643 ‘ 644 – منحة الولي تحضير سنن الترمذي
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري ومحمد سيفي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن الترمذي
بَابُ مَا جَاءَ فِي الخَرْصِ
643 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ، يَقُولُ: جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ إِلَى مَجْلِسِنَا فَحَدَّثَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ» وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.: «وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ فِي الخَرْصِ، وَبِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ»، ” وَالخَرْصُ إِذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ مِنَ الرُّطَبِ وَالعِنَبِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ بَعَثَ السُّلْطَانُ خَارِصًا يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، وَالخَرْصُ: أَنْ يَنْظُرَ مَنْ يُبْصِرُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الزَّبِيبِ كَذَا، وَكَذَا، وَمِنَ التَّمْرِ، كَذَا، وَكَذَا، فَيُحْصِي عَلَيْهِمْ وَيَنْظُرُ مَبْلَغَ العُشْرِ مِنْ ذَلِكَ فَيُثْبِتُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثِّمَارِ، فَيَصْنَعُونَ مَا أَحَبُّوا، فَإِذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ، أُخِذَ مِنْهُمُ العُشْرُ، هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ ”
644 – حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الحَذَّاءُ الْمَدِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَارِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ «يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ»
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي زَكَاةِ الكُرُومِ: «إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا ف ،ريو س»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ». وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: «حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ»
——-
دراسة الحديث رواية:
– قال عبد الله البسام (ت ١٤٢٣) في توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣/٣٤٨ عن حديث ٥٠٩ – وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضي الله عنه قَالَ: «أمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ إذَا خَرَصْتُمْ فَخذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبعُ» رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ:
درجة الحديث:
الحديث صححه الحاكم وابن حبَّان.
قال في «التلخيص»: رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاث، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن أبي حَثْمَة، وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل، قال البزّار: وقد تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناده متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به.
وفي المطالب العالية :
١٧ – [بَابُ الْخَرْصِ فِي الثِّمَارِ]
٩٢٢ – قَالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (١)، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه بَعَثَهُ عَلَى خَرْصِ التَّمْرِ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ عَلَى أَرْضٍ فَاخْرُصْهَا وَدَعْ لَهُمْ قَدْرَ مَا يَأْكُلُونَ.
قال المحقق :
* إِسناده صَحِيحٌ وَهُوَ مَوْقُوفٌ
وذكر رواية بشير بن يسار ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحكم عليها بالارسال
والبخاري في التاريخ اعتبر بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرسلا
لكن قال محقق المطالب حماد بن زيد عنده زيادة فقد وصله فهو موقوف صحيح . انتهى
قال البسام
وقال في البلوغ عن حديث ٥١٠ – وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: «أمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُخْرَصُ العِنَبُ؛ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيْبًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ (١).
درجة الحديث:
الراجح أن الحديث مرسل.
قال في «التلخيص»: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني من حديث عتاب بن أسيد، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب، فقد قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر؛ لأن مَوْلد سعيد في خلافة عمر، ومات عتاب في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق.
قال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ أمر عتابًا؛ مرسل.
قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلًا، لكنه اعتضد بقبول الأئمة له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث جاء على قواعد الشريعة ومحاسنها
—-
دراسة الحديث دراية :
تعريفُ الخرْص والحِكمة من خرْص الثِّمار
المطلب الأوَّل: تعريف الخرْص
الخرص لُغةً:الحَزْرُ، وهو تقديرٌ بظنٍّ. ((لسان العرب)) لابن منظور (7/21).
الخرْص اصطلاحًا: حَزْرُ ما على النَّخلِ مِنَ الرُّطَبِ تَمرًا، فيقدَّرُ ما عليه رُطَبًا ويقدَّر ما يَنقُصُ لو صار تمرًا، ثم يُعتدُّ بما بَقِيَ بعد النَّقصِ، وكذلك في العِنَب. ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (7/105)، ((الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي)) (1/453).
المطلب الثاني: الحِكمة من خرص الثِّمار
مِن حِكَم خَرْص الثِّمار:
1- الاحتياطُ للفُقَراءِ، بضبطِ حقِّهم على المالِكِ، وأمْنِ الخيانةِ مِن ربِّ المالِ.
2- الرِّفقُ بأربابِ الثِّمارِ، بتَعجيلِ الانتفاعِ بثَمَرتِهما قبل الجَفافِ؛ للحاجةِ إلى أكلِها والتصرُّفِ فيها رطبةً.
3- تيسُّرُ حَزرِها لشدَّةِ ظُهورِها
((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/174)، ((شرح السنة)) للبغوي (6/38)، ((المجموع)) للنووي (5/455)، مغني المحتاج (1/387)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/509).
——
حُكم خرْص الثِّمار
يُشرَعُ خَرصُ الثِّمارِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّة ، والشافعيَّة ، والحَنابِلَة ، والظَّاهِريَّة ، ورُوي عن محمَّدِ بنِ الحَسَنِ مِنَ الحنفيَّة ، وبه قال أكثَرُ أهلِ العِلمِ.
قال البغوي: (العملُ عليه عند أكثَرِ أهلِ العِلم، وبه يقول مالك، والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، أنَّه تُخرَصُ الثمارُ على أربابها… وعامَّةُ العُلَماءِ على تجويزِهـ). ((شرح السنة)) (6/38). وقال ابنُ قدامة: (وممَّن كان يرى الخرْصَ عُمَرُ بن الخطاب، وسهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، والحسن، وعطاء، والزهريُّ، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم بن أبي المخارق، ومالك، والشافعيُّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأكثَرُ أهل العِلمِ) ((المغني)) (3/14).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن أبي حُمَيدٍ الساعديِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((غزَوْنا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غزوةَ تبوك، فلما جاء وادي القُرى إذا امرأةٌ في حديقةٍ لها، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: اخرُصوا، وخرَصَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَشرةَ أوسُقٍ… )) رواه البخاري (1481)، واللفظ له، ومسلم (1392).
ثانيًا: أنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في هذه الثِّمار إذا بدَا صلاحُها، والعادةُ جاريةٌ بأنْ يأكُلَ أهلُها منها رطبًا ويتصرَّفون، فإن أبَحْنَا ذلك لهم دون خرْصٍ أضرَّ بالفُقَراءِ، وإن مَنَعْنا أربابَ الأموالِ التصرُّفَ فيها قبل أن يَيبَسَ أضرَّ ذلك بهم، فكان وجْهُ العَدلِ أن يَخرِصَ الأموالَ ثم يخلِّي بينها وبين أربابِها.
((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (1/511).
ثالثًا: أنَّه عَمَلٌ بالظنِّ، وقد ورد به أمرُ الشَّارِعِ، فهو كإباحَتِه الحُكمَ بالاجتهادِ عند عَدَمِ النصِّ مع كونِه معرَّضًا للخَطأِ.
((فتح الباري)) لابن رجب (2/45)، ((سبل السلام)) للصنعاني (1/532).
رابعًا: أنَّ الخَرصَ اجتهادٌ في معرفةِ قدْرِ الثَّمَرِ، فهو كتقويمِ المُتلَفاتِ.
((المغني)) لابن قدامة (3/15).
——
قال ابن قدامة:
فصل: ويَنْبَغِي أن يَبْعَثَ الإمامُ سَاعِيَه إذا بَدَا صَلَاحُ الثِّمَارِ، لِيَخْرُصَهَا، ويَعْرِفَ قَدْرَ الزكاةِ ويُعَرِّفَ المالِكَ ذلك. ومِمَّنْ كان يَرَى الخَرْصَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وسَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ (27)، ومَرْوَانُ (28)، والقاسمُ بنُ محمدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، وعبدُ الكريمِ بنُ أبي المُخَارِقِ (29)، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ. وقال أهْلُ الرَّأْيِ: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، لا يَلْزَمُ به حُكْمٌ، وإنَّما كان الخَرْصُ تَخْوِيفًا لِلأَكَرَةِ (30) لئلَّا يَخُونُوا، فأمَّا أن يَلْزَمَ به حُكْمٌ، فلا. ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِيُّ، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، عن عَتَّابِ بنِ أسِيدٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَبْعَثُ على النَّاسِ مَن يَخْرُصُ عليهم كُرُومَهم وثِمَارَهم. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابْنُ مَاجَه، والتِّرْمِذِيُّ (31). وفي لَفْظٍ عن عَتَّابٍ، قال: أمَرَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ، كما يُخْرَصُ النَّخْلُ، وتُؤْخَذَ زَكَاتُه زَبِيبًا، كما تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا (32). وقد عَمِلَ به النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فخَرَصَ على امْرَأَة بِوَادِي القُرَى (33) حَدِيقَةً لها. رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ، في “مُسْنَدِهِ” (34). وعَمِلَ به أبو بكرٍ [والخُلَفَاءُ بعدَه] (35). وقالتْ عائشةُ، وهي تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَر: كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ إلى يَهُودَ، فَيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حين يَطِيبُ قبلَ أن يُؤْكَلَ منه (36). رَوَاه أبو دَاوُدَ (37). وقَوْلُهُم: هو ظَنٌّ. قُلْنا: بل هو اجْتِهَادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وإدْرَاكِه بالخَرْصِ، الذي هو نَوْعٌ من المَقَادِيرِ والمَعَايِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. وَوَقْتُ الخَرْصِ حين يَبْدُو الصَّلاحُ (38)، لِقَوْلِ عائشةَ، رضي الله عنها: كان (39) يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حين يَطِيبُ، قبلَ أن يُؤْكَلَ منه. ولأنَّ فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ الزكاةِ، وإطْلاقُ أَرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرُّفِ فيها، والحاجَةُ إنَّما تَدْعُو إلى ذلك حين يَبْدُو الصَّلاحُ، وتَجِبُ الزكاةُ فيه (40).
فصل: وعلى الخارِصِ أن يَتْرُكَ في الخَرْصِ الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، تَوْسِعَةً على أربابِ الأمْوالِ؛ لأنَّهم يَحْتاجُونَ (48) إلى الأكْلِ هم وأضْيَافُهم، ويُطْعِمُونَ جِيرَانَهم وأهْلَهم وأصْدِقَاءَهم وسُؤَّالَهم. ويكونُ في الثَّمَرَةِ السُّقاطةُ (49)، ويَنْتَابُها الطَّيْرُ، وتَأْكُلُ منها (50) المارَّةُ، فلو اسْتَوْفَى الكُلَّ منهم أضَرَّ بهم. وبهذا قال إسحاقُ، ونحوَه قال اللَّيْثُ، وأبو عُبَيْدٍ. والمَرْجِعُ في تَقْدِيرِ المَتْرُوكِ إلى السَّاعِى بِاجْتِهادِه، فإن رَأى الأكَلَةَ كَثِيرًا تَرَكَ الثُّلُثَ، وإن كانوا قَلِيلًا تَرَكَ الرُّبُعَ؛ لما رَوَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقول: “إذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا ودَعُوا الثُّلُثَ، فإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ”. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرمِذِيُّ (51). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ (52)، بإسْنَادِهِ عن مَكْحُولٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا بَعَثَ الخُرَّاصَ قال: “خَفِّفُوا عَلَى النَّاسِ، فَإنَّ في الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والْوَاطِئَةَ والأكَلَةَ”. قال أبو عُبَيْدٍ: الوَاطِئَةُ: السَّابِلَةُ سُمُّوا بذلك لِوَطْئِهِم بِلادَ الثِّمَارِ مُجْتَازِينَ. والأكَلَةُ: أَرْبَابُ الثِّمَارِ وأهْلُوهم، ومَن لَصِقَ بهم. ومنه حَدِيثُ سَهْلٍ في مالِ سَعْدِ بن أبي سَعْدٍ، حين قال: لَوْلَا أَنِّي وَجَدْتُ فيه أرْبَعِينَ عَرِيشًا، لَخَرَصْتُه تِسْعَمائةِ وَسْقٍ، وكانت تلك العُرُشُ لِهؤلاءِ الأكَلَةِ (53). والعَرِيَّةُ: النَّخْلَةُ أو النَّخلَاتُ يَهَبُ إنْسَانًا ثَمَرَتَها. فجاءَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: “لَيْسَ فِي العَرَايَا صَدَقَةٌ” (54). ورَوَى ابْنُ المُنْذِرِ، عن عمَرَ، رضي الله عنه، أنَّه قال لِسَهْلِ بنِ أبي (55) حَثْمةَ: إذا أتَيْتَ على نَخْلٍ قد حَضَرَها (56) قَوْمٌ، فدَعْ لهم ما يَأْكُلُونَ (57). والحُكْمُ في العِنَبِ كالحُكْمِ في النَّخِيلِ سواءٌ، فإن لم يَتْرُكْ لهم الخارِصُ شيئا، فلهم الأكْلُ بقَدْرِ ذلك، ولا يُحْتَسَبُ عليهم به. نَصَّ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ لهم، فإن لم يُخْرِج الإمامُ خَارِصًا، فاحْتَاجَ رَبُّ المَالِ إلى التَّصَرُّفِ في الثَّمَرَةِ، فأخْرَجَ خَارِصًا، جازَ أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ ذلك. ذَكَرَهُ القاضي. وإن خَرَصَ هو وأخَذَ بِقَدْرِ ذلك، جازَ. ويَحْتَاطُ في أنْ لا يَأْخُذَ أكْثَرَ مِمَّا له أخْذُهُ.
فصل: ويُخْرَصُ النَّخْلُ والكَرْمُ؛ لما رَوَيْنَا من الأثَرِ فيهما، ولم يُسْمَعْ بِالخَرْصِ في غيرِهما، فلا يُخْرَصُ الزَّرْعُ [في سُنْبُلِه] (58). وبهذا قال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، ومَالِكٌ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بِالخَرْصِ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، لأنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ والكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا، فَيُخْرَصُ على أَهْلِه لِلتَّوْسِعَةِ عليهم، لِيُخَلِّيَ بينهم وبين أكْلِ الثَّمَرَةِ والتَّصَرُّفِ فيها، ثم يُؤَدُّونَ الزكاةَ منها على ما خُرِصَ، ولأنَّ ثَمَرَةَ الكَرْمِ والنَّخْلِ ظَاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فخَرْصُهَا أسْهَلُ من خَرْصِ (59) غيرِها، وما عَدَاهما فلا يُخْرَصُ، وإنَّما على أهْلِه فيه الأمَانَةُ إذا صَارَ مُصَفًّى يَابسًا، ولا بَأْسَ أن يَأْكُلُوا منه ما جَرَتِ العادَةُ بِأكْلِه، ولا يُحْتَسَبُ عليهم. [وقد سُئِلَ أحمدُ عَمَّا يَأْكُلُ] (60) أرْبَابُ الزُّرُوعِ من الفَرِيكِ؟ قال: لا بَأْسَ به أن يَأْكُلَ منه صَاحِبُه ما يَحْتَاجُ إليه. وذلك لأنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ به، فأشْبَه ما يَأْكُلُه أرْبابُ الثِّمَارِ من ثِمَارِهم، فإذا صُفِّيَ الحَبُّ أخْرَجَ زكاةَ المَوْجُودِ كُلِّه، ولم يُتْرَكْ منه شىءٌ؛ لأنَّه إنَّما تُرِكَ لهم في الثَّمَرَةِ شىءٌ لِكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلى أكْلِها رَطْبَةً، والعادَةُ جَارِيَةٌ به، وفي الزَّرْعِ إنَّما يُؤْكَلُ شيءٌ يَسِيرٌ، لا وَقْعَ له.
فصل: ولا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ولا غيرُ النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ حَبَّهُ مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِهِ، مَسْتُورٌ بِوَرَقِه، ولا حاجَةَ بأهْلِه إلى أكْلِه، بخِلافِ النَّخْلِ والكَرْمِ، فإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مُجْتَمِعَةٌ في عُذُوقِه، والعِنَبِ في عَنَاقِيدِه، فيُمْكِنُ أن يَأْتِيَ الخَرْصُ عليه، والحاجَةُ دَاعِيَةٌ إلى أكْلِهِما في حَالِ رُطُوبَتِهِما. وبهذا قال مَالِكٌ. وقال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ: يُخْرَصُ؛ لأنَّه ثَمَرٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فيُخْرَصُ كالرُّطَبِ والعِنَبِ. ولَنا، أنَّه لا نَصَّ في خَرْصِهِ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فيَبْقَى على الأصْلِ.
[المغني لابن قدامة 4/ 173]
جواب بالذكاء الاصطناعي وأكد صحة المعلومات أحد المهندسين الزراعيين من طرف صاحبنا أبي خليفة :
بالنسبة لخرص الزيتون، يعني تقدير كمية الزيتون على الشجرة، فهذا ممكن يُفعل لتقدير المحصول قبل جنيه. أما إذا كان الزيتون يختفي خلف أوراقه، فالزيتون فعلاً يمكن أن يكون مخفياً جزئياً بسبب كثافة الأوراق، لكن عادة يتمكن المزارعون من تقييم المحصول بطرقهم الخاصة.
بخصوص تشبيه الزيتون بالرطب في كونه يؤكل بكميات كبيرة من الشجرة أو يُهدى أو يُتصدق منه وهو على الشجرة، هذا ليس شائعاً. الزيتون عادة يُقطف ثم يُعالج قبل الأكل أو الاستخدام. أما بالنسبة لموعد القطف، فيعتمد على نضج الزيتون والغرض من استخدامه، فبعض الزيتون يُقطف أخضر للزيت أو للأكل، والبعض الآخر يُترك حتى ينضج تماماً. ما يُطلق عليه “الجداد الكامل” يمكن أن يشير إلى النضج الكامل للزيتون، وغالباً يُنتظر حتى يكون الزيتون مناسباً للجني
قال الإتيوبي:
والخرص: تقدير ما على النخل من الرُّطَب تمرًا، وما على الكرم من العنب زبيبًا؛ ليُعرَف مقدار عُشره، ثّم يُخلَّى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار.
وفائدته التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، وهو جائز عند الجمهور، خلافًا للحنفيّة؛ لإفضائه إلى الربا، وحملوا أحاديث الخرص على أنها كانت قبل تحريم الربا. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
ووقِع في بعض نسخ أبي داود “فَجَذُّو” -بالجيم، والذال المعجمة بصيغة الماضي-: أي فقَطَعُوا، وفي بعضها “فَجَدُّوا” -بالدّال المهملة-وهو القطع أيضًا، وعلى هاتين النسختين جزاء الشرط محذوف: أي إذا خَرَصتم، ثم قَطَع أرباب النخل ثمرها، فخذوا زكاة المخروص. وقيل: ” جُذُّوا” -بضمّ الجيم، بصيغة الأمر، وهو جزاء الشرط، ويكون أمرًا لأرباب النخل: أي إذا قدّر العامل الثمارَ، وعرفتم حقّ الفقراء، فاقطعوا ما شئتم، وهو أمر إباحة.
(وَدَعُوا) أي اتركوا (الثُّلُثَ) -بضمّ اللام، وسكونها- يحتمل أن يكون المراد: اتركوا ثلث الزكاة ليتصدّق به ربّ المال بنفسه على أقاربه، وجيرانه، فلا يَغرَم لهم من ماله شيئًا.
ويحتمل أن يكون المراد: اتركوا الثلث من نفس الثمرة، فلا يؤخذ عليه زكاة، رأفةً بأرباب الأموال، فإنه يكون منه الساقطة، والهالكة، وما يأكله الطير والناس، فلو أخذت الزكاة على جميع المال أضرّ بربّه. وكان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يأمر الخرّاص بذلك.
قال في “الفتح”: وقال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. وفَهِمَ أبو عُبيدة في “كتاب الأموال” أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال: يُترك قدرُ احتياجهم. وقال مالك، وسفيان: لا يُترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ. قال ابن العربي: والمتحصّل من صحيح النظر أن يُعمل بالحديث، وهو قدر المؤونة، ولقد جرّبناه، فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رُطَبًا انتهى.
وقال ابن قُدامة في “المغني”: على الخارص أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع؛ توسعةً على أرباب الأموال …. سبق نقله
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الخرص:
قال ابن رُشد: قال أبو حنيفة، وصاحباه: الخرص باطلٌ، وعلى ربّ المال أن يؤدّي عشر ما تحصّل بيده، زاد على الخرص، أو نقص منه.
واستدلّ الجمهور لمشروعيّة الخرص بالأحاديث المتقدّمة في المسألة الأولى.
وأجاب الحنفيّة عنها بوجوه:
(الأول): الكلام في أسانيدها. قال ابن العربيّ: ليس في الخرص حديث صحيح، إلا حديث أبي حميد الساعديّ عند الشيخين، ويليه ما روي في خرص ابن رواحة على أهل خيبر.
وتُعقّب بأن حديث سهل بن أبي حثمة صحيح، وحديث عتّاب حسنٌ، كما تقدّم البحث عنهما مستوفىً.
(الثاني): أنه منسوخ بنسخ الربا. قال الخطابيّ: قال بعض أصحاب الرأي إنما كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار.
وتعقبه في “المعالم ” (2/ 44) بأن تحريم الربا والقمار والميسر متقدّم، والخرص عُمل به في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا عن التابعين خلاف فيه، إلا عن الشعبيّ انتهى.
وقال الإمام ابن القيّم في “إعلام الموقّعين”: “المثال التاسع والعشرون” ردّ السنّة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة، والعرايا، وغيرها، إذا بدا صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص، ثم قال: فردّت هذه السنن كلها بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الآية [المائدة: 90]، قالوا: والخرص من القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار.
وهذا من أبطل الباطل، فإن الفرق بين القمار والميسر، والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمذكّى، وقد نزّه اللَّه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه عن تعاطي القمار، وعن شرعه، وإدخاله في الدين، ويا للَّه العجب أكان المسلمون يُقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمرّوا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة، وعصر التابعين على القمار، ولا يعرفون أنّ الخرص قمار حتى بيّنه بعض فقهاء الكوفة، هذا واللَّه الباطل حقًّا. انتهى كلام ابن القيم.
وقد ذكر صاحب “المرعاة” ما تعلّق به الحنفيّة في ردّ أدلّة الخرص كلها وناقشها كلّها، فأجاد، وأفاد، فراجعه في جـ 6 ص 151 – 154. تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيهان]:
(الأول): اختلف القائلون بالْخَرْص، هل يختصّ بالنخل، أو يُلحق به العنب، أو يعمّ كلّ ما ينتفع به رطبًا وجافًّا؟ وبالأول قال شُريح القاضي، وبعض أهل الظاهر. وبالثاني قال الجمهور. وإلى الثالث نحا البخاريّ.
قال الجامع: مذهب الجمهور عندي أرجح، لصحة الأدلّة به. واللَّه تعالى أعلم.
وهل يمضي قول الخارص، أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك، وطائفة. والثاني قول الشافعيّ، ومن تبعه.
قال الجامع: قول مالك عندي أظهر. واللَّه تعالى أعلم.
وهل يكفي خارصٌ واحد عارف ثقةٌ، أو لابدّ من اثنين؟ وهما قولان للشافعيّ، والجمهور على الأول.
قال الجامع: قول الجمهور هو الموافق ظاهر أحاديث الخرص. واللَّه تعالى أعلم.
واختُلف أيضًا، هل هو اعتبار، أو تضمينٌ؟ وهما قولان للشافعيّ، أظهرهما الثاني.
وفائدته جواز التصرّف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أُخذت منه الزكاة بحساب ما خُرص.. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
“إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب”.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 22/ 211]
——
ومن شرح سنن أبي داود للعباد :
*شرح حديث (إذا خرصتم فجذوا ودعوا الثلث)*
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الخرص]
قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للحرفة، وكذا قال يحيى القطان].
لعلها للخرفة، وأما الحرفة فمعناها هنا غير واضح، وفي القاموس: الخرفة هو ما يجنى من الرطب، والمخرف هو الزنبيل الذي يخرف به الثمر، فمعنى الخرفة ما يحتاج إليه الملاك من أجل أن يخترفوا من الثمرة..
*مشروعية الخرص وكيفيته*
قوله: [(فإن لم تدعوا أو تجذوا الثلث فدعوا الربع)] يعني: إذا لم تتركوا الثلث فاتركوا الربع، ففيه تخيير للخارص لينظر للمصلحة، إما أن يدع الثلث وإن لم يفعل فإنه يدع الربع.
والخرص تقدير وليس بيقيني، لكنه طريق إلى تحصيل المصلحة، وقد ثبت في السنة، وما دام أنه ثبتت به السنة عن رسول الله ﷺ كما في صحيح البخاري فلا كلام بعد ذلك؛ وفيه مصلحة وفائدة للمالك وللفقراء.
والواجب اختيار الخارصين المأمونين من أهل الخبرة، فيعرف الحاصل، وهل هو مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع، قال العلماء: فإن لم يرض المالك وادعى أن الخارص ظلمه فعليه البينة.
شرح سنن أبي داود للعباد ١٩٤/٧
فتاوى :
سُئل الشيخ ابن عثيمين عن خرص عروض التجارة إذا تعذر إحصاؤها أو شق على التاجر ، فأجاب :
” لا يجوز خرصها ؛ لأن الخرص لم يرد إلا في الثمار ، وألحق به بعض العلماء الزروع ، وأما الأموال فلا يمكن خرصها ؛ لأنها أنواع متعددة ، لكن على الإنسان أن يتحرى ما استطاع وأن يحتاط لنفسه ، فإذا قَدَّر أن البضاعة هذه تبلغ مئة وعشرين فليخرج عن مئة وعشرين إبراء لذمته ” انتهى .
“مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين” (18/232) .
——
فتوى للشيخ مقبل :
زكاة ثمر النخيل وبيان مسألة الخرص ؟
نص السؤال:
مسألة زكاة ثمر نخيل وبيان مسألة الخرص وهل وضع الثلث أو الربع صحيح ووارد ويعمل به أم لا نرجو البيان الشافي في هذه المسألة لحاجة البلاد لها ؟
نص الإجابة:
أمَّا هذه المسألة وهي مسألة الخرص ؛ فقد كان النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يرسل خراصيين – أي يحزرون ويقدرون الثمر – من أجل أن يؤخذ منه إن كان عثرياً العشر ، وإن كان بالمسنى نصف العشر ، فهذا واردٌ .
وقد كان النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في غزوة تبوك فمر بحديقة وقال : ” احزروها ” فخرصها النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ، وخرصها غيره ، فما رجعوا سألوا المرأة صاحبة البستان فقال : إنه وقع كما أخبر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ، فالخرص مشروع .
وأما حديث : دعوا لهم الربع أو الثلث ، فإنه حديث سهل بن أبي حثمة يرويه عنه عبدالرحمن بن مسعود بن نيار وهو مجهول الحال ، وجاء من حديث جابر عند ابن عبدالبر وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف ، وورد عن عمر بن الخطاب بنفسه بهذا المعنى ، فعلى هذا فقول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأن الحديث يصلح للحجية الحديث الأول وهو حديث سهل بن أبي حثمة في سنده عبدالرحمن بن مسعود بن نيار وهو مجول الحال ، وفي الحديث الثاني ابن لهيعة وهو يصلح في الشواهد والمتابعات ، ومجهول الحال أيضاً يصلح في الشواهد والمتابعات ، وجاء عن عمر موقوفاً ، بقي معنا ما المعنى : ” ودعوا لهم الثلث أو الربع ” معناه : يترك لصاحب البستان ما يأكل أولاده ، وأيضاً إذا بقي شيئ يترك له ما يتصدق به فإنه يأتيه فقراء وسائلون فيتصدق عليهم من ذاكم الثمر .
فعلم أن الحديث صالحٌ للحجية وأن معناه … لا غرابة فيه ولا شذوذ والله المستعان .
———–
من شريط : ( أسئلة أهل الريدة الشرقية بحضرموت ) – الشيخ مقبل الوادعي
* – قال عبد الله البسام (ت ١٤٢٣) في توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣/٣٤٩:
* ما يؤخذ من الحديثين:
– ويدلان على أنه يكفي لمعرفة قدر الثمرة والحب خَرْصُه وتقدير ما يحصل
منه؛ إذ في جذاذه وحصاده وتقدير ذلك بالمكيال الشرعي مشقة كبيرة، فاكتفى بتقديره وخرصه.
فتقوى الله تعالى وتكاليفه الشرعية تكون بقدر الاستطاعة والقدرة.
والقاعدة الشرعية أنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، أو تعسر، اكتفى بغلبة الظن وأمثلته في الشرع كثيرة..
– قال شيخ الإسلام: إن الحديث -حديث سهل- جار على قواعد الشريعة ومحاسنها، موافق لقوله ﷺ: «ليس في الخضراوات صدقة» [رواه الترمذي (٦٣٨)]، لأنه قد جرت العادة أنه لابد لرب المال بعد كمال الصلاح أن يأكل هو وعياله، ويطعم الناس ما لا يدخر ولا يبقى مما جرى العرف بإطعامه وأكله، بمنزلة الخضراوات التي لا تدخر. يوضح ذلك بأن هذا العرف الجاري بمنزلة ما لا يمكن تركه، فإنه لابد للنفس من الأكل من الثمار الرطبة، ولابد أن يشاركه في هذه الثمار الرطبة من قريب وجار وقائم على صلاح الثمرة.
٥ – قوله: «دعوا الثلث أو الربع» فيه الأخذ بمراعاة الأحوال، من أنه يجب في وقت ما لا يجب في وقت غيره، ويجب على شخص ما لا يجب على الشخص الآخر، وهذا ومثله راجع إلى مراعاة المصالح والأحوال.
– تقدم في الحديث رقم (٥٠٧) حصر ما تؤخذ منه الزكاة في أربعة: “الشعير،
والحنطة، والزبيب، والتمر«؛ بمعنى: أنَّ الزكاة لا تجب إلاَّ في هذه الأربعة. ولكن هل هذا الحصر هو حصر عين، بمعنى أنَّها لا تجب إلاَّ في هذه الأربعة الأصناف فقط، أم أنَّه حصر وصف، بمعنى أنَّه فيها، وفيما يماثلها من الحبوب والثمار؟
قد تقدم خلاف العلماء أنَّ الراجح أنَّ هذا حصر وصف، وأنَّها تجب في كل الحبوب والثمار المدخرة، وهو مذهب جمهور العلماء على اختلاف بينهم؛ فيما يدخل، وما يخرج من هذه الأصناف الموصوفة، وقد اعتمدوا في هذا العموم على آثار من الصحابة رضي الله عنهم كما اعتمدوا في حصرها بالمعشّرات المدخرات على التعليل، وقالوا: إنَّ غير المدخر لم تكمل فيه النعمة، فلا تجب الزكاة فيه، ويستدلون بقول معاذة»فأما الفثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ[رواه الدراقطني (٢/ ٩٧) والحاكم (١/ ١٤٥)].
وقد أخذ بحصر العين جماعة من السلف، منهم الحسن والثوري والشعبي، فحصروا ما تؤخذ منه الزكاة في الأصناف الأربعة في الحديث.
قال في «سبل السلام»: قال في «المنار»: إنَّ ما عدا الأربعة محل احتياط أخذًا وتركًا، والأصل حرمة مال المسلم، كما أنَّ الأصل براءة الذمة، وهذان الأصلان لم يدفعهما دليل يقاومهما.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن جباية الزكاة:
قال مجلس هيئة كبار العلماء في قرار رقم: (١٣٣)، وتاريخ ١٧/ ٦/ ١٤٠٦ هـ ما خلاصته:
أولًا: فرض جباية الأموال الظاهرة مظهر شرعي، درج عليه المسلمون منذ عهد النبي ﷺ، وخلفائه الراشدين إلى يومنا؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فينبغي للدولة الاستمرار في
القيام به، وإيصال كل ذي حق حقه.
ثانيًا: إبقاء الأمر على ما هو عليه من تشكيل لجان خَرْص الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة، وجباية زكاتها وتوزيعها.
ثالثًا: لا مانع من الاكتفاء بلجان محلية، تتولى خَرْص وجباية وتوزيع الزكاة.
رابعًا: أما أخذ الزكاة نقدًا، فالأصل أن تدفع الزكاة من عين المال، حسبما جاءت به النصوص، كما يقرر المجلس بالأكثرية جواز دفع القيمة عن الزكاة إذا شقَّ على المالك إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرة في ذلك.
* فوائد:
الأولى: يحرم على المزكي شراء زكاته أو صدقته، ولا يصح ذلك بأن يشتريها بعد دفعها، ولو من غير من أخذها منه؛ لحديث عمر: «حملت على فرس في سبيل الله، وأردت أن أشتريه، فقال النبي ﷺ: لا تشتره، ولا تعُد في صدقتك؛ فإنَّ العائد في صدقته كالعائد في قيئه» [رواه البخاري (١٤١٩) ومسلم (١٦٢٠)].
الثانية: يُزكى كل نوع من الثمار والحبوب على حدته، فمن التمر يخرج -مثلًا- عن السكري منه، وعن البرني منه، وعن الشقر منه، وهكذا.
ويخرج عن الحنطة منها، وعن اللقيمي منه، وهكذا.
وإن أخرج الوسط من نوع واحد، كفاه ذلك.
وقد اختار الموفق وغيره: أنَّه يجمع ويخرج من الوسط بين الأعلى والأدنى؛ لأنَّ كل شيء على حدته يشق، وقد رفعت المشقة والحرج شرعًا، وإن أخرج من الأعلى فهو أكمل وأفضل، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الثالثة: تجب الزكاة في الثمار إذا بدا صلاحها وظهر نضجها، وتجب في الحب إذا اشتد حبه في سنبله، ولكنه لا يستقر الوجوب إلاَّ بجعلها في بيادرها، وهو المكان المعد لتشميسها وتجفيفها، والبيادر هي الجرن، وبناء عليه فإنَّه لو قطعها، أو جزَّها، أو باعها، أو تلفت بغير تعدٍّ منه قبل وضعها في البيدر -سقطت عنه الزكاة، إن لم يقصد بالبيع والقطع الفرار من الزكاة، وذلك لزوال ملكه عنها قبل الاستقرار، وإن كان ذلك بعد وضعها في البيدر لم تسقط؛ لاستقرارها بذلك، فالزكاة وإن وجبت في المال، إلاَّ أنَّ لها تعلقًا في الذمة.
الرابعة: قال شيخ الإسلام: العنب الذي لا يصير زبيبًا إذا أخرج عنه زبيبًا بقدر عُشره لو صار زبيبًا جاز وأجزأ بلا ريب، وأما العنب الذي يصير زبيبًا لكنه قطعه قبل أن يصير زبيبًا، فهنا يخرج زبيبًا بلا ريب، فإن أخرج العُشْر عنبًا فقولان في مذهب أحمد:
أحدهما: لا يجزئه، وهو المشهور من المذهب.
الثاني: يجزئه، وهذا قول أكثر العلماء، وهو أظهر.
أما الشيخ عبد الله بن محمَّد فيقول: ما أكله أهل العنب رطبًا لا زكاة فيه، وأما الباقي فإن بلغ نصابًا وجبت فيه الزكاة.
الخامسة: روى الإمام أبو داود (٣٤١٠) عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يبعث عبد الله بن رَوَاحَةَ يخرص نخيل خيبر، حين يبدو صلاحه، وقبل أن يؤكل منه» وله شواهد تدل على مشروعية بعث الإمام خارصًا وقت بدو صلاح الثمر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وجماهير أهل العلم.
وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال.
قال ابن القيم: الصحيح الاكتفاء بخارص واحد، كالمؤذن، والمخبِر عن القِبلة ونحوه.
قال الأصحاب: ويشترط أن يكون عالمًا بالخرص، عدلًا، ويجب أن يترك من الخرص الثلاث أو الربع؛ لحديث: «إذا خرصتم، فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع» [رواه أحمد وغيره]، وترك هذا القدر توسعة للمالك، أختاره الشيخ وغيره.
السادسة: قال شيخ الإسلام: أوجب الإمام أحمد الزكاة في العسل؛ لِما فيه من الآثار التي جمعها، وإن كان غيره لم تبلغه إلاَّ من طريق ضعيف.
***
راجع لتفصيل المسائل – جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
خَرْصٌ