678 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي
وأسامة الحميري وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
678 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ العَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، «فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»
[حكم الألباني] : حسن
679 – حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ جَحْلٍ، عَنْ حُجْرٍ العَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعُمَرَ: «إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ» وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.: «لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ» وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحَجَّاجِ عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا «،» وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا «،» فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: «أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا»، ” وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ ”
[حكم الألباني] : حسن
——-
وقال البخاري (١):
«حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها» تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه، وقال ابن إسحاق، عن أبي الزناد: هي عليه ومثلها معها. وقال ابن جريج: حدثت عن الأعرج بمثله».
وقال مسلم (٢): «حدثني زهير بن حرب، حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه» .
قال البسام في شرح الحديث :
* مفردات الحديث:
– تعجيل صدقته: تعجيل الصدقة هو: إخراجها قبل تمام حولها، وسيأتي إن شاء الله.
– صدقته: المراد بها: زكاة ماله، فالصدقة تطلق شرعًا وعرفًا على الزكاة.
-فرخَّص له: بالتشديد من: الترخيص، والرخصة معناها: اليسر والسهولة، وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 – العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم، سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخَّص له في ذلك، فعجَّل صدقته عامين.
2 – فيجوز تعجيل إخراج الزكاة لعامين فقط؛ اقتصارًا على الوارد، ولا يجوز أكثر من هذا.
3 – أجمع العلماء على أنَّه لا يعجلها، إلَاّ إذا كمل النصاب؛ لأنَّ النصاب هو سبب وجوبها، فلا يجوز تقديمها عليه.
قال شيخ الإسلام: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل المعشَّرات قبل وجوبها، إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد حبه.
4 – لا يستحب تعجيل الزكاة، إلَاّ إذا كان هناك مصلحة؛ كأن يوجد مجاعة، أو يحدث للمسلمين حاجة إلى تعجيل الزكاة.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب؛ لانَّه لم يوجد سبب الوجوب، فلم يجز تقديمها عليه.
وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة إلى: جواز تعجيلها بعد انعقاد سبب وجوبها بملك النصاب، وحديث العباس صحيح صريح في جواز التعجيل.
وذهب المالكية وداود إلى: عدم جواز تقديمها قبل حلول الحول؛ سواء ملك النصاب أو لا، وحجتهم: أنَّ الحول أحد شرطي وجوب الزكاة، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز قبل ملك النصاب إجماعًا.
قال ابن رشد في “بداية المجتهد”: وسبب الخلاف: أنَّ الزكاة هل هي عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنَّها عبادة، لم يُجِز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوع، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
* فائدة:
ذهب الحنفية إلى: جواز تأخير إخراج الزكاة بعد وجوبها بحلول الحول، وقالوا: إنَّها تجب وجوبًا موسعًا.
وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى: عدم جواز تأخيرها بعد حلول حولها.
قال في “المغني”: إنَّ الأمر يقتضي الفورية على الصحيح، كما في الأصول، ولذلك يستحق المؤخر للامتثال العقاب.
والمبادرة بإخراجها مبادرة إلى الطاعة، ومسارعة إلى أدائها، قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 3/ 331]
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
“لا بأس بإخراج الزكاة قبل حلول الحول بسنَة ، أو سنتين ، إذا اقتضت المصلحة ذلك ، وإعطاؤها الفقراء المستحقين شهريّاً” انتهى .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 422 ) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
ما حكم تعجيل الزكاة لسنوات عديدة للمنكوبين ، والذين تحل بهم مصائب ؟ .
فأجاب :
“تعجيل الزكاة قبل حلولها لأكثر من سنة : الصحيح : أنه جائز لمدة سنتين فقط ، ولا يجوز أكثر من ذلك ، ومع هذا لا ينبغي أن يعجل الزكاة قبل حلول وقتها ، اللهم إلا أن تطرأ حاجة كمسغبة شديدة (مجاعة)، أو جهاد ، أو ما أشبه ذلك ، فحينئذ نقول : يُعجل ؛ لأنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل ، وإلا فالأفضل ألا يزكي إلا إذا حلت الزكاة ؛ لأن الإنسان قد يعتري ماله ما يعتره من تلف ، أو غيره ، وعلى كل حال ينبغي التنبه إلى أنه لو زاد عما هو عليه حين التعجيل : فإن هذه الزيادة يجب دفع زكاتها .
” فتاوى الشيخ العثيمين ” (18/328) .
مناقشة الأقوال :
في فتح العلام :
مسألة [١]: حكم تعجيل الزكاة قبل تمام الحول بعد سبب الوجوب.
قال البغوي رحمه الله في «شرح السنة» (١٥٧٧): واختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، فذهب أكثرهم إلى جوازه، وهو قول الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال الثوري: أُحِبُّ أن لا تعجل. وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز التعجيل، ويعيد لو عجل، وهو قول الحسن، ومذهب مالك. قال: واتفقوا على أنه لا يجوز إخراجها قبل كمال النصاب، ولا يجوز تعجيل صدقة عامين عند الأكثر. اهـ
قلتُ: ووافق مالكًا على عدم جواز التعجيل ربيعةُ، والليث، وداود الظاهري، ونصر ذلك ابن حزم -رحمه الله-.
وقد استدل الجمهور على جواز تعجيل الزكاة بحديث الباب، وبحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أنَّ العباس منع الزكاة، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أما العباس فهي عليَّ ومثلها معها» متفق عليه. (١)
فقالوا: معناه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تعجل منه صدقة عامين، كما جاء ذلك في بعض الروايات، منها: ما أخرجه البيهقي (٤/ ١١١) بإسناد صحيح إلى أبي البختري عن علي -رضي الله عنه- بنحو حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفيه: «أما علمت يا عمر أنَّ عم الرجل صنو أبيه، إنا كنا احتجنا فاستلفنا العباس صدقة عامين»، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ لأنَّ أبا البختري لم يدرك عليًّا -رضي الله عنه-، كما في «جامع التحصيل».
وقالوا: حقوق الأموال كلها جائزٌ تعجيلها قبل أجلها قياسًا على ديون الناس المؤجلة، وحقوقهم، كالنفقات وغيرها.
وقد أجاب القائلون بعدم جواز التعجيل عن حديثهم بأنه ضعيفٌ.
وأما حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الذي في «الصحيحين» فليس فيه التنصيص على ما ذكروا، بل يحتمل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحمَّل الصدقة عن عمه العباس كما هو ظاهر اللفظ، ويؤيد ذلك أنَّ عمر بن الخطاب لم يكن ليقول: (منع العباس)، وهو قد قدمها، ولكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سيخبره أن العباس قد قدمها؛ فلا يأخذ منه، أو لاعتذر العباس بأنه قد قدم الصدقة.
وأجابوا على القياس على ديون الناس: بأنَّ الدَّيْنَ واجبٌ في الذمة من حين أخذه، وأما الزكاة فلا تجب إلا بحلول الحول، فقياس ما لم يجب على ما قد وجب في الأداء باطل.
قالوا: وأولى أن يُقاس تعجيل الزكاة قبل وقتها على تعجيل الصلاة قبل وقتها، والصوم قبل وقته.
قال ابن حزم -رحمه الله-: نَسْأَلُهُمْ: أَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَمْ لَمْ تَجِبْ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ تَجِبْ. قُلْنَا: فَكَيْفَ تُجِيزُونَ أَدَاءَ مَا لَمْ يَجِبْ، وَمَا لَمْ يَجِبْ فِعْلُهُ تَطَوُّعٌ؟ وَمَنْ تَطَوَّعَ فَلَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ. وَإِنْ قَالُوا: قَدْ وَجَبَتْ. قُلْنَا: فَالْوَاجِبُ إجْبَارُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَى أَدَائِهِ …
قال: وَنَسْأَلُهُمْ: كَيْفَ الْحَالُ إنْ مَاتَ الَّذِي عَجَّلَ الصَّدَقَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَ الَّذِينَ أَعْطُوهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ خَرَجُوا عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تُسْتَحَقُّ الزَّكَوَاتُ؟ فَصَحَّ أَنَّ تَعْجِيلَهَا بَاطِلٌ، وَإِعْطَاءٌ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْعٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَإِبْطَالُ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ؛ وَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بجواز التعجيل أظهر؛ لحديث أبي هريرة، وعلي اللذين تقدما، وما ذكره ابن حزم مُعَارَضٌ بالحديث.
والذي نختاره: عدم التعجيل إلا لحاجة، وبالله التوفيق.
وقد أفتى بجواز التعجيل الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
— فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤ – محمد بن علي بن حزام البعداني (٤ / ٩٧)
قال القاضي عياض:
وقوله: ” إنكم تظلمون خالداً، إن خالداً احتبس أدراعه وأعتاده فى سبيل الله “، قال الإمام: [وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتاده، وفيه أنه قال: ” وأما العباس فهى على ومثلها معها، وفى غير هذا الكتاب: ” فهى عليه ” وفى رواية أخرى: ” فهى صدقة عليه ومثلها ” وفى رواية أخرى: ” هى له ومثلها “] …
قال القاضى: وقيل يجوز أن يكون عليه السلام أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة لأنه فى سبيل الله، فهو حجة لمالك فى جواز دفعها لصنف واحد، وهو قول كافة العلماء، خلافاً للشافعى فى وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية…..
قال الإمام: وقوله: ” وأما العباس فهى علي ومثلها معها ” وفى غير هذا الباب ” فهي عليه ” وفى رواية أخرى: ” فهى صدقة عليه ومثلها ” وفى رواية أخرى: ” له ومثلها ” يحتمل أن يريد بقوله: ” علىَّ “: أى أؤديها عنه، يدل عليه قوله عليه السلام عقيب ذلك: ” إن العم صنو [الأب] “، وقيل: [إن] معنى قوله: ” علىَّ “: أى له زكاة عامين قدمها، وهذا التأويل إنما يصح على قول من رأى جواز تقدمةِ الزكاة قبل حولها، وأما رواية ” هى له ” فيعرف معناها من رواية: ” علىّ “، وأما رواية: ” هى عليه ومثلها ” فيحتمل أن يكون أخَّرها صلى الله عليه وسلم [عنه] إلى عام آخر تخفيفاً ونظراً، وللإمام تأخير ذلك، إذا أداه الاجتهاد إليه، وأما رواية ” صدقة [عليه] ” فبعيدة؛ لأن العباس من الأقارب الذين لا تحل لهم الصدقة إلا أن يقال: لعل ذلك من قبل تحريم الصدقة على آل النبى صلى الله عليه وسلم، إذ رأى عليه السلام فى إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه، وقيل فى الرواية المتقدمة التى قال فيها: ” هى لها ” أنها بمعنى عليه، قال الله تعالى: {ولَهُمُ اللَّعْنَة} أى عليهم، وقال تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أى فعليها. قال القاضى: وقيل: إن العباس كان استدان فى مفاداة نفسه ومفاداة عقيل، فكان من الغارمين الذين لا تلزمهم الصدقة، فلذلك قال -[عليه] السلام -: ” هى علينا دين “، وإلى أن النبى عليه السلام أخرها عن العباس من أجل حاجته إليها، ذهب أبو عبيد، كما فعل عمر عام الرمادة إلى أن يجىء الناس من العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين، وهو يكون معنى قوله: ” ومثلها معها “، وعلى هذا يصح معنى رواية: ” صدقة عليه “، وأما المذهب الآخر أنه كان قدمها، فقد روى فى ذلك حديث منصوص: ” إنا تعجلنا منه صدقة عامين ” ، وفى حديث آخر أنه سأل النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك فأذن له ، وبه يحتج عامة الفقهاء أبو حنيفة والأوزاعى والشافعى وفقهاء أصحاب الحديث – ومن وافقهم من السلف – على جواز تقديم الزكاة قبل حولها بالكثير وتقديم زكاة عامين، وأكثر خلافاً لقول مالك والليث وهو قول عائشة وابن سيرين فى أنها لا تجوز قبل وقتها كالصلاة، وعن مالك خلاف فيما قرب، وتحديد القرب [مذكور] فى كتبنا معلوم ، وقد تأول بعضُ المالكية قوله: ” تعجلنا منه صدقة عامين ” بالمعنى الأول، أى أوجبناها عليه، وضمناها إياه، وتركناها عليه ديناً. وقيل: بل كان تسلف منه النبى صلى الله عليه وسلم مالاً ، لما احتاج إليه فى السبيل، فقاضه بها عند الحول، وهذا ما لايختلف فيه، وليس من التقديم فى شىء، وعلى هذا تصح روايةُ: [” له ” ورواية] : ” علىّ ” أى فرضاً، وقيل: وقد يكون معنى قوله: ” فهى عليه ” على الرواية الأخرى، أى واجبة لأنه قد أداها، وهذا على من يقول: إنها المفروضة، وأما على الندب فقد ذكرنا وجهه. والأشبه عندى احتمال النبى صلى الله عليه وسلم له على ما تقدم هذه الصدقة، وإخراجها عنه برأيه، ويعضده رواية: ” فهى له، وصدقة عليه “، لا على أنه أحل له الصدقة، لكنه تركها له وأخرج الصدقة عنه من مال نفسه، والله أعلم.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 3/ 471]
قال ابن قدامة:
420 – مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ تَقْدِمَةُ الزَّكَاةِ)
وجُمْلَتُه أنَّه مَتَى وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، وهو النِّصابُ الكامِلُ، جازَ تَقْدِيمُ الزكاةِ. وبهذا قال الحسنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وحُكِىَ عن الحسنِ: أنَّه لا يجوزُ. وبه قال رَبِيعَةُ، ومَالِكٌ، ودَاوُدُ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: “لَا تُؤَدَّى زَكاةٌ قَبْلَ حُلُولِ الحَوْلِ” . ولأنَّ الحَوْلَ أحَدُ شَرْطَىِ الزكاةِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُ الزكاةِ عليه كالنِّصابِ، ولأن لِلزكاةِ وَقْتًا، فلم يَجُزْ تَقدِيمُها عليه، كالصلاةِ. ولَنا، ما رَوَى علىٌّ، أَنَّ العَبَّاسَ سَألَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فى تَعْجِيلِ صَدَقَتِه قبلَ أن تَحِلَّ، فَرَخَّصَ له فى ذلك. [وفى لَفْظٍ: فى تَعْجيلِ الزَّكَاةِ، فرخَّص له فى ذلك] . رَوَاه أبو دَاوُدَ .
وقال يَعْقُوبُ بن شَيْبَةَ: هو أثْبَتُها إسْنَادًا. ورَوَى التِّرْمِذِىُّ ، عن علىٍّ، عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّه قال لِعُمرَ: “إنَّا قَدْ أخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأوَّل لِلْعَامِ”. وفى لَفْظٍ قال: “إنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ العَبَّاسِ لِعَامِنَا هذا عَامَ أوَّل” . رَوَاهُ سَعِيدٌ عن عَطَاءٍ، وابْنِ أبِى مُلَيْكَةَ، والحسنِ بن مُسْلِمٍ، عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا، ولأنَّه تَعْجِيلٌ لِمَالٍ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ قبلَ وُجُوبِهِ، فجازَ، كتَعْجِيلِ قَضَاءِ الدَّيْنِ قبلَ حُلُولِ أجَلِهِ، وَأدَاءِ كَفَّارَة اليَمِينِ بعدَ الحَلِفِ وقبلَ الحِنْثِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ قبلَ الزُّهُوقِ، وقد سلَّم مالِكٌ تَعْجِيلَ الكَفَّارَةِ، وفَارَقَ تَقْدِيمَها قبلَ النِّصَابِ، لأنَّه تَقْدِيمٌ لها على سَبَبِها، فأشْبَهَ تَقْدِيمَ الكَفَّارَةِ على اليَمِينِ، وكَفَّارَةَ القَتْلِ على الجَرْحِ، ولأنَّه ثَمَّ قَدَّمَها على الشَّرْطَيْنِ، وهاهُنا قَدَّمَها على أحَدِهما. وقَوْلُهم: إن لِلزَّكَاةِ وَقْتًا. قُلْنا: الوَقْتُ إذا دَخَلَ فى الشىءِ رِفْقًا بالإنْسانِ، كان له أن يُعَجِّلَهُ ويَتْرُكَ الإرْفاقَ بِنَفْسِه، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، وكمن أدَّى زَكاةَ مالِ غَائِبٍ، وإن لم يَكُنْ على يَقِينٍ من وُجُوبِها، ومن الجائِزِ أن يكونَ المَالُ تَالِفًا فى ذلك الوَقْتِ، وأما الصَّلَاةُ والصِّيَامُ فتَعَبُّدٌ مَحْضٌ، والتَّوْقِيتُ فيهما غيرُ مَعْقُولٍ، فيَجِبُ أن يُقْتَصَرَ عليه.
فصل: ولا يجوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ. ولو مَلَكَ بعضَ نِصابٍ، فعَجَّلَ زَكَاتَه، أو زكَاةَ نِصابٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَعَجَّلَ الحُكْمَ قبلَ سَبَبِه…..
فصل: إذا عَجَّلَ الزكاةَ لأكْثَرَ من حَوْلٍ، ففيه رِوَايتانِ؛ إحْدَاهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ بِتَعْجِيلِها لأكْثَرَ من حَوْلٍ. والثانيةُ، يجوزُ….
[المغني لابن قدامة 4/ 79]
—
وفي الارواء :
(٨٥٧) – (روى أبو عبيد فى الأموال عن على: «أن النبى ﷺ تعجل من العباس صدقته سنتين » (ص ٢٠٦) .
* حسن.
قال أبو عبيد فى «الأموال» (١٨٨٥): وحدثونا عن إسماعيل
بن زكريا عن الحجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدى عن على به.
وأخرجه أبو داود (١٦٢٤) والترمذى (١/١٣١) والدارمى (١/٣٨٥) وابن ماجه (١٧٩٥) وابن الجارود فى «المنتقى» (٣٦٠) وابن سعد فى «الطبقات» (٤/١٧) والدارقطنى (٢١٢ – ٢١٣) والحاكم (٣/٣٣٢) والبيهقى (٤/١١١) وأحمد (١/١٠٤) كلهم عن سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن زكريا به إلا أنه بلفظ: «أن العباس بن عبد المطلب سأل النبى ﷺ فى تعجيل صدقته قبل أن تحل؟ فرخص له فى ذلك».
وقال ابن الجارود عقبه: «قال يحيى بن معين: إسماعيل بن زكريا الخلقانى ثقة، والحجاج بن دينار الواسطى ثقة».
وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبى.
قلت: الحجاج بن دينار وحجية بن عدى مختلف فيهما، وغاية حديثهما أن يكون حسنا، لكن قد اختلف فيه على الحكم على وجوه كثيرة هذا أحدها.
الوجه الثانى: قال الترمذى: حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن الحجاج بن دينار عن الحكم بن حجل عن حجر العدنى عن على أن النبى ﷺ قال لعمر: «إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام».
وقال: «لا أعرف حديث تعجيل الزكاة من حديث إسرائيل إلا من هذا الوجه، وحديث إسماعيل بن زكريا عن الحجاج عندى أصح من حديث إسرائيل عن الحجاج بن دينار».
ومن هذا الوجه رواه الدارقطنى أيضًا (٢١٣) .
الوجه الثالث: عن حجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة قال: “بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فأتى العباس يسأله صدقة
ماله، فقال: قد عجلت لرسول الله ﷺ صدقة سنتين، فرفعه عمر إلى رسول الله ﷺ، فقال: صدق عمى، قد تعجلنا منه صدقة سنتين».
أخرجه ابن سعد وابن أبى شيبة (٤/٢٤) وأبو عبيد (١٨٨٤) والسياق له.
وهذا مع إعضاله فيه ابن أرطاة وهو مدلس، وقد تابعه أبو إسرائيل واسمه إسماعيل بن خليفة وهو سىء الحفظ ولعل ابن أرطاة تلقاه عنه فدلسه!
أخرجه ابن سعد.
الوجه الرابع: عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن موسى بن طلحة عن طلحة أن النبى ﷺ قال: «يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟ إنا كنا احتجنا إلى مال فتعجلنا من العباس صدقة ماله لسنتين».
أخرجه الدارقطنى، وابن عمارة متروك كما قال الحافظ.
الوجه الخامس: عن محمد بن عبيد الله عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس نحو حديث بن أرطاة.
أخرجه الدارقطنى، ومحمد بن عبيد الله هو العرزمى متروك أيضا.
الوجه السادس: رواه هشيم عن منصور بن زاذان عن الحكم عن الحسن بن مسلم عن النبى ﷺ.
علقه أبو داود عقب الوجه الأول وقال هو والدارقطنى والبيهقى: «وهذا هو الأصح من هذه الروايات».
قلت: والحسن بن مسلم هو ابن يناق، تابعى ثقة فهو مرسل صحيح
الإسناد، وله شواهد تقويه:
الأول: عن أبى البخترى عن على رضي الله عنه فذكر قصته، وفيها:
«أما علمت يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه؟ إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين».
أخرجه البيهقى وأعله بالانقطاع بين أبى البخترى ﴿وعلى﴾، ورجاله ثقات كما قال الحافظ. وهو فى مسند أحمد (١/٩٤) من هذا الوجه لكن ليس فيه موضع الشاهد.
الثانى: عن شريك عن إسماعيل المكى عن سليمان الأحول عن أبى رافع مثل حديث ابن عمارة إلا أنه قال: «أن العباس أسلفنا صدقة العام عام الأول».
أخرجه الدارقطنى والطبرانى فى «الأوسط» (١/٨٨/١ – زوائد المعجمين) وقال: «لم يروه عن سليمان إلا إسماعيل ولا عنه إلا شريك».
قلت: وهما ضعيفان.
الثالث: عن محمد بن ذكوان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عم الرجل صنو أبيه، وأن النبى ﷺ تعجل من العباس صدقة عامين فى عام».
قلت: ومحمد بن ذكوان هذا هو الطاحى البصرى، قال الهيثمى فى «المجمع» (٣/٧٩): «فيه كلام، وقد وثق». وقال الحافظ فى «الفتح» (٣/٢٦٤) و «التقريب»: «وهو ضعيف».
ثم قال الحافظ: «وليس ثبوت هذه القصة فى تعجيل صدقة العباس ببعيد فى النظر بمجموع هذه الطرق».
قلت: وهو الذى نجزم به لصحة سندها مرسلا وهذه شواهد لم يشتد ضعفها فهو يتقوى بها ويرتقى إلى درجة الحسن على أقل الأحوال.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ٣/٣٤٧ — ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠)