637 – فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، وعبد الله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
637 – قال الإمام أحمد رحمه الله (2838): حدثنا روح حدثنا حبيب بن شهاب العنبري قال سمعت أبي يقول: أتيت ابن عباس أنا وصاحب لي فلقينا أبا هريرة عند باب ابن عباس فقال من أنتما فأخبرناه فقال انطلقا إلى ناس على تمر وماء إنما يسيل كل واد بقدره قال قلنا كثر خيرك استأذن لنا على ابن عباس قال فاستأذن لنا فسمعنا ابن عباس يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: خطب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم تبوك فقال «ما في الناس مثل رجل أخذ بعنان فرسه فيجاهد في سبيل الله ويجتنب شرور الناس ومثل رجل باد في غنمه يقري ضيفه ويؤدي حقه» قال قلت أقالها قال قالها قال قلت أقالها قال قالها قال قلت أقالها قال قالها فكبرت الله وحمدت الله وشكرت.
هذا حديث صحيحٌ. وحبيب بن شهاب وأبوه ترجمتهما في “تعجيل المنفعة”، وثَّق حبيبًا ابن معين، ووثَّق أباه شهابًا وهو ابن مدلج العنبري أبو زرعة.
* قال الإمام أحمد رحمه الله (1987): حدثنا يحيى عن حبيب بن [ص: 534] شهاب حدثني أبي قال سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم خطب الناس بتبوك «ما في الناس مثل رجل آخذ برأس فرسه يجاهد في سبيل الله عز وجل ويجتنب شرور الناس ومثل آخر باد في نعمه يقري ضيفه ويعطي حقه».
هذا حديث صحيحٌ. وحبيب بن شهاب ترجمته في “تعجيل المنفعة”، ووثَّقه ابن معين، وقال أحمد: لا بأس به، ووثَّقه النسائي، وأبوه شهاب أيضًا ترجمته في “تعجيل المنفعة”، ووثَّقه أبو زرعة.
……………………………..
قال محققو المسند 2837:
إسناده صحيح.
وأخرجه الحاكم 2/ 67 من طريق أحمد بن حنبل، بهذا الإسناد. وصحح إسناده ووافقه الذهبي.
وأخرجه الحاكم أيضاً 2/ 67 من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن روح، به. وانظر (1987).
[مسند أحمد 5/ 40 ط الرسالة]
قال الألباني في الصحيحة 2259:
قلت: وهذا إسناد صحيح: روح هو ابن عبادة، وهو ثقة من رجال الشيخين.
وحبيب بن شهاب العنبري ثقة بلا خلاف، وهو مترجم في ” تعجيل المنفعة ” وأبوه
شهاب، وثقه ابن حبان (4 / 363) وأبو زرعة كما في ” الجرح والتعديل “.
وقد تابعه القلوص بنت عليبة: سمعت شهاب بن مدلج حدثنا أبو هريرة أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ” خير الناس رجل تنحى عن شرور الناس “. اهـ
بوب عليع مقبل في الجامع:
1 – فضل الجهاد في سبيل الله
58 – اقتناء الخيل وإكرامها
108 – الشِّعْر
تنبيه : كذا بوب ( الشِّعْر ) طبعة تطبيق التراث وهي طبعة دار الآثار ، وفي طبعتي دار الحرمين تاريخ الطبعة 1416 رقم هذا التبويب 103 أيضا ، وقد ذكر أحاديث فيها ذكر شعر ، لكن هذا الحديث وأحاديث أخرى ذكرها ليس فيها شعر فربما سقط تبويب أو أنها طبعت خطأ
وقد ذُكر في نسخة موقع تراث طبعة دار الآثار ، أن هناك عدة أحاديث لا تندرج تحت باب الشعر (تقريبا ٧ أو ٨ أحاديث)
فلعل تبويبا باسم الأمثال ساقط ، فكل الأحاديث الآتية من باب الأمثال انتهى من حاشية الطبعة
سبب الفارق في العدد بين الطبعتين :
قالوا في طبعة دار الآثار تاريخ الطبع 1434 بزيادة 80 حديثا على الطبعة السابقة ، والتنبيه على الأحاديث التي تراجع عنها الشيخ مقبل
جاء عند ابن ماجه من حديث أبي هريرة بمعنى حديث ابن عباس
ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ «ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻗﺎﻝ ﺧﻴﺮ ﻣﻌﺎﻳﺶ اﻟﻨﺎﺱ ﻟﻬﻢ ﺭﺟﻞ ﻣﻤﺴﻚ ﺑﻋﻨﺎﻥ ﻓﺮﺳﻪ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﻄﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺘﻨﻪ ﻛﻠﻤﺎ ﺳﻤﻊ ﻫﻴﻌﺔ ﺃﻭ ﻓﺰﻋﺔ ﻃﺎﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻳﺒﺘﻐﻲ اﻟﻤﻮﺕ ﺃﻭ اﻟﻘﺘﻞ ﻣﻈﺎﻧﻪ ﻭﺭﺟﻞ ﻓﻲ ﻏﻨﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﺭﺃﺱ ﺷﻌﻔﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ اﻟﺸﻌﺎﻑ ﺃﻭ ﺑﻄﻦ ﻭاﺩ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ اﻷﻭﺩﻳﺔ ﻳﻘﻴﻢ اﻟﺼﻼﺓ ﻭﻳﺆﺗﻲ اﻟﺰﻛﺎﺓ ﻭﻳﻌﺒﺪ ﺭﺑﻪ ﺣﺘﻰ ﻳﺄﺗﻴﻪ اﻟﻴﻘﻴﻦ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺧﻴﺮ» وبوب عليه ابن ماجه : باب العزلة .
وفي صحيح مسلم من حديث عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير»،
ﻗﺎﻝ اﻟﻨﻮﻭﻱ ﻓﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺩﻟﻴﻞ ﻟﻤﻦ ﻗﺎﻝ ﺑﺘﻔﻀﻴﻞ اﻟﻌﺰﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻠﻄﺔ ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺧﻼﻑ ﻣﺸﻬﻮﺭ ﻓﻤﺬﻫﺐ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻭﺃﻛﺜﺮ اﻟﻌﻠﻤﺎء ﺃﻥ اﻻﺧﺘﻼﻁ ﺃﻓﻀﻞ ﺑﺸﺮﻁ ﺭﺟﺎء اﻟﺴﻼﻣﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﺘﻦ ﻭﻣﺬﻫﺐ ﻃﻮاﺋﻒ ﻣﻦ اﻟﺰﻫﺎﺩ ﺃﻥ اﻻﻋﺘﺰاﻝ ﺃﻓﻀﻞ ﻭاﺳﺘﺪﻟﻮا ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺃﺟﺎﺏ اﻟﺠﻤﻬﻮﺭ ﺑﺄﻧﻪ ﻣﺤﻤﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺯﻣﺎﻥ اﻟﻔﺘﻦ ﻭاﻟﺤﺮﻭﺏ ﺃﻭ ﻓﻴﻤﻦ ﻻ ﻳﺴﻠﻢ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﻨﻪ ﻭﻻ ﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﺫاﻫﻢ
ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻧﺖ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﺻﻠﻮاﺕ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﺟﻤﺎﻫﻴﺮ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭاﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﻭاﻟﻌﻠﻤﺎء ﻭاﻟﺰﻫﺎﺩ ﻣﺨﺘﻠﻄﻴﻦ ﻭﻳﺤﺼﻠﻮﻥ ﻣﻨﺎﻓﻊ اﻻﺧﺘﻼﻁ ﺑﺸﻬﻮﺩ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭاﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻭاﻟﺠﻨﺎﺋﺰ ﻭﻋﻴﺎﺩﺓ اﻟﻤﺮﻳﺾ ﻭﺣﻠﻖ اﻟﺬﻛﺮ ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ اﻧﺘﻬﻰ
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ﻓﻔﻴﻪ ﺃﻳﻀﺎ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﻌﺰﻟﺔ ﺧﻴﺮ ﻓﻴﻜﻮﻥ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻤﺴﻜﺎ ﺑﻋﻨﺎﻥ ﻓﺮﺳﻪ، ﻳﻄﻴﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻠﻤﺎ ﺳﻤﻊ ﻫﻴﻌﺔ، ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﺑﻌﻴﺪ ﻋﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﻤﻲ ﺛﻐﻮﺭ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻣﻬﺘﻢ ﺑﺄﻣﻮﺭ اﻟﺠﻬﺎﺩ ﻣﻨﻌﺰﻝ ﻋﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﻟﻜﻨﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺗﻢ اﺳﺘﻌﺪاﺩ ﻟﻠﻨﻔﻮﺭ ﻭاﻟﺠﻬﺎﺩ ﻛﻠﻤﺎ ﺳﻤﻊ ﻫﻴﻌﺔ ﺭﻛﺐ ﻓﺮﺳﻪ ﻓﻄﺎﺭ ﺑﻪ، ﺃﻱ ﻣﺸﻰ ﻣﺸﻴﺎ ﻣﺴﺮﻋﺎ.
ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﻣﻦ اﻷﻭﺩﻳﺔ ﻭاﻟﺸﻌﺎﺏ ﻣﻨﻌﺰﻻ ﻋﻦ اﻟﻨﺎﺱ، ﻳﻌﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ، ﻟﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺧﻴﺮ، ﻓﻬﺬا ﻓﻴﻪ ﺧﻴﺮ.
ﻭﻟﻜﻨﻨﺎ ﺳﺒﻖ ﺃﻥ ﻗﻠﻨﺎ: ﺇﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﻨﺼﻮﺹ ﺗﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻓﻲ اﻻﺧﺘﻼﻁ ﻓﺘﻨﺔ ﻭﺷﺮ، ﻭﺃﻣﺎ ﺇﺫا ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻴﻪ ﻓﺘﻨﺔ ﻭﺷﺮ؛ ﻓﺈﻥ اﻟﻤﺆﻣﻦ اﻟﺬﻱ ﻳﺨﺎﻟﻂ اﻟﻨﺎﺱ ﻭﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ أﺫاﻫﻢ، ﺧﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﺆﻣﻦ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺨﺎﻟﻄﻬﻢ ﻭﻻ ﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﺫاﻫﻢ. شرح رياض الصالحين
( عنان الفرس ) بكسر العين ، هو سير اللجام.
انظر : الفتح (١/١٦٠) والنهاية في غريب الحديث
قال ابن الجوزي : فصل: العزلة إنما هي للعَالِم والزاهد
٨٧٣- ما أعرف نفعًا كالعزلة عن الخلق، خصوصًا للعالم والزاهد؛ فإنك لا تكاد ترى إلا شامتًا بنكبةٍ، أو حسودًا على نعمة، أو من يأخذ عليك غلطاتك!
فيا للعزلة! ما ألذها! سلمت من كدر غيبة، وآفات تصنع، وأحوال المداجاة١، وتضييع الوقت، ثم خلا فيها القلب بالفكر؛ لأنه مستلذ عنه بالمخالطة، فدبر أمر دنياه وآخرته، فمثله كمثل الحمية، يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها…
أما العالم، فعلمه مؤنسه، وكتبه محدثه، والنظر في سير السلف مقومه، والتفكير في حوادث الزمان السابق فرجته، فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه، وتشبث بأذيال محبته: تضاعفت لذاته، واشتغل بها عن الأكوان وما فيها، فخلا بحبيبه، وعمل معه بمقتضى علمه.
وكذلك الزاهد، تعبده أنيسه، ومعبوده جليسه، فإن كشف لبصره عن المعمول معه، غاب عن الخلق، وغابوا عنه؛ إنما اعتزلا ما يؤذي، فهما في الوحدة بين جماعةٍ.
فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق، وسلم الخلق من شرورهما؛ بل هما قدوة للمتعبدين، وعلم للسالكين، ينتفع بكلامهما السامع، وتجري موعظتهما المدامع، وتنشر هيبتهما في المجامع؛ فمن أراد أن يتشبه بأحدهما، فليصابر الخلوة، وإن كرهها، ليثمر له الصبر العسل.
” صيد الخاطر” ص٢٧٦
قال الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله في شرح رياض الصالحين: “فهذا الباب فيما يتعلق بالعزلة واعتزال الشرّ وأهله، فالعزلة مستحبّة عند فساد آخر الزمان، وتغيّر الأحوال، وخوف الإنسان على نفسه من الفتن، فتُستحب له العزلة في شعبٍ من الشِّعاب، أو في قريةٍ من القرى؛ ليسلم من شرِّ الفتن، قال الله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فالفرار إلى الله: الفرار إلى أسباب النّجاة وإلى أسباب السلامة؛ ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم : إنَّ الله يُحبُّ العبدَ التَّقيَّ، الغنيَّ، الخفيَّ الذي لا يطلب الشهرة، ولا يطلب الرياء بين الناس، إنما تهمّه سلامة دينه، وهكذا ينبغي للمؤمن.
وفي الحديث الآخر يقول صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمنٌ مُجاهدٌ في سبيل الله، قيل: ثم مَن؟ قال: مؤمن في شعبٍ من الشِّعاب يعبد الله ويدع الناس من شرِّه، وفي اللفظ الآخر: يُوشِك أن يكون خيرَ مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يَفِرُّ بدينه من الفتن.
فالسنة المخالطة للناس، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هكذا السنة كما في الحديث الآخر الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم : المؤمن الذي يُخالط الناسَ ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يُخالط الناسَ، ولا يصبر على أذاهم، فالذي يُخالطهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُعلِّمهم ويُوجِّههم إلى الخير هذا أفضل؛ لكن عند تعذّر هذا، وتغيّر الأحوال، وكونه يخشى على دينه؛ لأنهم لا يقبلون منه، فحينئذٍ تكون العُزلة خيرًا له، وأفضل له، وذلك إذا كان الاختلاطُ لا يُفيد ولا ينفع بل يضرّ، وإلا فالاختلاط أولى، يدعوهم إلى الله، ويُعلّم، ويُرشد، وينصح، هذا هو المطلوب، لكن عند تغيّر الأحوال والخوف على دينه إذا اعتزل في شعبٍ من الشِّعاب أو في قريةٍ من القرى فلا بأس؛ لطلب السلامة في دينه، والخوف من أن يقع في مشاكل.”. انتهى.
—
فضل الجهاد :
قال ابن بطال في شرح حجيث ابن مسعود :
قال الطبرى: معنى حديث ابن مسعود أن الصلاة المفروضة وبر الوالدين والجهاد فى سبيل الله أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة، حتى خرج وقتها لغير عذر فقدرته مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها من أمر الدين والإسلام أشد تضيعاَ، وبه أشد تهاوناَ واستخفافاَ، وكذلك من ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع عظيم حقهما عليه بتربيتهما إياه، وتقطعهما عليه، ورفقهما به صغيرًا وإحسانهما إليه كثيراَ، وخالف أمر الله ووصيته إياه فيهما، فهو لغير ذلك من حقوق الله أشد تضييعًا، وكذلك من ترك جهاد أعداء الله، وخالف أمره فى قتالهم مع كفرهم بالله ومناصبتهم أنبياءه وأولياءه للحرب، فهو لجهاد من دونهم من فساق أهل التوحيد ومحاربة من سواهم من أهل الزيغ والنفاق أشد تركًا، فهذه الأمور الثلاثه تجمع المحافظة عليهن الدلالة لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن، ويجمع تضييعهن الدلالة على تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام فلذلك خصهن صلى الله عليه وسلم بأنهن أفضل الأعمال. قال المهلب: وأما الهجرة فكانت فرضا فى أول الإسلام على من أسلم، لقلتهم وحاجتهم إلى الاجتماع والتأليف، فلما فتح الله مكة دخل الناس فى دين الله أفواجا سقط فرض الهجرة، وبقى فرض الجهاد والنية على من قام به أو أنزل به عدو، والله جعل الحج أفضل للنساء من الجهاد لقلة غنائهن فى الجهاد، وفى حديث أبى هريرة أن المجاهد على كل أحواله يكتب له ما يكتب للمتعبد فالجهاد أفضل من التنفل بالصلاة والصيام.
… وفى قوله تعالى: (فيقتلون ويقتلون (دليل على أن القاتل والمقتول فى سبيل الله جميعا فى الجنة. وقال بعض الصحابة: (ما أبالى قتلت فى سبيل الله أو قتلت) وتلا هذه الآية وهذا يرد على الشعبى أن الغالب فى سبيل الله أعظم أجرًا من المقتول.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 5/ 6]
قال ابن عبدالبر:
(1 - باب الترغيب في الجهاد)
925 – ذكر فيه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع))
926 – وعن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة))
قال أبو عمر الحديث الأول من حديثي مالك المذكورين
هذا من أجل حديث روي في فضل الجهاد لأنه مثل بالصلاة والصيام وهما أفضل الأعمال وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعة فأي شيء أفضل من شيء يكون صاحبه راكبا وماشيا وراقدا ومتلذذا بكثير – ما أبيح له – من حديث رفيقه وأكله وشربه وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم المجتهد
ولذلك قلنا إن الفضائل لا تدرك بقياس وإنما هو تفضل من الله عز وجل
قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) الصف 10 11 الآيات إلى قوله تعالى (وبشر المؤمنين) الصف 13…
[الاستذكار 5/ 3]
الجهاد من أفضل الأعمال بعد الفرائض: كثير من الأئمة صرَّحوا بأن أفضل الأعمال بعد الفرائض طلبُ العلم. وأما الإمامُ أحمد فحُكي عنه ثلاث روايات: إحداهن: أنه العلم, والرواية الثانية: صلاة التطوع, والرواية الثالثة: أنه الجهاد. [كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين]
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” لا يلزم من كون الشهيد أعظم أجرا من طالب العلم في نيل الشهادة إذا قتل في سبيل الله عز وجل ، لا يلزم منه الفضل المطلق .
وهذه المسألة أشار إليها العلامة ابن القيم في ( النونية ) وهي: أن الإنسان إذا تميز بخصيصة لا يلزم منه أن يكون أفضل على الإطلاق .
فالشهيد وإن تميز بالشهادة في سبيل الله عز وجل ، لكن يكون على يد طالب العلم والعلماء من مصلحة الأمة ونشر الدعوة ما لا يكون في ديوان الشهيد.
أرأيتم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ماذا نفعه للأمة ؟ ” انتهى من “مجموع فتاوى ورسائل العثيمين” (25/ 306-307) .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” لا شك أن طلب العلم الشرعي من أفضل الأعمال الصالحة ، بل هو معادلٌ للجهاد في سبيل الله ، كما قال الله تبارك وتعالى : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة/122 ، فبين الله عز وجل أن المؤمنين لا يمكن أن ينفروا جميعاً للجهاد في سبيل الله ؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعطل المنافع الأخرى التي لا بد للإسلام من القيام بها .
فطلب العلم الشرعي لا شك أنه معادل للجهاد في سبيل الله .
واختلف العلماء أيهما أفضل: العلم أو الجهاد ؟ ولا شك أن منفعة العلم أعم من منفعة الجهاد ؛ لأن منفعة الجهاد إذا تحققت فإنما هي في جزءٍ معين من الأرض، لكن العلم ينتفع به كل الناس ، فالعلم من حيث المنفعة هو أفضل من الجهاد ، لكن مع ذلك قد نقول لبعض الناس : الجهاد في حقهم أفضل ، ونقول لآخرين: العلم في حقهم أفضل ، ويظهر هذا بالمثال : فإذا كان هناك رجل شجاع قوي عالمٌ بأساليب الحرب ، ولكنه في طلب العلم رديء الحفظ صعب عليه والفهم قليل ، فهذا نقول: الجهاد في حقه أفضل لأنه أنفع .
وآخر ليس بذاك في الشجاعة ، ومعرفة أساليب الحرب، لكنه قوي في الحفظ ، قوي في الفهم ، قوي في الحجة ، قوي في الإقناع ، فهذا نقول: طلب العلم في حقه أفضل .
إذاً الخطوط التي نفهمها الآن :
– طلب العلم معادل للجهاد في سبيل الله .
– أيهما أفضل؟ يختلف هذا باختلاف الناس ، فبعض الناس نقول له : الجهاد في حقك أفضل ، وبعض الناس نقول له : العلم في حقك أفضل ، حسب ما يقتضيه الحال ” انتهى من “لقاء الباب المفتوح” (164/ 2) بترقيم الشاملة .
قال الشيخ عبد العزيز الراجحي : أيهما أفضل الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم ؟
الجواب: طلب العلم أفضل من الجهاد، وهذا التفضيل تفضيل مطلق؛ ليس بالنسبة للأشخاص؛ وذلك لأن العلم يحتاج إليه كل أحد، الذكر والأنثى، والحر والعبد، والتاجر والفقير والغني، أما الجهاد فهو ناحية من نواحي الدين، أما الأشخاص فقد يكون الجهاد أفضل من طلب العلم في حق القوي الشجاع، لكنه ضعيف الفهم ضعيف الحفظ ، أما قوي الحفظ والفهم ، ولكنه ضعيف الجسم فطلب العلم في حقه أفضل، وقل مثل ذلك في المفاضلة بين الجهاد والحج وبر الوالدين؛ يختلف الأفضل بحسب الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وعلى ذلك وردت أجوبة النبي ﷺ المتعددة لما سئل أي العمل أفضل؟ فأجاب بعضهم بالجهاد ، وآخر ببر الوالدين ، وثالث بالحج .
تقييد الشوارد 10