650 ، 651 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري ومحمد سيفي وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ
650 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ – وَالمَعْنَى وَاحِدٌ – عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.: «حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِنْ أَجْلِ هَذَا الحَدِيثِ»،
651 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ بِهَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ شُعْبَةَ: لَوْ غَيْرُ حَكِيمٍ حَدَّثَ بِهَذَا، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: وَمَا لِحَكِيمٍ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهَذَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، ” وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا: إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ «،» وَلَمْ يَذْهَبْ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَوَسَّعُوا فِي هَذَا، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ أَكْثَرُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ ”
—–
قال ابن قدامة:
430 – مسألة؛ قال: (ولَا لِغَنِيٍّ، وهُوَ الذِي يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتَهَا من الذَّهَبِ).
يَعْنِي لا يُعْطَى من سَهْمِ الفُقَراءِ والمَساكِينِ غَنِيٌّ، ولا خِلافَ في هذا بينَ أهْلِ العِلْمِ؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى جَعَلَها لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، والغَنِيُّ غيرُ دَاخِلٍ فيهم، وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذٍ: “أَعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ” . وقال: “لا حَظَّ فيها لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكتَسِبٍ” . وقال:
“لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ” أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ولأنَّ أخْذَ الغَنِيِّ منها يَمْنَعُ وُصُولَها إلى أهْلِها، ويُخِلُّ بِحِكْمَةِ وُجُوبِها، وهو إغْناءُ الفُقَراءِ بها.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الغِنَى المَانِعِ من أخْذِها. ونُقِلَ عن أحمدَ فيه رِوايَتانِ: أظْهَرُهما، أنَّه مِلْكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتِها من الذَّهَبِ، أو وُجُودُ ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ على الدَّوَامِ؛ من كَسْبٍ ، أو تِجارَةٍ، [أو أجْرِ عَقارٍ] ، أو نحوِ ذلك.
ولو مَلَكَ من العُرُوضِ، أو الحُبُوبِ، أو السَّائِمَةِ، أو العَقَارِ، ما لا تَحْصُلُ به الكِفَايَةُ، لم يَكُنْ غَنِيًّا، وإن مَلَكَ نِصَابًا، هذا الظَّاهِرُ من مَذْهَبِه، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ المبارَكِ، وإسحاقَ.
وَرُوِيَ عن عليٍّ، وعبدِ اللهِ، أنَّهما قالا: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ له خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو عِدْلُهَا، أو قِيمَتُهَا من الذَّهَبِ . وذلك لما رَوَى عبدُ اللهِ ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَألَ، ولَهُ ما يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْألَتُه يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشًا، أو خُدُوشًا، أو كُدُوحًا ، في وَجْهِه”. فقيل: يا رسولَ اللهِ، ما الغِنَى؟ قال: “خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتُها من الذَّهَبِ”. رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فإن قِيلَ: هذا يَرْوِيهِ حَكيِمُ بن جُبَيْرٍ، وكان شُعْبَةُ لا يَرْوِي عنه، وليس بِقَوِيٍّ في الحَدِيثِ. قُلْنَا: قد قال عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ لِسُفْيَانَ: حفْظِي أنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوِي عن حكيمِ بن جُبَيْرٍ. فقال سُفْيَانُ: حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ. وقد قال عليٌّ وعبدُ اللهِ مِثْلَ ذلك.
والرِّوايَةُ الثَّانِيةُ، أنَّ الغِنَى ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، فإذا لم يَكُنْ مُحْتاجًا حَرُمَتْ عليه الصَّدَقَةُ، وإن لم يَمْلِكْ شيئًا، وإن كان مُحْتَاجًا حَلَّتْ له الصَّدَقَةُ، وإنْ مَلَكَ نِصَابًا، والأثْمَانُ وغيرُها في هذا سَوَاءٌ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وابْنِ شِهابٍ العُكْبَرِيِّ، وقَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال لِقَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ: “لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ إلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه: قَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
فمَدَّ إباحَةَ المَسْألةِ إلى وُجُودِ إصابَة القِوَامِ أو السِّدَادِ، ولأنَّ الحَاجَةَ هي الفَقْرُ، والغِنَى ضِدُّها، فمَنْ كان مُحْتَاجًا فهو فَقِيرٌ فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ، ومَن اسْتَغْنَى دَخَلَ في عُمُومِ النُّصُوصِ المُحَرِّمَةِ، والحَدِيثُ الأوَّلُ فيه ضَعْفٌ، ثم يجوزُ أن تَحْرُمَ المَسْأَلَةُ ولا يحرُم أخْذُ الصَّدَقَةِ إذا جَاءَتْهُ من غيرِ المَسْأَلَةِ، فإنَّ المَذْكُورَ فيه تَحْرِيمُ المَسْألَةِ، فنَقْتَصِرُ عليه.
وقال الحسنُ وأبو عُبَيْدٍ: الغِنَى مِلْكُ أُوقِيَّةٍ، وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ”.
وكانت الأُوقِيَّةُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أرْبَعِينَ دِرْهَمًا. رَواهُ أبو دَاوُدَ . وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: الغِنَى المُوجبُ لِلزَّكَاةِ هو المانِعُ من أخْذِها، وهو مِلْكُ نِصَابٍ تَجِبُ فيه الزكاةُ، من الأَثْمَانِ، أو العُرُوضِ المُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ، أو السَّائِمَةِ، أو غيرِها؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذٍ: “أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ، فتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ” ، فجعَلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، فيَدُلُّ ذلك على أنَّ مَنْ تَجِبُ عليه غَنِيٌّ، ومَن لا تَجِبُ عليه ليس بِغَنِيٍّ، فيكونُ فَقِيرًا، فَتُدْفَعُ الزكاةُ إليه؛ لِقَوْلِه: “فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ”. ولأنَّ المُوجِبَ لِلزكاةِ الغِنَى ، والأصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ، ولأنَّ مَن لا نِصَابَ له لا تَجِبُ عليه الزكاةُ فلا يُمْنَعُ منها، كمَنْ يَمْلِكُ دُونَ الخَمْسِينَ، ولا لَهُ ما يَكْفِيهِ.
فيَحْصُلُ الخِلافُ بَيْنَنَا وبينهم في أُمُورٍ ثلاثةٍ: أحدُها، أنَّ الغِنَى المَانِعَ مِن الزكاةِ غيرُ المُوجِبِ لها عِنْدَنا. ودَلِيلُ ذلك حَدِيثُ ابْنِ مسعودٍ، وهو أخَصُّ من حَدِيثِهم. فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ولأنَّ حَدِيثَهم دَلَّ على الغِنَى المُوجِبِ، وحَدِيثُنَا دَلَّ على الغِنَى المَانِعِ، ولا تَعَارُضَ بينهما. فيجِبُ الجَمْعُ بينهما. وقَوْلُهم: الأصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ. قُلْنَا: قد قامَ دَلِيلُه بما ذَكَرْنَاهُ، فيَجِبُ الأخْذُ به. الثاني، أنَّ مَنْ له ما يَكْفِيهِ من مَالٍ غير زَكَائِيٍّ، أو مِن مَكْسَبِهِ، أو أُجْرَةِ عَقارٍ أو غيرِهِ، ليس له الأخْذُ من الزكاةِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: إن دَفَعَ الزكاةَ إليه فهو قَبِيحٌ، وأرْجُو أن يُجْزِئَهُ. وقال أبو حنيفةَ، وسَائِرُ أصْحابِه: يجوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إليه؛ لأنَّه ليس بِغَنِيٍّ، لما ذَكَرُوهُ في حُجَّتِهم. ولَنا، ما رَوَى الإمامُ أحمدُ، حَدَّثَنَا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن هِشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيهِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بن عَدِيِّ بن الْخِيَارِ، عن رَجُلَيْنِ من أصْحابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهما أتَيَا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسَألاهُ الصَّدَقَةَ، فصَعَّد فيهما البَصَرَ، فرَآهُما جَلْدَيْنِ، فقال: “إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ” . قال أحمدُ: ما أجْوَدَهُ مِن حَدِيثٍ. وقال: هو أحْسَنُها إسْنَادًا. ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ”. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ . إلَّا أن أحمدَ قال: لا أعْلَمُ فيه شيئًا يَصِحُّ. قيل: فحَدِيثُ سَالِمِ بن أبي الجَعْدِ، عن أبي هُرَيْرَةَ ؟ قال: سَالِمٌ لم يَسْمَعْ مِن أبي هُرَيْرَةَ. ولأنَّ له ما يُغْنِيهِ عن الزكاةِ. فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كمالِكِ النِّصابِ. الثالث، أنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا زَكَائِيًّا، لا تَتِمُّ به الكِفَايَةُ من غيرِ الأثْمانِ، فله الأخْذُ مِن الزَّكاةِ. قال المَيْمُونِيُّ: ذَاكَرْتُ أبا عبدِ اللهِ، فقلتُ: قد يكونُ لِلرَّجُلِ الإِبلُ والغَنَمُ تَجِبُ فيها الزَّكاةُ، وهو فَقِيرٌ، ويكونُ له أرْبَعُونَ شَاةً، وتكونُ له الضَّيْعَةُ لا تَكْفِيهِ، فيُعْطَى من الصَّدَقَةِ؟ قال: نعم. وذَكَرَ قَولَ عمرَ: أعْطُوهُمْ، وإن رَاحَتْ عليهم من الإِبِلِ كذا وكذا . قلتُ: فهذا قَدْرٌ من العَدَدِ أو الوَقْتِ؟ قال: لم أسْمَعْهُ. وقال، في رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا كان له عَقَارٌ يَسْتَغِلُّه أو ضَيْعَةٌ تُسَاوِي عَشرَةَ آلافٍ أو أَقَلَّ أو أَكْثَرَ لا تُقِيمُه، يَأْخُذُ مِن الزكاةِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: ليس له أن يَأْخُذَ منها إذا مَلَكَ نِصابًا زَكائِيًّا؛ لأنَّه تَجِبُ عليه الزكاةُ، فلم تَجِبْ له؛ لِلْخَبَرِ. ولَنا، أَنَّه لا يَمْلِكُ ما يُغْنِيهِ، ولا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَكْفِيهِ، فجازَ له الأخْذُ من الزكاةِ، كما لو كان ما يمْلِكُه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولأنَّ الفَقْرَ عِبَارَةٌ عن الحاجَةِ، قال اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} . أي: المُحْتَاجُونَ إليه.
وهذا مُحْتاجٌ، فيكونُ فَقِيرًا غيرَ غَنِيٍّ، ولأنَّه لو كان ما يَمْلِكُهُ لا زكاةَ فيه لَكَانَ فَقِيرًا، ولا فَرْقَ في دَفْعِ الحَاجَةِ بين المَالَيْنِ، وقد سَمَّى اللهُ تعالى الَّذِين لهم سَفِينَةٌ في البَحْرِ مَساكِينَ، فقال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} . وقد بَيَّنّا بما ذَكَرْنَاهُ من قَبْلُ أنَّ الغِنَى يَخْتَلِفُ مُسَمَّاهُ، فيَقَعُ على ما يُوجِبُ الزكاةَ، وعلى ما يَمْنَعُ منها، فلا يَلْزَمُ من وُجُودِ أحَدِهما وُجُودُ الآخَر، ولا من عَدَمهِ عَدَمُهُ، فمَن قال: إن الغِنَى هو الكِفَايَةُ. سَوَّى بين الأثْمانِ وغيرِها، [وجَوَّزَ الأخْذَ لِكُلِّ مَنْ لا كِفايَةَ له، وإن مَلَكَ نُصُبًا من جَمِيعِ الأمْوَالِ. ومَن قال بالرِّوَايَةِ الأُخْرَى، فَرَّقَ بين الأثْمَانِ وغيرِها] ؛ لِخَبَرِ ابْنِ مسعودٍ، ولأنَّ الأثْمانَ آلةُ الإنْفاقِ المُعَدَّةُ له دُونَ غيرها، فَجَوَّزَ الأخْذَ لِمَنْ لا يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتَها من الذَّهَبِ، ولا ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ مِن مَكْسَبٍ، [أو أُجْرَةِ عَقَارٍ] ، أو غيرِه، أو نَمَاءِ سَائِمَةٍ أو غيرِها. وإن كان له مَالٌ مُعَدٌّ لِلْإِنْفاقِ من غيرِ الأثْمَانِ، فيَنْبَغِي أن تُعْتَبَرَ الكِفايَةُ به في حَوْلٍ كَامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزكاةِ بِتَكَرُّرِهِ، فيأْخُذُ منها كُلَّ حَوْلٍ ما يَكْفِيهِ إلى مِثْلِه، ويُعْتَبَرُ وُجُودُ الكِفايَةِ له ولِعَائِلَتِه ومَن يَمُونُه؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم مَقْصُودٌ دَفْعَ حَاجَتِه، فيُعْتَبَرُ له ما يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ. وإن كان له خَمْسُونَ دِرْهَمًا، جازَ أن يَأْخُذَ لِعَائِلَتِه حتى يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم خَمْسُونَ دِرْهَمًا . قال أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ، في مَن يُعْطِي الزكاةَ وله عِيَالٌ: يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ من عِيَالِهِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ. وهذا لأنَّ الدَّفْعَ إنَّما هو إلى العِيالِ؛ وهذا نَائِبٌ عنهم في الأخْذِ.
[المغني لابن قدامة 4/ 117]
قال ابن حجر:
قوله: (باب قول الله عز وجل: {لا يسألون الناس إلحافا} وكم الغنى؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يجد غنى يغنيه لقول الله عز وجل: {للفقراء الذين أحصروا} الآية) هذه اللام التي في قوله: لقول الله لام التعليل لأنه أورد الآية تفسيرا لقوله في الترجمة: وكم الغنى، وكأنه يقول: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يجد غنى يغنيه مبين لقدر الغنى، لأن الله تعالى جعل الصدقة للفقراء الموصوفين بهذه الصفة، أي: من كان كذلك فليس بغني ومن كان بخلافها فهو غني، فحاصله أن شرط السؤال عدم وجدان الغنى لوصف الله الفقراء بقوله: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} إذ من استطاع ضربا فيها فهو واجد لنوع من الغنى، والمراد بالذين أحصروا الذين حصرهم الجهاد، أي: منعهم الاشتغال به من الضرب في الأرض – أي: التجارة – لاشتغالهم به عن التكسب، … وأما قول المصنف في الترجمة: وكم الغنى فلم يذكر فيه حديثا صريحا فيحتمل أنه أشار إلى أنه لم يرد فيه شيء على شرطه، ويحتمل أن يستفاد المراد من قوله في حديث أبي هريرة: الذي لا يجد غنى يغنيه.
فإن معناه لا يجد شيئا يقع موقعا من حاجته، فمن وجد ذلك كان غنيا. وقد ورد فيه ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعا: … وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف … ونص أحمد في علل الخلال وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة، وقد تقدم حديث أبي سعيد قريبا من عند النسائي في باب الاستعفاف وفيه: من سأل وله أوقية فقد ألحف، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ: فهو ملحف وفي الباب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند النسائي بلفظ: فهو الملحف، وعن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد له صحبة في أثناء حديث مرفوع قال فيه: من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا.
أخرجه أبو داود، وعن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار.
فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه: أخرجه أبو داود أيضا وصححه ابن حبان، قال الترمذي في حديث ابن مسعود: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا …
وقال الشافعي: قد يكون الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. وفي المسألة مذاهب أخرى: أحدها قول أبي حنيفة: إن الغني من ملك نصابا، فيحرم عليه أخذ الزكاة، واحتج بحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فوصف من تؤخذ الزكاة منه بالغنى، وقد قال: لا تحل الصدقة لغني.
ثانيها: أن حده من وجد ما يغديه ويعشيه، على ظاهر حديث سهل بن الحنظلية، حكاه الخطابي عن بعضهم، ومنهم من قال: وجهه من لا يجد غداء ولا عشاء على دائم الأوقات.
ثالثها: أن حده أربعون درهما، وهو قول أبي عبيد بن سلام على ظاهر حديث أبي سعيد، وهو الظاهر من تصرف البخاري لأنه أتبع ذلك قوله: (لا يسألون الناس إلحافا) وقد تضمن الحديث المذكور أن من سأل وعنده هذا القدر فقد سأل إلحافا.
[فتح الباري لابن حجر 3/ 341 ط السلفية]
—-
قال أبو عمر: أما من حدّ في الغنى حدًّا خمسين درهمًا، أو أربعين درهمًا، أو مائتي درهم، وزعموا أن المرء غنيّ بملكه هذا المقدار، على اختلافهم فيه، ومن قال: لا يُعطى أحدٌ من الفقراء أكثر من مائتي درهم، أو أكثر من خمسين درهمًا من الزكاة، فإنه يدخل على كلّ واحد منهم ما يردّ قولَه من حديث سهل بن أبي حثْمَة أن رسول اللَّه ﷺ وَدَى الأنصاريّ المقتول بخيبر بمائة ناقة من إبل الصدقة، ودفعها إلى أخيه عبد اللَّه بن سهل، قد نزع لهذا بعض أصحابنا، وفي ذلك عندي نظر.
فأما من جعل المرء بملكه ما تجب فيه الصدقة غنيًّا؛ لقوله ﷺ: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم»، فإنه يدخل عليه الإجماع على أن من ملك خمسة أوسق من شعير، قيمتها خمسة دراهم، أو نحوها، مما لا يكون غنى عند أحد، وكان ملكه إياها بزرعه لها في أرضه، ولم يملك من حصاده غيرها أن الصدقة عليه فيها، وإن لم يملك شيئًا سواها، وهذا عند جميعهم فقير مسكين، غير غنيّ، وقد وجبت عليه الصدقة، وهذا ينقض ما أصّلوه. وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ أولى بالصواب في هذا الباب، واللَّه أعلم انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- [راجع «التمهيد» ج ٤ ص ٩٧ – ١١٩].
قال الإتيوبي – عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذهب إليه الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى، من ترجيح مذهب الإمامين: مالك، والشافعيّ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها أبو الخطّاب -كما قال ابن قدامة –رحمهم اللَّه تعالى– هو الأرجح عندي.
وحاصله: أن الغنى المانع من أخذ الزكاة هو الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الزكاة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له، وإن ملك نصابًا، أو أكثر من أي نوع كان، فتقدّر الكفاية بسدّ الحاجة، لا بخمسين درهمًا، أو نحوها؛ لأن اللَّه تعالى جعلها للفقراء والمساكين، فكلّ من له حاجة فهو فقير، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، فيقدّر فقر كلّ أحد على حسب حاله، فيجوز له أخذ الزكاة بقدر ما يسدّ حاجته، فربّ شخص يكون عنده ألف أو أكثر، ولا يكفيه؛ لكثرة عياله، فتحلّ له الزكاة، وآخر عنده عشرة دراهم، ولا يحتاج إلى غيرها، فلا تحلّ له.
وأما النصوص التي اعتمدوا عليها من تقدير الغنى بالخمسين، أو أربعين، أو بما يغدّيه، ويعشيه، فإنما هي للنهي عن السؤال، لا لأخذ الصدقة من غير سؤال، على أن بعضها لا يصحّ كحديث الخمسين، كما قدمته قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى للإتيوبي رحمه الله تعالى، (23/ 190 – 195)].
—
وفي
فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤ ٤/١٨٦
*مسألة [٢]: ضابط الغِنَى الذي لا تحل معه المسألة.*
- في هذه المسألة أقوال:
الأول: إذا كان يملك خمسين درهمًا؛ لحديث ابن مسعود عند الترمذي (٦٥١) مرفوعًا: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش» قيل: يا رسول الله، وما يُغنيه؟ قال: «خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب»، وفي إسناده: حكيم بن جبير، وهو متروك. وقد أخذ بهذا الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، نقله عنهم الترمذي عَقِبَ الحديث.
الثاني: إذا كان يملك أربعين درهمًا؛ لحديث أبي سعيد عند النسائي (٥/ ٩٨) بإسناد صحيح مرفوعًا: «من سأل الناس وعنده قيمة أوقية؛ فقد ألحف»، وجاء عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند النسائي (٥/ ٩٨) أيضًا بمثله، وحديث أبي سعيد في «الصحيح المسند» برقم (٣٩٢)، وحديث عمرو بن شعيب حديثٌ حسن، وأخذ بهذا القول الحسن، وأبو عبيد.
الثالث: أن يملك قوت يومه وليلته؛ لحديث سهل بن الحنظلية عند أبي داود (١٦٢٩): «من سأل وعنده ما يغنيه؛ فإنما يستكثر من النار»، قالوا: وما يغنيه؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه»، وإسناده صحيح.
وهذا قول أحمد، فقد أسند ابن عبد البر في «التمهيد» بإسناده عن أحمد أنه سُئِلَ: متى تحل المسألة؟ فقال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية. قيل له: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر. قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له، ما أظن أحدًا يموت من الجوع، الله يأتي برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد: «مَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ»
الحديث أخرجه البخاري برقم (١٤٦٩)، ومسلم برقم (١٠٥٣)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «من يستعفف يعفه الله».
وحديث أبي ذر: «تعفَّفْ يا أبا ذر». أخرجه ابن حبان برقم (٥٩٦٠) من حديث أبي ذر رضي الله عنه بإسناد صحيح في ضمن حديث طويل.
قلتُ: وهذا القول عن أحمد أحسن ما قيل في هذا الباب، والدليل يدل عليه، والرواية الأولى المذكورة عنه الظاهر أنَّ المقصود بها الغِنَى الذي تحرم عليه فيه
الصدقة، ولا تلازم بين هذا وذاك.
وأكثر الأقوال المذكورة أراد أصحابها (الغنى الذي تحرم فيه الصدقة).
وأما دليل القول الأول فضعيفٌ، وأما أهل القول الثاني فدليلهم لا يُعارض دليلنا، بل يدل على أنَّ من سأل وعنده أربعون درهمًا فهو ملحف، ولا ينافي تحريم من سأل وله دون ذلك، فتأمل. انظر: «الفتح» (١٤٧٦ – ١٤٨٠)، «التمهيد» (١٦/ ٤٨١) ط/مرتبة.