين من شعبان كان أولاً، وهو أن ينظر إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر بعد طلوعه، فإن سقط لمنزلة واحدة وهي ستة أسباع ساعة عُلم أنه من تلك الليلة، وإن غاب لمنزلتين عُلم أنه من الليلة الماضية، وأن بينهما يوماً، فقضوا ذلك اليوم. ثم نسخ التقدير بالحساب إذا غم الهلال بالأمر بإكمال العدد.
وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو اختلافهم في مفهوم حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا حتى ترووا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». هل المراد بالتقدير إكمال العدد ثلاثين، أم المراد به عدّه بالحساب، أم غير ذلك.
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
ثانياً: عن عائشة-رضي الله عنها تقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمّ عليه عدّ ثلاثين يوماً ثم صام».
ثالثاً: عن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوماً».
وفي رواية: كان ابن عباس يُنكر أن يُتقدم في صيام رمضان إذا لم يُر هلال شهر رمضان، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تروا الهلال، فاستكملوا ثلاثين ليلة».
رابعاً: عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تُكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة».
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن الهلال إذا غُمّ ليلة الثلاثين من شعبان فإنه لا يُصام ذلك اليوم بل يستكمل شعبان ثلاثين يوماً ثم يُصام رمضان، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحديث ابن عمر رضي الله عنه الدال على تقدير الهلال بالمنازل والعمل بمقتضى ذلك.
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل بلا شك على أن الهلال إذا أغمي ليلة الثلاثين فإنه لا يُصام ذلك اليوم، ولا يُعمل بتقدير الهلال، ولا بغيره، ولكن هذه الأحاديث لا يصح الاستدلال منها على نسخ تقدير الهلال والحساب بمنازل القمر إذا غم ليلة الثلاثين، وذلك لما يلي:
أ- لأنه مخالف لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
فإن ظاهره يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويؤيده قوله: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). فيثبت من مجموع الحديثين أن تعليق الحكم بالرؤية أمر ابتدائيّ، لا أنه بعد الأمر بالحساب بمنازل القمر.
ب-إنه لا يوجد دليل على أن هذه الأحاديث بعد حديث ابن عمر الذي يُستدل منه على تقدير الهلال بالمنازل إذا غمّ ليلة الثلاثين، والنسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ.
ج-إن الأحاديث الدالة على إكمال العدد إذا غم الهلال مفسرة لحديث: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له»، وليس بينهما تعارض حتى تكون تلك الأحاديث ناسخة له.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الحكم إذا غُمّ الهلال ليلة الثلاثين من شعبان على أربعة أقوال:
القول الأول: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فإنه لا يُصام ذلك اليوم من رمضان، بل يُكمل به عدة شعبان ثلاثين يوماً.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره جماعة
من الحنابلة، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، و محدثيهم.
القول الثاني: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يجب صومه بنية رمضان.
وهو مذهب الحنابلة.
وروي صومه عن عمر، وعلي، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عمر، وأسماء، وعائشة-رضي الله عنهم.
القول الثالث: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين، فإن الناس تبع للإمام، فإن صام ذلك اليوم صام الناس، وإن أفطر أفطروا.
وهو رواية عن الإمام أحمد.
القول الرابع: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يُرجع في ذلك إلى الحساب بمنازل القمر، فإن تبين منه أن يوم الثلاثين من شعبان أول يوم من رمضان صامه، وإلا فلا.
روي ذلك عن عبد الله ابن الشخير، وقال به بعض أهل العلم.
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه إذا غم الهلال يكمل شعبان ثلاثين، ولا يصام من رمضان- بأدلة كثيرة، منها:
أولاً: ما سبق ذكره في بداية المسألة من حديث عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما وهو: «لا تصوموا حتى ترووا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له».
ثانياً: عن ابن عمر-رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
ثالثاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث تدل على إكمال عدد شعبان إذا غم الهلال، وهي مفسرة لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه ومبينة لمجمله، وهو أن المراد بقوله: «فاقدروا له» أي أكملوا عدد شعبان ثلاثين، كما جاء ذلك مصرحاً في روايات أخري من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يجب صومه بنية رمضان- بحديث ابن عمر رضي الله عنه الذي سبق ذكره، والذي فيه: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له».
ويستدل منه على وجهين:
أ- أن ابن عمر رضي الله عنه روى هذا الحديث، ثم روي عنه أنه كان: (إذا كان شعبان تسعاً و عشرين: نُظر له، فإن رُئي فذاك، فإن لم يُر ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة: أصبح مفطراً، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة: أصبح صائماً).
فدل ذلك أن المراد بقوله: (فاقدروا له) أن يصام ذلك اليوم؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمراد ما رووه.
واعترض عليه: بأن قوله: (فاقدروا له) يحتمل التفرقة بين حكم الصحو والغيم، ويحتمل عدم التفرقة، وأن المراد بقوله: (فاقدروا له) توكيد لقوله: (صوموا لرؤيته)، ولكن هذا الاحتمال والتأويل أولى؛ للروايات الأخرى المصرحة بالمراد وهو قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين).
كما أن فعل ابن عمر رضي الله عنهما ليس فيه ما يدل على الوجوب، وإنما هو احتياط قد عُورض بنهي.
ب- أن معنى قوله: (فاقدروا له) أي ضيقوا له العدد. والتضييق له أن يُجعل شعبان تسعاً وعشرين يوماً.
واعترض عليه: بأن معنى قوله: (فاقدروا له) ليس التضييق، بل التقدير بإكمال العدد ثلاثين، والمعني: احسبوا له قدره، فهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، وإذا جُعل الشهر ثلاثين فقد قُدّر له قدراً لم يدخل فيه غيره.
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الناس في ذلك تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا- بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تُضَحُّون».
فهذا يدل على أن الصوم والفطر يكون مع الجماعة وعُظْمِ الناس.
واعترض عليه: بأنه ليس فيه متى يصوم الإمام والناس إذا غم الهلال، وإنما يدل على عدم مخالفة الجماعة.
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يُرجع في ذلك إلى الحساب بمنازل القمر-بما سبق في بداية المسألة من حديث ابن عمر رضي الله عنه والذي فيه: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له».
ووجه الدالة منه هو: أن معنى قوله: (فاقدروا له) أي عدوا بالحساب ومنازل القمر.
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأنه مخالف للإجماع؛ حيث إن الأمة أجمعت على أن صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب، فلو كان للحساب ومنازل القمر اعتباراً في ذلك لما أجمعوا على خلافه.
ب-إنه مخالف لما سبق ذكره من حديث ابن عمر رضي الله عنه: «إنا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا». فإن ظاهره يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويؤيده قوله: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل: فاسألوا أهل الحساب.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإنه يكمل عدد شعبان ثلاثين يوماً، ولا يصام ذلك اليوم؛ وذلك لما يلي:
أ-لقوة أدلته وكثرتها، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى.
ب-لصراحة أدلته؛ حيث إنها لا تحتمل غير الدلالة على تكميل الشهر ثلاثين يوماً إذا غم الهلال، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى، فهي غير صريحة الدلالة، وتحتمل أكثر من احتمال.
ج-لأنه يمكن الجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، بخلاف الأقوال الأخرى.
ثانياً: إن القول بالنسخ في المسألة ضعيف وغير صحيح، وذلك لما يلي:
أ- لأنه لا تعارض بين تلك الأحاديث إذا حملت على ما قاله جمهور أهل العلم، وبالتالي لا داعي للقول بالنسخ.
ب- قد سبق أن النسخ لا بد فيه من العلم بتأخر الناسخ، ولا يوجد دليل على أن قوله: (فإن غم عليكم فاقدروا له) متقدم على الأحاديث التي فيها الأمر بإكمال العدد إذا غم الهلال، حتى تكون هي ناسخة له.
ج-إنه يظهر من حديث: «إنا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب) وغيره من الأحاديث أن الأمر بإكمال العدد إذا غم الهلال، أمر ابتدائي، ولا يوجد ما يدل على أنه كان أولاً الأمر بالتقدير بحساب المنازل، ثم جاء الأمر بإكمال العدد.
والله أعلم.
[الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء 3/ 1338]