670 ،671 ،672 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
سنن الترمذي
بَابٌ فِي نَفَقَةِ المَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
670 – حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ: «لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الطَّعَامُ، قَالَ: «ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا» وَفِي البَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ.: «حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ»
[حكم الألباني] : حسن
671 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كَانَ لَهَا بِهِ أَجْرٌ، وَلِلزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا، لَهُ بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ»
672 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا المُؤَمَّلُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَعْطَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِ، لَهَا مَا نَوَتْ حَسَنًا، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا أَصَحُّ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لَا يَذْكُرُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ»
——
قال ابن قدامة:
فصل: وهل يجوزُ للمرأةِ الصَّدَقَةُ من مَالِ زَوْجِها بالشىءِ اليَسِيرِ، بغير إِذْنِه؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ عَائِشَةَ قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “مَا أَنْفَقَتِ الْمرأةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِها، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُها، وَلَهُ مِثْلُه بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، ولِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ، مِنْ غَيْرِ أن يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ”. ولَم يَذْكُرْ إِذْنًا. وعن أسماءَ، أنَّها جَاءَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسولَ اللهِ ليس لِى شىءٌ إلَّا ما أدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ أن أرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فقال: “ارْضَخِى ما اسْتَطَعْتِ، ولا تُوعِى ، فَيُوعَى عَلَيْكِ”. مُتَّفَقٌ عليهما . ورُوِىَ أن امرأةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: يا رسول اللهِ إنَّا كَلٌّ على أزْوَاجِنا وآبائِنا، فما يَحِلُّ لنا من أَمْوَالِهِمْ؟ قال: “الرَّطْبُ تَأْكُلِينَه، وتُهْدِينَهُ”. ولأنَّ العَادَةَ السَّمَاحُ بذلك، وطِيبُ النَّفْسِ، فجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الإذْنِ، كما أنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بين يَدَىِ الأَكَلَةِ قَامَ مَقامَ صَرِيحِ الإذْنِ فى أَكْلِهِ.
والرِّواية الثانية، لا يجوزُ؛ لما رَوَى أبو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقولُ: “لَا تُنْفِقُ الْمَرْأةُ شَيْئًا من بَيْتِها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها”. قيل: يا رسول اللَّه ولا الطَّعَامَ؟ . قال: “ذاكَ أفْضَلُ أموَالِنا”. رَوَاهُ سَعِيدٌ فى “سُنَنِه” . وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ” . وقال: “إنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِى شَهْرِكُمْ هذَا، فِى بَلَدِكُمْ هذا” . ولأنَّه تَبَرَّعَ بمَالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كغيرِ الزَّوْجَةِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأحادِيثَ فيها خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العَامِّ ويُبَيِّنُه، ويُعَرِّفُ أنَّ المُرادَ بالعَامِّ غيرُ هذه الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ، والحَدِيثُ الخاصُّ لهذه الرِّوَايَةِ ضَعِيفٌ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ المرأةِ على غيرِها؛ لأنَّها بِحُكْمِ العادَةِ تَتَصَرَّفُ فى مالِ زَوْجِهَا، وتَتَبَسَّطُ فيه، وتَتَصَدَّقُ منه، لِحُضُورِها وغَيْبَتِه، والإِذْنُ العُرْفِيُّ يَقُومُ مَقامَ الإِذْنِ الحَقِيقِيِّ، فصارَ كأنَّه قال لها: افْعَلِى هذا. فإنْ مَنَعَها ذلك، وقال: لا تَتَصَدَّقِى بشَىْءٍ، ولا تَتَبَرَّعِى من مَالِى بِقَلِيلٍ، ولا كَثِيرٍ. لم يَجُزْ لها ذلك؛ لأنَّ المَنْعَ الصَّرِيحَ نَفْىٌ للإِذْنِ العُرْفِيِّ. ولو كان فى بَيْتِ الرَّجُلِ من يَقُومُ مَقَامَ امْرَأَتِه كجارِيَتِه، أو أُخْتِه. أو غُلَامِهِ المُتصَرِّفِ فى بَيْتِ سَيِّدِه وطَعَامِه، جَرَى مَجْرَى الزَّوْجَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لِوُجُودِ المَعْنَى فيه. ولو كانت امْرَأَتُه مَمْنُوعَةً من التَّصَرُّفِ فى بَيْتِ زَوْجِها، كالَّتى يُطْعِمُها بالفَرْضِ، ولا يُمَكِّنُها من طَعَامِه، ولا من التَّصَرُّفِ فى شَىْءٍ من مَالِه، لم يَجُزْ لها الصَّدَقَةُ بشىءٍ من مَالِه؛ لِعَدَمِ المَعنَى فيها، واللهُ أعلمُ.
[المغني لابن قدامة 6/ 605]
قول ابن قدامة ((كالَّتى يُطْعِمُها بالفَرْضِ))
كالتي يطعمها بالفرض بأن فرض لها الحاكم عليه دراهم كل يوم فليس لها أن تتصرف في مال زوجها بغير إذنه إلا مما هو مفروض لها؛ لأنها تملكه بقبضها له.
الأسئلة والأجوبة الفقهية ٥/٨٢
قال ابن الملقن:
قوله في الحديث: “وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ” والمراد: الخادم كما ستعلمه؛ لأن الخادم لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه إلا بإذنه.
وقوله: “أَحَدُ المُتَصَدَّقَيْنِ” هو بالتثنية. ذكر القرطبي أنه لم يُروَ إلا بالتثنية. ومعناه أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين. وبنحوه ذكره ابن التين وغيره…
وقال الشعبي لمملوك سأله؛ يكتسب ويتصدق: الأجر لمواليك.
وقَالَ إبراهيم: لا بأس أن يتصدق العبد من الفضل. وقال الحسن: يتصدق من قوته بالشيء الذي لا يضر به. وقَالَ ابن جبير: يتصدق بثلاثة دراهم أو أربعة. وقال ابن المسيب: يتصدق من ماله بالصاع وشبهه. وقال إبراهيم: بما دون الدرهم. وقال عمر وعلي: بالدرهم. زاد عمر: والرغيف. وعن الشعبي وخيثمة: لا يتصدق بما فوق الدرهم.
واختلف الناس في تأويل هذا الحديث على قولين كما قَالَ ابن العربي: فمنهم من قَالَ: إنه في اليسير الذي لا يؤبه إلى نقصانه، ولا يظهر. ومنهم من قَالَ: إذا أذن فيه الزوج، وهو اختيار البخاري. قَالَ: ويحتمل أن يكون محمولًا على العادة يوضحه قوله: “بطيب نفس” و”غَيْرَ مُفْسِدَةٍ”، وهو محمول على اليسير الذي لا يجحف به، فإن زاد على المتعارف لم يجز. وذكر الإطعام؛ لأنه يسمح به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس. وزعم بعضهم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وكذا صدقتهم المأذون فيها عرفًا أو تصريحًا. وقال بعضهم: هذا على طريقة أهل الحجاز وما جانسهم، وذلك أن رب البيت قد يأذن في مثل ذلك، وتطيب به نفسه، وليس ذلك بأن تفتات المرأة والخادم على رب البيت.
وفرَّق بعضهم بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق ما لم يكن إسرافًا.
وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن فيه دون الزوجة. وجزم ابن التين بأن قوله: “غَيْرَ مُفْسِدَةٍ”، يريد: فعلت ما يلزم الزوج من نفقة عيال، وإعطاء سائل على ما جرت به العادة، أو صلة رحم، أو مواساة مضطر، فهذِه لها أجرها بما صرفت عنه من شح النفس.
وقوله: “وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ” يريد الخادم طيب النفس. وقيل معناه: إذا فعل مثل المرأة كان له مثل أجرها. وبينه حديث أبي موسى الآتي: “طيب به نفسه” ونفذ ما أمره به كاملًا موفرًا، وعليه يدل تبويب البخاري أخذه من قوله: “وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ”؛ لأن الخازن لا يجوز له أن يتصدق إلا بإذن مولاه بخلاف الزوجة على قول من أباح لها ذلك؛ لأن الخازن إنما هو أمين فقط. ثم ظاهر الخبر أن أجر الجميع متساوٍ.
وقال بعضهم: لا يعلم مقدار أجر كل واحد منهم إلا الله غير أن الأظهر أن الكاسب أكثر أجرًا، كما قاله ابن بطال.
وقد أسلفنا من حديث أبي هريرة أن لها نصف أجره. وقال بعضهم: النصف مجاز، وهما سواء في المثوبة، لكل منهما أجر كامل. ويحتمل أنها مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين. ثم اعلم أن البخاري ترجم على هذا الحديث تراجم: ترجم عليه ما نحن فيه. وترجم عليه باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، وزاد فيه حديث أبي موسى كما ستعلمه، وترجم عليه باب: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة، وساقه عن عائشة من طرق. وهو من باب المعاونة التي أمر بها الرب جل جلاله حيث قَالَ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وهي دالة على اشتراك المتعاونين على الخير في الأجر.
وجاء هذا المعنى في هذِه الأحاديث إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد بغير إذنه، لكن لما كانت المرأة لها حق في ماله كان لها النظر في بيتها جاز لها الصدقة بما لا يكون إضاعة للمال، ولا إسرافًا، لكن بمقدار العرف والعادة، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، وتطيب به نفسه. فأخبر أنها تؤجر على ذلك، ويؤجر زوجها بما كسب. ويؤجر الخادم الممسك كذلك هو والخازن المذكور في الحديث كما سلف إلا أن مقدار أجر كل منهم متفاوت كما سلف.
[التوضيح لشرح الجامع الصحيح 10/ 309]
وقال ابن حجر: (يحتَمِلُ أن يكون المرادُ بالتنصيفِ في حديثِ البابِ الحَملَ على المالِ الذي يعطيه الرَّجُلُ في نفقةِ المرأة، فإذا أنفَقَت منه بغير علمِه، كان الأجرُ بينهما؛ للرجُلِ لكونه الأصلَ في اكتسابِه، ولكونِه يؤجَرُ على ما ينفِقُه على أهلِهـ). ((فتح الباري)) (9/297).
قال المباركفوري:
قوله (وللخازن) أي الذي كانت النفقة بيده (له بما كسب) أي للزوج بسبب كسبه وتحصيله (ولها بما أنفقت) أي وللزوجة بسبب إنفاقها
قال محي السنة عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه وكذا الخادم
والحديث الدال على الجواز أخرج على عادة أهل الحجاز يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق عند حضور السائل ونزول الضيف كما قال عليه الصلاة والسلام لا توعي فيوعي الله عليك انتهى…
قوله (إذا أعطت المرأة من بيت زوجها) أي أنفقت وتصدقت (غير مفسدة) نصب على الحال أي غير مسرفة في التصدق …وبنحوه في المرقاة (فإن لها مثل أجره) أي للمرأة مثل أجر الزوج (لها ما نوت حسنا) حال من الموصولة في قوله ما نوت كذا في بعض الحواشي
[تحفة الأحوذي 3/ 277]
قال الإتيوبي:
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذه الأحاديث -يعني حديث عائشة هذا، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، بلفظ: “إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره، فلها نصف أجره”، وحديث أبي موسى عندهما، بلفظ: “الخازنُ المسلمُ الأمين الذي يُنَفِّذُ ما أُمر به كاملًا موفّرًا، طيّبٌ به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدّقين”-: أن المشارك في الطاعة، مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثوابٌ، ولهذا ثوابٌ، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانة، أو رغيفًا، ونحوهما مما ليس له كثير قيمة، ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمّانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صدقة المرأة من بيت زوجها، وهذا محمول على ما إذا أذن لها الزوج، إما صريحًا، أو دلالة، كما تقدّم، بدليل حديث الباب التالي
(ومنها): ترغيب المرأة في التصدّق مما في بيتها، إذا أذن لها الزوج أو بما جرى به العرف
(ومنها): ترغيب الخادم في التصدّق من مال سيّده إذا أذن له، أو بما جرى به العرف
(ومنها): حث الرجل على أن يسمح لأهل بيته بالتصدّق على الفقراء والمساكين، وأن له بذلك الأجر والثواب. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صدقة المرأة من بيت زوجها:
قال الإمام البغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: العمل على هذا عند عامّة العلماء أن المرأة ليس لها أن تتصدّق بشيء من مال الزوج دون إذنه، وكذلك الخادم، ويأثمان، إن فعلا ذلك، وحديث عائشة رضي الله عنها خارج على عادة أهل الحجاز …”، وعلى هذا يخرّج ما روي عن عُمير مولى آبي اللحم، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أتصدّق من مال مواليّ بشيء؟، قال: “نعم، والأجر بينهما نصفان”. انتهى.
وقال الحافظ في “الفتح”: قال ابن العربيّ: اختلف السلف فيما إذا تصدّقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج، ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ ….. انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن تصدّق المرأة، والخادم من مال الرجل جائز بشرطين: (أحدهما): الإذن صريحًا، أو دلالةً، وذلك بأن يجري العرف في التصدّق بمثله، فيجري ذلك مجرى الإذن الصريح. (والثاني): عدم الإفساد، وهذا مجمعٌ عليه، كما سبق قريبًا، وما عدا ذلك، لا يجوز؛ لحديث الباب الآتي؛ وبهذا تجتمع الأدلة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
“إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب”.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 22/ 387]
وقال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان أجر الخازن إذا تصدّق بإذن المالك.
2 – (ومنها): بيان أن حصول الأجر للخازن مشروط بهذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث، فمهما اختلّ منها شرط لا يحصل له الأجر، فينبغي أن يَعتَنِي بها، ويُحافِظ عليها.
قال في “العمدة”: قَيَّدَ فيه قيودًا:
[الأول]: أن يكون خازنًا؛ لأنه إذا لم يكن خازنًا لا يجوز له أن يتصدق من مال الغير.
[الثاني]: أن يكون مسلمًا، فأخرج به الكافر؛ لأنه لا نية له.
[الثالث]: أن يكون أمينًا، فأخرج به الخائن؛ لأنه مأزورٌ.
[الرابع]: أن يكون مُنَفِّذًا؛ أي مُنَفِّذًا صدقةَ الآمر، وهو معنى قوله: “الذي ينفذ”.
[الخامس]: أن تكون نفسه بذلك طَيِّبةً؛ لئلا يَعْدَم النية، فيفقدَ الأجر، وهو معنى قوله: “طيبة به نفسه”.
[السادس]: أن يكون دفعه الصدقة إلى الذي امِر له به؛ أي إلى الشخص الذي أَمَر الآمر بالدفع له، فإن دفع إلى غيره يكون مخالفًا، فيَخْرُج عن الأمانة، وهذه القيود شرط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يُعْتَنَى بها، ويُحافَظَ عليها. انتهى.
3 – (ومنها): بيان أن ثواب الصدقة لا يقتصر على المالك فقط، بل كلّ من تسبب في إيصالها إلى مستحقّها بنيّة خالصة مع بقيّة الشروط حصل له ثوابها، وهذا من فضل الله تعالى على من لا يجد مالًا للتصدّق به، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الفضل العظيم.
4 – (ومنها): بيان فضل الأمانة، وسخاوة النفس، وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير.
5 – (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: معنى هذه الأحاديث أن المشارِكَ في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره…
6 – (ومنها): حثّ الإسلام على تحقّق التناصح، والتناصر، والتعاضد في المسلمين، حتى يكون المجتمع مجتمع خير، وبركة، يسوده الإخاء والمحبّة، ويكونَ يدًا واحدةً على أعدائه…والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 19/ 486]
تخريج أحاديث :
حديث أبي أمامة رضي الله عنه : قلنا في تخريج الترغيب والترهيب حسنه الأرنؤوط في تخريج مسند أحمد 22294 ، وصححه صاحب التبيان ، ولما أعل ابن الجوزي الحديث بابن عياش تعقبه الذهبي حديث ابن عياش صحيح وهو في سنن أبي داود وأخرجه عبدالرزاق من طريق إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وإسماعيل روايته عن الشاميين مستقيمة
أما حديث ما يحل لنا من أموال أزواجنا قال الرطب :
وسئل عن حديث زياد بن جبير، عن سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كَلٌّ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَأَوْلَادِنَا، مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: الرَّطْبُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
فَقَالَ: يَرْوِيهِ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛
فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ زِيَادٍ، عَنْ سَعْدٍ.
وَأَرْسَلَ هَاشِمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ زِيَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَعْدًا عَلَى الصَّدَقَةِ … الْحَدِيثَ.
وَيُقَالُ: إِنَّ سَعْدًا هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهُوَ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية
وفي المراسيل لابن أبي حاتم :
٢١٤ – سَأَلْتُ أَبِي عَنْ زِيَادٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعْدٍ فَقَالَ هُوَ مُرْسَلٌ
٢١٥ – قَالَ أَبُو زُرْعَةَ زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ سَعْدٍ مُرْسَلٌ انتهى
فلا أدري هل يرجحون أن سعد هو بن أبي وقاص أم الأنصاري
فائدة في السماع :
٣٧١ – ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها
حديث عائشة رضي الله عنها: «إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها» .
قال الإِمام أحمد: عندما سئل: أبو وائل سمع من عائشة؟ قال: لا أدري، قد أدخل بينه وبينها مسروق إلى غير شيء وذكر هذا الحديث
—-
أخرجه الترمذي (٦٧١) قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها به أجر، وللزوج مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، له بما كسب ولها بما أنفقت».
و أخرجه البخاري (١٤٣٧) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، مرفوعًا به.
«جامع التحصيل» ١٩٧، «مراسيل ابن أبي حاتم» ٨٨.
الجامع لعلوم الإمام أحمد – علل الحديث ١٤/٣٨٩