652 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعبدالله المشجري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
652 – حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، ح وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ.: «حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الحَدِيثَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَوِيًّا مُحْتَاجًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ عَنِ المُتَصَدِّقِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَوَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى المَسْأَلَةِ ”
[حكم الألباني] : صحيح
653 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، أَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَأَخَذَ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَسَأَلَهُ إِيَّاهُ، فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرُمَتِ المَسْأَلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ، كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ»
[حكم الألباني] : ضعيف
654 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ نَحْوَهُ.: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ»
———
: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي»
رواه أحمد برقم: (6530)، وأبو داود برقم: (1634)، والترمذي برقم: (652) من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
رواه أحمد برقم: (9061) والنسائي برقم: (2597)، وابن ماجه برقم: (1839)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7251)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1444) صحيح سنن النسائي برقم(2434).
——
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا تحل الصدقة لغني» هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وإنما الخلاف بينهم في حد الغنى الذي يحرم الصدقة.
ذخيرة العقبى (23/ 206)
قال السندي -رحمه الله-:
«لا تحل الصدقة» أي: سؤالها، وإلا فهي تحل للفقير، وإن كان قويًّا صحيح الأعضاء إذا أعطاه أحد بلا سؤال.
قال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا الترمذي أيضًا:
ما قاله الترمذي -رحمه الله تعالى- عندي فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الحديث المذكور ضعيف؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف (يعني به: حديث: «إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مِرَّة سوي…»).
والثاني: أن حديث الباب ليس فيه منع المحتاج عن الصدقة مُطلقًا، بل بشرط أن يكون قادرًا على الكسب، ومكتسبًا بالفعل…، فلو لم يكن له كسب، أو وجد كسبًا، ولكنه لا يقدر عليه فإنه يجوز له الأخذ منها.
والحاصل: أن تأويل الحديث بالمسألة غير صحيح -والله تعالى أعلم-.
ذخيرة العقبى (23/ 207-208)
الرَّدْغَة (وهي: اختلاط الماء بالطين)
الرَّدْهَة (وهي بمعنى: النقرة في الجبل يتجمع فيها الماء)
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«سوي» أي: سليم الخَلْق، تام الأعضاء…، ولا بد من قيده بكونه مكتسبًا، بدليل الحديث الآتي في الباب التالي بلفظ: «ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» يعني: أنه لا تحل الصدقة لمن كان قويًّا سليم الأعضاء مكتسبًا، فلو كان قويًّا سليم الأعضاء، ولكن ليس له كسب، أو كان له كسب، ولكن شُغِلَ عنه، بأن كان عالْمًا يحتاج الناس إلى علمه، لو اكتسب لما انتفع بعلمه الناس، أو كان طالب علم لو اشتغل بالكسب لانقطع عن العلم، ونحو ذلك جاز له أخذها.
والحجة في ذلك: أن فقراء المهاجرين كانوا منقطعين للعلم وللجهاد، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعطيهم من الصدقة، ولم يكلفهم بالاكتساب، مع أن أكثرهم قادرون عليه، فدل على أن من امتنع عن الاكتساب لمهمة دينية جاز له أخذها، وإن كان قادرًا على الكسب، فقوله: «لقوي مكتسب» ظاهر في كونه مكتسبًا بالفعل، فمن تهيَّأت له أسباب الكسب وكان متفرِّغًا له، لم يجز له أخذها؛ لحديث الباب -والله تعالى أعلم-.
ذخيرة العقبى (23/ 207)
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي الأرجح: ما ذهب إليه الأولون، فلا تحل الصدقة لقوي سليم الأعضاء مكتسب، فلو لم يكن قادرًا على الكسب، أو كان قادرًا عليه ولكن لا يتيسر له بأن كانت أسباب الكسب غير متاحة له جاز أخذ الصدقة، وبهذا تجتمع الأحاديث من دون تعارض -والله تعالى أعلم بالصواب-.
ذخيرة العقبى (23/ 208)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث: تحريم الصدقة على الغني، وظاهر الحديث يشمل الواجبة والمستحبة، ولكن ذكر بعض العلماء أن الصدقة غير الواجبة تحل للغني، لكن الأولى أن يتنزه عنها، وأن يقول للمصدق: أعطها من هو أحوج مني.
ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الزكاة للعامل ولو كان غنيًّا، لو أراد العامل أن يتبرَّع بعمله، ولا يأخذ؛ فهو محسن، لكن لو أراد أن يأخذ فلا حرج عليه، وقد أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر حين عمل على الصدقة، فقال: يا رسول الله، أعطه أحوج مني، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خذ، ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك»، العامل عليها ولو كان واحدًا ولو كانوا جماعة، من الآية: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} التوبة60، ولو كان واحدًا من هذا الحديث: «لعامل عليها».
فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 141-142)
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده:
منها: ما بوَّب له المصنف (يعني: النسائي) -رحمه الله تعالى-، وهو بيان حكم مسألة الشخص القوي المكتسب، وهو التحريم.
ومنها: أنَّ الأصل فيمن لم يُعلم له مال الفقر، والاستحقاق من الصدقة.
ومنها: مجرد القوة لا يقتضي عدم استحقاق الصدقة، بل لا بد من أنْ ينضم إليها الاكتساب.
ومنها: أنَّ القادر على اكتساب ما يكفيه لا يجوز له أخذٌ من الصدقة المفروضة؛ لاستغنائه بالكسب، كاستغناء الغني بالمال، والله تعالى أعلم.
ذخيرة العقبى (23/ 212)
قال الشيخ العباد:
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي)، فقوله: (مرة) أي: قوة، وقوله: (سوي) يعني: أنه سليم وليس به عاهة أو نقص، كما جاء في سورة النجم في وصف جبريل عليه السلام: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم:٦] أي: ذو قوة، فيصير مثل الحديث الذي قبله: (لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب)، فقوله هنا: (ذي مرة سوي) هو مثل قوله: (لقوي مكتسب).
وذكر أبو داود عدة طرق بعدة ألفاظ، وقد علق هذه الطرق، وألفاظ بعضها كالرواية السابقة: (ذي مرة سوي)، وفي بعضها: (لذي مرة قوي)، ولا شك أن قوله: (لذي مرة سوي)، أوضح من قوله: (لذي مرة قوي)؛ لأن المرة هي القوة، وأما السوي فهي تؤدي معنى آخر وهو سلامة الأعضاء، والسلامة من العاهات، مع القوة والنشاط والقدرة.
وقال الشيخ العباد أيضا:
لقد حثنا ديننا على علو الهمة، وعلى الاعتماد على النفس، ونهانا عن سفاسف الأمور وسقطاتها، وعن الاعتماد على الآخرين، لذا فقد نهى عن مسألة الناس وتكففهم، وحذر من ذلك وقبّحه، ورتّب عليه العقاب في الآخرة، فالمسألة إراقة لماء الوجه، وسكب لحياء النفس، وتذلل للعباد، وقد بين الشرع من تحل له المسألة، فإذا قضى حاجته فليستعفف.
شرح سنن أبي داود للعباد
— عبد المحسن العباد (معاصر)
———
قال ناصر الدين البيضاوي:
المراد بـ (الصدقة): الزكاة، و(المرة): القوة، من: أمررت الحبل: إذا حكمت فتله، و(سوي): مستو، أي: قويم الخلق معتدله،
مصون على الخلل والانحراف إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط، والمعنى: أن الزكاة لا تحل على الغني، ولا على قوي يقدر على الكسب، وإليه ذهب أكثر أهل العلم، وقال أصحاب الرأي: تحل الزكاة لمن لا يملك مئتي درهم، وإن كان كسوبا، واستثنى من ذلك العامل، فإنه يأخذ في مقابلة عمله، والغازي المتطوع، والغارم لإصلاح ذات بين، والمؤلفة قلوبهم، فإن الداعي إلى إعطائهم أمور ليست الحاجة.
تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة
— ناصر الدين البيضاوي
——–
قال ابن جرير الطبري:
وَالَّذِي فِيهِ من ذَلِك: إبانة النَّبِي ﷺ َ – عَن تَحْرِيم الصَّدَقَة للغني عَنْهَا، وللصحيح الْجِسْم، الْقوي على الاحتراف، المستغني بحرفته وَكَسبه عَن الصَّدَقَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: أفكل الصَّدَقَة حرَام على الْغَنِيّ، وَذي الْمرة السوي؟ أم بَعْضهَا؟
قيل لَهُ: بل بَعْضهَا دون جَمِيعهَا.
فَإِن قَالَ: فَمَا الدَّلِيل على ذَلِك، وَلَا بَيَان فِي الْخَبَر أَنه معني بِهِ، الْبَعْض من ذَلِك دون الْكل؟ وَمن قَوْلك: إِن الْخَبَر إِذا ورد بِتَحْرِيم شَيْء أَو تَحْلِيله؛ أَنه على مَا ورد بِهِ من الْعُمُوم إِلَّا أَن تخصه حجَّة يجب التسلم لَهَا! فَهَل من حجَّة يجب علينا بهَا التَّسْلِيم لما قلت من أَن الْخَبَر الَّذِي رويت لنا فِي ذَلِك معني بِهِ بعض الصَّدقَات دون بعض؟ قيل: نعم.
فَإِن قَالَ: فاذكر لنا ذَلِك لنعرفه.
قيل: لَا خلاف بَين الْجَمِيع من عُلَمَاء الْأمة: أَن الصَّدَقَة الْمُحرمَة الَّتِي يكون أَصْلهَا مَحْبُوسًا، وَعَلَيْهَا صَدَقَة على الْغَنِيّ وَالْفَقِير من جنس من النَّاس، وخاص مِنْهُم: أَنَّهَا جَائِزَة، وَأَن للمجعول ذَلِك لَهُ من الاغتناء: أَخذه وتملكه كَمَا يتَمَلَّك سَائِر مَا رزقه الله – تَعَالَى ذكره – من مَال تميزات أَو كسب وَهبة، وَغير ذَلِك، فمعلوم بذلك أَن التَّطَوُّع من الصَّدقَات لم يدْخل فِي معنى قَول النَّبِي ﷺ َ -: «لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي». وَأَن ذَلِك إِنَّمَا عني بِهِ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة الَّتِي فَرضهَا الله فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء لأهل سهمات الصَّدَقَة فِي بعض الْأَحْوَال.
وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَن غَنِيا فِي بَلَده، لَو كَانَ فِي سفر فَذَهَبت نَفَقَته، فَلم يجد مَا يتَحَمَّل بِهِ إِلَى مَوضِع مَاله، أَن لَهُ أَن يَأْخُذ من الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة مَا يتَحَمَّل بِهِ إِلَى مَوضِع مَاله.
فمعلوم بذلك أَن قَول النَّبِي ﷺ َ -: « لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ» على الْخُصُوص، وَأَنه معني بِهِ من الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة بَعْضهَا لما وَصفنَا؛ وَلِأَن الله – تَعَالَى ذكره – قد جعل فِي الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة حَقًا لصنوف من الْأَغْنِيَاء، وهم: المجاهدون فِي سَبِيل الله، والعاملون عَلَيْهَا، وَأَبْنَاء السَّبِيل الَّذين لَهُم ببلدهم غنى، وهم مُنْقَطع بهم فِي سفرهم.
تهذيب الآثار – أبو جعفر ابن جرير الطبري
———
شرح الترمذي
قال الطحاوي:
بَابُ ذِي الْمِرَّةِ السَّوِيِّ الْفَقِيرِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ أَمْ لَا؟
2997 – حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَيْحَانَ بْنَ يَزِيدَ، وَكَانَ أَعْرَابِيًّا صَدُوقًا، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» ….
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِذِي الْمِرَّةِ السَّوِيِّ ، وَجَعَلُوهُ فِيهَا كَالْغَنِيِّ ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ ، فَقَالُوا: كُلُّ فَقِيرٍ مِنْ قَوِيٍّ وَزَمِنٍ ، فَالصَّدَقَةُ لَهُ حَلَالٌ. وَذَهَبُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» أَيْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ ، كَمَا تَحِلُّ لِلْفَقِيرِ الزَّمِنِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهَا ، فَيَأْخُذُهَا عَلَى الضَّرُورَةِ وَعَلَى الْحَاجَةِ ، مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ مِنْهُ إِلَيْهَا. فَلَيْسَ مِثْلَهُ ذُو الْمِرَّةِ السَّوِيُّ الْقَادِرُ عَلَى اكْتِسَابِ غَيْرِهَا فِي حِلِّهَا لَهُ ، لِأَنَّ الزَّمِنَ الْفَقِيرَ ، يَحِلُّ لَهُ مِنْ قِبَلِ الزَّمَانَةِ ، وَمِنْ قِبَلِ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهَا. وَذُو الْمِرَّةِ السَّوِيُّ إِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا قَدْ يَحِلُّ لَهُمَا أَخْذُهَا ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لِذِي الْمِرَّةِ السَّوِيِّ تَرْكُهَا وَالْأَكْلُ مِنَ الِاكْتِسَابِ بِعَمَلِهِ. وَقَدْ يُغَلَّظُ الشَّيْءُ مِنْ هَذَا ، فَيُقَالُ: لَا يَحِلُّ ، أَوْ لَا يَكُونُ كَذَا ، عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُتَكَامِلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَحِلُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَدْ يَحِلُّ بِمَا دُونَ تَكَامُلِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ مِنْ ذَلِكَ ، مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ وَلَا بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ» فَلَمْ يَكُنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ خَارِجًا مِنْ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ وَأَحْكَامِهَا ، حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ ، وَحَتَّى لَا يُجْزِئَ مَنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِسْكِينٍ مُتَكَامِلِ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» أَيْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحِلُّ لَهُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ
وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لِمَذْهَبِهِمْ أَيْضًا
3005 – بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا ، فَرَفَعَ الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ قَوِيَّيْنِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
قَالُوا: فَقَدْ قَالَ لَهُمَا: «لَا حَقَّ فِيهَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَوِيَّ الْمُكْتَسِبَ لَا حَظَّ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ ، وَلَا تُجْزِئُ مَنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا شَيْئًا. فَالْحُجَّةُ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» أَيْ إِنَّ غِنَاكُمَا يَخْفَى عَلَيَّ ، فَإِنْ كُنْتُمَا غَنِيَّيْنِ ، فَلَا حَقَّ لَكُمَا فِيهَا ، وَإِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ ، لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ بِغِنَاكُمَا، فَمُبَاحٌ لِي إِعْطَاؤُكُمَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمَا أَخْذُ مَا أَعْطَيْتُكُمَا إِنْ كُنْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ حَقِيقَةِ أُمُورِكُمَا فِي الْغِنَى ، خِلَافَ مَا أَرَى مِنْ ظَاهِرِكُمَا الَّذِي اسْتَدْلَلْتُ بِهِ عَلَى فَقْرِكُمَا. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» . وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» فَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْحَقُّ فِيهَا ، فَعَادَ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ: «وَلَا لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ» . وَقَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ عَالِمٌ حَقًّا ، إِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ الْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ عَالِمٌ حَقًّا ، إِذَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا. فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ: فَقِيرٌ حَقًّا إِلَّا لِمَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفَقِيرُ فَقِيرًا ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُمَا: «وَلَا حَقَّ فِيهَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» أَيْ: وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا ، حَتَّى يَكُونَ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا حَقًّا ، وَهُوَ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ. وَلَوْلَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِعْطَاؤُهُ لِلْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ ، إِذَا كَانَ فَقِيرًا ، لَمَا قَالَ لَهُمَا: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ» . وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآثَارُ ، لِأَنَّهَا إِنْ حُمِلَتْ عَلَى مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى ، ضَادَّتْ سِوَاهَا ، مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
فَمِنْ ذَلِكَ
3008 – مَا حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ: نَزَلْتُ دَارَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِالْمَدِينَةِ ، فَضَمَّنِي وَإِيَّاهُ الْمَجْلِسُ ، فَقَالَ: أَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ عَصَبُوا عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُمُّهُ: لَوْ أَتَيْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْتَهُ ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ. فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ ، حَتَّى أَطْلُبَ. فَطَلَبْتُ ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا ، فَاسْتَبَقْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: ” مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ ، وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُلَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ عَنَّا وَاسْتَغْنَى أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ سَأَلَنَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ ، فَمَا سَأَلْتُ أَحَدًا بَعْدُ ، فَمَا زَالَ اللهُ يَرْزُقُنَا حَتَّى مَا أَعْلَمُ بَيْتًا فِي الْمَدِينَةِ أَكْبَرَ سُؤَالًا مِنَّا ”
3009 – حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَعْوَزْنَا مَرَّةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ، وَمَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ» . قَالَ: قُلْتُ: فَلْأَسْتَعِفَّ فَيُعِفَّنِي اللهُ وَلْأَسْتَغْنِ فَيُغْنِيَنِي اللهُ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا كَانَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَسَمَ زَبِيبًا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا مِنْهُ ، ثُمَّ قَسَمَ شَعِيرًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا مِنْهُ ثُمَّ سَالَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا، فَغَرَّقَتْنَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ.
3011 – حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ يَقُولُ: أَمَّرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْمِي ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَعْطِنِي مِنْ صَدَقَاتِهِمْ ، فَفَعَلَ وَكَتَبَ لِي بِذَلِكَ كِتَابًا. فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ عز وجل لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا» .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا الصُّدَائِيُّ قَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْمِهِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَمَّرَهُ وَبِهِ زَمَانَةٌ. ثُمَّ قَدْ سَأَلَهُ مِنْ صَدَقَةِ قَوْمِهِ ، وَهِيَ زَكَاتُهُمْ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ لِصِحَّةِ بَدَنِهِ. ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّجُلُ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كُنْتَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الَّذِينَ جَزَّأَ اللهُ عز وجل الصَّدَقَةَ فِيهِمْ أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا» . فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ حُكْمَ الصَّدَقَاتِ إِلَى مَا رَدَّهَا اللهُ عز وجل إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: { «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ» } [التوبة: 60] الْآيَةَ. فَكُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ صِنْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ جَعَلَهَا اللهُ عز وجل لَهُمْ فِي كِتَابِهِ ، وَرَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ ، زَمِنًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا. وَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» مَا حَمَلْنَاهَا عَلَيْهِ ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مَعْنَاهَا مِنَ الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ الَّتِي رَوَيْنَا. وَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَعْنًى وَاحِدًا يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ثُمَّ قَدْ رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا…
3014 – حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَزَادَ «رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ عَنْ قَوْمِهِ أَرَادَ بِهَا الْإِصْلَاحَ» فَأَبَاحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِذِي الْحَاجَةِ أَنْ يَسْأَلَ لِحَاجَتِهِ ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحْرُمُ بِالصِّحَّةِ إِذَا أَرَادَ بِهَا الَّذِي تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ سَدَّ فَقْرٍ. وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يُرِيدُ بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّكَثُّرِ وَنَحْوِهِ ، وَمَنْ يُرِيدُ بِهَا ذَلِكَ ، فَهُوَ مِمَّنْ يَطْلُبُهَا لِسِوَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ، الَّذِي ذَكَرْنَا ، فَهُوَ عَلَيْهِ سُحْتٌ وَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ…
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَدْ أَبَاحَ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَسْأَلَةَ فِي كُلِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا أُبِيحَتْ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ ، وَزَادَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَيْهِ ، مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَفِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الْمَسْأَلَةِ بِالْحَاجَةِ خَاصَّةً ، لَا بِالزَّمَانَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْمَعْنَى
3018 – مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثٍ ، لِغُرْمٍ مُوجِعٍ ، أَوْ دَمٍ مُفْظِعٍ ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ ، مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَقَدْ دَخَلَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَعْنَى حَدِيثِ سَمُرَةَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ أَيْضًا
مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عِمْرَانَ الْبَارِقِيِّ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ ، أَوْ يَكُونَ لَهُ جَارٌ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ، فَيُهْدِيَ لَهُ ، أَوْ يَدْعُوَهُ»
فَأَبَاحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّدَقَةَ لِلرَّجُلِ ، إِذَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ ، فَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ الصَّحِيحَ ، وَغَيْرَ الصَّحِيحِ. فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا ، عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ ، إِنَّمَا تَحِلُّ بِالْفَقْرِ ، كَانَتْ مَعَهُ الزَّمَانَةُ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3020 – مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ: ثنا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ وَهْبٍ ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ ، فَسَأَلَهُ رِدَاءَهُ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَذَهَبَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا مِنْ مُدْقِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ لَهُ ، فَإِنَّهُ خُمُوشٌ فِي وَجْهِهِ ، وَرَضْفٌ يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ ، إِنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ ، وَإِنْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ» فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَحِلُّ بِالْفَقْرِ ، وَالْغُرْمِ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَحِلُّ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ خَاصَّةً ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ حَالُ الزَّمِنِ وَلَا غَيْرِهِ…
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَبَاحَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا هِيَ لِلْفَقْرِ لَا غَيْرِهِ. وَكَانَ تَصْحِيحُ مَعَانِي هَذِهِ الْآثَارِ، عِنْدَنَا، يُوجِبُ أَنَّ مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» ، هُوَ غَيْرُ مَنِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ بِقَوْلِهِ: «إِلَّا مِنْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ» وَأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ يُكْثِرَ مَالَهُ ، وَيَسْتَغْنِيَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ ، حَتَّى تَصِحَّ هَذِهِ الْآثَارُ ، وَتَتَّفِقَ مَعَانِيهَا وَلَا تَتَضَادَّ. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْنَا عَلَيْهِ وُجُوهَ هَذِهِ الْآثَارِ ، هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
[شرح معاني الآثار – ط مصر 2/ 21]
قال الماوردي:
فَصْلٌ:
فَأَمَّا أَحْمَدُ فَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم َ – قَالَ: ” مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَهُوَ غَنِيٌّ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشًا أَوْ خُدُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ “، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا غِنَاهُ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ عَدْلُهَا “.
وَأَمَّا أبو حنيفة فَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َ -: ” أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ ” فَجَعَلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ غَيْرَ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ قَالُوا؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنِصَابٍ مِنْ مَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ أَصْلُهُ إِذَا كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ عَلَى الدَّوَامِ قَالُوا: وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْكِفَايَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَعْتَبِرُوا كِفَايَةَ زَمَانِ الْمُقَدَّرِ أَوْ كِفَايَةَ الْعُمُرِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَبَرَ كِفَايَةُ الْعُمُرِ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَأَمَّا الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ فَلَسْتُمْ فِي اعْتِبَارِهِ بِسَنَتِهِ بِأَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهِ بِأَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَبَطَلَ اعْتِبَارُ الْكِفَايَةِ وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ: أَنَّهُ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم َ – يَسْأَلُهُ فَقَالَ: نُؤَدِّهَا عَنْكَ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حتى يؤدها ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قَوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ حَتَّى تَكَلَّمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ بِهِ حَاجَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قَوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ. فَدَلَّ نَصُّ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ بِالْحَاجَةِ وَتَحْرُمُ بِإِصَابَةِ الْقَوَامِ مِنَ الْعَيْشِ وَهُوَ الْكِفَايَةُ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتَبَرَ النِّصَابُ، وَلِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْكِفَايَةِ الدَّائِمَةِ زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الْغِنَى كَالَّذِي لَا يَمْلِكُ نِصَابًا، وَلِأَنَّ مِلْكَ النِّصَابِ وَالْحَاجَةَ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا فَجَازَ اجْتِمَاعُ حُكْمِهِمَا، وَهُمَا أَخَذُ الصَّدَقَةِ مِنْهُ بِالنِّصَابِ وَدَفْعُهَا إِلَيْهِ بِالْحَاجَةِ كَالْعُشْرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِلْكُ قِيمَةِ النِّصَابِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالْعُرُوضِ يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ لَمْ يَكُنْ مِلْكُ النِّصَابِ مَانِعًا مِنْهَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ.
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ ذُو حَاجَةٍ فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى نِصَابٍ كَمَالِكِ الْمَتَاعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أَحْمَدَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَحْدِيدَ الْغِنَى فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَنْ كَانَتْ كِفَايَتُهُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم َ – قَالَ: ” مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ ” يَعْنِي لِمَنْ كَانَ مُكْتَفِيًا بِهَا.
وَرَوَى سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم َ – قَالَ: ” مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَقَدِ اسْتَكْثَرَ مِنَ النَّارِ ” قِيلَ: وَمَا يُغْنِيهِ، قَالَ: قدر ما يغذيه ويعشيه وهذا فِيمَنْ يَكْتَسِبُ بِصَنْعَتِهِ قَدْرَ عَشَائِهِ وَغَذَائِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أبي حنيفة بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم َ -: ” أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ ” فَهُوَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَأْخُذُهُ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ لَيْسَ يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّهُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَلَيْسَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ كَالْعَامِلِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَكَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْعُشْرُ وَالْعُشْرُ عِنْدَنَا زَكَاةٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْكِفَايَةِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِوُجُودِ الْكِفَايَةِ لَا يَمْلِكُ النِّصَابَ فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُمْ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو اعْتِبَارُ الْكِفَايَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْعُمُرِ أَوْ بِزَمَانٍ مُقَدَّرٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أصحابنا في ذلك، فكان مذهب أبو الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِزَمَانٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ سَنَةٌ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهِ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ بعد سنة، فاعتبر في مستحقها لكافية السَّنَةِ، وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كِفَايَةُ الْعُمُرِ وَلَئِنْ كَانَ الْعُمُرُ مَجْهُولًا فَالْكِفَايَةُ فِيهِ لَا تُجْهَلُ؛ لِأَنَّ كِفَايَةَ الشهر من أجل معينا أَوْ صَنْعَةٍ تَدُلُّ عَلَى كِفَايَةِ الْعُمُرِ وَإِنْ جُهِلَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَمْرَضُ فَيَعْجِزُ عَنِ الكسب أو يغلا السِّعْرُ فَلَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
قِيلَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ صَارَ حِينَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ النِّصَابَ فيصير من أهل الصدقة.
[الحاوي الكبير 8/ 520]
قال ابن هبيرة:
واختلفوا في صفة الغنى الذي لا يجوز دفع الزكاة إليه.
فقال أبو حنيفة: هو الذي يملك نصابا من أي مال كان ومن يملك دون ذلك فليس بغنى، وقال مالك: يجوز دفعها إلى من يملك أربعين درهما، وقال أصحابه: يجوز دفعها إلى من يملك خمسين درهما.
وقال الشافعي: الاعتبار بالكفاية فله أن يأخذ مع عدمها وإن كان له خمسون درهما وأكثر. وإن كانت له كفاية فلا يجوز الأخذ ولو لم يملك هذا المقدار.
واختلف عن احمد فروى عنه أكثر أصحابه أنه متى ملك خمسين درهما أو قيمتها ذهبا وإن لم يكفه لم يجز له الأخذ من الصدقة.
وهي اختيار الخرقي، وروى عنه هنا أن الغنى المانع من أخذ الزكاة أن تكون له كفاية على الدوام بتجارة أو صناعة أو أجرة عقار أو غيره.
وإن ملك خمسين درهما أو قيمتها وهي لا تقوم بكفايته جاز له الأخذ.
واختلفوا فيمن يقدر على الكفاية بالكسب لصحته هل يجوز له الأخذ من. الصدقة؟ .
فقال أبو حنيفة ومالك: يجوز له أخذ الصدقة، وإن كان قويا مكتسبا.
وقال الشافعي وأحمد: لا يجوز.
[اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة 1/ 221]
قال ابن تيمية:
وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى وطلب الأخذ من الصدقات فإنه يجوز للإمام أن يعطيه بلا بينة بعد أن يعلمه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب؛ {فإن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجلان من الصدقة فلما رآهما جلدين صعد فيها النظر وصوبه. فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب} . وأما إن ذكر أن له عيالا. فهل يفتقر إلى بينة؟ فيه قولان للعلماء مشهوران: هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد. وإذا رأى الإمام قول من يقول فيه: يفتقر إلى بينة. فلا نزاع بين العلماء أنه لا يجب أن تكون البينة من الشهود المعدلين؛ بل يجب أنهم لم يرتزقوا على أداء الشهادة فترد شهادتهم إذا أخذوا عليها رزقا لا سيما مع العلم بكثرة من يشهد بالزور…
وإطلاق القول بأن جميع من بالربط والزوايا غير مستحقين باطل ظاهر البطلان. كما أن إطلاق القول بأن كل من فيهم مستحق لما يأخذه هو باطل أيضا فلا هذا ولا هذا؛ بل فيهم المستحق الذي يأخذ حقه. وفيهم من يأخذ فوق حقه. وفيهم من لا يعطى إلا دون حقه. وفيهم غير المستحق. حتى إنهم في الطعام الذي يشتركون فيه يعطى أحدهم أفضل مما يعطى الآخر وإن كان أغنى منه؛ خلاف ما جرت عادة أهل العدل الذين يسوون في الطعام بالعدل كما يعمل في رباطات أهل العدل. وأمر ولي الأمر هؤلاء بجميع ما ذكر هو من أفضل العبادات وأعظم الواجبات.
[مجموع الفتاوى 28/ 573]
جاء في إدارة الإفتاء في الكويت:
فصل في الذين لا يُجزِئُ دَفْعُ الزكاةِ لهم
أوَّلاً: الأصنافُ الذينَ لا يُجزِئُ دَفْعُ الزكاةِ لهم:
تقدَّم في الفصل السابق بيانُ أهلِ الزكاةِ المستحقِّين لها، أمَّا هذا الفصل ففيه بيانُ الأصنافِ الذين لا يُجزئُ دفعُ الزكاة لهم، وهم على النحو التالي:
1) الكافرُ: فلا يُجزئُ دَفْعُ الزكاة له؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه ( … فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ [رواه البخاري ومسلم]. فنصَّ على أنَّ الزكاةَ تُرَدُّ على فقراء المسلمين. إلَّا إذا أُريدَ تأليفُه كما سبق؛ فيعطَى عند الحاجة إلى تأليفه.
2) الرَّقيقُ: وهو العبدُ؛ لأنَّ نفقتَه واجبةٌ على سيِّدِه، فهو غنيٌّ بغِناهُ. وما يُدفع إليه لا يملكُه، وإنَّما يملكُه سيده؛ فكأنَّه دُفِعَ إلى سيِّدِه، إلَّا إذا كان مكاتَباً فيجوزُ إعانتُه على أداء الكتابة؛ كما تقدَّم.
3) الغنيُّ: وهو الذي عنده ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسبٍ، أو تجارةٍ، أو عَقارٍ، أو نحو ذلك؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِىٍّ) [رواه أبوداود والترمذي]. و (ذو مِرَّةٍ سَوِيٍّ) معناه: قويٌّ صحيحُ الأعضاء….
[التسهيل في فقه الإمام أحمد – وزارة الأوقاف الكويتية 1/ 317]
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
الغنى المانع من أخذ الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة:
159 – الأصل أن الغني لا يجوز إعطاؤه من الزكاة، وهذا اتفاقي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا حظ فيها لغني.
ولكن اختلف في الغنى المانع من أخذ الزكاة:
فقال الجمهور من المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد قدمها المتأخرون من أصحابه: إن الأمر معتبر بالكفاية، فمن وجد من الأثمان أو غيرها ما يكفيه ويكفي من يمونه فهو غني لا تحل له الزكاة، فإن لم يجد ذلك حلت له ولو كان ما عنده يبلغ نصبا زكوية، وعلى هذا، فلا يمتنع أن يوجد من تجب عليه الزكاة وهو مستحق للزكاة.
وقال الحنفية: هو الغنى الموجب للزكاة، فمن تجب عليه الزكاة لا يحل له أن يأخذ الزكاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم .
ومن ملك نصابا من أي مال زكوي كان فهو غني، فلا يجوز أن تدفع إليه الزكاة ولو كان ما عنده لا يكفيه لعامه، ومن لم يملك نصابا كاملا فهو فقير أو مسكين، فيجوز أن تدفع إليه الزكاة، كما تقدم.
وفي رواية أخرى عند الحنابلة عليها ظاهر المذهب: إن وجد كفايته، فهو غني، وإن لم يجد وكان لديه خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب خاصة، فهو غني كذلك ولو كانت لا تكفيه، لحديث من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح. قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب . وإنما فرقوا بين الأثمان وغيرها اتباعا للحديث
وفيما يلي تفصيل فروع هذه المسألة:
إعطاء الزكاة لمن لا يملك مالا وله مورد رزق:
160 – من لم يكن له مال أو له مال لا يكفيه فإنه يستحق من الزكاة عند الجمهور، إلا أن من لزمت نفقته مليئا من نحو والد لا يعطى من الزكاة، وكذا لا تعطى الزوجة لاستغنائها بإنفاق زوجها عليها. ومن له مرتب يكفيه لم يجز إعطاؤه من الزكاة. وكذا من كان له صنعة تكفيه وإن كان لا يملك في الحال مالا.
فإن كان واحد من هذه الأسباب يأتيه منه أقل من كفايته يجوز إعطاؤه تمام الكفاية .
ونقل النووي أن من له ضيعة تغل بعض كفايته أنه لا يلزمه بيعها لتحل له الزكاة، وكذلك آلات المحترفين وكسب العالم .
وقال الحنفية: يجوز دفع الزكاة إلى من عنده دخل سنوي أو شهري أو يومي من عقار أو نحو ذلك، إن لم يملك نصابا زكويا، ويجوز دفعها إلى الولد الذي أبوه غني إن كان الولد كبيرا فقيرا، سواء كان ذكرا أو أنثى؛ لأنه لا يعد غنيا بيسار أبيه وإن كانت نفقته عليه، أما الولد الصغير الذي أبوه غني فلا تدفع إليه الزكاة لأنه يعد غنيا بيسار أبيه، وسواء كان الصغير في عيال أبيه أم لا. وكذا قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز دفع الزكاة إلى رجل فقير له ابن موسر. وقال أبو يوسف: إن كان الأب في عيال الابن الموسر لا يجوز، وإن لم يكن جاز.
قالوا: وكذلك المرأة الفقيرة إن كان لها زوج غني يجوز إعطاؤها من الزكاة، لأنها لا تعد غنية بيسار زوجها، وبقدر النفقة لا تصير موسرة، واستيجابها النفقة بمنزلة الأجرة .
ومن كان مستغنيا بأن تبرع أحد من الناس بأن ينفق عليه، فالصحيح عند الحنابلة أنه يجوز إعطاؤه من الزكاة، ويجوز للمتبرع بنفقته أن يدفع إليه من الزكاة ولو كان في عياله، لدخوله في أصناف الزكاة، وعدم وجود نص أو إجماع يخرجه من العموم .
إعطاء الفقير والمسكين القادرين على الكسب:
161 – من كان من الفقراء والمساكين قادرا على كسب كفايته وكفاية من يمونه، أو تمام الكفاية، لم يحل له الأخذ من الزكاة، ولا يحل للمزكي إعطاؤه منها، ولا تجزئه لو أعطاه وهو يعلم بحاله، لقول النبي في الصدقة: لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب . وفي لفظ لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي .
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
وقال الحنفية: يجوز دفع الزكاة إلى من يملك أقل من نصاب، وإن كان صحيحا مكتسبا، لأنه فقير أو مسكين، وهما من مصارف الزكاة؛ ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها، فأدير الحكم على دليلها، وهو فقد النصاب. واحتجوا بما في قصة الحديث المذكور سابقا، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقات فقام إليه رجلان يسألانه، فنظر إليهما فرآهما جلدين فقال: إنه لا حق لكما فيه وإن شئتما أعطيتكما . لأنه أجاز إعطاءهما، وقوله: لا حق لكما فيه معناه لا حق لكما في السؤال .
ومثله قول المالكية المعتمد عندهم، إلا أن الحد الأدنى الذي يمنع الاستحقاق عندهم هو ملك الكفاية لا ملك النصاب، كما عند الحنفية .
إعطاء الزكاة لمن له مال أو كسب وامتنع عنه ماله أو كسبه:
162 – من كان عنده مال يكفيه فلا يستحق من الزكاة، لكن إن كان ماله غائبا أو كان دينا مؤجلا، فقد صرح الشافعية بأنه لا يمنع ذلك من إعطائه ما يكفيه إلى أن يصل إلى ماله أو يحل الأجل .
والقادر على الكسب إن شغله عن الكسب طلب العلم الشرعي لم يمنع ذلك من إعطائه من الزكاة؛ لأن طلب العلم فرض كفاية بخلاف التفرغ للعبادة. واشترط بعض الشافعية في طالب العلم أن يكون نجيبا يرجى نفع المسلمين بتفقهه.
ومن كان قادرا على كسب لكن ذلك الكسب لا يليق به، أو يليق به لكن لم يجد من يستأجره، لم يمنع ذلك استحقاقه من الزكاة .
جنس الكفاية المعتبرة في استحقاق الزكاة:
163 – الكفاية المعتبرة عند الجمهور هي للمطعم والمشرب والمسكن وسائر ما لا بد منه على ما يليق بالحال من غير إسراف ولا تقتير، للشخص نفسه ولمن هو في نفقته.
وصرح المالكية وغيرهم بأن مال الزكاة إن كان فيه سعة يجوز الإعانة به لمن أراد الزواج (2) .
[الموسوعة الفقهية الكويتية 23/ 313]
جاء في أحد لجان الفتوى:
حكم إعطاء المال للسائل الصحيح القوي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أعطي شابا يسأل المال وهو في قوته وفي ريعان شبابه ولا أعلم بحاله إذا كان محتاجا أم كاذبا فهل آثم إن أعطيته وهل الأولى عدم إعطائه لكي لا أعينه على السؤال؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن من سأل الصدقة باسم الفقر أو المسكنة أعطي ما لم يعلم منه غير ذلك، ولا يطالب هذا السائل ببينة على فقره ومسكنته.
جاء في مطالب أولي النهى: ومن سأل واجباً كمن طلب شيئاً من زكاة … مدعياً قصراً وعَُرف بغنى قبل ذلك لم يقبل قوله إلا ببينة … ويقلد من ادعى فقراً ولم يعرف بغنى لأن الأصل عدم المال فلا يكلف بينة به وكذا يُقلد جَلْدَُ أي صحيح ادعى عدم الكسب ويعطى من زكاة ولا متجملاً إذ لا يلزم من التجمل الغنى، لكن ينبغي أن يخبره أنها زكاة.. وحرم أخذ صدقة بدعوى غني فقراً ولو من صدقة التطوع لقوله صلى الله عليه وسلم: ومن يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة. متفق عليه.
وعليه فالسائل الصحيح القوي الذي لا يعلم عنه غنى إذا سأل الزكاة أو الصدقة أعطي منها بدون أن يكلف ببينة على فقره، ولا يكون المعطي له آثماً في الزكاة المفروضة فضلاً عن صدقة التطوع.
والله أعلم.
[فتاوى لبعض أهل العلم ]
———-
ويشهد للحديث
١٧٩٧٢ – حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيٍّ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ، وَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ»
وهو في الصحيح المسند 1509 وعزاه لأبي داود
قال محققو المسند:
إسناده صحيح على شرط الشيخين. هشام: هو ابن عروة بن الزبير.
وأخرجه النسائي في «المجتبى» ٥/٩٩-١٠٠، وهو في «الكبرى» (٢٣٧٩) من طريق يحيى بن سعيد القطان، بهذا الإسناد.
وأخرجه الشافعي في «مسنده» ١/٢٤٤، وفي «السنن المأثورة» (٣٨٥)، وأبو عبيد في «الأموال» (١٧٢٥)، وحميد بن زنجويه في «الأموال» (٢٠٦٩) و(٢٠٧٠)، وأبو داود (١٦٣٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/١٥، وفي «شرح مشكل الآثار» (٢٥٠٧)، والبيهقي في «السنن» ٧/١٤، والبغوي في «شرح السنة» (١٥٩٨) من طرق كثيرة، عن هشام بن عروة، به.
وأخرجه عبد الرزاق (٧١٥٤) عن معمر، والطبراني في «الأوسط» (٢٧٤٣) من طريق روح بن القاسم، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عُبيد الله ابن عدي بن الخيار، أن رجلين أتيا النبي ﷺ، … فذكراه بصورة المرسل.
وسيأتي برقم (١٧٩٧٣) و٥/٣٦٢.
قوله: «لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب»، سلفت أحاديث الباب في مسند عبد الله بن عمرو عند الرواية (٦٥٣٠) .
قوله: «فَقَلَّبَ» ضبط من التقليب، بالتشديد للمبالغة، ويجوز التخفيف.
«جلدين» أي: قويين.
«فيها»: الضمير للصدقة، على تقدير المضاف، أي: في سؤالها، أو لمصدر السؤال، أي: في المسألة.
«مكتسب»، أي: قادر على الكسب، والمراد أنه لا يحل لهما السؤال، لا أنه لو أدى أحد إليهما لم يحل لهما أخذه، أو لم يُجْزِ عنه، وإلا لم يصح له أن يؤديها إليهما بمشيئتهما، كما يدل عليه قوله: إن شئتما أعطيتكما.