649 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري ومحمد سيفي وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ فَتُرَدُّ فِي الفُقَرَاءِ
649 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا، وَكُنْتُ غُلَامًا يَتِيمًا، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا» وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.: «حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ»
ــــــــــــــــــــــــ
*دراسة الحديث رواية:*
– قال الألباني في *سنن الترمذي* : ضعيف الإسناد
– وقال الشيخ ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) في *تمام المنة في التعليق على فقه السنة* ١/٣٨٤: في إسناده عند الترمذي ٦٥٢ أشعث عن عون بن أبي جحيفة وأشعث هذا هو ابن سوار الكوفي قال الحافظ في «التقريب»: ضعيف».
ولعل تحسين الترمذي إياه إنما هو لشواهده كحديث معاذ الذي ذكره المؤلف قبله وحديث عمران الذي بعده.
قوله: «وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف فان صدقته وعشره في مخلاف عشيرته. رواه الأثرم في سننه».
قلت: هذا منقطع بين طاوس ومعاذ فإنه لم يسمع منه كما قال الحافظ في متن آخر تقدم تحت عنوان: «دفع القيمة بدل العين» وهذا أخرجه ابن زنجويه ١١٩٣ نحوه.
ثم قال المؤلف: «فعن عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله ﷺ … رواه أبو عبيد».
هذا الإسناد منقطع فإن عمرو بن شعيب لم يدرك معاذا وبين وفاتيهما مائة سنة.
– قال الأعظمي في صحيح ابن خزيمة ٤/٦٦: إسناده حسن
– وقال محمد ضياء الرحمن الأعظمي (ت ١٤٤١) *الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه* ٤/٣٧٦: وأما ما رُوي عن أبي جحيفة، قال: قدم علينا مصدّق النبيّ ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، وكنت غلامًا يتيمًا، فأعطاني منها قلوصًا. فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٦٤٩) عن علي بن سعيد الكنديّ الكوفيّ، حدّثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٦٢)، وأشعث هو ابن سوار الكنديّ النجار ضعف، ضعّفه جمهور أهل العلم، قال ابن حبان: «كان فاحش الخطأ كثير الوهم».
وقال ابن خزيمة: “باب إعطاء اليتامى من الصدقة إذا كانوا فقراء -إن ثبت الخبر، فإن في النفس من أشعث بن سوار. وإن لم يثبت هذا الخبر فالقرآن كان في نقل خبر الخاص فيه، قد أعلم الله في محكم تنزيله أنّ للفقراء قسم (كذا والصّواب: قسمًا) في الصدقات. فالفقير كان يتيمًا أو غير يتيم فله في الصدقة قسم بنص الكتاب».
قلت: لا خلاف بين أهل العلم بأنّ اليتيم من المسلمين له حق في الصّدقات، بل قد يكون هو أولى من غيره، وإنما الخلاف في ثبوت هذا الخبر.
– قال الشثري كما تحقيق *المصنف – ابن أبي شيبة -* ت ٦/٣٦٩: ضعيف؛ لضعف أشعث بن سوار، أخرجه الترمذي (٦٤٩) وابن خزيمة (٢٣٦٢) والبيهقي ٧/ ٩ والدارقطني ٢/ ١٣٦ والطبراني ٢٢/ (٢٧٦) وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٣٠٣.
*دراسة الحديث دراية:*
– بوب أبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥) في *المصنف ت الحوت* ٢/٤٢٢: مَنْ قَالَ: تُرَدُّ الصَّدَقَةُ فِي الْفُقَرَاءِ إِذَا أُخِذَتْ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ
– قال البغوي في *شرح السنة* ٥/٤٧٦: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِتَلَفِ الْمَالِ تَسْقُطُ الصَّدَقَةُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فَرَّطَ فِي الأَدَاءِ وَقْتَ الإِمْكَانِ، لأَنَّهُ قَالَ: «صَدَقَةُ أَمْوَالِهِمْ»، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ الْغَنِيَّ يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ لِقَوْلِهِ: «مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ».
وَفِي قَوْلُهُ: «تُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ» دَلِيلٌ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ إِذَا بَانَ كَوْنُهُ غَنِيًّا يَوْمَ دُفِعَ إِلَيْهِ تَجِبُّ الإِعَادَةُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَقْلَ الصَّدقَةِ عَنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ لَا تَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِيهِ، بَلْ صَدَقةُ أَهْلِ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِمُسْتَحِقِّي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَكَرِهَ أَكْثَرُهُمْ نَقْلَهَا، وَاتَّفَقُوا مَعَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَقَلَ وَأَدَّى يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ إِلا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ رَدَّ صَدَقَةً حُمِلَتْ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ خُرَاسَانَ.
– بوب أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨) كما في *السنن الكبرى ط العلمية* ٧/١٤: بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يُخْرِجُ صَدَقَةَ قَوْمٍ مِنْهُمْ مِنْ بَلَدِهِمْ وَفِي بَلَدِهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا
– قال ابن الأثير، أبو السعادات (ت ٦٠٦) في *جامع الأصول* ٤/٦٦٥: (القلوص): من النوق: الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء.
يشهد لمعناه حديث معاذ : قال الخطابي في شرح حديث معاذ :
قلت في هذا الحديث مستدل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشرائع الدين وإنما خوطبوا بالشهادة فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات لأنه صلى الله عليه وسلم قد أوجبها مرتبة وقدم فيها الشهادة ثم تلاها بالصلاة والزكاة.
وفيه دليل على أنه لا يجوز دفع شيء من صدقات أموال المسلمين إلى غير أهل دينهم، وهو قول عامة الفقهاء.
وفيه دليل على أن سنة الصدقة أن تدفع إلى جيرانها وأن لا تنقل من بلد إلى بلد. وكره أكثر الفقهاء نقل الصدقة من البلد الذي به المال إلى بلد آخر إلاّ أنهم مع الكراهة له قالوا إن فعل ذلك أجزأه، إلاّ عمر بن عبد العزيز فإنه يروى عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان.
وفيه مستدل لمن ذهب إلى إسقاط الزكاة عمن في يده مائتا درهم وعليه من الدين مثلها لأن له أخذ الصدقة وذلك من حكم الفقراء. وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس قسمين: آخذاً ومأخوذا منه فإذا جعلناه معطى مأخوذاً منه كان خارجا عن هذا التقسيم. ولكن قد جوز أبوحنيفة أن يأخذ من عشر الأرض من يعطي العشر وذلك أن العشر في القليل والكثير عنده واجب.
وقد يستدل بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب الزكاة في مال الأيتام وذلك أنه لما كان معدوداً من جملة الفقراء الذين تقسم فيهم الزكاة كان معدودا في جملة الأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة إذ كان آخر الكلام معطوفا على أوله.
وقد اختلف الناس في ذلك فأوجبها في ماله مالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلى وابن عمر وجابر وعائشة، وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وابن سيرين.
وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى عليه الزكاة ولكن يحصيها الولي فإذا بلغ الطفل أعلمه ليزكي عن نفسه.
وقال أصحاب الرأي لا زكاة عليه في ماله إلاّ فيما أخرجت أرضه ويلزمه زكاة الفطر.
[معالم السنن 2/ 37]
قال الألباني:
قوله تحت عنوان: نقل الزكاة: «وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني قلوصا. رواه الترمذي وحسنه».
قلت: في إسناده عند الترمذي ٦٥٢ أشعث عن عون بن أبي جحيفة
وأشعث هذا هو ابن سوار الكوفي قال الحافظ في «التقريب»:
«ضعيف».
ولعل تحسين الترمذي إياه إنما هو لشواهده كحديث معاذ الذي ذكره ا. الترمذي إياه إنما هو لشواهده كحديث معاذ الذي ذكره المؤلف قبله وحديث عمران الذي بعده.
تمام المنة في التعليق على فقه السنة — ناصر الدين الألباني [٣٨٥]
————
قال فيصل المبارك:
قوله: (فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا). قال الشارح رحمه الله تعالى: وقد استدل بهذه الأحاديث على مشروعية صرف زكاة كل بلدة في فقراء أهله وكراهة صرفها في غيرهم.
بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار — فيصل المبارك [٥٥٣/١]
——
– قال ابن قدامة (ت ٦٢٠) في *المغني – ت التركي* ٤/١٣١:
٤٣٤ – مسألة؛ قال: (ولَا يَجُوزُ نقْلُ الصَّدَقَةِ مِنْ بَلَدِها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِي مِثلِهِ الصَّلَاةُ)
المذهبُ على أَنَّه لا يجوزُ نَقْلُ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِها إلى مَسَافَةِ القَصْرِ. قال أبو داودَ: سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن الزَّكاةِ يُبْعَثُ بها من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ؟ قال: لا. قيل: وإن كان قَرَابَتُه بها؟ قال: لا. وَاسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنْ لا تُنْقَلَ من بَلَدِهَا. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابْنِ طَاوُسٍ، عن أبيهِ، قال في كِتَابِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: مَنْ أخْرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ (١) إلى مِخْلَافٍ، فإنَّ صَدَقَتَهُ وعُشْرَهُ تُرَدُّ إلى مِخْلَافِه (٢). وَرُوِيَ عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنَّه رَدَّ زَكَاةً أُتِيَ بها من خُرَاسَانَ إلى الشَّامِ، إلى خُرَاسَانَ (٣). وَرُوِيَ عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ أنَّهما كَرِهَا نَقْلَ الزكاةِ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا لِذِى قَرَابَةٍ (٤). وكان أبو العَالِيَةِ يَبْعَثُ بِزَكَاتِه إلى المَدِينَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ: «أخْبِرْهُمْ أن عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» (٥). وهذا يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ بَلَدِهم. ولمَّا بَعَثَ مُعَاذٌ الصَّدَقَةَ من اليَمَنِ إلى عمرَ، أنْكَرَ عليه ذلك عمرُ، وقال: لم أَبْعَثْكَ جَابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، ولكن بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ من أَغْنِيَاءِ النَّاسِ، فَتَرُدَّ في فُقَرَائِهِمْ. فقال مُعَاذٌ (٦): ما بَعَثْتُ إليك بِشىءٍ وأنا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُه مِنِّي. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ» (٧). وَرُوِيَ أيضًا عن إبراهيمَ بن عَطاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بن حُصَينٍ، أنَّ زِيَادًا، أو بَعْضَ الأُمَرَاءِ، بَعَثَ عِمْرانَ على الصَّدَقَةِ، فلمَّا رَجَعَ قال: أينَ المالُ؟ قال: ألِلْمَالِ بَعَثْتَنِى؟ أخَذْنَاهَا مِن حيثُ كُنَّا نَأْخُذُها على عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَوَضَعْنَاهَا حيثُ كُنَّا نَضَعُها على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ (٨). ولأنَّ المَقْصُودَ إغْنَاءُ الفُقَرَاءِ بها، فإذا أبَحْنَا نَقْلَها أَفْضَى إلى بَقَاءِ فُقَرَاءِ ذلك البَلَدِ مُحْتَاجِينَ.
*فصل:* فإن خَالَفَ ونَقَلَها، أجْزَأَتْه في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال القاضي: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ يَقْتَضِي ذلك، ولم أَجِدْ عنه نَصًّا في هذه المَسْأَلَةِ، وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيها رِوَايَتَيْنِ: إحْداهُما، يُجْزِئُه. واخْتَارَهَا؛ لأنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فَبَرِيء منه كالدَّيْنِ، وكما لو فَرَّقَها في بَلَدِها. والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه. اخْتَارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه دَفَعَ الزكاةَ إلى غيرِ من أُمِرَ بِدَفْعِهَا إليه، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إلى غيرِ الأصْنافِ.
*فصل:* فإن اسْتَغْنَى عنها فُقَرَاءُ أهْلِ بَلَدِها، جازَ نَقْلُها. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: قد تُحْمَلُ الصَّدَقَةُ إلى الإمام إذا لم يَكُنْ فيها (٩) فُقَرَاءُ أو كان فيها فَضْلٌ عن حَاجَتِهم، وقال أيضًا: لا تُخْرَجُ صَدَقَةُ قَوْمٍ عنهم من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا أن يكون فيها فَضلٌ عنهم؛ لأنَّ (١٠) الذي كان يَجِىءُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأبي بكرٍ، وعمرَ من الصَّدَقَةِ، إنَّما كان عن فَضْلٍ منهم (١١)، يُعْطَوْنَ ما يَكْفِيهم، ويُخْرَجُ الفَضْلُ عنهم. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، في كِتَابِ «الأمْوَالِ» (١٢)، بإسْنَادِهِ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لم يَزَلْ بالجَنَدِ (١٣)، إذ بَعَثَه رسولُ اللهِ ﷺ حتى مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ، ثم قَدِمَ على عمرَ، فَرَدَّهُ على ما كان عليه، فبَعَثَ إليه مُعَاذٌ بِثُلُثِ صَدَقَةِ النَّاسِ، فأنْكَرَ ذلك عمرُ، وقال: لم أبْعَثْكَ جَابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، لكن بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ من أغْنِيَاءِ النَّاسِ، فتَرُدَّ (١٤) على فُقَرَائِهِم. فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليكَ بِشىءٍ وأنا أجِدُ أحَدًا يَأْخُذُه مِنِّي. فلمَّا كان العامُ الثَّانِي، بَعَثَ إليه بِشَطْرِ الصَّدَقَةِ، فتَرَاجَعَا بِمِثْلِ ذلك، فلمَّا كان العامُ الثَّالثُ بَعَثَ إليه بها كُلِّها، فرَاجَعَهُ عمرُ بمثلِ ما رَاجَعَهُ، فقال مُعَاذٌ: ما وَجَدْتُ أحَدًا يَأخُذُ مِنِّي شيئًا. وكذلك إذا كان بِبادِيَةٍ، ولم يَجِدْ من يَدْفَعُها إليه، فرَّقَها على فُقَرَاءِ أقْرَب البِلادِ إليه.
*فصل:* قال أحمدُ، في رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا كان الرَّجُلُ في بَلَدٍ، ومالُه في بَلَدٍ، فأحَبُّ إلَيَّ أن تُؤَدَّى حيثُ كان المالُ، فإن كان بَعْضُهُ حيثُ هو، وبَعْضُه في مِصْرٍ، يُؤَدِّي زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ حيثُ هو. فإن كان غَائِبًا عن مِصْرِهِ وأَهْلِه، والمالُ معه، فأَسْهَلُ أن يُعْطِىَ بَعْضَه في هذا البَلَدِ، وبَعْضَه في البَلَدِ الآخَرِ. فأمَّا إذا كان المالُ في البَلَدِ الذي هو فيه حتى يَمْكُثَ فيه حَوْلًا تَامًّا، فلا يَبْعَثُ بِزَكَاتِه إلى بَلَدٍ آخَرَ. فإن كان المالُ تِجَارَةً يُسَافِرُ به، فقال القاضي: يُفَرِّقُ زكاتَهُ حيث حَالَ حَوْلُه، في أيِّ مَوْضِعٍ كان. ومَفْهُومُ كلامِ أحمدَ في اعْتِبَارِهِ الحَوْلَ التّامَّ، أنَّه يَسْهُلُ في أنْ يُفَرِّقَها في ذلك البَلَدِ، وغيرِه من البُلْدَانِ التي أقَامَ بها في ذلك الحَوْلِ. وقال في الرَّجُلِ يَغِيبُ عن أَهْلِه، فَتَجِبُ عليه الزكاةُ: يُزَكِّيهِ في المَوْضِعِ الذي كَثُرَ مُقَامُه فيه. فأمَّا زَكَاةُ الفِطْرِ فإنه يُفَرِّقُها في البَلَدِ الذي وَجَبَتْ عليه فيه، سَوَاءٌ كان مَالُه فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّه سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، فَفُرِّقَتْ في البَلَدِ الذي سَبَبُها فيه.
*فصل:* والمُسْتَحَبُّ تَفْرِقَةُ الصَّدَقَةِ في بَلَدِها، ثم الأقْرَبِ فالأقْرَبِ من القُرَى والبُلْدَانِ. قال أحْمدُ في رِوايَةِ صالِحٍ: لا بَأْسَ أن يُعْطِيَ زكاتَه في القُرَى التي حَوْلَه ما لم تُقْصَرِ الصلاةُ في أثْنَائِها، ويَبْدَأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ. وإن نَقَلَها إلى البَعِيدِ لِتَحَرِّي قَرَابَةٍ، أو مَن كان أشَدَّ حَاجَةً، فلا بَأْسَ، ما لم يُجَاوِزْ مَسافَةَ القَصْرِ.
*فصل:* وإذا أخَذَ السَّاعِي الصَّدَقَةَ، واحْتَاجَ إلى بَيْعِها لِمَصْلَحَةِ مَن كَلَّفَهُ في نَقْلِها أو مَرَضِهَا أو نَحْوِهما (١٥)، فَلَهُ ذلك؛ لما رَوَى قَيْسُ بنُ أبي حازِمٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ (١٦)، فسَأَلَ عنها؟ فقال المُصَدِّقُ: إنِّي ارْتَجَعْتُها بِإِبلٍ. فسَكَتَ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، في «الأمْوَالِ» (١٧)، وقال: الرَّجْعَةُ أنْ يَبِيعَها، ويَشْتَرِىَ بِثَمَنِها مِثْلَها أو غيْرَها. فإن لم يَكُنْ حَاجَةٌ إلى بَيْعِها، فقال القاضي: لا يجوزُ، والبَيْعُ بَاطِلٌ، وعليه الضَّمَانُ. ويَحتَمِلُ الجَوَازَ؛ لِحَدِيثِ قَيْسٍ، فإنَّ النبيَّ ﷺ سَكَتَ حين أخْبَرَهُ المُصَدِّقُ بارْتِجَاعِها، ولم يَسْتَفْصِلْ.
جاء في المجمع الفقه الإسلامي:
اختلف العلماء في جواز نقل الزكاة من مكان وجوبها إلى بلد آخر، فقال علماء الشافعية وبعض المالكية: لا يجوز نقل الصدقة ويجب صرفها في البلد الذي يوجد فيه المال المزكى، إلا إذا فقد من يستحقها في المكان الذي وجبت فيه.. واستدلوا لمذهبهم بحديث عمرو بن شعيب «أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند (اسم بلد) حيث بعثه رسول الله ﷺ حتى توفي رسول الله ﷺ ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر.. ..
أما الحنفية فقالوا بكراهة نقلها، إلا إذا كان هناك سبب معقول.. كأن ينقلها المصدق لذي قرابة محتاج؛ لأن في ذلك معنى آخر زائدا وهو –صلة الرحم- أو يكون أهل البلد المنقولة إليه أشد حاجة إليها من أهل البلد الذي وجبت فيه…
ومن أخرج صدقته ووضعها في غير مستحقها فهل تجزئه أم يجب عليه أداؤها لمن يستحقها مرة أخرى.. فقال أبو حنيفة: يجزئه ما دفعه ولا يطالب بزكاة أخرى. مستدلا بحديث معن بن يزيد الذي قال: إن أباه أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها في يد رجل في المسجد. قال معن: فجئت فأخذتها وأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت. فخاصمته إلى النبي ﷺ فقال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن». رواه أحمد والبخاري.
كما يؤيده حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة.. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق الليلة. فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، …».
رواه البخاري ومسلم وأحمد.
وذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري إلى أنه لا يجزئه دفع الزكاة إلى من لا يستحقها، فإذا تبين خطؤه وجب عليه إخراجها مرة أخرى ودفعها إلى مستحقيها.
واتفقوا على أنه إذا تبين له أنه أعطاها لعبد أو كافر أو هاشمي أو ذي قرابة تجب نفقته على المزكي، فإنها لا تجزئه أيضا.
المتصرف في الصدقة
فالله تعالى تولى بيان المستحقين الذين تعطى لهم الزكاة في آية التوبة السابق ذكرها ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ التوبة:٦٠.
وجاء بعده خلفاؤه الراشدون فبعثوا عمالهم على الصدقات، وكانوا يجمعونها ويضعونها في أهلها، ويأتون الخليفة ببعضها، كما تشير إليه الأحاديث والآثار السابقة في هذا البحث المتواضع.
وعليه، فالأصناف الثمانية لم تكن الصدقة توزع عليهم بالتساوي، لا في عهد الرسول ﷺ، ولا في عهد خلفائه، فالثابت بالنصوص المذكورة سابقا تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى من الصدقة لبعض الفقراء والمساكين ولبعض المؤلفة قلوبهم، وكان الفرق عظيما بين ما أعطى لهؤلاء ولهؤلاء، وحتى لصنف واحد لم يكن يعطيهم بالتساوي، وليس في الآية التي نصت على الأصناف الثمانية ما يفيد أنه يجب القسمة بينهم بالتساوي….
إذن فللمسلم أن يعطي الزكاة لمن يستحقها بنفسه، وفي البلد الذي وجبت فيه، وله أن ينقلها إلى مكان آخر قريب لأسباب معقولة إذا استغنى فقراء البلد عنها، وله أن يدفعها للخليفة إذا كان يعمل على جمعها وإعطائها لمستحقها، فإن أخل بالعدل في توزيعه فعليه إثمه، أما صاحب المال فقد برئت ذمته.
———-
قال الشوكاني:
وقد استدل بهذه الأحاديث على مشروعية صرف زكاة كل بلدة في فقراء أهله وكراهة صرفها في غيرهم
وقد روي عن مالك والشافعي والثوري أنه لا يجوز صرفها في غير فقراء البلد وقال غيرهم: إنه يجوز مع كراهة لما علم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار؛ كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: كدت أن أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة، فقال ﷺ: لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها» ولما أخرجه البيهقي وعلقه البخاري عن معاذ أنه قال لأهل ليمن: «ائتوني بكل خميس ولبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أرفق بكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة» وفيه انقطاع وقال الإسماعيلي: إنه مرسل فلا حجة فيه لا سيما مع معارضته لحديثه المتفق عليه الذي تقدم، وقد قال فيه بعض الرواة: من الجزية، بدل قوله: الصدقة، أو يحمل على أنه بعد كفاية من في اليمن، وإلا فما كان معاذ ليخالف رسول الله ﷺ.
قوله: (من مخلاف… إلخ) فيه دليل على أن من انتقل من بلد إلى بلد كان زكاة ماله لأهل البلد الذي انتقل منه مهما أمكن إيصال ذلك إليهم.
نيل الأوطار — الشوكاني [١٨١/٤]
مجلة مجمع الفقه الإسلامي — مجموعة من المؤلفين[٤ /٤١٩- ٤٢٣]
– قال صديق حسن خان (ت ١٣٠٧) في *الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية* ١/٥٢٠
([توزع زكاة كل محلة على فقرائها]:)
(وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم): وجهه حديث أبي جحيفة، قال: قدم علينا مصدق رسول الله [ﷺ]، فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، فكنت غلاما يتيما، فأعطاني منها قلوصا؛ أخرجه الترمذي – وحسنه -.
وحديث عمران بن حصين: أنه استُعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ ! أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله [ﷺ]، ووضعناه حيث كنا نضعه؛ أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وعن طاوس، قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف؛ فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته؛ أخرجه الأثرم، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح [جزم في» تمام المنة ” (ص ٣٨٥) بانقطاعه]
وفي «الصحيحين» عن معاذ: أن النبي [ﷺ] لما بعثه إلى اليمن قال له: «خذها من أغنيائهم، وضعها في فقرائهم».
– جاء في *الدرر السنية في الأجوبة النجدية* ٥/٢٤٠:
[نقل الزكاة من بلد إلى بلد]
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن نقلها؟
*فأجاب:* الذي نفهم أن الذي نقل إلى النبي ﷺ من الزكاة، زكاة البادية، وأما زكاة القرى، فيذكرون أن النبي ﷺ ما نقلها هو ولا أصحابه، إلا إذا لم يجدوا في أهل البلد من يستحق؛ لكن في وقتنا نقلها للمصلحة، وأظن أن الشيخ تقي الدين اختار جواز ذلك للمصلحة.
*وأجاب ابنه عبد الله:* والزكاة تدفع إلى أهل البلد الذي فيه المال، وإذا دفع مال إلى أحد مضاربة وحال عليه الحول، والمال بيد المضارب، ببلد غير بلده، فالذي وقفنا عليه من كلام أهل العلم، أنه متى أخرجها أجزأت، سواء كان بنفسه في بلده أو المضارب؛ ونرجو أن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى.
*وأجاب أيضًا:* إذا كان ببلد وله مال ببلد آخر، فإنه يخرج زكاة كل مال في بلده أحوط، لا سيما إن كان المال الخارج من الأرض.
*وأجاب أيضًا:* وأما نقل الزكاة من بلد إلى بلد، فبعض العلماء يرى جواز ذلك، لأجل المصلحة إذا رآه الإمام؛ وهو الذي نعمل عليه. وأما ذكر السائل: أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فلا نعرفه من وجه صحيح. وأما قول السائل: إنه ذكر في الخبر أنه جاءته صدقة خراسان، فلم أر لهذا أصلًا.
*وأجاب الشيخ سعيد بن حجي:* إذا كان في بلد وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، أي المال؛ نص عليه، لأن المال سبب الزكاة.
*وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين:* وأخوك يجوز إعطاؤه، ولكن نقلها في هذه المسافة فيه اختلاف بين العلماء، وأرجو أن القول بجوازه للقريب ونحوه صواب، وأرجو أنه لا بأس إذا أرسلت إليه شيئًا من الزكاة أو لعياله.
*وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم:*
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى جناب الأخ الحبيب: عبد الرزاق الطبيب، سلك الله بنا وبه الصراط المستقيم، وجنبنا وإياه أهل الجحيم، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فما سألت عنه فهذا جوابه:
أما مشروعية إخراج الزكاة وصرفها في بلدها، فلا إشكال فيه، لما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له:؟» إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم! واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» ١.
والضمير في قوله ﷺ: «وترد على فقرائهم» عائد على المذكور في صدر الحديث، وهو قوله: «قومًا من أهل الكتاب»، فإن المسلمين لم يجر لهم ذكر في صدر الحديث حتى يقال: يعود الضمير إليهم.
ومما يدل على هذا أيضًا: ما رواه الترمذي من حديث أبي جحيفة، وقال: حديث حسن، قال:؟ «قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، فكنت غلامًا يتيمًا، فأعطاني منها قلوصًا»; وروى أبو داود، وابن ماجة عن عمران بن حصين: «أنه استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: أو للمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ووضعناها حيث كنا نضعه».
وأما نقلها: فمنعه الجمهور، لما تقدم، وجوزوه إذا استغنى عنها أهل بلدها، أو فضل شيء عن كفايتهم، جمعًا بين الأخبار؛ بل جوزه المحققون أيضًا، لرجحان الحاجة، وهو المعمول به عندنا، وفيه – كما لا يخفى – أيضًا جمع بين الأخبار المذكورة، والأخبار الدالة على النقل; فإنه قد علم بالضرورة: أن النبي ﷺ كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة، ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار.
وقد جوز نقلها مطلقًا: الليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، وهو ظاهر صنيع البخاري، رحمه الله تعالى، في صحيحه، وهو رواية عن أحمد؛ لكن الصحيح ما تقدم. وأما الأحاديث التي ذكرت: فما يدل منها على النقل، فمحمول على الاستغناء عنها، وأنه شيء فاضل عن كفاية أهل البلد، أو لرجحان حاجة فقراء المهاجرين والأنصار، جمعًا بينها وبين ما تقدم.
وأما تأثيم صاحب الروض المربع، لمن نقلها فوق مسافة قصر، فهو بناء على أن النقل المذكور محرم، ولا ريب في تأثيم فاعل المحرم، مع أن تحديد مسافة النقل المختلف فيه بمسافة القصر لا دليل عليه، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، واختار تحديده بالإقليم.
قال ابن بطال:
وأجمع العلماء على أن مانع الزكاة تؤخذ من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب دونها قوتل اقتداءً بأبى بكر الصديق، رضى الله عنه، فى أهل الردة. وكانت الردة على ثلاثة أنواع: قوم كفروا وعادوا إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، وقوم آمنوا بمسيلمة وهم أهل اليمامة، وطائفة منعوا الزكاة وقالوا: ما رجعنا عن ديننا، ولكن شححنا على أموالنا، فرأى أبو بكر، رضى الله عنه، قتال الجميع، ووافقه على ذلك جميع الصحابة بعد أن خالفه عمر فى ذلك، ثم بان له صواب قوله، فرجع إليه، فسبى أبو بكر، رضى اله عنه، نساءهم، وأموالهم اجتهادًا منه، فلما ولى عمر، رضى الله عنه، بعده، رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم، وأطلق سبيلهم، وذلك أيضًا بمحضر الصحابة من غير نكير، والذى رد منهم عمر لم يأب أحد منهم الإسلام، وعذر أبا بكر فى اجتهاده، وهذا أصل فى أن كل مجتهد مصيب. وقال بعض العلماء: حكم أبو بكر فى أهل الردة بالسبى، وأخذ المال وجعلهم كالناقضين، وحكم فيهم عمر بحكم المرتدين، فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه، والذين ردهم عمر لم يأب أحد منهم الإسلام، وعلى هذا الفقهاء، وبه قال ربيعة الرأى، وابن الماجشون، وابن القاسم، وذهب أصبغ بن الفرج إلى فعل أبى بكر، رضى الله عنه، أنهم كالناقضين، وتأويل أبى بكر مستنبط من قوله تعالى، فى الكفار: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) [التوبة: 5] فجعل من لم يلتزم ذلك كله كافرًا يحل دمه وأهله وماله، ولذلك قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) . وقال أبو جعفر الداودى: قال أبو هريرة: والله الذى لا إله إلا هو، لولا أبو بكر ما عبد الله، قيل له: اتق الله يا أبا هريرة، فكرر اليمين، وقال: لما توفى رسول الله ارتدت العرب، وكثرت أطماع الناس فى المدينة وأرادته الصحابة على إمساكه بجيش أسامة، والكف عمن منع الزكاة، فقال: والله لو لم يتبعنى أحد لجاهدتهم بنفسى حتى يعز الله دينه أو تنفرد سالفتى. فاشتد عزم الصحابة حينئذ، وقمع الله أهل المطامع عما أرادوه. قال المؤلف: وهذا كله يشهد لتقدم أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، فى العلم ورسوخه فيه، وأن مكانه من العلم ونصرة الإسلام لا يوازيه فيه أحد، ألا ترى رجوع جماعة الصحابة إلى رأيه فى قتال أهل الردة، ولا يجوز عليهم اتباعه تقليدًا له دون تبيين الحق لهم، وذلك أنه احتج عليهم أن الزكاة قرينة الصلاة، وأنها من حق المال، وأن من جحد فريضة فقد كفر، ولم يعصم دمه ولا ماله، وأنه لا يعصم ذلك إلا بالوفاء بشرائع الإسلام، ولذلك قال عمر رضى الله عنه: (فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق) ، أى عرفت أنه على الحق بما بينه أبو بكر من استدلاله على ذلك، فبان لعمر وللجماعة الحق فى قوله، فلذلك اتبعوه….
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 3/ 391]
وفي الدرر السنية في الأجوبة النجدية
وقال أبو العباس أيضا – في الكلام على كفر مانعي الزكاة -: والصحابة لم يقولوا: أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قد قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: «والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها» فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب.
وقد روى: أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة; وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم: أن ثبته الله عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، انتهى.
فتأمل كلامه في تكفير المعين، والشهادة عليه إذا قتل بالنار، وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين، عدم تكفير المعين.
قال رحمه الله بعد ذلك: وكفر هؤلاء، وإدخالهم في أهل الردة، قد ثبت باتفاق الصحابة، المستند إلى نصوص الكتاب والسنة; انتهى كلامه.
ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال، عمن قصده اتباع الحق: إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة، وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم، وهو أول قتال وقع في الإسلام، على من ادعى أنه من المسلمين، فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام، على هذا النوع، أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الواقعات، التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا.
الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٩/٤١٨ — عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٢)
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف:
صنف كفر بَعْدَ إسلامه، ولم يلتزم شيئًا، وعاد لجاهليّته، واتّبَعَ مسيلمة الكذّاب، والأسودَ الْعَنسيّ، وصدّق بهما، وكان كلّ منهما ادَّعَى النبوّة قبل موت النبيّ ﷺ، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِلَ الأسودُ قبل موت النبيّ ﷺ بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ ﷺ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه.
وصنفٌ أقرّ بالإسلام إلا الزكاة، فجحدها، وتأوّل بعضهم أن ذلك كان خاصًّا للنبيّ ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وصنفٌ اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: إنما قَبْضُها للنبيّ ﷺ خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة رضي الله عنه قتال جميعهم: الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على عمر رضي الله عنه، فباحَثَ أبا بكر رضي الله عنه في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر رضي الله عنه فوافقه على ذلك، ولذلك قال: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ»: أي ظهر له من الدليل، وحَصَل له من ثَلَجِ الصدر (١)، وانشراحه لذلك مثلُ الذي حصل لأبي بكر رضي الله عنه، لا أنه قلّده، واتّبعه بعد ظهور الدليل؛ لأن التقليد لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهدًا عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه.
ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قاتل جميع المرتدّين الثلاثة الأصناف، وسَبَى ذراريّهم، قال القاضي: وَحَكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفّي أبو بكر رضي الله عنه، ووُلي عمر رضي الله عنه ردّ عليهم سبيهم، وحكم عليهم بحكم المرتدّين، وكان أبو بكر رضي الله عنه يرى سَبْيَ أولاد المرتدّين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من المالكيّة، وكان عمر رضي الله عنه يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك رَدَّ سَبيهم، وبهذا قال جمهور العلماء، وأئمة الفتوى (٢).
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ١/٤٥١ — محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (ت ١٤٤٢)
وهناك توجيه آخر :
هل سبى ابوبكر مانعي الزكاة بخلا :
وقد زعم بعض الروافض أن قتال مانعي الزكاة كان عسفا واتهموا أبا بكر بأنه أول من سبى المسلمين ودافع الخطابي وذهب إلى أن أبا بكر لم يسب ذراري مانعي الزكاة فقال واتفقوا على أن أبا بكر لم يسب ذراري مانعي الزكاة إلا في شيء روي عن بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم اهـ
المنهل الحديث في شرح الحديث ٢/١٢٦ — موسى شاهين لاشين (ت ١٤٣٠)
فتح المنعم شرح صحيح مسلم ١/٨٥ — موسى شاهين لاشين (ت ١٤٣٠)
قال ابن تيمية :
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: إِنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ قِتَالَ أَهْلِ الرِّدَّةِ.
فَمِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى عُمَرَ، بَلِ الصَّحَابَةُ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى قِتَالِ مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ وَلَكِنْ كَانَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، وَامْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَهَؤُلَاءِ حَصَلَ لِعُمَرَ أَوَّلًا شُبْهَةٌ فِي قِتَالِهِمْ حَتَّى نَاظَرَهُ الصدِّيق، وبيّن وُجُوبَ قِتَالِهِمْ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ مشهورة.
منهاج السنة النبوية ٨/٣٢٧ — ابن تيمية
وفي شرح لكتاب الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ذكر التقسيم:
قتال أبي بكر للمرتدين ومانعي الزكاة
فالأول: وهو الذي في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه، فهو ثلاث درجات:
الأولى: قوم ارتدوا عن أصل الإسلام، ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فهؤلاء لا جدال بين سائر المسلمين أنهم كفار مرتدون.
الثانية: قوم جحدوا وأنكروا وجوب الزكاة، وهؤلاء أيضًا بالإجماع أنهم أهل ردة، وإنما قيل بالإجماع لأنه منضبط، وإلا فهناك شذوذ من بعض الفقهاء المتأخرين من أصحاب الشافعي تكلم في ترددٍ في كون هؤلاء من أهل الردة، فهذا عند بعض أصحاب الشافعي وغيره لا يعتبر.
الثالثة: قوم امتنعوا من دفع الزكاة لـ أبي بكر وأمرائه وسعاته، وتحيزوا بالسيف على منعها، وإن كانوا لم يظهروا جحد وجوبها، هذا هو اللفظ الصحيح، أما الجزم بأنهم لم يجحدوا وجوبها فهذا ليس بلازم؛ لأن هذا الامتناع يقود إلى قدر من الشك في بقائهم على الإقرار بها أو عدمه، فيقال: إنهم منعوا دفعها وتحيزوا بالسيف وإن لم يظهروا إنكار الوجوب.
فهؤلاء أيضًا قاتلهم الصديق والصحابة، والذي مضى عليه كلام جمهور المتقدمين بل عامتهم، حتى حكاه بعض المتقدمين إجماعًا للصحابة -كما يشير إليه أبو عبيد، وكما يذكره ابن تيمية لعامة أهل السنة المتقدمين- أن هؤلاء أهل ردة، وإنما الردة لحقتهم بهذه الأمور المجتمعة، وليس بمحض ترك الزكاة، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: «إن هذا مذهب أئمة المدينة كـ مالك وأمثاله وأئمة العراق وما إلى ذلك»، وإن كان المشهور عند الفقهاء من أصحاب الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، أن هؤلاء بغاة وليسوا أهل ردة، بل ذكر الخطابي رحمه الله أن الجمهور من الفقهاء على أن هؤلاء من أهل البغي وليسوا من أهل الردة، فهذه من المسائل التي تختلف فيها طريقة جمهور المتأخرين عن طريقة جمهور المتقدمين.
شرح الوصية الكبرى ٧/٣
قال الإتيوبي:
(عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) – رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِمُعَاذ) …
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الزكاة
(ومنها): وجوب الدعوة إلى اللَّه تعالى
(ومنها): مشروعيّة الدعاء إلى التوحيد قبل القتال
(ومنها): توصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها
(ومنها): بَعْثُ السعاة لأخذ الزكاة
(ومنها): قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به
(ومنها): إيجاب الزكاة في مال الصبيّ والمجنون؛ لعموم قوله: “من أغنيائهم”. قاله عياض، وفيه بحث
(ومنها): أن الزكاة لا تدفع إلى الكافر؛ لعود الضمير في “فقرائهم” إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد، أو العموم
(ومنها): أن الفقير لا زكاة عليه
(ومنها): أن من ملك نصابًا لا يُعطى من الزكاة، من حيث جعل المأخوذ منه غنيًا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه، فهو غنيّ، والغنى مانع من إعطاء الزكاة؛ إلا من استشني. قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: وليس هذا البحث بالشديد القوة، وهذا مذهب أبي حنفية، وبعض أصحاب مالك
(ومنها): ما قاله البغويّ: فيه أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة؛ لإضافة الصدقة إلى المال، وفيه نظر أيضًا
(ومنها): أنه دليل على تعظيم أمر الظلم
(ومنها): استجابة دعوة المظلوم، وأنه لا يحجبها عن اللَّه تعالى حجاب، وإن كان صاحبها فاجرًا، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب”. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 21/ 361]