655 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعبدالله المشجري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنَ الْغَارِمِينَ وَغَيْرِهِمْ
655 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَجُوَيْرِيَةَ، وَأَنَسٍ.: «حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
أخرجه مسلم
قال ابن قدامة:
فصل: ومتى ثَبَتَ إعْسَارُهُ عندَ الحاكِمِ، لم يكُنْ لأحَدٍ مُطَالَبَتُه ومُلَازَمَتُه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: لِغُرَمَائِه مُلَازَمَتُه من غيرِ أن يَمْنَعُوهُ من الكَسْبِ، فإذا رَجَعَ إلى بَيْتِه، فأذِنَ لهم في الدُّخُولِ، دَخَلُوا معه، وإلَّا مَنَعُوهُ من الدُّخُولِ، لقولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “لِصَاحِبِ الْحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ” . ولَنا، أنَّ مَن ليس لِصَاحِبِ الحَقِّ مُطَالَبَتهُ، لم يكُنْ له مُلَازَمَتُه، كما لو كان دَيْنُه مُؤَجَّلًا، وقولُ اللَّه تعالى: {فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ} . ومن وَجَبَ إنْظَارُه، حَرُمَتْ مَلَازَمَتُه، كمن دَيْنُه مُؤَجَّلٌ. والحَدِيثُ فيه مَقَالٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. ثم نَحْمِلُه على المُوسِرِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، فقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال لِغُرَمَاءِ الذي أُصِيبَ في ثِمَارٍ ابْتَاعَها، فَكَثُرَ دَيْنُه: “خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، ولَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ . وإن فُكَّ الحَجْرُ عنه لم يكُنْ لأحَدٍ مُطَالَبَتُهُ، ولا مُلَازَمَتُهُ، حتى يَمْلِكَ مَالًا، فإن جَاءَ الغُرَمَاءُ عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، فادَّعَوا أنَّ له مَالًا، لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهم، حتى يُثْبِتُوا سَبَبَهُ [فإن جَاءُوا بعد مُدَّةٍ، فَادَّعَوا أنَّ في يَدِه مَالًا، أو ادَّعَوا ذلك عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ، وبَيَّنُوا سَبَبَهُ] (19)، أحْضَرَهُ الحاكِمُ وسَأَلَهُ، فإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه ما فُكَّ الحَجْرُ عنه حتَّى لم يَبْقَ له شيءٌ، وإن أقَرَّ، وقال: هو لِفُلَانٍ، وأنا وَكِيلُه أو مُضَارِبُه. وكان المُقَرُّ له حَاضِرًا، سَأَلَهُ الحاكِمُ، فإن صَدَّقَهُ فهو له، ويَسْتَحْلِفُه الحاكِمُ، لِجَوَازِ أن يكونَا تَوَاطآ على ذلك، لِيَدْفَعَ المُطَالَبَةَ عن المُفْلِسِ. وإن قال: ما هو لي. عَرَفْنَا كَذِبَ المُفْلِسِ، فيَصِيرُ كأنَّه قال: المالُ لي. فَيُعَاد الحَجْرُ عليه إن طَلَبَ الغُرَمَاءُ ذلك. وإن أقَرَّ لِغَائِبٍ، أُقِرَّ في يَدَيْهِ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ، ثم يُسْأَلُ، كما حَكَمْنَا في الحَاضِرِ.
ومتى أُعِيدَ الحَجْرُ عليه لِدُيُونٍ تَجَدَّدَتْ عليه، شَارَكَ غُرَمَاءُ الحَجْرِ الأوَّلِ غُرَمَاءَ الحَجْرِ الثَّاني، إلَّا أنَّ الأوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِم، والآخِريِنَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: لا يَدْخُلُ غُرَمَاءُ الحَجْرِ الأوَّلِ على هَؤُلَاءِ الذين تَجَدَّدَتْ حُقُوقُهُم، حتى يَسْتَوْفُوا، إلَّا أن تكونَ له فَائِدَةٌ من مِيرَاثٍ، أو يُجْنَى عليه جِنَايَةٌ، فيَتَحَاصُّ الغُرَمَاءُ فيه. ولَنا، أنَّهم تَسَاوَوْا في ثُبُوتِ حُقُوقِهم في ذِمَّتِه، فتَسَاوَوْا في الاسْتِحْقَاقِ، كالذين تَثْبُتُ حُقُوقُهم في حَجْرٍ واحِدٍ، وكتَسَاوِيهم في المِيرَاثِ وأرْشِ الجِنَايَةِ، ولأنَّ مَكْسَبَهُ مالٌ له، فَتَسَاوَوْا فيه، كالمِيرَاثِ.
[المغني لابن قدامة 6/ 584]
قال ابن حجر:
16 – باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء، أو أعطاه حتى ينفق على نفسه
2403 – حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حسين المعلم، حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أعتق رجل غلاما له عن دبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله، فأخذ ثمنه فدفعه إليه.
ذكر فيه حديث المدبر مختصرا وسيأتي الكلام عليه في العتق. قال ابن بطال: لا يفهم من الحديث معنى قوله في الترجمة فقسمه بين الغرماء لأن الذي دبر لم يكن له مال غير الغلام كما سيأتي في الأحكام، وليس فيه أنه كان عليه دين، وإنما باعه لأن من سنته أن لا يتصدق المرء بماله كله ويبقى فقيرا. ولذلك قال: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى انتهى.
وأجاب ابن المنير بأنه لما احتمل أن يكون باعه عليه لما ذكر الشارح، واحتمل أن يكون باعه عليه لكونه مديانا ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه أو يسلمه إلى المديان ليقسمه، فلهذا ترجم على التقديرين، مع أن أحد الأمرين يخرج من الآخر، لأنه إذا باعه عليه لحق نفسه فلأن يبيعه عليه لحق الغرماء أولى انتهى. والذي يظهر لي أن في الترجمة لفا ونشرا، والتقدير من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء، ومن باع مال المعدم فأعطاه حتى ينفق على نفسه، وأو في الموضعين للتنويع، ويخرج أحدهما من الآخر كما قال ابن المنير، وقد ثبت في بعض طرق حديث جابر في قصة المدبر أنه كان عليه دين أخرجه النسائي وغيره.
وفي الباب حديث في ذلك أخرجه مسلم وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك، وذهب الجمهور إلى أن من ظهر فلسه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم، وخالف الحنفية واحتجوا بقصة جابر حيث قال في دين أبيه: فلم يعطهم الحائط ولم يكسره لهم ولا حجة فيه لأنه أخر القسمة ليحضر فتحصل البركة في الثمر بحضوره فيحصل الخير للفريقين، وكذلك كان.
[فتح الباري لابن حجر 5/ 65 ط السلفية]
قال المباركفوري:
(وليس لكم إلا ذلك) أي ما وجدتم والمعنى ليس لكم إلا أخذ ما وجدتم والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسرة
وقال المظهر
أي ليس لكم زجره وحبسه لأنه ظهر إفلاسه وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه في الدين بل يخلى ويمهل إلى أن يحصل له مال فيأخذه الغرماء وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم وبطل ما بقي من ديونكم لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة كذا في المرقاة
قلت ما نفاه المظهر قد قال به جماعة وهم الذين ذهبوا إلى وجوب وضع الجائحة
قال النووي في شرح مسلم اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية هل تكون من ضمان البائع أو المشتري فقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون هي من ضمان المشتري ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب
وقال الشافعي في القديم وطائفة هي من ضمان البائع ويجب وضع الجائحة
وقال مالك إن كانت دون الثلث لم يجب وضعها وإن كانت الثلث فأكثر وجب وضعها وكانت من ضمان البائع ثم ذكر النووي دلائل هؤلاء الأئمة من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه
[تحفة الأحوذي 3/ 257]
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي في توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم ٤/٣٤٨: اختلف العلماء في الجمع بين حديث الأمر بوضع الجوائح، وحديث الرجل الذي ابتاع ثمارًا فكثر دينه، فقال النبي ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، وحديث: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ !»، فاختلف العلماء في وضع الجوائح، فإذا اشترى شخص ثمارًا، ثم أصابته جائحة: مطر، أو جراد، أو شيء، فذهبت الثمرة، هل تكون من ضمان المشتري، أو من ضمان البائع؟ على أقوال لأهل العلم:
القول الأول: يكون الجميع من ضمان البائع، وهو مذهب الإمام أحمد [شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (٢/ ٨٦).]، واستدلوا بأن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح…..
والأقرب: القول الأول: أنها تكون من ضمان البائع مطلقًا، سواء باع قبل بدو الصلاح، أو بعد بدو الصلاح، أما قبل بدو الصلاح فلا يجوز البيع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والحديث صريح في أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح.
أما هذا الرجل الذي كثر دينه فهو يُحمل على قضية خاصة: وهي أنه تساهل، وفرَّط، وترك الثمرة؛ ولذلك أصابته جائحة، ويدل عليه قوله: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»: فهذا قاله للغرماء، ولم يقل: لكم البقية، والذين قالوا: إنها تكون من ضمانه قالوا: إن المعنى: خذوا ما وجدتم- يعني: الآن- والباقي يبقى في ذمته؛ لأنه معسر، وليس لكم مطالبته الآن في حال الإعسار. انتهى
و الحديث دليل على أنه يجب على المدين المفلس أن يسلم إلى الغرماء جميع ماله، ما لم يقض دينهم، لقوله: «خذوا ما وجدتم» وقد أخذ بظاهر الحديث شريح ومالك والشافعي، فقالوا: تباع داره التي يسكنها، ويكتري بدلها، واختاره ابن المنذر، لعموم «خذوا ما وجدتم»، وهذا مما وجدوا، ولأنه عين مال المفلس، فوجب صرفه كسائر ماله.
وذهب أبو حنيفة وأحمد وإسحاق «المغني» (٦/ ٥٧٨). إلى أنه لا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها؛ لأنها بثيابه وقوته أشبه، وأما قوله: «خذوا ما وجدتم» فالظاهر أنه ليس على عمومه، وإنما معناه: خذوا ما وجدتم مما تصدق به عليه؛ لأنه المذكور قبل ذلك.
وهذا القول هو الراجح، وهو أن المفلس لا تباع داره التي يسكنها ولا دابته أو سيارته التي يركبها، وكذا آلة صناعته وحرفته، كأدوات نجارة ونحوها، لحاجته إليها، كثيابه ومسكنه، ولوقيل: إنه ينظر إلى سعة الدار وقيمتها، وكذا قيمة السيارة، ويعتاض منهما بأقل من قيمتهما ما كان بعيدًا، ولا سيما في زماننا هذا، وقد نصَّ الفقهاء على ذلك «المغني» (٦/ ٥٧٩).
نصيب الغارمين من الزكاة، يعطون بقدر حاجتهم في قضاء ما عليهم من الديون، سواء كان الغارم قد أصلح بين الناس، وأعطى مالًا بنية الأخذ من الزكاة، أو اقترض، أو تحمَّل ذلك في ذمته، فيُعطى ولو كان غنيًّا تشجيعًا له على الخير. أو كان الغارم لنفسه ولم يستطع الوفاء، فيعطى من الزكاة ما يقضي دينه
استدل أكثر العلماء بهذا الحديث على أن المفلس إذا قسم ماله وبقيت عليه بقية وله صنعة أن الحاكم لا يجبره على إيجار نفسه ليقضي دينه، وهذا قول مالك والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، كما استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولأن هذا تكسُّب للمال، فلم يجبره الحاكم عليه، كقبول الهبة والصدقة.
والقول الثاني: أن الحاكم يجبره على التكسب، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز إجباره عليها، كبيع ماله في وفاء الدين، وهذا القول هو الأظهر، لقوة مأخذه، وهو اختيار الموفَّق، وعبد الرحمن بن قدامة، وأما الآية فالظاهر أنه لا يدخل في عمومها؛ لأنها محمولة على من لا صنعة له. انظر: «الشرح الكبير مع الإنصاف» (١٣/ ٣٣٩)، «المغني» (٦/ ٥٨١)، «الممتع شرح المقنع» (٣/ ٣٢٠، ٣٢١)، وهذا فيه جمع بين الأدلة، والله تعالى أعلم.
[ راجع فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤ ٦/٢٧٣ ]
وراجع منحة العلام في شرح بلوغ المرام ٦/٢٩١:
قال البسام:
* ما يؤخذ من الحديثين:
1 – الحَجْر شرعًا: هو منع المفلس من التصرف في ماله الموجود الحادث بإرث أو غيره، وهو مشروع بشرطه؛ لحفظ حقوق الغرماء، ونتيجة الحجر أنَّه لا يصح، ولا ينفذ تصرفه في ماله المذكور، ولا إقراره عليه.
2 – لا يصح الحجر إلَاّ من الحاكم بطلب كل غرماء المفلس، أو طلب بعضهم؛ لأنَّ الحجر يحتاج إلى اجتهاد في الحكم به، كما أنَّه إلى وجود ولاية تشريعية وتنفيذية، ولا يقوم بذلك إلَاّ الحاكم.
3 – لا يحجر على المدين حتى تكون ديونه أكثر من موجوداته.
4 – المفلس قبل حجر الحاكم صحيح التصرف في ماله؛ لأنَّه رشيد، لكن يحرم عليه التصرف بما يضر غرماءه، هذا المذهب.
أمَّا ابن القيم فقال: إذا استغرقت الديون ماله، لم يصح تصرفه وتبرعه بما يضر أرباب الديون، سواءٌ حَجَر عليه الحاكم، أو لم يحجر عليه.
هذا مذهب مالك واختيار شيخنا، وهو الصحيح الذي يليق بأصول المذهب، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأنَّ حق الغرماء قد تعلق بماله، والشريعة جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد الطريق المفضية إلى إضاعتها.
قلتُ: ونصر هذا القول غير واحد من أهل التحقيق، وجزم به ابن رجب وغيره، وصوَّبه في الإنصاف.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: عند الشيخ تقي الدين لا ينفذ تصرف المفلس التصرف المضر بالغريم، ولو لم يحجر عليه، وهو أرجح وأقرب إلى العدل، لأنَّ تصرفه ظلم محرَّم، فكيف ينفذ الظلم المحرَّم وحجر الحاكم ما هو إلَاّ إظهار لحاله، لإيجاب شيء لم يجب إلَاّ بحجره.
5 – على الحاكم أن يبيع مال المفلس، ويقسم ثمن ما باعه بين الغرماء بالمحاصَّة بقدر الديون.
وطريق المحاصَّة أن تجمع الديون، وتنسب إلى مال المفلس، وَيُعطى كل غريم من دينه بتلك النسبة.
6 – الحجر لا ينفك عن المفلس إلَاّ بوفائه دينه، أو حكم حاكم، ولو مع بقاء بعض الدين؛ لأنَّ حكمه مع بقاء بعض الدين، لا يكون إلَاّ بعد البحث عن نفاد ماله، والنظر في الأصلح من بقاء الحجر، أو فكِّه.
7 – يجوز إعطاؤه من الزكاة لوفاء دينه.
قال فقهاء الحنابلة، واللفظ لصاحب نيل المآرب: من تَديَّن لنفسه في شراء مباح أو محرَّم، وتاب منه مع فقره، فإنَّه يُعطي ما يقضي به دينه، وكذا لو كان الدين لله تعالى.
8 – إذا وزعَّ الحاكم ماله الموجود انقطعت المطالبة عنه، فلا يجوز ملازمته، ولا طلبه، ولا حبسه بهذا الدين بل يخلى سبيله، ويمهل إلى أن يحصل له مال فيأخذه الغرماء، وليس معناه: أنَّه ليس لكم إلَاّ ما وجدتم، وبطل ما بقي لكم من الديون، وهذا ما يفهم من الحديث مع قوله تعالي: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
فالإفلاس لا يسقط حقوق أصحاب الديون، لكن يمنع من الملازمة والمطالبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ: “خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلَاّ ذلك”.
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 4/ 487]
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): فِي فوائده فذكر فوائد ومنها :
أن المعسر لا تحلّ مطالبته، ولا ملازمته، ولا سَجْنه، وبه قَالَ الشافعيّ، ومالك، وجمهور العلماء، وحكي عن شريح حبسه حَتَّى يقضي الدين، وإن كَانَ قد ثبت إعساره. وعن أبي حنيفة: تجوز ملازمته.
(ومنها): أنه يسلم إلى الغرماء جميع مال المفلس، ما لم يَقضِ دينهم، ولا يُترك للمفلس سوى ثيابه، ونحوها. قاله النوويّ فِي “شرح مسلم” 10/ 461. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 34/ 271]